بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
باب صفات الشيعة، وأصنافهم وذم الاغترار، والحث على العمل والتقوى
ج ۶۵، ص ۱۴۸–۱۷۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
* ((باب)) * * " (صفات الشيعة، وأصنافهم) " * * " (وذم الاغترار، والحث على العمل والتقوى) " * 1 - ب: عن هارون، عن ابن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: امتحنوا شيعتنا عند مواقيت الصلوات كيف محافظتهم عليها؟ وإلى أسرارنا كيف خفظهم لها عند عدونا؟ وإلى أموالهم كيف مواساتهم لإخوانهم فيها؟.
2 - الخصال عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعري، عن محمد بن عيسى، عن أبي محمد الأنصاري، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا أبا المقدام إنما شيعة علي عليه السلام الشاحبون الناحلون الذابلون، ذابلة شفاههم، خميصة بطونهم، متغيرة ألوانهم مصفرة وجوههم، إذا جنهم الليل اتخذوا الأرض فراشا، واستقبلوا الأرض بجباههم، كثير سجودهم
كثيرة دموعهم، كثير دعاؤهم، كثير بكاؤهم، يفرح الناس وهم محزنون.
فلاح السائل: باسناده عن سعد، عن محمد بن عيسى مثله.
بيان: " اتخذوا الأرض فراشا " أي يسجدون على الأرض بدلا من النوم على الفراش أو ينامون على الأرض بدون فرش " واستقبلوا الأرض بجباههم " للسجود.
3 - عيون أخبار الرضا (ع): عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، عن منصور بن عبد الله الأصفهاني، عن علي بن عبد الله الإسكندراني، عن أحمد بن علي بن مهدي الرقي عن أبيه، عن علي بن موسى الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي طوبى لمن أحبك وصدق بك وويل لمن أبغضك وكذب بك، محبوك معروفون في السماء السابعة، والأرض السابعة السفلى وما بين ذلك هم أهل الدين والورع والسمت الحسن، والتواضع لله عز وجل خاشعة أبصارهم وجلة قلوبهم لذكر الله عز وجل، وقد عرفوا حق ولايتك، وألسنتهم ناطقة بفضلك وأعينهم ساكبة تحننا عليك وعلى الأئمة من ولدك يدينون الله بما أمرهم به في كتابه وجاءهم به البرهان من سنة نبيه عاملون بما يأمرهم به أولوا لأمر منهم، متواصلون غير متقاطعين، متحابون غير متباغضين، إن الملائكة لتصلي عليهم، وتؤمن على دعائهم، وتستغفر للمذنب منهم، وتشهد حضرته وتستوحش لفقده إلى يوم القيامة.
بيان: في النهاية السمت الهيئة الحسنة، ومنه فينظرون إلى سمته وهديه:
أي حسن هيئته ومنظره في الدين، وفلان حسن السمت أي حسن القصد، وفي القاموس الحنين الشوق وشدة البكاء والطرب أو صوت الطرب، عن حزن أو فرح وتحنن ترحم، وقال: الدين بالكسر الجزاء والعبادة والطاعة والذل واسم لجميع ما يتعبد الله عز وجل به ودنته أدينه خدمته وأحسنت إليه، ودان يدين ذل وأطاع.
4 - الإرشاد، أمالي الطوسي: روي أن أمير المؤمنين عليه السلام خرج ذات ليلة من المسجد، و كانت ليلة قمراء فأم الجبانة، ولحقه جماعة يقفون أثره، فوقف عليهم ثم قال:
من أنتم؟ قالوا: شيعتك يا أمير المؤمنين؟ فتفرس في وجوههم ثم قال: فما لي لا أرى عليكم سيماء الشيعة؟ قالوا: وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين؟ فقال: صفر الوجوه من السهر، عمش العيون من البكاء، حدب الظهور من القيام، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، عليهم غبرة الخاشعين.
صفات الشيعة: للصدوق، عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت عن أحمد بن محمد رفعه، عن السندي بن محمد مثله.
5 - ومنه: عن ابن المتوكل، عن الحميري رفعه إلى ابن نباته قال: خرج علي عليه السلام ذات يوم ونحن مجتمعون، فقال: من أنتم؟ وما اجتماعكم؟ فقلنا:
قوم من شيعتك يا أمير المؤمنين، فقال: مالي لا أرى سيماء الشيعة عليكم؟ فقلنا: و ما سيماء الشيعة؟ فقال: صفر الوجوه من صلاة الليل، عمش العيون من مخافة الله ذبل الشفاه من الصيام، عليهم غبرة الخاشعين.
ايضاح: الحدب بالضم جمع الأحدب. والحدب محركة خروج الظهر ودخول الصدر والبطن، " عليهم عبرة الخاشعين " في بعض النسخ بالعين المهملة أي بكاؤهم وفي بعضها بالمعجمة أي ذلهم وشعثهم، واغبرارهم، وفي القاموس الغبراء من السنين الجدبة، وبنو غبراء الفقراء، والمغبرة قوم يغبرون بذكر الله أي يهللون و يرددون الصوت بالقراءة وغيرها، سموا بها لأنهم يرغبون الناس في الغابرة أي الباقية وفي النهاية في غبراء الناس بالمد أي فقرائهم، ومنه قيل للمحاويج بنو غبراء كأنهم نسبوا إلى الأرض والتراب.
6 - أمالي الطوسي: عن الغضائري، عن الصدوق، عن المكتب، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن جعفر بن عثمان الأحول، عن سليمان بن مهران قال: دخلت على الصادق جعفر بن محمد عليه السلام وعنده نفر من الشيعة وهو يقول:
معاشر الشيعة كونوا لنا زينا ولا تكونوا علينا شينا، قولوا للناس حسنا، واحفظوا
ألسنتكم، وكفوها عن الفضول، وقبح القول. بيان: " كونوا لنا زينا " أي كونوا من أهل الورع والتقوى والعمل الصالح لتكونوا زينة لنا فان حسن أتباع الرجل زينة له، إذ يمدحونه بحسن تأديب أصحابه بخلاف ما إذا كانوا فسقة فإنه يصير سببا لتشنيع رئيسهم، ويكونون شينا وعيبا لرئيسهم، وعمدة الغرض في هذا المقام رعاية التقية وحسن العشرة مع المخالفين لئلا يصير سببا لنفرتهم عن أئمتهم، وسوء القول فيهم، بقرينة ما بعده " وقولوا للناس حسنا " فيه تضمين للآية الكريمة قال الطبرسي - ره -: اختلف في معنى قوله حسنا فقيل: هو القول الحسن الجميل والخلق الكريم عن ابن عباس، وقيل: هو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال الربيع: حسنا أي معروفا وروى جابر عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " قولوا للناس حسنا " قال قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم فان الله يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين، الفاحش المتفحش السائل الملحف، ويحب الحليم العفيف ثم اختلف فيه من وجه آخر فقيل هو عام في المؤمن والكافر على ما روي عن الباقر عليه السلام وقيل هو خاص في المؤمن، واختلف من قال إنه عام فقيل إنه منسوخ بآية السيف، وقد روي أيضا عن الصادق عليه السلام وقال الأكثرون: إنها ليست بمنسوخة لأنه يمكن قتالهم مع حسن القول في دعائهم إلى الايمان كما قال الله تعالى " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " وقال في آية أخرى " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم " انتهى.
وأقول: عمدة الغرض هنا حسن القول مع المخالفين تقية، وكذا المراد بحفظ الألسنة حفظها عما يخالف التقية، والفضول زوائد الكلام، وما لا منفعة فيه، قال في المصباح الفضل الزيادة، والجمع فضول كفلس وفلوس، وقد استعمل
الجمع استعمال المفرد فيما لا خير فيه، ولهذا نسب إليه على لفظه فقيل فضولي لمن يشتغل بمالا يعنيه.
7 - أمالي الطوسي: عن أبي عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى، عن جعفر بن عنبسة، عن إسماعيل بن أبان، عن مسعود بن سعد، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنما شيعتنا من أطاع الله عز وجل.
8 - الخصال: عن حمزة العلوي، عن علي، عن أبيه، عن محمد البرقي، عن خلف بن حماد، عن معاوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الشيعة ثلاث: محب واد فهو منا، ومتزين بنا ونحن زين لمن تزين بنا، ومستأكل بنا الناس، و من استأكل بنا افتقر بيان: التزين بهم هو أن يجعلوا الانتساب إليهم وموالاتهم زينة لهم وفخرا بين الناس، ولا زينة أرفع من ذلك والاستئكال بهم عليهم السلام هو أن يجعلوا إظهار مولاتهم ونشر علومهم وأخبارهم وسيلة لتحصيل الرزق، وجلب المنافع من الناس، فينتج خلاف مطلوبهم، ويصير سببا لفقرهم، والقسم الأول هو الذي يحبهم ويواليهم في الله ولله، وهو ناج في الدنيا والآخرة.
9 - بصائر الدرجات: عن سلمة بن الخطاب، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الله بن القاسم ابن الحارث البطل، عن مرازم قال: دخلت المدينة فرأيت جارية في الدار التي نزلتها فعجبتني فأردت أن أتمتع منها فأبت أن تزوجني نفسها قال: فجئت بعد العتمة فقرعت الباب فكانت هي التي فتحت لي فوضعت يدي على صدرها فبادرتني حتى دخلت فلما أصحبت دخلت علي أبي الحسن عليه السلام فقال: يا مرازم ليس من شيعتنا من خلا ثم لم يرع قلبه.
10 - المحاسن: عن محمد بن علي، عن محمد بن أسلم، عن الخطاب الكوفي ومصعب بن عبد الله الكوفي قالا: دخل سدير الصيرفي على أبي عبد الله عليه السلام وعنده جماعة من أصحابه
فقال: يا سدير لا تزال شيعتنا مرعيين محفوظين مستورين معصومين، ما أحسنوا النظر لأنفسهم فيما بينهم وبين خالقهم، وصحت نياتهم لأئمتهم، وبروا إخوانهم فعطفوا على ضعيفهم، وتصدقوا على ذوي الفاقة منهم، إنا لا نأمر بظلم ولكنا نأمركم بالورع، الورع الورع، والمواساة المواساة لاخوانكم، فان أولياء الله لم يزالوا مستضعفين قليلين منذ خلق الله آدم عليه السلام.
11 - تفسير الإمام العسكري: قال عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اتقوا الله معاشر الشيعة فان الجنة لن تفوتكم وإن أبطأت بها عنكم قبايح أعمالكم، فتنافسوا في درجاتها، قيل: فهل يدخل جهنم أحد من محبيك ومحبي علي عليه السلام؟ قال من قذر نفسه بمخالفة محمد وعلي وواقع المحرمات، وظلم المؤمنين والمؤمنات، وخالف ما رسم له من الشريعات جاء يوم القيامة قذرا طفسا، يقول محمد وعلي عليهما السلام يا فلان أنت قذر طفس لا تصلح لمرافقة مواليك الأخيار، ولا لمعانقة الحور الحسان، ولا الملائكة المقربين لا تصل إلى ما هناك إلا بأن تطهر عنك ما ههنا، يعني ما عليك من الذنوب، فيدخل إلى الطبق الاعلى من جهنم فيعذب ببعض ذنوبه.
ومنهم من يصيبه الشدائد في المحشر ببعض ذنوبه ثم يلقطه من هنا ومن هنا من يبعثهم إليه مواليه من خيار شيعتهم، كما يلقط الطير الحب، ومنهم من يكون ذنوبه أقل وأخف فيطهر منها بالشدائد والنوائب من السلاطين وغيرهم، ومن الآفات في الأبدان في الدنيا ليدلي في قبره وهو طاهر، ومنهم من يقرب موته وقد بقيت عليه سية فيشتد نزعه ويكفر به عنه، فان بقي شئ وقويت عليه، يكون له بطر واضطراب في يوم موته فيقل من بحضرته فيلحقه به الذل فيكفر عنه، فان بقي شئ اتي به ولما يلحد فيوضع فيتفرقون عنه، فيطهر.
فإن كان ذنوبه أعظم وأكثر طهر منها بشدائد عرصات يوم القيامة، فإن كانت أكثر وأعظم طهر منها في الطبق الاعلى من جهنم وهؤلاء أشد محبينا عذابا وأعظمهم ذنوبا، ليس هؤلاء يسمون بشيعتنا، ولكنهم يسمون بمحبينا والموالين لأوليائنا والمعادين لأعدائنا. إن شيعتنا من شيعنا، واتبع آثارنا، واقتدى بأعمالنا.
وقال الإمام عليه السلام: قال رجل لرسول الله: يا رسول الله فلان ينظر إلى حرم جاره فان أمكنه مواقعة حرام لم يرع عنه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ائتوني به فقال رجل آخر: يا رسول الله إنه من شيعتكم ممن يعتقد موالاتك وموالاة علي ويبرأ من أعدائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقل إنه من شيعتنا فإنه كذب، إن شيعتنا من شيعنا وتبعنا في أعمالنا، وليس هذا الذي ذكرته في هذا الرجل من أعمالنا.
وقيل لأمير المؤمنين وإمام المتقين ويعسوب الدين وقائد الغر المحجلين ووصي رسول رب العالمين عليه السلام: إن فلانا سرف على نفسه بالذنوب الموبقات، و هو مع ذلك من شيعتكم، فقال أمير المؤمنين: قد كتبت عليك كذبة، أو كذبتان إن كان مسرفا بالذنوب على نفسه يحبنا ويبغض أعداءنا فهو كذبة واحدة لأنه من محبينا لامن شيعتنا، وإن كان يوالي أولياءنا، ويعادي أعداءنا وليس بمسرف على نفسه كما ذكرت فهو منك كذبة لأنه لا يسرف في الذنوب وإن كان يسرف في الذنوب ولا يوالينا ولا يعادي أعداءنا فهو منك كذبتان.
وقال رجل لامرأته: اذهبي إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فاسأليها عني أني من شيعتكم أم ليس من شيعتكم؟ فسألتها فقالت: قولي له: إن كنت تعمل بما أمرناك، وتنتهي عما زجرناك عنه، فأنت من شيعتنا وإلا فلا، فرجعت فأخبرته فقال: يا ويلي ومن ينفك من الذنوب والخطايا، فأنا إذا خالد في النار، فان من ليس من شيعتهم فهو خالد في النار.
فرجعت المرأة فقالت لفاطمة ما قال زوجها، فقالت فاطمة: قولي له: ليس هكذا، شيعتنا من خيار أهل الجنة وكل محبينا وموالي أوليائنا ومعادي أعداءنا والمسلم بقلبه ولسانه لنا ليسوا من شيعتنا إذا خالفوا أو أمرنا ونواهينا في سائر الموبقات وهم مع ذلك في الجنة، ولكن بعد ما يطهرون من ذنوبهم بالبلايا والرزايا أو في عرصات القيامة بأنواع شدائدها أو في الطبق الاعلى من جهنم بعذابها إلى أن نستنقذهم بحبنا منها وننقلهم إلى حضرتنا.
وقال رجل للحسن بن علي عليهما السلام: إني من شيعتكم فقال الحسن بن علي عليه السلام: يا عبد الله إن كنت لنا في أوامرنا وزواجرنا مطيعا فقد صدقت، وإن كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من أهلها لا تقل لنا: أنا من شيعتكم، ولكن قل: أنا من مواليكم ومحبيكم ومعادي أعدائكم، وأنت في خير وإلى خير.
وقال رجل للحسين بن علي عليهما السلام: يا ابن رسول الله أنا من شيعتكم، قال:
اتق الله ولا تدعين شيئا يقول الله لك كذبت وفجرت في دعواك، إن شيعتنا من سلمت قلوبهم من كل غش وغل ودغل، ولكن قل أنا من مواليكم ومحبيكم.
وقال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام: يا ابن رسول الله أنا من شيعتكم الخلص فقال له: يا عبد الله فإذا أنت كإبراهيم الخليل عليه السلام الذي قال الله " وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم " فإن كان قلبك كقلبه فأنت من شيعتنا، وإن لم يكن قلبك كقلبه وهو طاهر من الغش والغل، فأنت من محبينا وإلا فإنك إن عرفت أنك بقولك كاذب فيه، إنه لمبتلى بفالج لا يفارقك إلى الموت أو جذام ليكون كفارة لكذبك هذا.
وقال الباقر عليه السلام لرجل فخر على آخر وقال: أتفاخرني وأنا من شيعة آل محمد الطيبين؟ فقال الباقر عليه السلام: ما فخرت عليه ورب الكعبة وغبن منك على الكذب يا عبد الله، أمالك معك تنفقه على نفسك أحب إليك أم تنفقه على إخوانك المؤمنين؟
قال: بل أنفقه على نفسي، قال: فلست من شيعتنا، فإننا نحن ما ننفق على المنتحلين من إخواننا أحب إلينا ولكن قل: أنا من محبيكم ومن الراجين النجاة بمحبتكم.
وقيل للصادق عليه السلام: إن عمارا الدهني شهد اليوم عند ابن أبي ليلى قاضي الكوفة بشهادة فقال له القاضي: قم يا عمار فقد عرفناك لا تقبل شهادتك لأنك رافضي فقام عمار وقد ارتعدت فرائصه واستفرغه البكاء فقال له ابن أبي ليلى: أنت رجل من أهل العلم والحديث إن كان يسوءك أن يقال لك رافضي فتبرأ من الرفض فأنت من إخواننا، فقال له عمار: يا هذا ما ذهبت والله حيث ذهبت، ولكن بكيت
عليك وعلي، أما بكائي على نفسي فإنك نسبتني إلى رتبة شريفة لست من أهلها زعمت أني رافضي ويحك لقد حدثني الصادق عليه السلام أن أول من سمي الرفضة السحرة الذين لما شاهدوا آية موسى في عصاه آمنوا به واتبعوه، ورفضوا أمر فرعون، واستسلموا لكل ما نزل بهم، فسماهم فرعون الرافضة لما رفضوا دينه، فالرافضي كل من رفض جميع ما كره الله، وفعل كل ما أمره الله، فأين في هذا الزمان مثل هذا؟.
وإن ما بكيت على نفسي خشيت أن يطلع الله عز وجل على قلبي وقد تلقبت هذا الاسم الشريف على نفسي فيعاتبني ربي عز وجل ويقول: يا عمار أكنت رافضا للأباطيل، عاملا بالطاعات كما قال لك؟ فيكون ذلك بي مقصرا في الدرجات إن سامحني، وموجبا لشديد العقاب علي إن ناقشني، إلا أن يتداركني موالي بشفاعتهم.
وأما بكائي عليك فلعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي وشفقتي الشديدة عليك من عذاب الله أن صرفت أشرف الأسماء إلي، وإن جعلته من أرذلها كيف يصبر بدنك على عذاب كلمتك هذه؟.
فقال الصادق عليه السلام: لو أن على عمار من الذنوب ما هو أعظم من السماوات و الأرضين لمحيت عنه بهذه الكلمات وإنها لتزيد في حسناته عند ربه عز وجل حتى يجعل كل خردلة منها أعظم من الدنيا ألف مرة.
قال: وقيل لموسى بن جعفر عليه السلام: مررنا برجل في السوق وهو ينادي: أنا من شيعة محمد وآل محمد الخلص، وهو ينادي على ثياب يبيعها: من يزيد؟ فقال موسى عليه السلام: ما جهل ولا ضاع امرؤ عرف قدر نفسه، أتدرون ما مثل هذا؟ هذا شخص قال أنا مثل سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وهو مع ذلك يباخس في بيعه ويدلس عيوب المبيع على مشتريه ويشتري الشئ بثمن فيزايد الغريب يطلبه فيوجب له ثم إذا غاب المشتري قال لا أريده إلا بكذا بدون ما كان طلبه منه، أيكون هذا كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار؟ حاش لله أن يكون هذا كهم، ولكن ما يمنعه من أن يقول إني من محبي محمد وآل محمد ومن يوالي أولياءهم ويعادي أعداءهم.
قال عليه السلام: ولما جعل المأمون إلى علي بن موسى الرضا عليهما السلام ولاية العهد
دخل عليه آذنه وقال: إن قوما بالباب يستأذنون عليك يقولون نحن شيعة علي فقال عليه السلام: أنا مشغول فاصرفهم، فصرفهم فلما كان من اليوم الثاني جاؤوا وقالوا كذلك مثلها فصرفهم إلى أن جاؤوا هكذا يقولون ويصرفهم شهرين ثم أيسوا من الوصول وقالوا للحاجب: قل لمولانا إنا شيعة أبيك علي بن أبي طالب عليه السلام وقد شمت بنا أعداؤنا في حجابك لنا، ونحن ننصرف هذه الكرة ونهرب من بلدنا خجلا وأنفة مما لحقنا، وعجزا عن احتمال مضض ما يلحقنا بشماتة الأعداء!
فقال علي بن موسى الرضا عليه السلام: ائذن لهم ليدخلوا، فدخلوا عليه فسلموا عليه فلم يرد عليهم ولم يأذن لهم بالجلوس، فبقوا قياما فقالوا: يا ابن رسول الله ما هذا الجفاء العظيم والاستخفاف بعد هذا الحجاب الصعب؟ أي باقية تبقي منا بعد هذا؟
فقال الرضا عليه السلام: اقرؤا " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير " ما اقتديت إلا بربي عز وجل فيكم، وبرسول الله وبأمير المؤمنين ومن بعده من آبائي الطاهرين عليهم السلام، عتبوا عليكم فاقتديت بهم، قالوا لماذا يا ابن رسول الله؟ قال: لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
ويحكم إنما شيعته الحسن والحسين وأبو ذر وسلمان والمقداد وعمار و محمد بن أبي بكر الذين لم يخالفوا شيئا من أوامره، ولم يركبوا شيئا من فنون زواجره، فأما أنتم إذا قلتم إنكم شيعته، وأنتم في أكثر أعمالكم له مخالفون مقصرون في كثير من الفرائض، متهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله، وتتقون حيث لا يجب التقية، وتتركون التقية حيث لابد من التقية، فلو قلتم إنكم موالوه ومحبوه، والموالون لأوليائه، والمعادون لأعدائه، لم أنكره من قولكم ولكن هذه مرتبة شريفة ادعيتموها إن لم تصدقوا قولكم بفعلكم هلكتم إلا أن تتدارككم رحمه من ربكم.
قالوا: يا ابن رسول الله فانا نستغفر الله ونتوب إليه من قولنا، بل نقول كما عملنا مولانا: نحن محبوكم ومحبوا أوليائكم ومعادوا أعدائكم، قال الرضا عليه السلام:
فمرحبا بكم يا إخواني وأهل ودي ارتفعوا ارتفعوا ارتفعوا فما زال يرفعهم حتى ألصقهم بنفسه، ثم قال لحاجبه: كم مرة حجبتهم؟ قال: ستين مرة فقال لحاجبه: فاختلف إليهم ستين مرة متوالية، فسلم عليهم وأقرئهم سلامي فقد محوا ما كان من ذنوبهم باستغفارهم وتوبتهم، واستحقوا الكرامة لمحبتهم لنا وموالاتهم، وتفقد أمورهم وأمور عيالاتهم فأوسعهم بنفقات ومبرات وصلات، ورفع معرات.
قال عليه السلام: ودخل رجل على محمد بن علي الرضا عليهما السلام وهو مسرور فقال:
مالي أراك مسرورا؟ قال: يا ابن رسول الله سمعت أباك يقول أحق يوم بأن يسر العبد فيه يوم يرزقه الله صدقات ومبرات ومدخلات من إخوان له مؤمنين، فإنه قصدني اليوم عشرة من إخواني الفقراء، لهم عيالات، فقصدوني من بلد كذا وكذا فأعطيت كل واحد، منهم، فلهذا سروري.
فقال محمد بن علي عليهما السلام: لعمري إنك حقيق بأن تسر إن لم تكن أحبطته أو لم تحبطه فيما بعد، فقال الرجل: فكيف أحبطته وأنا من شيعتكم الخلص؟ قال:
هاه قد أبطلت برك باخوانك وصدقاتك، قال: وكيف ذاك يا بن رسول الله؟ قال له محمد بن علي عليه السلام: اقرأ قول الله عز وجل " يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " قال: يا ابن رسول الله ما مننت على القوم الذين تصدقت عليهم ولا آذيتهم، قال له محمد بن علي عليه السلام إن الله عز وجل إنما قال " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " ولم يقل بالمن على من تتصدقون عليه، وبالأذى لمن تتصدقون عليه وهو كل أذى ، أفترى أذاك القوم الذين تصدقت عليهم أعظم أم أذاك لحفظتك وملائكة الله المقربين حواليك أم أذاك لنا؟ فقال الرجل: بل هذا يا ابن رسول الله فقال: لقد آذيتني وآذيتهم، وأبطلت صدقتك، قال: لماذا؟ قال: لقولك، و كيف أحبطته وأنا من شيعتكم الخلص؟
ثم قال: ويحك أتدري من شيعتنا الخلص؟ قال: لا، قال: فان شيعتنا الخلص حزبيل المؤمن مؤمن آل فرعون، وصاحب يس الذي قال الله تعالى " وجاء من أقصي
المدينة رجل يسعى " وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمار، سويت نفسك بهؤلاء أما آذيت بهذا الملائكة، وآذيتنا؟ فقال الرجل: أستغفر الله وأتوب إليه، فكيف أقول؟
قال: قل: أنا من مواليك ومحبيك ومعادي أعدائك، وموالي أوليائك، قال: فكذلك أقول، وكذلك أنا يا ابن رسول الله، وقد تبت من القول الذي أنكرته وأنكرته الملائكة، فما أنكرتم ذلك إلا لانكار الله عز وجل، فقال محمد بن علي عليهما السلام الان قد عادت إليك مثوبات صدقاتك، وزال عنها الاحباط.
قال أبو يعقوب يوسف بن زياد وعلي بن سيار رضي الله عنهما: حضرنا ليلة على غرفة الحسن بن علي بن محمد عليهم السلام وقد كان ملك الزمان له معظما وحاشيته له مبجلين إذ مذ مر علينا والى البلد - والي الجسرين - ومعه رجل مكتوف، و الحسن بن علي مشرف من روزنته، فلما رآه الوالي ترجل عن دابته إجلالا له فقال الحسن بن علي عليهما السلام: عد إلى موضعك، فعاد وهو معظم له، وقال يا ابن رسول الله أخذت هذا في هذه الليلة على باب حانوت صير في فاتهمته بأنه يريد نقبه والسرقة منه، فقبضت عليه، فلما هممت أن أضربه خمسمائة سوط وهذه سبيلي فيمن اتهمته ممن آخذه لئلا يسألني فيه من لا أطيق مدافعته ليكون قد شقي ببعض ذنوبه قبل أن يأتيني من لا أطيق مدافعته، فقال لي: اتق الله ولا تتعرض لسخط الله فاني من شيعة أمير المؤمنين، وشيعة هذا الامام أبي القائم بأمر الله عليه السلام فكففت عنه، وقلت: أنا مار بك عليه، فان عرفك بالتشيع أطلقت عنك، وإلا قطعت يدك ورجلك، بعد أن أجلدك ألف سوط، وقد جئتك به يا ابن رسول الله، فهل هو من شيعة علي عليه السلام كما ادعى؟
فقال الحسن بن علي عليهما السلام: معاذ الله، ما هذا من شيعة علي وإنما ابتلاه الله في يدك لاعتقاده في نفسه أنه من شيعة علي عليه السلام فقال الوالي: كفيتني مؤنته
الان أضربه خمسمائة لا حرج علي فيها، فلما نحاه بعيدا فقال: ابطحوه فبطحوه وأقام عليه جلا دين واحدا عن يمينه وآخر عن شماله فقال: أوجعاه فأهويا إليه بعصيهما لا يصيبان استه شيئا إنما يصيبان الأرض فضجر من ذلك، فقال: ويلكم تضربون الأرض؟ اضربوا استه، فذهبوا يضربون استه فعدلت أيديهما فجعلا يضرب بعضهما بعضا ويصيح ويتأوه.
فقال لهما: ويحكما أمجانين أنتما يضرب بعضكما بعضا؟ اضربا الرجل فقالا ما نضرب إلا الرجل، وما نقصد سواه، ولكن يعدل أيدينا حتى يضرب بعضنا بعضا قال: فقال: يا فلان ويا فلان حتى دعا أربعة وصاروا مع الأولين ستة، وقال:
أحيطوا به فأحاطوا به، فكان يعدل بأيديهم، ويرفع عصيهم إلى فوق، فكانت لا تقع إلا بالوالي فسقط عن دابته، وقال: قتلتموني قتلكم الله ما هذا؟ فقالوا:
ما ضربنا إلا إياه.
ثم قال لغيرهم: تعالوا فاضربوا هذا فجاؤوا فضربوه بعد فقال: ويلكم إياي تضربون؟ قالوا: لا والله ما نضرب إلا الرجل قال الوالي: فمن أين لي هذه الشجات برأسي ووجهي وبدني إن لم تكونوا تضربوني؟ فقالوا شلت أيماننا إن كنا قد قصدناك بضرب.
قال الرجل: يا عبد الله يعني الوالي أما تعتبر بهذه الألطاف التي بها يصرف عني هذا الضرب ويلك ردني إلى الامام وامتثل في أمره، قال: فرده الوالي بعد إلى بين يدي الحسن بن علي عليهما السلام وقال: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله: عجبنا لهذا أنكرت أن يكون من شيعتكم ومن لم يكن من شيعتكم فهو من شيعة إبليس وهو في النار وقد رأيت له من المعجزات مالا يكون إلا للأنبياء؟ فقال الحسن بن علي عليهما السلام قل أو للأوصياء، فقال: أو للأوصياء.
فقال الحسن بن علي عليهما السلام للوالي: يا عبد الله إنه كذب في دعواه أنه من شيعتنا كذبة لو عرفها ثم تعمدها لأبتلى بجميع عذابك، ولبقي في المطبق ثلاثين سنة
ولكن الله رحمه لاطلاق كلمة على ما عنى، لا على تعمد كذب، وأنت يا عبد الله أعلم أن الله عز وجل قد خلصه بأنه من موالينا ومحبينا، وليس من شيعتنا، فقال الوالي: ما كان هذا كله عندنا إلا سواء فما الفرق؟
قال الامام: الفرق أن شيعتنا هم الذين يتبعون آثارنا، ويطيعونا في جميع أوامرنا ونواهينا، فأولئك شيعتنا، فأما من خالفنا في كثير مما فرضه الله عليه فليسوا من شيعتنا.
قال الإمام عليه السلام للوالي: وأنت قد كذبت كذبة لو تعمدتها وكذبتها لا ابتلاك الله عز وجل بألف سوط وسجن ثلاثين سنة في المطبق، قال: وما هي يا ابن رسول الله؟ قال: بزعمك أنك رأيت له معجزات إن المعجزات ليست له إنما هي لنا أظهرها الله فيه إبانة لحجتنا، وإيضاحا لجلالتنا وشرفنا، ولو قلت: شاهدت فيه معجزات، لم أنكره عليك، أليس إحياء عيسى الميت معجزة؟ أفهي للميت أم لعيسى؟ أو ليس خلقه، من الطين كهيئة الطير فصار طيرا بإذن الله أهي للطائر أو لعيسى؟ أو ليس الذين جعلوا قردة خاسئين معجزة فهي معجزة للقردة أو لنبي ذلك الزمان، فقال الوالي: أستغفر الله ربي وأتوب إليه.
ثم قال الحسن بن علي عليه السلام للرجل الذي قال إنه من شيعة علي عليه السلام:
يا عبد الله لست من شيعة علي عليه السلام إنما أنت من محبيه، إنما شيعة علي عليه السلام الذين قال الله عز وجل فيهم: " والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون " هم الذين آمنوا بالله، ووصفوه بصفاته، ونزهوه عن خلاف صفاته، وصدقوا محمدا في أقواله وصوبوه في أفعاله، ورأوا عليا بعده سيدا إماما وقرما هماما، لا يعدله من أمة محمد أحد، ولا كلهم لو جمعوا في كفة يوزنون بوزنه بل يرجح عليهم كما يرجح السماء على الأرض، والأرض على الذرة، و شيعة علي عليه السلام هم الذين لا يبالون في سبيل الله أوقع الموت عليهم أو وقعوا على الموت، وشيعة علي عليه السلام هم الذين يؤثرون إخوانهم على أنفسهم ولو كان بهم
خصاصة، وهم الذين لا يراهم الله حيث نهاهم، ولا يفقدهم حيث أمرهم، وشيعة علي هم الذين يقتدون بعلي عليه السلام في إكرام إخوانهم المؤمنين.
ما عن قولي أقول لك هذا، بل أقوله عن قول محمد صلى الله عليه وآله، فذلك قوله " وعملوا الصالحات " قضوا الفرايض كلها، بعد التوحيد واعتقاد النبوة والإمامة وأعظمها قضاء حقوق الاخوان في الله واستعمال التقية من أعداء الله عز وجل ايضاح: قال: الفيروزآبادي: الطفس محركة قذر الانسان إذا لم يتعهد نفسه، وهو طفس ككتف قذر نجس قوله فهو منك كذبة أي كذبت في نسبته إلى الاسراف، وهو غير مسرف وفى القاموس غبن الشئ وفيه كفرح غبنا وغبنا نسيه أو أغفله أو غلط فيه والغبن محركة الضعف والنسيان وقال: أفرغه صبه كفرغه والدماء أراقها، وتفريغ الظروف إخلاؤها، واستفرغ تقيأ ومجهوده بذل طاقته وافترغت لنفسي ماء صببته، وقال: المضض محركة وجع المصيبة، وقال: المعرة الاثم والأذى والغرم والدية والخيانة.
قوله عليه السلام: على المنتحلين أي المدعين للتشيع ولم يكونوا كذلك فكيف إذا كان من شيعتنا حقا " ما ذهبت " بصيغة المتكلم " حيث ذهبت " بصيغة الخطاب وفي القاموس كتف فلانا كضرب شد يديه إلى خلف بالكتاف وهو حبل يشد به، و قال: بطحه ألقاه على وجهه فانبطح، والمطبق كأنه كان اسم السجن ولم يذكره اللغويون أو المراد به الجنون المطبق وفي القاموس القرم السيد وقال: الهمام كغراب الملك العظيم الهمة والسيد الشجاع السخي.
12 - تفسير الإمام العسكري: قال أمير المؤمنين عليه السلام أما المطيعون لنا فسيغفر الله ذنوبهم امتنانا إلى إحسانهم، قالوا: يا أمير المؤمنين ومن المطيعون لكم؟ قال: الذين يوحدون ربهم، ويصفونه بما يليق به من الصفات، ويؤمنون بمحمد نبيه صلى الله عليه وآله ويطيعون الله في إتيان فرائضه وترك محارمه، ويحيون أوقاتهم بذكره، وبالصلاة على نبيه محمد وآله الطيبين، ويتقون على أنفسهم الشح والبخل، ويؤدون
كل ما فرض عليهم من الزكاة ولا يمنعونها.
13 - السرائر: من كتاب أبي القاسم بن قولويه، عن محمد بن عمر بن حنظلة قال:
قال أبو عبد الله عليه السلام: ليس من شيعتنا من قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا ولكن شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه، واتبع آثارنا وعمل بأعمالنا، أولئك شيعتنا.
وعن أبي زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: ليس من شيعتنا من يكون في مصر يكون فيه آلاف ويكون في المصر أورع منه.
14 - مجالس المفيد: عن ابن قولويه، عن أبيه، عن محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس معا، عن علي بن محمد الأشعري، عن الحسين بن النصر بن مزاحم، عن أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعت جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري يقول: لو نشر سلمان وأبو ذر رحمهما الله لهؤلاء الذين ينتحلون مودتكم أهل البيت لقالوا: هؤلاء كذابون ولو رأى هؤلاء أولئك لقالوا:
مجانين.
15 - الغيبة للنعماني: عن ابن عقدة، عن القاسم بن محمد بن حازم، عن عبيس، عن ابن جبلة، عن أبي خالد المكفوف، عن بعض أصحابه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:
ينبغي لمن ادعى هذا الامر في السر أن يأتي عليه ببرهان في العلانية، قلت: وما هذا البرهان الذي يأتي به في العلانية؟ قال: يحل حلال الله ويحرم حرام الله، و يكون له ظاهر يصدق باطنه.
16 - الغيبة للنعماني: عن أحمد بن هوذة، عن النهاوندي، عن عبد الله بن حماد عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه دخل عليه بعض أصحابه فقال له: جعلت فداك إني والله أحبك وأحب من يحبك، يا سيدي ما أكثر شيعتكم؟ فقال له: أذكرهم
فقال: كثير، فقال: تحصيهم؟ فقال: هم أكثر من ذلك، فقال أبو عبد الله عليه السلام:
أما لو كملت العدة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون ولكن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولا شحناؤه بدنه ولا يمدح بنا غاليا، ولا يخاصم لنا واليا، ولا يجالس لنا عائبا ولا يحدث لنا ثالبا ولا يحب لنا مبغضا، ولا يبغض لنا محبا.
فقلت: فكيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنهم يتشيعون؟
فقال: فيهم التمييز وفيهم التمحيص، وفيهم التبديل، يأتي عليهم سنون تفنيهم وسيوف تقتلهم، واختلاف تبددهم، إنما شيعتنا من لا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب ولا يسأل الناس بكفه وإن مات جوعا قلت: جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء الموصوفين بهذه الصفة؟ فقال: اطلبهم في أطراف الأرض أولئك الخشن عيشهم، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن خطبوا لم يزوجوا، وإن ماتوا لم يشهدوا، أولئك الذين في أموالهم يتواسون، وفي قبورهم يتزاورون، ولا يختلف أهواؤهم وإن اختلفت بهم البلدان.
وروي أيضا، عن محمد بن همام، عن حميد بن زياد الكوفي، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن علي بن منصور، عن إبراهيم ابن مهزم، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام: مثله إلا أنه زاد فيه: وإن رأوا مؤمنا أكرموه وإن رأوا منافقا هجروه، وعند الموت لا يجزعون، وفي قبورهم يتزاورون
تمام الحديث بيان: في القاموس، ثلبه يثلبه: لامه وعابه وقد مر شرح سائر أجزائه.
17 - رجال الكشي: عن حمدويه بن نصير، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى عن داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن أصحابي أولوا النهى و التقى، فمن لمن يكن من أهل النهى والتقى فليس من أصحابي.
18 - رجال الكشي عن ابن مسعود، عن عبد الله بن محمد الطيالسي، عن الوشاء، عن محمد ابن حمران، عن أبي الصباح الكناني قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا نعير بالكوفة فيقال لنا جعفرية، قال: فغضب أبو عبد الله عليه السلام: ثم قال: إن أصحاب جعفر منكم لقليل، إنما أصحاب جعفر من اشتد ورعه وعمل لخالقه.
19 - رجال الكشي: عن حمدويه، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم الكرخي، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: إن ممن ينتحل هذا الامر لمن هو شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا.
20 - رجال الكشي: عن خالد بن حماد، عن الحسن بن طلحة رفعه، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن زيد الشامي قال: قال أبو الحسن عليه السلام: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما أنزل الله سبحانه وتعالى آية في المنافقين إلا وهي فيمن ينتحل التشيع.
21 - بشارة المصطفى: عن الحسن بن الحسين بن بابويه، عن عمه محمد بن الحسن، عن أبيه عن عمه أبي جعفر بن بابويه، عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن صالح بن السندي عن يونس، عن يحيى الحلبي، عن عبد الحميد بن عواض، عن عمر بن يحيى بن
بسام قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام: يقول: إن أحق الق ناس بالورع آل محمد و شيعتهم كي تقتدي الرعية بهم.
22 - بشارة المصطفى: بهذا الاسناد عن أبي جعفر بن بابويه، عن محمد بن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن مرار، عن يونس، عن يحيى الحلبي، عن أبي المغرا، عن يزيد بن خليفة قال: قال لنا أبو عبد الله عليه السلام ونحن عنده: نظرتم حيث نظر الله واخترتم من اختار الله، أخذ الناس يمينا وشمالا وقصدتم محمدا صلى الله عليه وآله أما إنكم لعلى المحجة البيضاء، فأعينوا على ذلك بورع، ثم قال حيث أردنا أن نخرج: وما على أحدكم إذا عرفه الله هذا الامر أن لا يعرفه الناس، إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل لله كان ثوابه على الله 23 - صفات الشيعة للصدوق رحمه الله: عن ابن المتوكل، عن محمد العطار عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن أبي بصير قال: قال الصادق عليه السلام: شيعتنا أهل الورع والاجتهاد وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة أصحاب إحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة ، القائمون بالليل، الصائمون بالنهار يزكون أموالهم ويحجون البيت ويجتنبون كل محرم.
24 - ومنه: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن الرضا عليه السلام قال: شيعتنا المسلمون لامرنا الآخذون بقولنا، المخالفون لأعدائنا، فمن لم يكن كذلك فليس منا.
25 - ومنه: عن أبيه، عن الحميري، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نجران قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: من عادى شيعتنا فدق عادانا، ومن والاهم فقد والانا، لأنهم منا، خلقوا من طينتنا، من أحبهم فهو منا، ومن أبغضهم فليس منا، شيعتنا ينظرون بنور الله، ويتقلبون في رحمة الله، ويفوزون بكرامة الله، ما
مامن أحد من شيعتنا يمرض إلا مرضنا لمرضه، ولا اغتم إلا اغتممنا لغمه، ولا يفرح إلا فرحنا لفرحه، ولا يغيب عنا أحد من شيعتنا أين كان في شرق الأرض أو غربها ومن ترك من شيعتنا دينا فهو علينا، ومن ترك منهم مالا فهو لورثته، شعيتنا الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويحجون البيت الحرام، ويصومون شهر رمضان ويوالون أهل البيت، ويتبرؤون من أعدائهم، أولئك أهل الايمان والتقى، وأهل الورع والتقوى، من رد عليهم فقد رد على الله، ومن طعن عليهم فقد طعن على الله لأنهم عباد الله حقا، وأولياؤه صدقا، والله إن أحدهم ليشفع في مثل ربيعة ومضر فيشفعه الله فيهم لكرامته على الله عز وجل.
26 - ومنه: عن ابن المتوكل، عن البرقي، رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
والله ما شيعة علي عليه السلام إلا من عف بطنه وفرجه، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه وخاف عقابه .
27 - ومنه: عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت، عن أبيه بإسناده، عن محمد بن عجلان قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام فدخل رجل فسلم فسأله كيف من خلفت من إخوانك؟ فأحسن الثناء وزكى وأطرى فقال: كيف عيادة أغنيائهم لفقرائهم؟
قال: قليلة، قال: فكيف مواصلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم؟ فقال: إنك تذكر أخلاقا ما هي فيمن عندنا، قال: كيف يزعم هؤلاء أنهم لنا شيعة.
28 - ومنه: بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال: يا جابر إنما شيعة علي عليه السلام من لا يعدو صوته سمعه ولا شحناؤه ببدنه، لا يمدح لنا قاليا، و لا يواصل لنا مبغضا ولا يجالس لنا عائبا، شيعة علي عليه السلام من لا يهر هرير الكلب، و لا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل الناس وإن مات جوعا، أو زلئك الخفيضة عيشهم المنتقلة ديارهم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا وإن ماتوا لم يشهدوا، في قبورهم تيزاورون قلت: وأين أطلب هؤلاء؟ قال: في أطراف
الأرض بين الأسواق وهو قول الله عز وجل " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ".
29 - ومنه: عن ماجيلويه، عن عمه، عن هاون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال سئل أبو عبد الله عليه السلام عن شيعتهم فقال: شيعتنا من قدم ما استحسن و أمسك ما استقبح، وأظهر الجميل، وسارع بالامر الجليل، رغبة إلى رحمة الجليل فذاك منا وإلينا ومعنا حيثما كنا 30 - ومنه: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن إسماعيل بن مهران، عن حمران بن أعين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام قاعدا في بيته إذ قرع قوم عليهم الباب فقال: يا جارية انظري من بالباب؟ فقالوا: قوم من شيعتك، فوثب عجلا حتى كاد أن يقع فلما فتح الباب ونظر إليهم رجع فقال:
كذبوا فأين السمت في الوجوه؟ أين أثر العبادة؟ أين سيماء السجود؟ إنما شيعتنا يعرفون بعبادتهم وشعثهم، قد قرحت العبادة منهم الآناف، ودثرت الجباه والمساجد خمص البطون، ذبل الشفاه، قد هيجت العبادة وجوههم، وأخلق سهر الليالي وقطع الهواجر جثثهم، المسبحون إذا سكت الناس، والمصلون إذا نام الناس، و المحزونون إذا فرح الناس [يعرفون بالزهد، كلامهم الرحمة، وتشاغلهم بالجنة].
بيان: الآناف جمع الانف كالأنوف، وقرحها إما لكثرة السجود، لأنها من المساجد المستحبة أو لكثرة البكاء في القاموس الدثور الدروس، والداثر الهالك وفي النهاية فيه إن القلب يدثر كما يدثر السيف فجلاؤه ذكر الله أي يصدأ كما يصدأ السيف وفي القاموس هاج يهيج ثار كاهتاج وتهيج وأثار والنبت يبس، والهائجة أرض يبس بقلها أو اصفر وأهاجه أيبسه وكان يحتمل النسخة الباء الموحدة من قولهم هبجه
تهبيجا: ورمه.
31 - ومنه: بإسناده عن محمد بن صالح، عن أبي العباس الدينوري، عن محمد ابن الحنفية قال: لما قدم أمير المؤمنين عليه السلام البصرة بعد قتال أهل الجمل دعاه الأحنف بن قيس واتخذ له طعاما فبعث إليه صلوات الله عليه وإلى أصحابه فأقبل ثم قال: يا أحنف ادع لي أصحابي، فدخل عليه قوم متخشعون كأنهم شنان بوالي فقال الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين ما هذا الذي نزل بهم؟ أمن قلة الطعام؟ أو من هول الحرب؟.
فقال صلوات الله عليه: لا يا أحنف إن الله سبحانه أجاب أقواما تنسكوا له في دار الدنيا تنسك من هجم على ما علم من قربهم من يوم القيامة، من قبل أن يشاهدوها: فحملوا أنفسهم على مجهودها وكانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على الله سبحانه توهموا خروج عنق يخرج من النار يحشر الخلائق إلى ربهم تبارك وتعالى وكتاب يبدو فيه على رؤس الاشهاد فضايح ذنوبهم، فكادت أنفسهم تسيل سيلانا أو تطير قلوبهم بأجنحة الخوف طيرانا، وتفارقهم عقولهم إذا غلبت بهم مراجل المجرد إلى الله سبحانه غليانا.
فكانوا يحنون حنين الواله في دجى الظلم، وكانوا يفجعون من خوف ما أو قفوا عليه أنفسهم، فمضوا ذبل الأجسام، حزينة قلوبهم، كالحة وجوههم، ذابلة شفاههم، خامصة بطونهم، تراهم سكارى سمار وحشة الليل متخشعون كأنهم شنان بوالي، قد أخلصوا لله أعمالا سرا وعلانية، فلم تأمن من فزعه قلوبهم. بل كانوا كمن حرسوا قباب خراجهم فلو رأيتهم في ليلتهم وقد نامت العيون، وهدأت
الأصوات، وسكنت الحركات، من الطير في الوكور، وقد نهنههم هول يوم القيامة بالوعيد عن الرقاد كما قال سبحانه: " أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون " فاستيقظوا لها فزعين، وقاموا إلى صلواتهم معولين، باكين تارة وأخرى مسبحين، يبكون في محاريبهم ، ويرنون، يصطفون ليلة مظلمة بهماء يبكون.
فلو رأيتهم يا أحنف في ليلتهم قياما على أطرافهم منحنية [ظهورهم، يتلون] أجزاء القرآن لصلواتهم قد اشتدت إعوالهم ونحيبهم وزفيرهم، إذا زفروا خيلت النار قد أخذت منهم إلى حلاقيمهم، وإذا أعولوا حسبت السلاسل قد صفدت في أعناقهم فلو رأيتهم في نهارهم إذا لرأيت قوما يمشون على الأرض هونا، ويقولون للناس حسنا " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، وإذا مروا باللغو مروا كراما " قد قيدوا أقدامهم من التهمات، وأبكموا ألسنتهم أن يتكلموا في أعراض الناس وسجموا أسماعهم أن يلجها خوض خائض، وكحلوا أبصارهم بغض البصر عن المعاصي وانتحوا دار السلام التي من دخلها كان آمنا من الريب والأحزان.
فلعلك يا أحنف شغلك نظرك في وجه واحدة تبدي الأسقام بغاضرة وجهها، و دار قد اشتغلت بنفس روأتها ستور قد علقتها، والريح والآجام موكلة بثمرها وليست دارك هذه دار البقاء فأحمتك الدار التي خلقها الله سبحانه من لؤلؤة بيضاء ونشفق فيها أنهارها [وغرس فيها أشجارها، وظلل عليها بالنضج من أثمارها] وكبسها بالعوابق من حورها، ثم أسكنها أولياءه وأهل طاعته.
فلو رأيتهم يا أحنف وقد قدموا على زيادات ربهم سبحانه، فإذا ضربت
جنائبهم، صوتت رواحلهم بأصوات لم يسمع السامعون بأحسن منها، وأظلتهم غمامة فأمطرت عليهم المسك والرادن وصهلت خيولها بين أغراس تلك الجنان، وتخللت بهم نوقهم بين كثب الزعفران، ويتطأ من تحت أقدامهم اللؤلؤ والمرجان، واستقبلتهم قهارمتها بمنابر الريحان، وتفاجت لهم ريح من قبل العرش فنثرت عليهم الياسمين والأقحوان، وذهبوا إلى بابها فيفتح لهم الباب رضوان، ثم سجدوا لله في فناء الجنان فقال لهم الجبار: ارفعوا رؤوسكم فاني قد رفعت عنكم مؤنة العبادة، وأسكنتكم جنة الرضوان.
فان فاتك يا أحنف ما ذكرت لك في صدر كلامي لتتركن في سرابيل القطران ولتطوفن بينها وبين حميم آن، ولتسقين شرابا حار الغليان في أنضاجه، فكم يومئذ في النار من صلب محطوم، ووجه مهشوم، ومشوه مضروب على الخرطوم قد أكلت الجامعة كفه، والتحم الطوق بعنقه.
فلو رأيتهم يا أحنف ينحدرون في أوديتها، ويصعدون جبالها، وقد البسوا المقطعات من القطران، واقرنوا مع فجارها وشياطينها، فإذا استغاثوا بأسوء أخذ من حريق شدت عليهم عقاربها وحياتها، ولو رأيت مناديا ينادي وهو يقول: يا أهل الجنة ونعيمها ويا أهل حليها وحللها، خلدوا فلا موت، فعندها ينقطع رجاؤهم و تنغلق الأبواب، وتنقطع بهم الأسباب، فكم يومئذ من شيخ ينادي: وا شيبتاه! و كم من شاب ينادي وا شباباه! وكم من امرأة تنادي وا فضيحتاه، هتكت عنهم الستور، فكم يومئذ من مغموس، بين أطباقها محبوس، يا لك غمسة ألبستك بعد لباس الكتان، والماء المبرد على الجدران، وأكل الطعام ألوانا بعد ألوان لباسا لم يدع لك شعرا ناعما كنت مطعمه إلا بيضه، ولا عينا كنت تبصر بها إلى حبيب إلا فقأها، هذا ما أعد الله للمجرمين، وذلك ما أعد الله للمتقين.
توضيح: " المراجل " جمع المرجل كمنبر، وهو القدر من الحجارة و النحاس، والمحرد بالحاء المهملة من الحرد بمعنى القصد أو التحي والاعتزال عن الخلق، وعن كل شئ سوى الله في القاموس: حرده يحرده قصده، ورجل حرد وحرد وحريد ومتحرد من قوم، حراد وحرداء معتزل متنح وحي حريد منفرد، إما لعزته أو لقلته، وحرد كضرب وسمع غضب وأحرد في السير أغذ انتهى والكل مناسب وفي بعض النسخ بالجيم وكأنه على المفعول من بناء التفعيل من قولهم تجرد للامر أي جد فيه، وانجرد بنا السير أي امتد أو من التجريد وهو التعرية من الثياب كناية عن قطع العلائق متوجها إلى الله سبحانه، والأول أظهر، وفي القاموس: سمر سمرا وسمورا لم ينم، وهم السمار، وقال:
نهنهه عن الامر فتنهنه كفه وزجره فكف وقال: " أعول " رفع صوته بالبكاء والصياح كعول، والاسم العول والعولة والعويل، وقال: صفده يصفده شده وأوثقه كأصفده وصفده " من التهمات " أي من مواضع التهمة، أو من تتبع عيوب الناس واتهامهم.
قوله: " وسجموا أسماعهم " أي كفوها ومنعوها عن " أن يلجها " أي يدخلها كلمات المبطلين، قال الزمخشري في الأساس: سجم عن الامر أبطأ وانقبض وقال: خاضوا في الحديث وتخاوضوا فيه وهو يخوض مع الخائضين أي يبطل مع المبطلين، وهم في خوض يلعبون وقال الراغب: الخوض هو الشروع في الماء و المرور فيه، ويستعار في الأمور وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه نحو قوله " ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب " " وخضتم كالذي خاضوا " وقال تعالى: " فذرهم في خوضهم يلعبون "
و " إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره " وتقول: أخضت دابتي في الماء " انتهى.
وأقول: يمكن أن يقرأ سجموا هنا على بناء التفعيل أو على بناء المجرد فيكون أسماعهم بالرفع بدلا عن الضمير، ونحاه وانتحاه قصده، وانتحى جد " في وجه واحدة " أي دار واحدة " وتظهر الأسقام بغاضرة وجهها " من الغضارة وهي النعمة والسعة والحسن وطيب العيش، أي في عين النضارة والغضارة تظهر أنواع البلاء " قد اشتغلت " أي شغلتك عن الآخرة بنفائس روأتها وحسنها والأجام بالجيم من قولهم تأجم النهار أي اشتد حره أو بالحاء المهملة والميمين من قولهم أحم الماء سخنه.
" فأحمتك " الضمير للدار المقدمة، وهي الدنيا، أي منعتك دار الدنيا عن دار الآخرة. في القاموس: حمى الشئ يحميه حميا وحماية: منعه، وحمى المريض ما يضره منعه إياه، فاحتمى وتحمى: امتنع، وأحمى المكان جعله حمى لا يقرب، وحمي من الشئ كرضي أنف، وقال: كبس البئر و النهر يكسبهما طمهما بالتراب، ورأسه في ثوبه أخفاه وأدخله فيه، وداره هجم عليه واحتاط، وقال: عبق به الطيب كفرح لزق به. أو هو بالتاء المثناة الفوقانية جمع عاتق، وهي الجارية أول ما أدركت والتي لم تتزوج ذكره الفيروزآبادي وقال: الحور جمع أحور وحوراء، وبالتحريك أن يشتد بياض العين وسواد سوادها، وتستدير حدقتها، وترق جفونها، ويبيض ما حواليها، أو شدة بياضها وسواها في شدة بياض الجسد أو اسوداد العين كلها مثل الظباء ولا يكون في بني آدم بل يستعار لها. قوله: " على زيادات ربهم " أي نعمهم الزائدة عن قدر أعمالهم كما قال سبحانه: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " وقال: " ولدينا مزيد ".
" فإذا ضربت " أي أسرعت أو على بناء المجهول " والجنائب " جمع الجنيبة، وهي الفرس تقاد ولا تركب و " الرواحل " جمع الراحلة وهي المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى، وقيل هي الناقة التي تصلح أن ترحل " والرادن " الزعفران أو هو الألوان أي أنواع الطيب أو الأرجوان بالضم أي الورد الأحمر، أو الثوب الأرغواني والوردان جمع ورد لكنه لم يذكر في كتب اللغة " والكثب " بالضم جمع الكثيب وهو التل من الرمل و " يتطأ من تحت أقدامهم " افتعال من الوطئ في القاموس وطئه بالكسر يطاؤه داسه كوطأه ووطأته توطئة، واستوطأه وجده وطيئا ووطئه هيأه ودمثه وسهله كوطأ في الكل فاتطأ، واتطأ كافتعل استقام وبلغ نهايته، وتهيأ ورجل موطئ الأكناف كمعظم سهل دمث كريم مضياف.
وقال في الأساس: اطمأن بالمكان، ووتد الله الأرض بالجبال فاطمأنت، و من المجاز وقار وطمأنينة، ورأيته قلقا فرقا فطامنت منه حتى اطمأن، ومن المجاز في فلان وقار وتطأ من، وتقول قلبه آمن، وجاشه متطامن، وأرض مطمئنة ومتطأمنة منخفضة انتهى.
وأقول: فيتحمل أن يكون " من " جزء الكلمة من " يتطأمن " أي يمشون على اللؤلؤ والمرجان من غير عسر وحزونة، وكأن الأول أظهر.
" والقهارمة " جمع القهرمان، وفي النهاية هو كالخازن والوكيل والحافظ لما تحت يده والقائم بأمور الرجل بلغة الفرس " بمنابر الريحان " أي ما اجتمع وارتفع منه في القاموس نبر الشئ رفعه، ومنه المنبر بكسر الميم، وقال: النبرة كل مرتفع من شئ ويمكن أن يكون منائر بالهمز من النور بالفتح أي الأزهار، و " تفاجت " من الفجأة بالتخفيف والحذف وأصله تفاجأت أي ثارت فجأة وفي بعض النسخ هاجت من الهيجان وفي القاموس السربال بالكسر القميص أو الدرع أو كل ما لبس.
" من قطران " قال البيضاوي: وجاء قطران وقطران لغتين فيه وهو ما يتحلب من الا بهل فيطبخ فيهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحدته، وهو
أسود منتن يشتعل فيه النار بسرعة يطلى به جلود أهل النار حتى يكون طلاؤه لهم كالقميص ليجتمع عليهم لذع القطران، ووحشة لونه ونتن ريحه مع إسراع النار في جلودهم، وعن يعقوب من قطر آن والقطر النحاس أو الصفر المذاب والاني المتناهي حره، وقال: " يطوفون بينها " أي بين النار يحرقون بها و " بين حميم آن " أي ماء حار بلغ النهاية في الحرارة، يصب عليهم أو يسقون منه، وقيل إذا استغاثوا من النار أغيثوا بالحميم و " الحطم " الكسر و " الهشم " كسر اليابس، و شوهه الله: قبح وجهه، و " الخرطوم " كزنبور الانف قال تعالى: " سنسمه على الخرطوم " و " الجامعة " الغل و " التحم الطوق " أي دخل في اللحم ونشب فيه " خلدوا " أي كونوا مخلدين.
و " تنقطع بهم الأسباب " إشارة إلى قوله سبحانه: " إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب " قال البيضاوي: الأسباب الوصل التي كانت بينهم من الاتباع والاتفاق على الدين والاغراض الداعية إلى ذلك " على الجدران " لأنهم كانوا يضعونه فوق الجدار ليزيد تبريده " كنت مطعمه " أي رزقته على بناء المجهول فيهما مجازا.
وهذا الخبر كان في غاية السقم ولم أجده في كتاب آخر أصححه به، وكان فيه بعض التصحيف والحذف.
32 - فضائل الشيعة: للصدوق رحمه الله باسناده، عن أبي بصير، عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا الراعي راعي الأنام، أفترى الراعي لا يعرف غنمه؟ قال: فقام إليه جويرية وقال: يا أمير المؤمنين فمن غنمك؟ قال:
صفر الوجوه، ذبل الشفاه من ذكر الله.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.