پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

3 - باب طينة المؤمن وخروجه من الكافر وبالعكس وبعض

ج ۶۴، ص ۱۰۸–۱۲۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۴

ثم الصفوة من الطينة الطيبة عبارة عما غلب عليه إفاضة الجبروت من ذلك والثفل منه ما غلب عليه أثر الملكوت منه، و " كدورة الطين المنتن الخبيث " مما غلب عليه طبايع عالم الملك، وما يتبعه من الأهواء المضلة.

وإنما لم يذكر نصيب عالم الملك للأئمة عليهم السلام، مع أن أبدانهم العنصرية منه، لأنهم لم يتعلقوا بهذه الدنيا ولا بهذه الأجساد تعلق ركون وإخلاد، فهم وإن كانوا في النشأة الفانية بأبدانهم العنصرية، ولكنهم ليسوا من أهلها كما مضى بيانه.

قال الصادق عليه السلام في حديث حفص بن غياث: " يا حفص ما أنزلت الدنيا من نفسي إلا بمنزلة الميتة، إذا اضطررت إليها أكلت منها " فلا جرم نفضوا أذيالهم منها بالكلية، إذا ارتحلوا عنها، ولم يبق معهم منها كدورة، وإنما لم يذكر نصيب الناصب وأئمة الكفر من إفاضة عالم الجبروت، مع أن لهم منه حظ الشعور والإدراك وغير ذلك، لعدم تعلقهم ولا ركونهم إليه، ولذا تراهم تشمئز نفوسهم من سماع العلم والحكمة ويثقل عليهم، فهم الاسرار والمعارف، فليس لهم من ذلك العالم إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال نسوا الله فأنساهم أنفسهم فلا جرم ذهب عنهم نصيبهم من ذلك العالم، حيث أخلدوا إلى الأرض، واتبعوا أهواءهم.

فإذا جاء يوم الفصل وميز الله الخبيث من الطيب، ارتقى من غلب عليه إفاضات عالم الجبروت إلى الجبروت وأعلى الجنان والتحق بالمقربين، ومن غلب عليه آثار الملكوت إلى الملكوت، ومواصلة الحور والولدان، والتحق بأصحاب اليمين، وبقي من غلب عليه الملك في الحسرة والثبور والهوان، والتعذيب بالنيران إذ فرق الموت بينه وبين محبوباته ومشتهياته.

فالأشقياء وإن انتقلوا إلى نشأة من جنس نشأة الملكوت، خلقت بتبعيتها بالعرض، إلا أنهم يحملون معهم من الدنيا من صور أعمالهم وأخلاقهم وعقائدهم مما لا يمكن انفكاكهم عنه مما يتأذون به، ويعذبون بمجاورته، من سموم وحميم وظل من يحموم، ومن حياة وعقارب وذوات لدغ وسموم، ومن ذهب وفضة كنزوها في دار الدنيا ولم ينفقوها في سبيل الله واشرب في قلوبهم محبتها، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ومن آلهة يعبدونها من دون الله من حجر أو خشب أو حيوان أو غيرها، مما يعتقدون فيه أنه ينفعهم وهو يضرهم، إذ يقال إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم - وبالجملة المرء مع من أحب فمحبوب الأشقياء لما كان من متاع الدنيا الذي لا حقيقة له ولا أصل، بل هو متاع الغرور، فإذا كان يوم القيامة وبرزت وحواق الأمور كسد متاعهم، وصار لا شيئا محضا فيتألمون بذلك، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا التي هي وطنهم المألوف، لأنهم من أهلها ليسوا من أهل النشأة الباقية، لأنهم رضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها، فإذا فارقوها عذبوا بفراقها في نار جهنم.

أعمالهم التي أحاطت بهم، وجميع المعاصي والشهوات، يرجع إلى متاع هذه النشأة الدنياوية ومحبتها، فمن كان من أهلها عذب بمفارقتها لا محالة، ومن ليس من أهلها وإنما ابتلي بها، وارتكبها مع إيمان منه بقبحها، وخوف من الله سبحانه في إتيانها، فلا جرم يندم على ارتكابها، إذا رجع إلى عقله، وأناب إلى ربه فيصير ندامته عليها، والاعتراف بها، وذل مقامه بين يدي ربه حياء منه تعالى سببا لتنوير قلبه، وهذا المعنى تبديل سيئاتهم حسنات.

فالأشقياء إنما عذبوا بما لم يفعلوا لحنينهم إلى ذلك، وشهوتهم له، وعقد ضمائرهم على فعله دائما إن تيسر لهم، لأنهم كانوا من أهله ومن جنسه، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه.

والسعداء إنما لم يخلدوا في العذاب، ولم يشتد عليهم العقاب، بما فعلوا من القبائح، لأنهم ارتكبوا على كره من عقولهم، وخوف من ربهم، لأنهم لم

يكونوا من أهلها، ولا من جنسها، بل أثيبوا بما لم يفعلوا من الخيرات لحنينهم إليه، وعزمهم عليه، وعقد ضمائرهم على فعله، إن تيسر لهم.

فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى وإنما ينوي كل ما ناسب طينته، ويقتضيه جبلته، كما قال الله سبحانه: " قل كل يعمل على شاكلته " ولهذا ورد في الحديث: إن كلا من أهل الجنة والنار، إنما يخلدون فيما يخلدون على نياتهم، وإنما يعذب بعض السعداء حين خروجهم من الدنيا بسبب مفارقة ما مزج بطينتهم من طينة الأشقياء مما أنسوا به قليلا، وألفوه بسبب ابتلائهم به ما داموا في الدنيا.

وروى الشيخ الصدوق رحمه الله في اعتقاداته مرسلا: أنه لا يصيب أحدا من أهل التوحيد ألم في النار إذا دخلوها، وإنما يصيبهم آلام عند الخروج منها فيكون تلك الآلام جزاء بما كسبت أيديهم، وما الله بظلام للعبيد، انتهى.

وأقول: بناء هذه التأويلات على أمور ليست مخالفتها لأصول متكلمي الإمامية أقل من مخالفة ظواهر تلك الأخبار، وقد تكلمنا في أمثال هذه الروايات في كتاب العدل، وكان ترك الخوض فيها وفي أمثالها، ورد علمها مع صحتها إلى من صدرت عنه أحوط وأولى، كما قال مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وقد سئل عن القدر: طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسر الله فلا تتكلفوه.

22 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن أذينة، عن زرارة أن رجلا سأل أبا جعفر عليه السلام عن قوله عز وجل: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " إلى آخر الآية فقال وأبوه يسمع عليهما السلام:

حدثني أبي أن الله عز وجل قد قبض قبضة من تراب التربة التي خلق الله

منها آدم عليه السلام فصب عليها الماء العذب الفرات، ثم تركها أربعين صباحا، ثم صب عليها الماء المالح الأجاج، فتركها أربعين صباحا، فلما اختمرت الطينة أخذها فعركها عركا شديدا فخرجوا كالذر من يمينه وشماله، وأمرهم جميعا أن يقعوا في النار، فدخل أصحاب اليمين، فصارت عليهم بردا وسلاما، وأبى أصحاب الشمال أن يدخلوها.

بيان: ظاهر الحديث أن السؤال عن الباقر عليه السلام كان في زمن أبيه عليه السلام و هو حاضر، وفيه أنه لم يعهد إدراك زرارة علي بن الحسين عليه السلام فيتحمل أن يكون روي ذلك عن الرجل السائل، ولم يكن زرارة حاضرا عند السؤال، مع أنه يمكن إدراكه زمان السجاد عليه السلام، وعدم روايته عنه، ولذا لم يعد في أصحابه.

وفي تفسير العياشي هكذا: عن زرارة أن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام إلى آخر الخبر، وهو أصوب.

" وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم " قال البيضاوي: أي أخرج من أصلابهم نسلا على ما يتوالدون قرنا بعد قرن، و " من ظهورهم " بدل من بني آدم بدل البعض، وقرء نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب " ذرياتهم " و " أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم " أي نصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الاقرار بها، حتى صاروا بمنزلة من قيل: " ألست بربكم قالوا بلى " فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه، منزلة الاشهاد والاعتراف، على طريقة التمثيل، ويدل عليه قوله " قالوا بلى شهدنا ".

" أن تقولوا يوم القيامة ": أي كراهة أن تقولوا " إنا كنا عن هذا غافلين " لم نتنبه عليه بدليل " أو تقولوا " عطف على " أن تقولوا ".

" إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم " فاقتدينا بهم، لان

التقليد عند قيام الدليل، والتمكن من العلم به، لا يصلح عذرا " أفتهلكنا بما فعل المبطلون " يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك، وقيل: لما خلق الله آدم أخرج من ذريته ذرية كالذر، وأحياهم، وجعل لهم العقل والنطق، وألهمهم ذلك لحديث رواه عمر انتهى.

وقال بعض المحققين: لعل معنى إشهاد ذرية بني آدم على أنفسهم بالتوحيد استنطاق حقائقهم بألسنة قابليات جواهرها، وألسن استعدادات ذواتها، وأن تصديقهم به كان بلسان طباع الامكان، قبل نصب الدلائل لهم، أو بعد نصب الدلائل أو أنه نزل تمكينهم من العلم وتمكنهم منه، بمنزلة الاشهاد والاعتراف، على طريقة التخيل.

نظير ذلك قوله عز وجل " إنما قولنا لشئ " الخ وقوله عز وعلا " فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " ومعلوم أنه لا قول ثمة وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى، ويحتمل أن يكون النطق باللسان الملكوتي الذي به يسبح كل شئ بحمد ربه، وذلك لأنهم مفطورون على التوحيد.

قوله عليه السلام " من تراب التربة " هذا من قبيل إضافة الجزء إلى الكل، قوله " من يمينه وشماله " الضميران راجعان إلى الملك المأمور بهذا الامر كجبرئيل أو العرش أو إلى التراب، فاستعار اليمين للجهة التي فيها اليمن والبركة، والشمال للأخرى أو اليمين لصفة الرحمانية والشمال لصفة القهارية، فالضميران راجعان إلى الله تعالى، كما في الدعاء: " والخير في يديك: أي كلما يصدر منك من خير أو شر أو نفع أو ضر فهو خير، ومشتمل على المصالح الجليلة.

23 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن

داود العجلي، عن زرارة، عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى حيث خلق الخلق، خلق ماء عذبا، وماء مالحا أجاجا، فامتزج الماءان فأخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا، فقال لأصحاب اليمين، وهم كالذر يدبون: إلى الجنة بسلام، وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا أبالي ثم قال: ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين.

ثم أخذ الميثاق على النبيين، فقال: ألست بربكم وأن هذا محمد رسولي وأن هذا علي أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى: فثبتت لهم النبوة، وأخذ الميثاق على أولي العزم، أنني ربكم، ومحمد رسولي، وعلي أمير المؤمنين، وأوصياؤه من بعده ولاة أمري، وخزان علمي، وأن المهدي أنتصر به لديني، وأظهر به دولتي وأنتقم به من أعدائي، وأعبد به طوعا وكرها، قالوا: أقررنا يا رب وشهدنا ولم يجحد آدم ولم يقر.

فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي، ولم يكن لادم عزم على الاقرار به، وهو قوله عز وجل " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " قال: إنما هو فترك .

ثم أمر نارا فأججت، فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها فهابوها، وقال لأصحاب اليمين: ادخلوها فدخلوها، فكانت عليهم بردا وسلاما، فقال أصحاب الشمال: يا رب أقلنا، فقال: قد أقلتكم اذهبوا فادخلوها، فهابوها، فثم ثبتت الطاعة والولاية والمعصية.

توضيح: قوله عليه السلام " فأخذ طينا ": أي مزجه بالمائين، ليحصل فيه استعداد الخير والشر، " إلى الجنة ": أي امضوا إليها سالمين من العذاب والنكال، أو إلى ما يوجب الجنة سالمين من شبه الشياطين ووساوسهم.

" أن تقولوا " كذا في أكثر النسخ بصيغة الخطاب، كما في القراءات المشهورة

فيكون ذكر تتمة الآية استطرادا، والأصوب هنا. " أن يقولوا " بصيغة الغيبة موافقا لقرائة أبي عمرو في الآية.

قوله عليه السلام: " ثم أخذ " لعل كلمة " ثم " هنا للتراخي الرتبي لا الزماني لما بين الميثاقين من التفاوت وإلا فالظاهر تقدم أخذ الميثاق من النبيين على غيرهم كما أن ميثاق أولي العزم مقدم على غيرهم أيضا، وأريد بأولي العزم: نوح وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم، ولا ينافي دخول الاقرار بنبوة نبينا صلى الله عليه وآله فيما عهد إليهم، دخوله في المعهود إليهم.

قيل: ولما كانوا معهودين معلومين، جاز أن يشار إليهم بهؤلاء الخمسة مع عدم ذكرهم مفصلا، وإنما زاد في أخذ الميثاق على من زاد في رتبته وشرفه لان التكليف إنما يكون بقدر الفهم والاستعداد، فكلما زاد زاد، وإنما يعرف مراتب الوجود من له حظ منها وبقدر حظه منها، وأما آدم فلما لم يعزم على الاقرار بالمهدي، لم يعد من أولي العزم وإنما عزم على الاقرار بغيره من الأوصياء.

" إنما هو فترك " يعني معنى " فنسي " هنا ليس إلا " فترك "، ولعل السر في عدم عزمه عليه السلام على الاقرار بالمهدي، استبعاده أن يكون لهذا النوع الانساني اتفاق على أمر واحد انتهى.

وأقول: الظاهر أن المراد بعدم العزم، عدم الاهتمام به وبتذكره، أو عدم التصديق اللساني، حيث لم يكن شئ من ذلك واجبا، لا عدم التصديق به مطلقا فإنه لا يناسب منصب النبوة، بل ولا ما هو أدون منه، وقوله: " إنما هو فترك " أي معنى النسيان هنا الترك، لان النسيان غير مجوز على الأنبياء عليهم السلام، أو كان في قرا نهم عليهم السلام: " ترك " مكان " فنسي ".

أو المعنى أن الزم إنما هو ما ذكر، أي العزم على الاقرار المذكور فترك آدم عليه السلام، أو كان المطلوب الاقرار التام ولم يأت به، أو عزم أولا ثم ترك والأول كأنه أظهر.

وفي القاموس: الأجيج تلهب النار كالتأجج، وأججتها تأجيجا فتأججت.

24 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد وعلي بن إبراهيم، عن أبيه عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله عز وجل لما أخرج ذرية بني آدم من ظهره، ليأخذ عليهم الميثاق بالربوبية له، وبالنبوة لكل نبي، فكان أول من أخذ له عليهم الميثاق بنبوته، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله.

ثم قال الله عز وجل لآدم: انظر ماذا ترى؟ قال: فنظر آدم عليه السلام إلى ذريته وهم ذر قد ملؤا السماء، قال آدم عليه السلام: يا رب ما أكثر ذريتي؟ ولامر ما خلقتهم! فما تريد منهم بأخذك الميثاق عليهم؟ قال الله عز وجل: يعبدونني ولا يشركون بي شيئا ويؤمنون برسلي ويتبعونهم.

قال آدم: يا رب فمالي أرى بعض الذر أعظم من بعض؟ وبعضهم له نور كثير؟ وبعضهم له نور قليل؟ وبعضهم ليس له نور أصلا؟ فقال الله عز وجل: وكذلك خلقتهم لأبلوهم في كل حالاتهم.

قال آدم عليه السلام: يا رب فتأذن لي في الكلام فأتكلم؟ قال الله عز وجل:

تكلم فإن روحك من روحي، وطبيعتك خلاف كينونتني، قال آدم عليه السلام: فلو كنت خلقتهم على مثال واحد، وقدر واحد، وطبيعة واحدة، وجبلة واحدة وألوان واحدة، وأعمار واحدة، وأرزاق سواء، لم يبغ بعضهم على بعض ولم يك بينهم تحاسد ولا تباغض، ولا اختلاف في شئ من الأشياء.

قال الله عز وجل: يا آدم بروحي نطقت، وبضعف طبيعتك تكلمت مالا علم لك به، وأنا الخالق العليم، بعلمي خالفت بين خلقهم. وبمشيتي يمضي فيهم أمري، وإلى تدبيري وتقديري صائرون، ولا تبديل لخلقي، إنما خلقت الجن والإنس ليعبدوني، وخلقت الجنة لمن عبدني فأطاعني منهم واتبع رسلي، ولا أبالي، وخلقت النار لمن كفر بي وعصاني، ولم يتبع رسلي ولا أبالي.

وخلقتك وخلقت ذريتك من غير فاقة بي إليك وإليهم، وإنما خلقتك وخلقتهم لأبلوك وأبلوهم أيكم أحسن عملا في دار الدنيا في حياتكم، وقبل مماتكم

فلذلك خلقت الدنيا والآخرة، والحياة والموت، والطاعة والمعصية، والجنة والنار.

وكذلك أردت في تقديري وتدبيري، وبعلمي النافذ فيهم خالفت بين صورهم وأجسامهم، وألوانهم وأعمارهم، وأرزاقهم، وطاعتهم ومعصيتهم، فجعلت منهم الشقي والسعيد، والبصير والأعمى، والقصير والطويل، والجميل والدميم، والعالم والجاهل والغني والفقير، والمطيع والعاصي، والصحيح والسقيم، ومن به الزمانة، ومن لا عاهة به.

فينظر الصحيح إلى الذي به العاهة، فيحمدني على عافيته، وينظر الذي به العاهة إلى الصحيح فيدعوني ويسألني أن أعافيه، ويصبر على بلائي فأثيبه جزيل عطائي، وينظر الغني إلى الفقير فيحمدني ويشكرني، وينظر الفقير إلى الغني فيدعوني ويسألني، وينظر المؤمن إلى الكافر، فيحمدني على ما هديته.

فلذلك خلقتهم لأبلوهم في السراء والضراء، وفيما أعافيهم، وفيما أبتليهم وفيما أعطيهم، وفيما أمنعهم، وأنا الله الملك القادر، ولي أن أمضي جميع ما قدرت على ما دبرت، ولي أن أغير من ذلك ما شئت إلى ما شئت، وأقدم من ذلك ما أخرت، وأؤخر من ذلك ما قدمت، وأنا الله الفعال لما أريد، لا اسأل عما أفعل وأنا أسأل خلقي عما هم فاعلون.

تبيين: قوله " فكان " و " ثم قال " و " فنظر " الكل معطوف على أخرج، وقوله:

" قال آدم " جواب لما، و " لأمر ما " أي لأمر عظيم، قوله " يعبدونني " أي أريد منهم أن يعبدوني، قوله " لا يشركون بي شيئا " حال أو استيناف بياني.

قوله " وكذلك خلقتهم " في بعض النسخ " لذلك " أي لأجل الاختلاف كما قال سبحانه " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " على بعض التفاسير، أو لان يعبدوني ولا يشركوا بي شيئا.

" من روحي " أي من روح اصطفيته واخترته، أو من عالم المجردات، بناء على تجرد النفس، قيل: الروح الأول النفس والثاني جبرئيل، ولا يخفى ما فيه.

" وطبيعتك " أي خلقتك الجسمانية البدنية أو صفاتها التابعة لها " خلاف كينونتي " أي وجودي فإنها من عالم الماديات، ولا تناسب عالم المجردات، و الخطاء والوهم ناش منها.

وقيل: الكينونة هنا مصدر كان الناقصة، والإضافة أيضا للتشريف: أي صفاتك البدنية مخالفة للآداب المرضية لي، ككونك صابرا وقانعا وراضيا بقضائه تعالى، " والجبلة " بكسر الجيم والباء وتشديد اللام: الخلقة، قوله " وبضعف طبيعتك تكلفت ما لا علم لك به " في بعض النسخ: وبضعف قوتك تكلمت.

والحاصل أن حكمك بأنهم إذا كانوا على صفات واحدة كان أقرب إلى الحكمة والصواب، إنما نشأ من الأوهام التابعة للقوى البدنية، فإنهم لو كانوا كذلك، لم يتيسر التكليف المعرض لهم لارفع الدرجات، ولم يبق نظام النوع ولم يرتكبوا الصناعات الشاقة التي بها بقاء نوعهم، إلى غير ذلك من الحكم والمصالح.

" بعلمي خالفت بين خلقهم " إذ علمت أن في مخالفة خلقتهم صلاحهم وبقاء نوعهم، " وبمشيتي " أي إرادتي التابعة لحكمتي، " يمضي فيهم أمري " أي الامر التكويني أو التكليفي أو الأعم، " لا تبديل لخلقي ": أي لتقديري أو لما قررت فيهم من القابليات والاستعدادات.

وقيل: أي من حسنت أحواله في ذلك الوقت، حسنت أحواله في الدنيا ومن حسنت أحواله في الدنيا، حسنت أحواله في الآخرة، ومن قبحت أحواله في ذلك الوقت قبحت أحواله في الموطنين الآخرين، لا يتبدل هؤلاء إلى هؤلاء، ولا هؤلاء إلى هؤلاء.

أقول: قد مر وسيأتي الكلام في تفسير قوله تعالى: " لا تبديل لخلق الله " وكأن هذا إشارة إليه. " وإنما خلقت الجن والإنس ليعبدوني " إشارة إلى قوله

تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ".

وأورد على ظاهر الآية أن بعض الجن والإنس لا يعبدون أصلا، إما لكفر أو جنون أو موت قبل البلوغ أو نحو ذلك، وعدم ترتب العلة الغائية على فعل الحكيم ممتنع، وأجيب بوجوه أربعة:

الأول: أنه أراد سبحانه بالجن والانس اللذين بلغوا حد التكليف قبل الممات، والتعليل المفهوم من اللام، أعم من العلة الغائية، كما روى الصدوق في التوحيد عن أبي الحسن الأول عليه السلام أنه قال: معنى قول النبي صلى الله عليه وآله " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " أن الله عز وجل خلق الجن والإنس ليعبدوه، ولم يخلقهم ليعصوه، وذلك قوله عز وجل " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " فيسر كلا لما خلق الجن له. فالويل لمن استحب العمى على الهدى.

الثاني: أنه إن سلمنا أن المراد بالجن والانس ما هو أعم من المكلفين وأن اللام للعلية الغائية، لا نسلم العموم في ضمير الجمع في قوله " ليعبدون " إذ لعل المراد عبادة بعض الجن والإنس.

الثالث: إن سلمنا عموم ضمير يعبدون أيضا، فلا نسلم رجوع الضمير إلى الجن والإنس، إذ يمكن عوده إلى المؤمنين المذكورين قبل هذه الآية، في قوله تعالى: " فذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين " فتدل على أن خلق غير المؤمنين لأجل المؤمنين، كما يومئ إليه قوله تعالى في هذا الخبر، " وينظر المؤمن إلى الكافر فيحمدني فلذلك خلقتهم " الخ.

الرابع: لو سلمنا جميع ذلك، نقول: ترتب الغاية على فعل الحكيم ووجوبه

إنما هو فيما هو غاية بالذات، والغاية بالذات هنا إنما هي التكليف بالعبادة، والعبادة غاية بالعرض، والتكليف شامل لجميع أفراد الجن والإنس، للروايات الدالة على أن الأطفال والمجانين يكلفون في القيامة، كما سيأتي في كتاب الجنايز.

قوله " وقبل مماتكم " كأن تخصيص قبل الممات بالذكر وإن كان داخلا في الحياة، للتنبيه على أن المدار على العاقبة في السعادة والشقاوة، " لأبلوك وأبلوهم " أي لأعاملك وإياهم معاملة المختبر، " أيكم أحسن عملا " مفعول ثان للبلوى، بتضمين معنى العلم.

قوله " والطاعة والمعصية " إسناد خلقهما إليه سبحانه إسناد إلى العلة البعيدة أو المراد به: جعل المعصية معصية والطاعة طاعة، أو المراد بالخلق: التقدير على عموم المجاز، أو الاشتراك، وظاهره أن الجنة والنار مخلوقتان، كما هو مذهب أكثر الامامية بل كلهم، وأكثر العامة، وقد مر الكلام فيه في كتاب المعاد.

" وبعلمي النافذ فيهم ": أي المتعلق بكنه ذواتهم وصفاتهم وأعمالهم، كأنه نفذ في أعماقهم، أو الجاري أثره فيهم " فجعلت منهم الشقي والسعيد " أي من كنت أعلم عند خلقه أنه يصير شقيا، أو المادة القابلة للشقاوة، وإن لم يكن مجبورا عليها، وكذا السعيد " والبصير " أي بصرا أو بصيرة وكذا " الأعمى ".

و " الذميم " في أكثر النسخ بالذال المعجمة أي المذموم الخلقة، في القاموس ذمه ذما ومذمة فهو مذموم وذميم، وبئر ذميم وذميمة: قليلة الماء، وغزيرة ضد وبه ذميمة: أي زمانة تمنعه الخروج وكأمير بثر يعلو الوجوه من حر أو جرب. وفي بعض النسخ بالدال المهملة، في القاموس: والدمة بالكسر: الرجل القصير الحقير وأدم: أقبح، أو ولد له ولد قبيح دميم، وقال: الزمانة: العاهة وقوله " لأبلوهم " بدل لقوله: " لذلك خلقتهم " قوله " ولي أن أغير " إشارة إلى أن

الطينات المختلفة، والخلق منها، وتقدير الأمور المذكورة فيهم، ليس مما ينفي اختيار الخير والشر، أو من الأمور الحتمية التي لا تقبل البداء.

" لا اسأل عما أفعل " إنما لا يسأل لأنه سبحانه الكامل بالذات، العادل في كل ما أراد، العالم بالحكم والمصالح الخفية التي لا تصل إليها عقول الخلق بخلاف غيره فإنهم مسؤلون عن أعمالهم وأحوالهم، لان فيها الحسن والقبيح والايمان والكفر، لا بالمعنى الذي تذهب إليه الأشاعرة أنه يجوز أن يدخل الأنبياء عليهم السلام النار. والكافر الجنة، ولا يجب عليه شئ.

وقيل: إن هذا إشارة إلى عدم الوجوب السابق، وجواز تخلف المعلول عن العلة التامة، كما اختاره هذا القائل.

وقال بعض أرباب التأويل في شرح هذا الخبر: إنما ملؤا السماء لان الملكوت إنما هو في باطن السماء وقد ملؤها، وكانوا يومئذ ملكوتيين، والسر في تفاوت الخلائق في الخيرات والشرور، واختلافهم في السعادة والشقاوة، اختلاف استعداداتهم وتنوع حقائقهم، لتباين المواد السفلية في اللطافة والكثافة، واختلاف أمزجتهم في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقي، واختلاف الأرواح التي بإزائها في الصفاء والكدورة والقوة والضعف وترتب درجاتهم في القرب من الله سبحانه والبعد عنه كما أشير إليه في الحديث: الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام، وأما أسر هذا السر أعني سر اختلاف الاستعدادات وتنوع الحقائق، فهو تقابل صفات الله سبحانه وأسمائه الحسنى، التي هي من أوصاف الكمال، ونعوت الجلال وضرورة تباين مظاهرها التي بها يظهر أثر تلك الأسماء، فكل من الأسماء يوجب تعلق إرادته سبحانه وقدرته إلى إيجاد مخلوق يدل عليه، من حيث اتصافه بتلك الصفة، فلابد من

إيجاد المخلوقات كلها على اختلافها، وتباين أنواعها لتكون مظاهر لأسمائه الحسنى جميعا، ومجالي لصفاته العليا قاطبة، كما أشير إلى لمعة منه في هذا الحديث انتهى.

أقول: هذه الكلمات مبنية على خرافات الصوفية، إنما نورد أمثالها لتطلع على مسالك القوم في ذلك وآرائهم.

25 - الكافي: عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن عبد الله ابن سنان قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك إني لأرى بعض أصحابنا يعتريه النزق والحدة والطيش. فأغتم لذلك غما شديدا، وأرى من خالفنا فأراه حسن السمت، قال: لا تقل حسن السمت، فان السمت سمت الطريق، ولكن قل:

حسن السيماء، فان الله عز وجل يقول: " سيماهم في وجوههم " قال: قلت:

فأراه حسن السيماء، له وقار، فأغتم لذلك، قال: لا تغتم لما رأيت من نزق أصحابك، ولما رأيت من حسن سيماء من خالفك، إن الله تبارك وتعالى لما أراد أن يخلق آدم، خلق تلك الطينتين ثم فرقهما فرقتين، فقال لأصحاب اليمين:

كونوا خلقا بإذني، فكانوا خلقا بمنزلة الذر يسعى، وقال لأصحاب الشمال:

كونوا خلقا بإذني، فكانوا خلقا بمنزلة الذر يدرج.

ثم رفع لهم نارا فقال: ادخلوها بإذني، فكان أول من دخلها محمد صلى الله عليه وآله ثم اتبعه أولو العزم من الرسل. وأوصياؤهم وأتباعهم، ثم قال لأصحاب الشمال:

ادخلوها باذني، فقالوا: ربنا خلقتنا لتحرقنا؟ فعصوا، فقال لأصحاب اليمين:

اخرجوا بإذني من النار، فخرجوا لم تكلم منهم النار كلما، ولم تؤثر فيهم أثرا.

فلما رآهم أصحاب الشمال قالوا: ربنا نرى أصحابنا قد سلموا، فأقلنا ومرنا بالدخول، قال: قد أقلتكم فادخلوها، فلما دنوا وأصابهم الوهج رجعوا فقالوا يا ربنا لا صبر لنا على الاحتراق، فعصوا فأمرهم بالدخول ثلاثا، كل ذلك يعصون ويرجعون وأمر أولئك ثلاثا كل ذلك يطيعون ويخرجون فقال لهم:

كونوا طينا باذني، فخلق منه آدم.

قال: فمن كان من هؤلاء، لا يكون من هؤلاء، ومن كان من هؤلاء لا يكون من هؤلاء وما رأيت من نزق أصحابك وخلقهم، فمما أصاب من لطخ أصحاب الشمال، وما رأيت من حسن سيماء من خالفكم ووقارهم فمما أصابهم من لطخ أصحاب اليمين.

توضيح: يقال: عراه واعتراه: أي غشيه وأتاه، و " النزق " بالفتح و التحريك: الخفة عند الغضب، والحدة والطيش قريبان منه، وقال الجوهري:

السمت: الطريق، وسمت يسمت بالضم أي قصد، والسمت هيئة أهل الخير، يقال:

ما أحسن سمته أي هديه، وقال: السيما مقصور من الواو، قال تعالى: " سيماهم في وجوههم " وقد يجئ السيماء والسيمياء ممدودين.

وقال الفيروزآبادي: السمت: الطريق وهيئة أهل الخير والسير على الطريق بالظن، وحسن النحو، وقصد الشئ، وقال: السيمة والسيماء والسيمياء بكسرهن: العلامة.

وقال الجزري: السمت: الهيئة الحسنة، ومنه فينظرون إلى سمته وهديه أي حسن هيئته ومنظره في الدين، وليس من الحسن والجمال، وقيل هو من السمت الطريق، يقال: الزم هذا السمت وفلان حسن السمت: أي حسن القصد.

وقال الزمخشري: السمت أخذ النهج ولزوم المحجة، يقال: ما أحسن سمته: أي طريقته التي ينتهجها في تحري الخير والتزيي بزي الصالحين.

وفي المصباح: السمت: الطريق والقصد والسكينة والوقار والهيئة انتهى.

ولعل منعه عليه السلام عن إطلاق السمت لان السمت يكون بمعنى سمت الطريق فيوهم أن طريقهم ومذهبهم حسن، فعبر عليه السلام بعبارة أخرى لا يوهم ذلك، أو لما

لم يكن السمت بمعنى هيئة أهل الخير فصيحا، أمر بعبارة أخرى أفصح منه، أو أنه عليه السلام علم أنه أراد بالسمت السيماء لا هيئة أهل الخير والطريقة الحسنة، و الافعال المحمودة، فلذا نبهه عليه السلام بأن السمت لم يأت بالمعنى الذي أردت، و هذا قريب من الأول.

والوقار: الاطمينان والسكينة البدنية، " لأصحاب اليمين " أي للذين كانوا في يمين الملك الذي أمره بتفريقها، أو للذين كانوا في يمين العرش، أو للذين علم أنهم سيصيرون من المؤمنين الذين يقفون في القيامة عن يمين العرش.

" كونوا خلقا " أي مخلوقين ذوي أرواح، وقيل: أي كونوا أرواحا " بمنزلة الذر " أي النمل الصغار، " يسعى " وإطلاق السعي هنا، والدرج فيما سيأتي، إما لمحض التفنن في العبارة، أو المراد بالسعي سرعة السير، وبالدرج المشي الضعيف، كما يقال درج الصبي إذا مشى أول مشيه، فيكون إشارة إلى مسارعة الأولين إلى الخيرات وبطء الآخرين عنها وقيل: المراد سعي الأولين إلى العلو، والآخرين إلى السفل. ولا دلالة في اللفظ عليهما.

" ثم اتبعه أولو العزم ": أي سائرهم عليهم السلام، و " الكلم " الجرح، والفعل كضرب، وقد يبنى على التفعيل، وفي القاموس: وهج النار تهج وهجا ووهجانا:

اتقدت، والاسم الوهج محركة.

وأقول: يمكن أن يقال في تأويل هذا الخبر: إنه لما كان من علم الله منهم السعادة تابعين للعقل ولمقتضيات النفس المقدس فكأنها طينتهم، ومن علم الله منهم الشقاوة، تابعين للشهوات البدنية، ودواعي النفس الامارة فكأنها طينتهم ولما مزج الله بينهما في عالم الشهود، جري في غالب الناس الطاعة والمعصية والصفات القدسية والملكات الردية، فما كان من الخيرات فهو من جهة العقل والنفس، وهما طينة أصحاب اليمين، وإن كان في أصحاب الشمال، وما كان من الشرور والمعاصي فهو من الاجزاء البدنية التي هي طينة أصحاب الشمال، وإن كان في أصحاب اليمين.

ويمكن أيضا أن يقال: المعنى أن الله تعالى قرر في خلقة آدم عليه السلام وطينته دواعي الخير والشر، وعلم أنه يكون في ذريته السعداء والأشقياء، وخلق آدم عليه السلام مع علمه بذلك، فكأنه خلط بين الطينتين، ولما كان أولاد آدم مدنيين بالطبع، لابد لهم في نشأة الدنيا من المخالطة والمصاحبة، فالسعداء يكتسبون الصفات الذميمة من مخالطة الأشقياء وبالعكس، فلعل قوله " من لطخ أصحاب الشمال " و " من لطخ أصحاب اليمين " إشارة إلى هذا المعنى.

ولما كان السبب الأقوى في اكتساب السعداء صفات الأشقياء استيلاء أئمة الجور وأتباعهم على أئمة الحق وأتباعهم، وعلم الله أن المؤمنين إنما يرتكبون الآثام، لاستيلاء أهل الباطل عليهم، وعدم تولي أئمة الحق لسياستهم، فيعذرهم بذلك ويعفو عنهم، ويعذب أئمة الجور وأتباعهم بتسببهم لجرائم من خالطهم، مع ما يستحقون من جرائم أنفسهم، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في الاخبار الآتية إنشاء الله تعالى.

26 - المحاسن: عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى خلق المؤمن من نور عظمته، وجلال كبريائه فمن طعن على المؤمن أو رد عليه فقد رد على الله في عرشه، وليس هو من الله في ولاية وإنما هو شرك شيطان.

بيان: " وليس هو من الله في ولاية ": أي ليس من أولياء الله وأحبائه وأنصاره أو ليس من المؤمنين الذين ينصرهم الله ويواليهم، كما قال تعالى: " ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم " أو ليس من حزب الله، بل هو من حزب الشيطان كما ورد في خبر آخر: خرج من ولاية الله إلى ولاية الشيطان.

27 - رياض الجنان: لفضل الله بن محمد الفارسي باسناده عن بشر بن أبي عتبة، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قال: إن الله خلق محمدا من طينة من

جوهرة من تحت العرش وإنه كان لطينته نضج، فجعل طينة أمير المؤمنين عليه السلام من نضج طينة رسول الله صلى الله عليه وآله وكان لطينة أمير المؤمنين عليه السلام نضج، فجعل طينتنا من فضل طينة أمير المؤمنين.

وكانت لطينتنا نضج؟ جعل طينة شيعتنا من نضج طينتنا، فقلوبهم تحن إلينا وقلوبنا تعطف عليهم كعطف الوالد على الولد، ونحن لهم خير منهم لنا، ورسول الله صلى الله عليه وآله لنا خير ونحن له خير.

28 - ومنه: بإسناده عن أبي الحجاج قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا أبا الحجاج إن الله خلق محمدا وآل محمد صلى الله عليهم من طين عليين، وخلق قلوبهم من طين عليين، فقلوب شيعتنا من أبدان آل محمد صلى الله عليه وآله، وإن الله تعالى خلق عدو آل محمد من طين سجين، وخلق قلوبهم أخبث من ذلك، وخلق شيعتهم من طين دون طين سجين، فقلوبهم من أبدان أولئك، وكل قلب يحن إلى بدنه.

29 - بشارة المصطفى: عن ابن الشيخ عن والده، عن المفيد، عن الجعابي، عن جعفر بن محمد الحسيني، عن أحمد بن عبد المنعم، عن عبد الله بن محمد الفزاري، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر الأنصاري وبالاسناد عن أحمد بن عبد المنعم. عن عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي - طالب عليه السلام: ألا أبشرك ألا أمنحك؟ قال: بلى يا رسول الله قال: فإني خلقت أنا وأنت من طينة واحدة، ففضلت منها فضلة، فخلق منها شيعتنا، فإذا كان يوم القيامة دعي الناس بأمهاتهم إلا شيعتك، فإنهم يدعون بأسماء آبائهم لطيب مولدهم.

30 - بشارة المصطفى: عن محمد بن أحمد بن شهريار الخازن، عن أبي منصور محمد بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز المعدل، عن أبي عمير السماك، عن محمد بن أحمد المهدي، عن عمر بن الخطاب السجستاني، عن إسماعيل بن العباس الحمصي، عن أبي زياد

عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي عليه السلام: ألا أبشرك يا علي؟

قال: بلى بأبي وأمي يا رسول الله، قال: أنا وأنت وفاطمة والحسن والحسين خلقنا من طينة واحدة، وفضلت منها فضلة فجعل منها شيعتنا ومحبينا، فإذا كان يوم القيامة دعي الناس بأسماء أمهاتهم، ما خلا نحن وشيعتنا ومحبينا، فإنهم يدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم.

31 - بشارة المصطفى: عن ابن شيخ الطائفة، عن أبيه، عن المفيد، عن المظفر بن محمد عن محمد بن أحمد بن أبي الثلج، عن أحمد بن محمد بن عيسى الهاشمي، عن محمد بن عبد الله الزراري، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبي زكريا الموصلي، عن جابر، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي:

أنت الذي احتج الله بك في ابتداء الخلق، حيث أقامهم أشباحا ، فقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى قال: ومحمد رسولي؟ قالوا: بلى، قال: وعلي أمير المؤمنين؟

فأبى الخلق جميعا إلا استكبارا وعتوا عن ولايتك، إلا نفر قليل، وهم أقل القليل، وهم أصحاب اليمين.

32 - الكافي: عن محمد بن يحيى وغيره عن أحمد بن محمد وغيره، عن محمد بن خلف عن أبي نهشل قال: حدثني محمد بن إسماعيل، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله عز وجل خلقنا من أعلى عليين، وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه، وخلق أبدانهم من دون ذلك، وقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت مما خلقنا، ثم تلا هذه الآية " كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم يشهده المقربون ".

وخلق عدونا من سجين، وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه، وأبدانهم

من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم، لأنها خلقت مما خلقوا منه، ثم تلا هذه الآية " كلا إن كتاب الفجار لفي سجين * وما أدراك ما سجين * كتاب مرقوم * [ويل يومئذ للمكذبين "]. بيان: قد مر الخبر وشرحه في باب خلق أبدان الأئمة عليهم السلام.

وقال بعض أرباب التأويل: كل ما يدركه الانسان بحواسه يرتفع منه أثر إلى روحه، ويجتمع في صحيفة ذاته وخزانة مدركاته، وكذلك كل مثقال ذرة من خير أو شر يعمله يرى أثره مكتوبا ثمة، وسيما ما رسخت بسبب الهيئات وتأكدت به الصفات، وصار خلقا وملكة.

فالأفاعيل المتكررة، والعقائد الراسخة في النفوس، وهي بمنزلة النقوش الكتابية في الألواح، كما قال الله تعالى " أولئك كتب في قلوبهم الايمان " وهذه الألواح النفيسة يقال لها: صحائف الأعمال، وإليه الإشارة بقوله سبحانه " وإذا الصحف نشرت " وقوله عز وجل " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا " فيقال له: " قد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد " " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ". فمن كان من أهل السعادة وأصحاب اليمين، وكانت معلوماته أمورا قدسية وأخلاقه زكية، وأعماله صالحة، " فقد أوتي كتابه بيمينه " أعني من الجانب

الأقوى الروحاني، وهو جهة عليين، وذلك لان كتابه من جنس الألواح العالية والصحف المكرمة، المرفوعة المطهرة، بأيدي سفرة، كرام بررة يشهده المقربون.

ومن كان من الأشقياء المردودين، وكانت معلوماته مقصورة على الجرميات وأخلاقه سيئة، وأعماله خبيثة، فقد أوتي كتابه بشماله، أعني من جانبه الأضعف الجسماني، وهو جهة سجين، وذلك لان كتابه من جنس الأوراق السفلية والصحائف الحسية القابلة للاحتراق، فلا جرم يعذب بالنار.

وإنما عود الأرواح إلى ما خلقت منه، كما قال سبحانه " كما بدأكم تعودون " " كما بدأنا أول خلق نعيده " فما خلق من عليين فكتابه في عليين وما خلق من سجين، فكتابه في سجين انتهى.

وسياق تلك التحقيقات على مذاقه من أصول الدين، ولما لم يصرح بنفي ما حققه جماهير الامامية من أصحاب اليقين، لا أدري أنها ثبتت له في عليين أو سجين، وفقنا الله لسلوك مسالك المتقين.

33 - بشارة المصطفى: عن ابن الشيخ، عن أبيه، عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد بن خالد، عن فضالة، عن أبي بصير، عن أبي - جعفر عليه السلام قال: إنا وشيعتنا خلقنا من طينة عليين، وخلق الله عدونا من طينة خبال من حماء مسنون.

بيان: قال في النهاية: فيه من شرب الخمر سقاه الله من طينة الخبال يوم القيامة جاء تفسيره في الحديث أن الخبال عصارة أهل النار، والخبال في الأصل الفساد ويكون من الافعال والأبدان والعقول.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.