بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
3 - باب طينة المؤمن وخروجه من الكافر وبالعكس وبعض
ج ۶۴، ص ۷۶–۱۰۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
2 - المحاسن: عن أبيه، عن فضالة، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنا وشيعتنا خلقنا من طينة واحدة. 3 - المحاسن: عن أبي إسحاق الخفاف، رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: المؤمن آنس الانس جيد الجنس، من طينتنا أهل البيت. بيان: " آنس " على صيغة اسم الفاعل، ويحتمل أفعل التفضيل، ونسبته إلى الانس على المجاز والمراد: الانس بأئمتهم عليهم السلام أو بعضهم ببعض. 4 - المحاسن: عن علي بن حديد، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
إن الله إذا أراد أن يخلق المؤمن من المؤمن والمؤمن من الكافر، بعث ملكا فأخذ
قطرة من ماء المزن، فألقاها على ورقة، فأكل منها أحد الأبوين فذلك المؤمن منه. 5 - المحاسن: عن الوشاء، عن علي بن ميسر، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن نطفة المؤمن لتكون في صلب المشرك، فلا يصيبه شئ من الشر حتى يضعه، فإذا صار بشرا سويا، لم يصبه شئ من الشر حتى يجري عليه القلم.
6 - الاختصاص: عن محمد بن حمران، قال: سألت الصادق عليه السلام من أي شئ خلق الله طينة المؤمن؟ قال: من طينة عليين، قال: قلت: فمن أي شئ خلق المؤمن؟ قال: من طينة الأنبياء فلن ينجسه شئ.
7 - وبإسناده، عن ربعي، عن رجل، عن علي بن الحسين صلوات الله عليه قال: إن الله خلق النبيين من طينة عليين قلوبهم وأبدانهم، وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة، وخلق أبدانهم من دون ذلك، وخلق الكفار من طينة سجين قلوبهم وأبدانهم، فخلط بين الطينتين، فمن هذا يلد المؤمن الكافر، ويلد الكافر المؤمن، ومن هذا يصيب المؤمن السيئة، ومن ههنا يصيب الكافر الحسنة، فقلوب المؤمنين تحن إلى ما خلقوا منه، وقلوب الكافرين تحن إلى ما خلقوا منه.
بيان: الخلق يكون بمعنى التكوين، وبمعنى التقدير، وفي النهاية: طين عليه: أي جبل ويقال: طانه الله على طينته: خلقه على جبلته، وطينة الرجل: خلقه وأصله، وقال: " عليون " اسم للسماء السابعة، وقيل اسم لديوان الملائكة الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين من العباد.
وقيل: أراد أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من الله تعالى في الدار الآخرة، وتعرب بالحروف والحركات كقنسرين وأشباهها، على أنها جمع أو واحد. انتهى.
وإضافة الطينة إما بتقدير اللام، أو من، أو في، " قلوبهم وأبدانهم " بدل النبيين ويحتمل أن يراد بالقلب هنا العضو المعروف الذي يتعلق الروح أولا بالبخار اللطيف المنبعث منه، فلا ينافي ما مر في باب خلق أبدان الأئمة عليهم السلام من أن أجسادهم مخلوقة من طينة عليين، وأرواحهم مخلوقة من فوق ذلك.
على أنه لو أريد به الروح أمكن الجمع بجعل الطينة مبدءا لها مجازا باعتبار القرب والتعلق، أو بتخصيص النبيين بغير نبينا صلى الله عليه وآله ويؤيده بعض الأخبار ، وفي القاموس: سجين كسكين موضع فيه كتاب الفجار وواد في جهنم أو حجر في الأرض السابعة، وفي النهاية اسم علم للنار فعيل من السجن.
" فخلط الطينتين " أي في جسد آدم عليه السلام فلذا حصل في ذريته قابلية المرتبتين واستعداد الدرجتين، " ومن ههنا يصيب المؤمن السيئة " لخلط طينته بطينة الكافر وكذا العكس، " فقلوب المؤمنين تحن ": أي تميل وتشتاق، قال الجوهري:
الحنين: الشوق وتوقان النفس " إلى ما خلقوا منه " أي إلى الأعمال المناسبة لما خلقوا منه المؤدية إليها، أو إلى الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، المخلوقين من الطينة التي خلق منها قلوبهم، وكذا الفقرة الثانية تحتمل الوجهين، وقد مر الكلام منا في أمثال هذا الخبر في كتاب العدل.
وقال بعض المحدثين في تأويله: إن الله تعالى لما علم في الأزل الأرواح التي تختار الايمان باختيارها، والتي تختار المعصية باختيارها، سواء خلقوا من طينة
عليين أو من طينة سجين، فلما علم ذلك أعطى أبدان الأرواح التي علم أنهم يختارون الايمان [باختيارها] كيفية عليين لمناسبة، وأعطى أبدان الأرواح التي علم أنها تختار الكفر باختيارها كيفية السجين، من غير أن يكون للامرين مدخل في اختيارهم الايمان والكفر، وخلط ما بين الطينتين من غير أن يكون لذلك الخلط مدخل في اختيار الحسنة والسيئة.
وقال بعض أرباب التأويل من المحققين: المراد بعلين أشرف المراتب وأقربها من الله تعالى وله درجات كما يدل عليه ما ورد في بعض الأخبار من قولهم:
أعلى عليين، وكما وقع التنبيه في هذا الخبر بنسبة خلق القلوب والأبدان كليهما إليه، مع اختلافهما في الرتبة.
فيشبه أن يراد بهما عالم الجبروت والملكوت، جميعا اللذين هما فوق عالم الملك أي عالم العقل والنفس وخلق قلوب النبيين من الجبروت معلوم لأنهم المقربون، وأما خلق أبدانهم من الملكوت، فذلك لان أبدانهم الحقيقة هي التي في باطن هذه الجلود المدبرة لهذه الأبدان، وإنما أبدانهم العنصرية أبدان أبدانهم، لا علاقة لهم بها، فكأنهم وهم في جلابيب من هذه الأبدان، قد نفضوها وتجردوا منها لعدم ركونهم إليها، وشدة شوقهم إلى النشأة الأخرى، ولهذا نعموا بالوصول إلى الآخرة ومفارقة هذه الأدنى، ومن هنا ورد في الحديث: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.
وإنما نسب خلق أبدان المؤمنين إلى ما دون ذلك لأنها مركبة من هذه ومن هذه لتعلقهم بهذه الأبدان العنصرية أيضا ما داموا فيها، وسجين أخس المراتب وأبعدها من الله سبحانه فيشبه أن يراد به حقيقة الدنيا وباطنها التي هي مخبوءة تحت عالم الملك، أعني هذا العالم العنصري فإن الأرواح مسجونة فيه ولهذا ورد في الحديث " المسجون من سجنته الدنيا عن الآخرة ".
وخلق أبدان الكفار من هذا العالم ظاهر، وإنما نسب خلق قلوبهم إليه لشدة ركونهم إليه، وإخلادهم إلى الأرض وتثاقلهم إليها، فكأنه ليس لهم من الملكوت نصيب، لاستغراقهم في الملك.
والخلط بين الطينتين إشارة إلى تعلق الأرواح الملكوتية بالأبدان العنصرية بل نشؤها منها شيئا فشيئا، فكل من النشأتين غلبت عليه صار من أهلها، فيصير مؤمنا حقيقيا أو كافرا حقيقيا أو بين الامرين، على حسب مراتب الايمان والكفر انتهى.
وأقول: هو مبني على أصول واصطلاحات لم تثبت حقيتها، ولم تعرف حقيقتها، ولا ضرورة في الخوض فيها.
7 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن النضر بن شعيب، عن عبد الغفار الجازي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عز وجل خلق المؤمن من طينة الجنة، وخلق الكافر من طينة النار، وقال: إذا أراد الله بعبد خيرا طيب روحه وجسده، فلا يسمع شيئا من الخير إلا عرفه، ولا يسمع شيئا من المنكر إلا أنكره.
قال: وسمعته يقول: الطينات ثلاث: طينة الأنبياء، والمؤمن من تلك الطينة إلا أن الأنبياء هم من صفوتها هم الأصل ولهم فضلهم، والمؤمنون الفرع من طين لازب كذلك، لا يفرق الله عز وجل بينهم وبين شيعتهم، وقال: طينة الناصب من حمأ مسنون، وأما المستضعفون فمن تراب، لا يتحول مؤمن عن إيمانه، ولا ناصب عن نصبه، ولله المشية فيهم.
تبيين: " من طينة الجنة ": أي من طينة يعلم حين خلقه منها أنه يصير إلى الجنة، أو من طينة مرجحة لأعمال تصير سببا لدخول الجنة لا على الالجاء " إذا أراد الله بعبد خيرا ": أي حسن عاقبة وسعادة.
" طيب روحه ": بالهدايات الخاصة والالطاف المرجحة، وذلك بعد حسن اختياره وما يعود إليه من الأسباب.
" من طين لازب ": قال القاضي: هو الحاصل من ضرب الجزء المائي إلى الجزء الأرضي وفي القاموس اللزوب: اللصوق والثبوت، ولزب ككرم لزبا ولزوبا: دخل بعضه في بعض، والطين: لزق وصلب.
أقول: ويمكن أن يكون على هذا التأويل للآية الكريمة المراد باللزوب لصوقهم بالأئمة عليهم السلام وملازمتهم لهم، فقوله " كذلك لا يفرق الله " وفي بعض النسخ " لذلك " أي للزوبهم ولصوقهم بأئمتهم عليهم السلام ولصوق طينتهم بطينتهم، لا يفرق الله بينهم وبينهم، أو لكونهم من فرع تلك الطينة، لا يفرق الله بينهما في الدنيا والآخرة لان الفرع محلق بالأصل وتابع له.
" والحمأ ": الطين الأسود و " المسنون " المتغير المنتن، وقيل: أي مصبوب كأنه افرغ حتى صار صورة، وقيل إنه الرطب، وقيل مصور. و " الحمأ المسنون " طين سجين " فمن تراب ": أي خلقوا من تراب غير ممزوج بماء عذب زلال كما مزجت به طينة الأنبياء والمؤمنين، ولا بماء آسن أجاج كما مزجت به طينة الكافرين.
وكأن هذا وجه جمع بين الآيات الكريمة، فان ما دل على أنه خلق من حمأ مسنون فهو في الناصب، وما دل على أنه خلق من طين لازب فهو في الشيعة وما دل على أنه خلق من تراب فهو في المستضعفين، فيحتمل أن يكون المراد إدخال تا؟ الطينات في بدن آدم عليه السلام لتحصيل قابلية جميع تلك الأمور والأقسام في ولده، أو يكون المراد خلق كل صنف من طينة بإدخالها في النطفة، أو بحصول تلك النطفة من هذه الطينة.
فالأوسط أظهر لما رواه الشيخ في مجالسه باسناده، عن عبيد بن يحيى عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن جده الحسن بن علي عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن في الفردوس لعينا أحلى من الشهد، وألين من الزبد، أبرد
من الثلج، وأطيب من المسك، فيها طينة خلقنا الله عز وجل منها، وخلق شيعتنا منها، فمن لم يكن من تلك الطينة فليس منا ولا من شيعتنا، وهي الميثاق الذي أخذه الله عز وجل على ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
قال عبيد: فذكرت لمحمد بن الحسين هذا الحديث، فقال: صدقك يحيى ابن عبد الله، هكذا أخبرني أبي، عن جدي عن النبي صلى الله عليه وآله قال عبيد: أشتهي أن تفسره لنا إن كان عندك تفسير، قال: نعم أخبرني أبي عن جدي، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إن لله ملكا رأسه تحت العرش، وقدماه في تخوم الأرض السابعة السفلى، بين عينيه راحة أحدكم، فإذا أراد الله أن يخلق خلقا على ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام أمر ذلك الملك فأخذ من تلك الطينة، فرمى بها في النطفة حتى يصير إلى الرحم منها يخلق وهي الميثاق، قوله " ولله المشية فيهم ": أي في المستضعفين والتعميم بعيد.
8 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن إبراهيم ابن مسلم الحلواني، عن أبي إسماعيل الصيقل الرازي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
إن في الجنة لشجرة تسمى المزن، فإذا أراد الله أن يخلق مؤمنا أقطر منها قطرة فلا تصيب بقلة ولا ثمرة أكل منها مؤمن أو كافر إلا أخرج الله عز وجل من صلبه مؤمنا.
بيان: في المصباح: حلوان بالضم بلد مشهور من سواد العراق، وهي آخر مدن العراق، وبينها وبين بغداد نحو خمس مراحل، وفي القاموس: المزن بالضم
السحاب أو أبيضه، أو ذو الماء انتهى وكأن التسمية هنا على التشبيه.
قيل: هذا الحديث كما يناسب ما قيل إن المراد بالطينة الأصول الممتزجات المنتقلة في أطوار الخلقة، كالنطفة وما قبلها من موادها مثل النبات، والغذاء وما بعدها من العلقة، والمضغة، والمزاج: الانسان القابل للنفس الناطقة المدبرة. كذلك يناسب ما ذكر من أن المراد بالطينة طينة الجنة لان طينة الجنة اختمارها وتربيتها بهذه القطرة، كما أنه بماء العذب الفرات المذكور سابقا وبالجملة خلقه من طينة الجنة ومزجها بماء الفرات أولا وتربيتها بماء المزن ثانيا لطف منه تعالى بالنسبة إلى المؤمن، ليحصل له الوصول إلى أعلى مراتب القرب انتهى.
وقال بعض المحققين من أهل التأويل: الجنة تشتمل جنان الجبروت والملكوت، و " المزن ": السحاب، وهو أيضا يعم سحاب ماء الرحمة والجود والكرم وسحاب ماء المطر والخصب والديم وكما أن لكل قطرة من ماء المطر صورة وسحابا انفصلت منه في عالم الملك، كذلك له صورة وسحاب انفصلت منه في عالمي الملكوت والجبروت، وكما أن البقلة والثمرة تتربى بصورتها الملكية كذلك تتربى بصورتيها الملكوتية والجبروتية، المخلوقتين من ذكر الله تعالى اللتين من شجرة المزن الجناني، وكما أنهما تتربيان بها قبل الاكل كذلك تتربيان بها بعد الاكل في بدن الاكل، فإنها ما لم تستحل إلى صورة العضو فهي بعد في التربية.
فالانسان إذا أكل بقلة أو ثمرة ذكر الله عز وجل عندها وشكر الله عليها وصرف قوتها في طاعة الله سبحانه، والأفكار الايمانية والخيالات الروحانية فقد تربت تلك البقلة أو الثمرة في جسده بماء المزن الجناني فإذا فضلت من مادتها فضلة منوية، فهي من شجرة المزن التي أصلها في الجنة.
وإذا أكلها على غفلة من الله سبحانه، ولم يشكر الله عليها، وصرف قوتها في معصية الله تعالى والأفكار المموهة الدنيوية، والخيالات الشهوانية فقد تربت
تلك البقلة أو الثمرة في جسده بماء آخر غير صالح لخلق المؤمن إلا أن يكون قد تحقق تربيتها بماء المزن الجناني قبل الاكل.
وأما مأكولة الكافر التي يخلق منها المؤمن فإنما يتحقق تربيتها بذلك الماء قبل أكله لها غالبا ولذكر الله عند زرعها أو غرسها مدخل في تلك التربية وكذلك لحل ثمنها، وتقوى زارعها أو غارسها، إلى غير ذلك من الأسباب.
9 - الكافي: العدة: عن سهل، وغير واحد، عن الحسين بن الحسن جميعا عن محمد بن أورمة، عن محمد بن علي، عن إسماعيل بن يسار، عن عثمان ابن يوسف، عن عبد الله بن كيسان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك أنا مولاك عبد الله بن كيسان قال : أما النسب فأعرفه وأما أنت فلست أعرفك.
قال: قلت له: إني ولدت بالجبل ونشأت في أرض فارس، وإنني أخالط الناس في التجارات وغير ذلك، فأخالط الرجل، فأرى له حسن السمت، وحسن الخلق وكثرة أمانة، ثم أفتشه فأفتشه عن عداوتكم، وأخالط الرجل فأرى منه سوء الخلق، وقلة أمانة، وزعارة، ثم أفتشه فأفتشه عن ولايتكم فيكف يكون ذلك؟
قال: فقال لي: أما علمت يا ابن كيسان أن الله عز وجل أخذ طينة من الجنة طينة من النار فخلطهما جميعا، ثم نزع هذه من هذه من وهذه من هذه؟ فما رأيت في أولئك من الأمانة، وحسن الخلق، وحسن السمت، فمما مستهم من طينة الجنة، وهم يعودون إلى ما خلقوا منه، وما رأيت من هؤلاء من قلة الأمانة، وسوء الخلق والزعارة، فمما مستهم من طينة النار، وهم يعادون إلى ما خلقوا منه توضيح: " عن عداوتكم " التعدية بعن لتضمين معنى الكشف، و " السمت " الطريق وهيئة أهل الخير، و " زعارة " بالزاي والراء المشددة ويخفف، الشراسة وسوء الخلق، وفي النسخ بالدال والعين والراء المهملات وهو الفساد والفسق
والخبث " فخلطهما جميعا " أي في صلب آدم عليه السلام إلى أن يخرجوا من أصلاب أولاده، وهو المراد بقوله " ثم نزع هذه من هذه " إذ يخرج المؤمن من صلب الكافر والكافر من صلب المؤمن.
وحمل الخلط على الخلطة في عالم الأجساد، واكتساب بعضهم الأخلاق من بعض بعيد جدا، وقيل " ثم نزع هذه من هذه " معناه أنه نزع طينة الجنة من طينة النار، وطينة النار من طينة الجنة، بعد ما مست إحداهما الأخرى، ثم خلق أهل الجنة من طينة الجنة، وأهل النار من طينة النار.
و " أولئك " إشارة إلى الأعداء، وهؤلاء إلى الأولياء، و " ما خلقوا منه " في الأول طينة النار وفي الثاني طينة الجنة.
10 - الكافي: عن علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن الحسين بن زيد عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عز وجل لما أراد أن يخلق آدم عليه السلام بعث جبرئيل عليه السلام في أول ساعة من يوم الجمعة فقبض بيمينه قبضة فبلغت قبضته من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، و أخذ من كل سماء تربة، وقبض قبضة أخرى من الأرض السابعة العليا إلى الأرض السابعة القصوى.
فأمر الله عز وجل كلمته فأمسك القبضة الأولى بيمينه، والقبضة الأخرى بشماله ففلق الطين فلقتين، فذرا من الأرض ذروا ومن السماوات ذروا، فقال للذي بيمينه: منك الرسل والأنبياء والأوصياء والصديقون المؤمنون والسعداء ومن أريد كرامته، فوجب لهم ما قال كما قال، وقال للذي بشماله: منك الجبارون و المشركون والكافرون والطواغيت ومن أريد هوانه وشقوته، فوجب لهم ما قال كما قال.
ثم إن الطينتين خلطتا جميعا، وذلك قول الله عز وجل " إن الله فالق الحب والنوى " فالحب طينة المؤمنين التي ألقى الله عليها محبته، والنوى طينة
الكافرين الذين نأوا عن كل خير، وإنما سمي النوى من أجل أنه نأى عن كل خير وتباعد عنه، وقال الله عز وجل: " يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي " فالحي المؤمن الذي يخرج طينته من طينة الكافر، والميت الذي يخرج هو من الحي هو الكافر الذي يخرج من طينة المؤمن، فالحي المؤمن والميت الكافر، وذلك قول الله عز وجل: " أو من كان ميتا فأحييناه " فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر، وكان حياته حين فرق الله عز وجل بينهما بكلمته، كذلك يخرج الله عز وجل المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله فيها إلى النور، ويخرج الكافر من النور إلى الظلمة بعد دخوله إلى النور، وذلك قوله عز وجل: " لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ".
تبيين: قوله " في أول ساعة " الخ قيل: لما كان خلق آدم عليه السلام بعد خلق السماوات والأرض ضرورة تقدم البسيط على المركب وكان خلق السماوات والأرض وأقواتها في ستة أيام من الأسبوع، وقد جمعت جميعا في الجمعة صار بدو خلق الانسان فيه.
والمراد بكلمته جبرئيل عليه السلام لأنه حامل كلمته، أو لاهتداء الناس به كاهتدائهم بكلام الله، أو لكونه مخلوقا بكلمة " كن " بلا مادة، وقيل: المراد بالسماوات درجات الجنة، وبالأرضين دركات سجين، ليطابق الاخبار الاخر ويحتمل أخذها منهما معا.
وقيل: كأن المراد بالتربة ماله مدخل في تهيئة المادة القابلة لان يخلق منها شئ فيشمل الطينة بمعنى الجبلة، وآثار القوى السماوية المربية للنطفة وبالجملة ماله مدخل في السبب القابلي. انتهى.
وقيل: إطلاق التربة على ما اخذ من السماوات من قبيل مجاز المشارفة أي ما يصير تربة وينقلب إليهما، و " القصوى " مؤنث الأقصى أي الابعد، ويدل على أن الأرض سبع طبقات كالسماوات كما قال الله تعالى: " الله الذي خلق سبع
سماوات ومن الأرض مثلهن ".
قوله عليه السلام " ففلق الطين فلقتين " ضمير فلق إما راجع إلى الله أو إلى جبرئيل وكذا قوله " فذرا " وفي القاموس: فلقه يفلقه شقه كفلقه، وفالق الحب خالقه أو شاقه بإخراج الورق منه، وقال: ذرت الريح الشئ أو أذرته، وذرته أطارته وأذهبته وذرا هو بنفسه.
أقول: الكلام يحتمل وجوها:
الأول أن يكون قوله " ففلق " تفريعا وتأكيدا لما مضى أي فصار بقبض بعض الطين باليمين وبعضه بالشمال الطين صنفين. ففرق من الأرض أي ما كان في يده من طين الأرض، وكذا الثاني، فقال الله أو جبرئيل للذي بيمينه قبل الذرو أو للذي كان بيمينه بعده.
الثاني أن يكون المعنى ففلق كل طين من الطينتين فلقة، أي جعل كلا منهما حصتين ففرق من كل طين حصة ليكون طينة للمستضعفين والأطفال و المجانين، وقال لما بقي في اليمين: " منك الرسل " الخ ولما بقي في الشمال " منك الجبارون " الخ وعلى هذا لعل إرجاع الضمائر إلى الله أولى، فيقرء " أريد " في الموضعين بصيغة المتكلم، وعلى الوجه الاخر يقرء بصيغة الغائب المجهول.
الثالث ما ذكره بعض الأفاضل حيث قال: كأن الفلق كناية عن إفراز ما يصلح من المادتين لخلق الانسان، وإنما ذرا من كل منهما ما ذرا، لأنه كان فيهما ما ليس له مدخل في خلق الانسان وإنما كان مادة لسائر الأكوان خاصة.
قوله عليه السلام: " ثم إن الطينتين خلطتا " أي ما كان في اليدين أو جميع الطينتين المذروء منهما وغير المذروء.
قوله عليه السلام: " فالحب طينة المؤمنين " هذا بطن من بطون الآية، وعلى هذا التأويل المراد بالفلق شق كل منهما وإخراج الاخر منه، أو شق كل منهما
عن صاحبه، أو خلقهما.
" من أجل أنه نأى ": كأن مناسبة نأى ونوى من جهة الاشتقاق الكبير المبني على توافق بعض حروف الكلمتين فان الأول مهموز الوسط والثاني من المعتل. ويحتمل أن يكون أصل المهموز من المعتل أو بالعكس، ويؤيده أن صاحب مصباح المنير، والراغب في المفردات ذكرا " نأى " في باب النون مع الواو، أو يقال ليس الغرض هنا بيان الاشتقاق بل بيان أن النوى بمعنى البعد وذكر نأى لتناسب اللفظين فان الواوي أيضا يطلق بهذا المعنى، قال في القاموس:
النية الوجه الذي يذهب فيه والبعد كالنوى فيهما انتهى.
والآية في سورة الأنعام هكذا: " إن الله فالق الحب والنوى " قال: في مجمع البيان أي شاق الحبة اليابسة الميتة فيخرج منه النبات، وشاق النواة اليابسة فيخرج منه النخل والشجر، وقيل: معناه خالق الحب والنوى ومنشئهما ومبدئهما، وقيل المراد به ما في الحبة والنواة من الشق وهو من عجيب قدرة الله تعالى في استوائه.
" يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي " أي يخرج النبات الغض الطري الخضر، من الحب اليابس ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي عن الزجاج، والعرب تسمي الشجرة ما دام غضا قائما بأنه حي، فإذا يبس أو قطع أو قلع سموه ميتا.
وقيل: معناه يخلق الحي من النطفة وهي موات ويخلق النطفة وهي موات من الحي عن الحسن وغيره وهذا أصح وقيل: معناه يخرج الطير من البيض والبيض من
الطير عن الجبائي، وقيل: يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
ثم قال سبحانه في هذه السورة أيضا: " أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها " قال الطبرسي " أو من كان مينا ": أي كافرا " فأحييناه " بأن هديناه إلى الايمان عن ابن عباس وغيره، شبه سبحانه الكفر بالموت والايمان بالحياة، وقيل معناه من كان نطفة فأحييناه " وجعلنا له نورا " المراد بالنور العلم والحكمة أو القرآن، أو الايمان وبالظلمات ظلمات الكفر.
وإنما سمى الله الكافر ميتا لأنه لا ينتفع بحياته، ولا ينتفع غيره بحياته، فهو أسوء حالا من الميت، إذ لا يوجد من الميت ما يعاقب عليه، ولا يتضرر غيره به.
وسمى المؤمن حيا لأنه له ولغيره المصلحة والمنفعة في حياته، و كذلك سمى الكافر ميتا والمؤمن حيا في عدة مواضع مثل قوله: " إنك لا تسمع الموتى " و " لينذر من كان حيا " وقوله " وما يستوي الاحياء ولا الأموات " وسمى القرآن والايمان والعلم نورا لان الناس يبصرون بذلك، ويهتدون به من ظلمات الكفر، وحيرة الضلالة، كما يهتدي بسائر الأنوار، وسمى الكفر ظلمة لان الكافر لا يهتدي بهداه، ولا يبصر أمر رشده انتهى.
وأقول: على التأويل المذكور في الخبر وأكثر التفاسير المذكورة قوله تعالى " يخرج الحي " بيان لقوله " فالق الحب ".
قوله " حين فرق الله بينهما بكلمته " أي بقدرته أو بأمر " كن " أو بجبرئيل
والتفريق في الميلاد أو في الطينة، والأول أظهر، فقوله " كذلك " تشبيه الاخراج من الظلمات إلى النور وبالعكس، باخراج الحي من الميت وبالعكس، في أن المراد فيهما إخراج طينة المؤمن من طينة الكافر وبالعكس.
وليس المراد تأويل تتمة تلك الآية أعني قوله سبحانه " أو من كان ميتا الخ " فإنه لم يذكر فيها إخراج الكافر من النور إلى الظلمة بل فيها أنه في الظلمات ليس بخارج منها، بل هو إشارة إلى قوله تعالى " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور " الآية.
ولا ينافيه قوله عليه السلام " ويخرج الكافر " مع أن في الآية نسب الاخراج إلى الطاغوت لان لخذلانه سبحانه مدخلا في ذلك مع أنه يمكن أن يقرء على بناء المجرد المعلوم، أو على بناء المجهول.
وما قيل من أنه يظهر من هذا الحديث أن إخراج المؤمن من الكافر و بالعكس في وقتين: [وقت] تفريق الطين ووقت الولادة فليس بظاهر كما عرفت ثم استشهد عليه السلام لاطلاق الحياة على الايمان، أو كونه من طينة مقربة له بقوله سبحانه " لينذر من كان حيا " أي كان من طينة الجنة على تأويله عليه السلام.
قال الطبرسي: أي أنزلناه ليخوف به من معاصي الله من كان مؤمنا لان الكافر كالميت بل أقل من الميت، أو من كان عاقلا كما روي عن علي عليه السلام وقيل: من كان حي القلب حي البصر.
" ويحق القول على الكافرين " أي يجب الوعيد والعذاب على الكافرين بكفرهم، وأقول على تأويله عليه السلام يحتمل أن يكون المراد بالقول ما مر من قوله سبحانه " منك الجبارون والمشركون والكافرون " إلى آخره.
11 - معاني الأخبار: سئل الحسن بن علي بن محمد عليهم السلام عن الموت ما هو؟ فقال: هو التصديق بما لا يكون حدثني أبي، عن أبيه، عن جده عن الصادق عليه السلام قال: إن المؤمن إذا مات لم يكن ميتا فان الميت هو الكافر إن الله عز وجل يقول:
" يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي " يعني المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
12 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن صالح بن سهل قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك من أي شئ خلق الله عز وجل طينة المؤمن؟
فقال: من طينة الأنبياء فلن تنجس أبدا.
بيان: " فلن تنجس أبدا " أي بنجاسة الكفر والشرك، وإن نجست بالمعاصي فتطهر بالتوبة والشفاعة ورحمة الرب تعالى وقيل: أي لن يتعلق بالدنيا تعلق ركون وإخلاد يذهله عن الآخرة.
13 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن البرقي، عن صالح بن سهل قال: قلت لأبي - عبد الله عليه السلام: المؤمنون من طينة الأنبياء؟ قال: نعم.
بيان: أي من فضل طينتهم.
14 - الكافي: عن أبي علي الأشعري ومحمد بن يحيى، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لو علم الناس كيف ابتدأ الخلق [ل] ما اختلف اثنان:
إن الله عز وجل قبل أن يخلق الخلق، قال : كن ماء عذبا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي، وكن ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي، ثم أمرهما فامتزجا فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر والكافر المؤمن، ثم أخذ طينة من أديم الأرض فعركه عركا شديدا فإذا هم كالذر يدبون، فقال لأصحاب اليمين: إلى الجنة بسلام وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا أبالي.
ثم أمر نارا فأسعرت، فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها فهابوها، وقال لأصحاب اليمين: ادخلوها فدخلوها، فقال: كوني بردا وسلاما فكانت بردا
وسلاما.
فقال أصحاب الشمال: يا رب أقلنا قال: قد أقلتكم فادخلوها فذهبوا فهابوها فثم ثبتت الطاعة والمعصية، ولا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، ولا هؤلاء من هؤلاء. تبيين: " لما اختلف اثنان ": أي في مسألة الاستطاعة والاختيار والجبر أو لما تنازع اثنان في أمر من أمور الدين لاختلاف أفهامهم وقابلياتهم وطينهم، ولما بالغوا في هداية الخلق.
" كن ماء عذبا " أمر تكويني، أو استعارة تمثيلية لبيان علمه تعالى باختلاف مواد الخلق واستعداداتهم وما هم إليه صائرون، وفي القاموس ماء أجاج: ملح مر وقال: أديم النهار: عامته أو بياضه ومن الضحى: أوله، ومن السماء والأرض: ما ظهر وقال: عركه: دلكه وحكه حتى عفاه، وقال: الذر: صغار النمل ومائة منها زنة حبة شعير، الواحدة ذرة، وقال: دب يدب دبا وديبا: مشى على هنيئة، وقال أقلته: فسخته واستقاله طلب إليه أن يقيله، وقال: هابه يهابه هيبا ومهابة: خافه.
وقال السيد رضي الله عنه في نهج البلاغة: روى اليماني عن أحمد بن قتيبة، عن عبد الله بن يزيد، عن مالك بن دحية، قال: كنا عند أمير المؤمنين علي عليه السلام وقد ذكر اختلاف الناس قال: إنما فرق بينهم مبادي طينهم، وذلك أنهم كانوا فلقة من سبخ أرض وعذبها، وحزن تربة وسهلها، فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون، وعلى قدر اختلافهم يتفاوتون، فتام الرواء ناقص العقل، وماد القامة قصير الهمة، وزاكي العمل قبيح المنظر، وقريب القعر بعيد السبر، ومعروف الضريبة منكر الجليبة، ونائر القلب متفرق اللب، وطليق اللسان حديد الجنان.
وقال ابن ميثم في قوله عليه السلام " إنما فرق بينهم " الخ: أي تقاربهم في
الصور والأخلاق تابع لتقارب طينهم، وتقارب مباديه وهي السهل والحزن والسبخ والعذب، وتفاوتهم فيها لتفاوت طينهم ومباديه المذكورة.
وقال أهل التأويل: الإضافة بمعنى اللام أي المبادي لطينهم كناية عن الاجزاء العنصرية التي هي مبادي المركبات ذوات الأمزجة أو السبخ كناية عن الحار اليابس، والعذب عن الحار الرطب، والسهل عن البارد الرطب، والحزن عن البارد اليابس انتهى.
وأقول: لا يبعد أن يكون الماء العذب كناية عما خلق الله في الانسان من الدواعي إلى الخير والصلاح كالعقل والنفس الملكوتي، والماء الأجاج عما ينافي ويعارض ذلك ويدعو إلى الشهوات الدنية، واللذات الجسمانية من البدن، وما ركب فيه من الدواعي إلى الشهوات.
ومزجهما كناية عن تركيبهما في الانسان، فقوله " أخلق منك " أي من أجلك " جنتي وأهل طاعتي " إذ لولا ما في الانسان من جهة الخير، لم يكن لخلق الجنة فائدة ولم يكن يستحقها أحد، ولم يصر أحد مطيعا له تعالى.
وكذا قوله " أخلق منك ناري " إذ لولا ما في الانسان من دواعي الشرور لم يكن يعصي الله أحد، ولم يحتج إلى خلق النار، للزجر عن الشرور.
ثم لاظهار إحاطة علمه بما سيقع من كل فرد من أفراد البشر للملائكة لطفا لهم ولبني آدم أيضا بعد إخبار الرسل بذلك جعلهم كالذر، وميز من علم منهم الايمان ممن علم منهم خلافه، وكلفهم بدخول النار، ليعلموا قبل التكليف في عالم الأجساد
أن ما علم منهم مطابق للواقع.
" فثم ثبتت الطاعة والمعصية " وعلم الملائكة من يطيع بعد ذلك ومن يعصي وأثبت ذلك في الألواح مطابقا لعلمه تعالى.
وقوله: " فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر " أي لأجل ما قرر في الانسان من جهتي الخير والشر، ترى الأب يصير تابعا للعقل ومقويا لدواعي الخير، وزاجرا للشهوات فيصير من الأخيار، والابن يتبع الهوى والشهوات ويسلطها على العقل فيصير من الأشرار، مع نهاية الارتباط بينهما.
وقوله " ولا يستطيع هؤلاء " أي لا يتخلف ما علم الله تعالى منهم، لكن لا يختارونها إلا باختيارهم وإرادتهم واستطاعتهم، هذا ما خطر بالبال على وجه الاحتمال والله يعلم غوامض أسرارهم عليهم السلام.
وقال بعض أهل التأويل: عبر عن المادة تارة بالماء، وأخرى بالتربة لاشتراكهما في قبول الاشكال، ولاجتماعهما في طينة الانسان، وتركيب خلقته و " أديم الأرض " وجهها، وكأنه كناية عما ينبت منها مما يصلح أن يصير غذاء للانسان، ويحصل منه النطفة، أو تتربى به و " العرك " الدلك وكأنه كناية عن مزجه بحيث يحصل منه المزاج ويستعد للحياة و " الذر ": النمل الصغار، ووجه الشبه الحس والحركة، وكونهم محل الشعور مع صغر الجثة والخفاء.
وهذا الخطاب إنما كان في عالم الامر، ولشدة ارتباط الملك بالملكوت، وقوامه به، جاز إسناد مادته إليه، وإن كان عالم الامر مجردا عن المادة، واجتماعهم في الوجود عند الله إنما هو لاجتماع الأجسام الزمانية عنده تعالى دفعة واحدة في عالم الامر، وإن كانت متفرقة مبسوطة متدرجة في عالم الخلق.
ووجودهم في عالم الامر وجود ملكوتي ظلي، ينبعث من حقيقته هذا الوجود الخلقي الجسماني، وهو صورة علمه سبحانه بها، وعنه عبر بالظلال في حديث آخر.
وأمره تعالى إياهم إلى الجنة والنار هدايته إياهم إلى سبيلهما، ثم توفيقه أو خذلانه، ولعل المراد بالنار المسعرة بعد ذلك التكاليف الشرعية، وتحصيل المعرفة
المحرقة للقلوب لصعوبة الخروج عن عهدتها.
واستقالة أصحاب الشمال كناية عن تمنيهم الإطاعة، وعدم قدرتهم التامة عليها لغلبة الشهوة عليهم، وكونهم مسخرة تحت سلطان الهوى كما قالوا: " ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين " انتهى.
ولعل إبداء تلك التأويلات في الاخبار جرأة على الله ورسوله والأئمة الأخيار، إلا أن يكون على سبيل الاحتمال، لكن بعد ثبوت ما بنوا عليه الكلام من المقدمات التي لم تثبت بالبرهان واليقين، بل بعضها مناف لما ثبت في الدين المبين.
15 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عز وجل لما أراد أن يخلق آدم عليه السلام أرسل الماء على الطين، ثم قبض قبضة فعركها ثم فرقها فرقتين بيده، ثم ذراهم فإذا هم يدبون.
ثم رفع لهم نارا، فأمر أهل الشمال أن يدخلوها فذهبوا إليها فهابوها، ولم يدخلوها، ثم أمر أهل اليمين أن يدخلوها، فذهبوا فدخلوها، فأمر الله عز وجل النار، فكانت عليهم بردا وسلاما.
فلما رأى ذلك أهل الشمال، قالوا: ربنا أقلنا، فأقالهم، ثم قال لهم:
ادخلوها فذهبوا فقاموا عليها ولم يدخلوها، فأعادهم طينا وخلق منها آدم عليه السلام.
وقال أبو عبد الله عليه السلام: فلن يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، قال: فيرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله أول من دخل تلك النار، فلذلك قوله عز وجل " قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين ". بيان: فيرون أي علماء أهل البيت عليهم السلام، " قل إن كان " الآية قد مر فيه
وجوه من التأويل: الأول فأنا أول العابدين منكم: فإن النبي يكون أعلم بالله وبما يصح له، وبما لا يصح له، وأولى بتعظيم ما يجب تعظيمه، ومن حق تعظيم الوالد تعظيم ولده، ولا يستلزم ذلك إمكاك كينونة الولد وعبادته له، فإن المحال قد يستلزم المحال، بل المراد نفيهما.
والثاني أن معناه إن كان له ولد في زعمكم، فأنا أول العابدين لله، الموحدين له [المنكرين لقولكم].
والثالث أن المعنى فأنا أول الأنفين منه أو من أن يكون له ولد، من عبد يعبد إذا اشتد أنفة. الرابع أن كلمة " إن " نافية، أي ما كان له ولد، فأنا أول الموحدين من أهل مكة، وبناء الخبر على التفسير الأول، إذ ظهر منه أنه صلى الله عليه وآله كان مبادرا إلى كل خير وسعادة وإطاعة، فلابد أن يكون مبادرا في دخول النار عند الامر به.
16 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد الجعفي وعقبة جميعا، عن أبي جعفر عليه السلام قال:
إن الله عز وجل خلق الخلق، فخلق من أحب مما أحب، فكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة، وخلق ما أبغض مما أبغض، وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار، ثم بعثهم في الظلال.
فقلت: وأي شئ الظلال؟ فقال عليه السلام: ألم تر إلى ظلك في الشمس شيئا وليس بشئ؟.
ثم بعث فيهم النبيين، فدعوهم إلى الاقرار بالله عز وجل وهو قوله تعالى " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " ثم دعوهم إلى الاقرار بالنبيين، فأقر بعضهم، وأنكر بعضهم، ثم دعوهم إلى ولايتنا فأقر بها والله من أحب، وأنكرها من أبغض، وهو قوله " ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ثم قال أبو جعفر عليه السلام: كان التكذيب ثم. بيان: " فخلق من أحب مما أحب " قيل: " ما " في قوله " ما أحب " و " ما أبغض " مصدرية.
وأقول: يمكن تأويله بالعلم، أي بأنه لما علم الله تعالى حين خلقهم أنهم سيصيرون من الأشقياء، وأبغضهم، فكأنه خلقهم مما أبغض، أو أنه إشارة إلى اختلاف استعداداتهم وقابلياتهم، في اختيار الحق وقبوله.
والمراد بالظل إما عالم الأرواح، أو عالم المثال، فعلى الأول شبه الروح المجرد على القول به أو الجسم اللطيف بالظل للطافته وعدم كثافته، أو لكونه تابعا لعالم الأجساد الأصلية، وعلى الثاني ظاهر.
وقوله " شيئا " بتقدير " تحسه " أو الرؤية بمعنى العلم لكن لا يناسبه تعديتها بإلى، والأظهر " شئ " كما ورد في هذه الرواية بسند آخر.
وقيل: أراد بقوله " وليس بشئ " أن الحياة والتكليف في ذلك الوقت لا يصيران سببين للثواب والعقاب، كأفعال النائم، ولا يبقى، بل مثال وحكاية عن الحياة والتكليف في الأبدان، ولذا سمي الوجود الذهني بالوجود الظلي لعدم كونه منشأ للآثار ومبدأ للأحكام.
وقيل: يمكن أن يراد به عالم الذر المبائن لعالم الأجساد الكثيفة، وهو
يحكي عن هذا العالم ويشبهه، وليس منه، فهو ظل بالنسبة إليه أو عالم الأرواح كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: ألا إن الذرية أفنان أنا شجرتها، و دوحة أنا ساقتها، وإني من أحمد بمنزلة الضوء من الضوء، كنا أظلالا تحت العرش قبل [خلق] البشر، وقبل خلق الطينة التي كان منها البشر، أشباحا خالية لا أجساما نامية.
" ليقولن الله " أي خلقنا الله، أو الله خلقنا، على اختلاف في تقديم المحذوف وتأخيره، والمشهور الأول، والغرض أن اضطرارهم إلى هذا الجواب، بمقتضى العهد والميثاق.
وقوله: " ما كانوا ليؤمنوا " الآية في سورة الأعراف هكذا: " تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جائتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين " وكأن التغيير من النساخ أو النقل بالمعنى.
وقال البيضاوي: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيئهم بالمعجزات بما كذبوا من قبل أي ما كذبوه قبل الرسل بل كانوا مستمرين على التكذيب، أو فما كانوا ليؤمنوا مدة عمرهم بما كذبوا به أولا، حين جائتهم الرسل، ولم يؤثر قط فيهم دعوتهم المتطاولة، والآيات المتتابعة، واللام لتأكيد النفي، والدلالة على أنهم ما صلحوا للايمان، لمنافاته لحالهم في التصميم على الكفر، والطبع على قلوبهم.
17 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام كيف أجابوا وهم ذر؟ قال: جعل فيهم ما إذا
سألهم أجابوا يعني في الميثاق.
بيان: " ما إذا سألهم " كلمة " ما " موصولة، والعائد محذوف، أي أجابوه به، أي جعل في كل ذرة العقل، وآلة السمع، وآلة النطق، ومن حمل الآية على الاستعارة والتمثيل حمل الخبر على أن المراد به أنه جعلهم بحيث إذا سئلوا في عالم الأبدان أجابوا بلسان المقال وهو بعيد.
18 - تفسير العياشي: عن الأصبغ بن نباته عن علي عليه السلام قال: أتاه ابن الكوا فقال:
يا أمير المؤمنين أخبرني عن الله تبارك وتعالى هل كلم أحدا من ولد آدم قبل موسى؟
فقال علي عليه السلام: قد كلم الله جميع خلقه برهم وفاجرهم، وردوا عليه الجواب فثقل ذلك على ابن الكوا ولم يعرفه، فقال له: كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين؟
فقال له: أو ما تقرء كتاب الله إذ يقول لنبيك " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " فأسمعهم كلامه وردوا عليه الجواب، كما تسمع في قول الله، يا ابن الكواء " قالوا: بلى " فقال:
إني أنا الله لا إله إلا أنا وأنا الرحمان، فأقروا له بالطاعة والربوبية، وميز الرسل والأنبياء والأوصياء، وأمر الخلق بطاعتهم، فأقروا بذلك في الميثاق فقالت الملائكة: شهدنا عليكم يا بني آدم أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا
غافلين.
19 - تفسير العياشي: عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن الذر حيث أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى والله، وأسر بعضهم خلاف ما أظهر، كيف علموا القول حيث قيل لهم: " ألست بربكم "؟ قال: إن الله جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه.
20 - تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله " ألست بربكم قالوا بلى " قلت: قالوا بألسنتهم؟ قال: نعم، وقالوا بقلوبهم، قلت: وأي شئ كانوا يومئذ؟ قال: صنع فيهم ما اكتفى به.
21 - أقول: وجدت في بعض الكتب مرويا عن أحمد بن محمد الكوفي، عن حنان بن سدير، عن أبيه سدير الصيرفي، عن أبي إسحاق الليثي قال: قلت للإمام الباقر محمد بن علي عليهما السلام: يا ابن رسول الله أخبرني عن المؤمن من شيعة أمير المؤمنين إذا بلغ وكمل في المعرفة هل يزني؟ قال عليه السلام: لا، قلت: فيلوط؟ قال: لا، قلت: فيسرق؟ قال: لا، قلت: فيشرب خمرا؟ قال: لا، قلت: فيذنب ذنبا؟
قال: لا قال الراوي: فتحيرت من ذلك، وكثر تعجبي منه، قلت: يا ابن رسول الله إني أجد من شيعة أمير المؤمنين ومن مواليكم من يشرب الخمر، ويأكل الربا، و يزني ويلوط، ويتهاون بالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وأبواب البر حتى أن أخاه المؤمن يأتيه في حاجة يسيرة فلا يقضيها له، فكيف هذا يا ابن رسول الله؟ ومن أي شئ هذا؟.
قال: فتبسم الإمام عليه السلام وقال: يا أبا إسحاق هل عندك شئ غير ما ذكرت؟
قلت: نعم يا ابن رسول الله وإني أجد الناصب الذي لا أشك في كفره يتورع عن هذه
الأشياء: لا يستحل الخمر ولا يستحل درهما لمسلم، ولا يتهاون بالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، ويقوم بحوائج المؤمنين والمسلمين، لله وفي الله تعالى فكيف هذا ولم هذا؟.
فقال عليه السلام: يا إبراهيم لهذا أمر باطن، وهو سر مكنون، وباب مغلق مخزون، وقد خفي عليك وعلى كثير من أمثالك وأصحابك، وإن الله عز وجل لم يؤذن أن يخرج سره وغيبه إلا إلى من يحتمله وهو أهله، قلت: يا ابن رسول الله إني والله لمحتمل من أسراركم، ولست بمعاند ولا بناصب، فقال عليه السلام: يا إبراهيم نعم أنت كذلك، ولكن علمنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو مؤمن امتحن الله قلبه للايمان، وإن التقية من ديننا ودين آبائنا ومن لا تقية له فلا دين له.
يا إبراهيم لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا، يا إبراهيم إن من حديثنا وسرنا وباطن علمنا ما لا يحتمله ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا مؤمن ممتحن.
قلت: يا سيدي ومولاي فمن يحتمله إذا؟ قال: ما شاء الله وشئنا، ألا من أذاع سرنا إلا إلى أهله، فليس منا - ثلاثا - ألا من أذاع سرنا أذاقه الله حر الحديد.
ثم قال: يا إبراهيم خذ ما سألتني علما باطنا مخزونا في علم الله تعالى الذي حبا الله جل جلاله به رسوله صلى الله عليه وآله، وحبا به رسوله وصيه أمير المؤمنين عليه السلام ثم قرء عليه السلام هذه الآية " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول " ويحك يا إبراهيم إنك قد سألتني عن المؤمنين من شيعة مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعن زهاد الناصبة وعبادهم، من ههنا قال الله عز وجل " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " ومن ههنا قال الله عز وجل: " عاملة
ناصبة * تصلى نارا حامية * تسقى من عين آنية ".
وهذا الناصب قد جبل على بغضنا، ورد فضلنا، ويبطل خلافة أبينا أمير المؤمنين عليه السلام، ويثبت خلافة معاوية وبني أمية، ويزعم أنهم خلفاء الله في أرضه، و يزعم أن من خرج عليهم وجب عليه القتل، ويروي في ذلك كذبا وزورا، ويروي أن الصلاة جايزة خلف من غلب، وإن كان خارجيا ظالما، ويروي أن الإمام الحسين بن علي صلوات الله عليهما كان خارجيا خرج على يزيد بن معاوية، و يزعم أنه يجب على كل مسلم أن يدفع زكاة ماله إلى السلطان وإن كان ظالما.
يا إبراهيم هذا كله رد على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وآله، سبحان الله قد افتروا على الله الكذب، وتقولوا على رسول الله صلى الله عليه وآله الباطل، وخالفوا الله و خالفوا رسوله وخلفاءه.
يا إبراهيم لاشرحن لك هذا من كتاب الله، الذي لا يستطيعون له إنكارا ولا منه فرارا، ومن رد حرفا من كتاب الله فقد كفر بالله ورسوله.
فقلت: يا ابن رسول الله إن الذي سألتك في كتاب الله؟ قال: نعم، هذا الذي سألتني في أمر شيعة أمير المؤمنين صلوات الله عليه وأمر عدوه الناصب في كتاب الله عز وجل، قلت: يا ابن رسول الله هذا بعينه؟ قال: نعم هذا بعينه في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
يا إبراهيم اقرأ هذه الآية " الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض " أتدري ما هذه الأرض؟ قلت: لا، قال عليه السلام: اعلم أن الله عز وجل خلق أرضا طيبة طاهرة، وفجر فيها ماء عذبا زلالا، فراتا سائغا، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت فقبلتها، فأجرى عليها ذلك الماء سبعة أيام، ثم نضب عنها ذلك الماء بعد السابع فأخذ من صفوة ذلك الطين طينا، فجعله طين الأئمة عليهم السلام ثم أخذ جل جلاله ثفل
ذلك الطين، فخلق منه شيعتنا، ومحبونا من فضل طينتنا، فلو ترك يا إبراهيم طينتكم كما ترك طينتنا لكنتم أنتم ونحن سواء.
قلت: يا ابن رسول الله ما صنع بطينتنا؟ قال : مزج طينتكم ولم يمزج طينتنا قلت: يا ابن رسول الله وبما ذا مزج طينتنا؟ قال عليه السلام: خلق الله عز وجل أيضا أرضا سبخة خبيثة منتنة، وفجر فيها ماء أجاجا مالحا آسنا، ثم عرض عليها جلت عظمته ولاية أمير المؤمنين عليه السلام فلم تقبلها، وأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيام، ثم نضب ذلك الماء عنها.
ثم أخذ من كدورة ذلك الطين المنتن الخبيث وخلق منه أئمة الكفر و الطغاة والفجرة، ثم عمد إلى بقية ذلك الطين فمزج بطينتكم، ولو ترك طينتهم على حاله ولم يمزج بطينتكم ما عملوا أبدا عملا صالحا، ولا أدوا أمانة إلى أحد ولا شهدوا الشهادتين، ولا صاموا ولا صلوا ولا زكوا ولا حجوا ولا أشبهوكم في الصور أيضا.
يا إبراهيم ليس شئ أعظم على المؤمن أن يرى صورة حسنة في عدو من أعداء الله عز وجل، والمؤمن لا يعلم أن تلك الصورة من طين المؤمن ومزاجه.
يا إبراهيم ثم مزج الطينتان بالماء الأول والماء الثاني، فما تراه من شيعتنا من ربا وزنا ولواطة وخيانة وشرب خمر وترك صلاة وصيام وزكاة وحج و جهاد، فهي كلها من عدونا الناصب، وسنخه ومزاجه الذي مزج بطينته، وما رأيته في هذا العدو الناصب من الزهد والعبادة والمواظبة على الصلاة وأداء الزكاة و الصوم والحج والجهاد وأعمال البر والخير، فذلك كله من طين المؤمن وسنخه ومزاجه.
فإذا عرض أعمال المؤمن وأعمال الناصب على الله، يقول عز وجل: أنا عدل لا أجور، ومنصف لا أظلم، وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني ما أظلم مؤمنا بذنب مرتكب من سنخ الناصب وطينه ومزاجه.
هذه الأعمال الصالحة كلها من طين المؤمن ومزاجه، والأعمال الردية
التي كانت من المؤمن من طين العدو الناصب، ويلزم الله تعالى كل واحد منهم ما هو من أصله وجوهره وطينته، وهو أعلم بعباده من الخلائق كلهم، أفترى ههنا ظلما وجورا وعدوانا؟ ثم قرء عليه السلام " معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون ".
يا إبراهيم إن الشمس إذا طلعت فبدا شعاعها في البلدان كلها، أهو بائن من القرصة أم هو متصل بها؟ شعاعها تبلغ في الدنيا في المشرق والمغرب حتى إذا غابت يعود الشعاع ويرجع إليها، أليس ذلك كذلك؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله قال: فكذلك يرجع كل شئ إلى أصله وجوهره وعنصره.
فإذا كان يوم القيامة ينزع الله تعالى من العدو الناصب سنخ المؤمن ومزاجه وطينته وجوهره وعنصره مع جميع أعماله الصالحة ويرده إلى المؤمن، وينزع الله من المؤمن سنخ الناصب ومزاجه وطينته وجوهره وعنصره مع جميع أعماله السيئة الردية، ويرده إلى الناصب عدلا منه جل جلاله، وتقدست أسماؤه، ويقول للناصب: لا ظلم عليك، هذه الأعمال الخبيثة من طينتك ومزاجك، وأنت أولى بها وهذه الأعمال الصالحة من طينة المؤمن ومزاجه، وهو أولى بها! " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب ".
أفترى ههنا ظلما وجورا؟ قلت: لا يا ابن رسول الله، بل أرى حكمة بالغة فاضلة، وعدلا بينا واضحا، ثم قال عليه السلام: أزيدك بيانا في هذا المعنى من القرآن؟
قلت: بلى يا بن رسول الله قال: أليس الله عز وجل يقول: " الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم " وقال عز وجل: " والذين كفروا إلى جهنم يحشرون * ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض
فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون ". فقلت: سبحان الله العظيم ما أوضح ذلك لمن فهمه؟ وما أعمى قلوب هذا الخلق المنكوس عن معرفته؟
فقال عليه السلام: يا إبراهيم من هذا قال الله تعالى " إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا " ما رضي الله تعالى أن يشبههم بالحمير والبقر والكلاب والدواب حتى زادهم فقال: " بل هم أضل سبيلا ".
يا إبراهيم قال الله عز وجل ذكره في أعدائنا الناصبة: " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " وقال عز وجل " يحسبون أنهم يحسنون صنعا " وقال جل جلاله " يحسبون أنهم على شئ ألا إنهم هم الكاذبون " وقال عز وجل: " والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئا " كذلك الناصب يحسب ما قدم من عمله نافعة حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
ثم ضرب مثلا آخر " أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يريها ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور ". (7 ثم قال عليه السلام يا إبراهيم أزيدك في هذا المعنى من القرآن؟ قلت: بلى، يا بن رسول الله قال عليه السلام: قال الله تعالى " يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا
رحيما " يبدل الله سيئات شيعتنا حسنات، وحسنات أعدائنا سيئات، يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
هذا يا إبراهيم من باطن علم الله المكنون، ومن سره المخزون، ألا أزيدك من هذا الباطن شيئا في الصدور؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله قال عليه السلام: " قال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ وإنهم لكاذبون * وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون " والله الذي لا إله إلا هو فالق الاصباح، فاطر السماوات والأرض، لقد أخبرتك بالحق، وأنبأتك بالصدق، والله أعلم وأحكم.
بيان: قد مر هذا الخبر نقلا من العلل مع اختلاف ما، وزيادة ونقص وهو من غوامض الاسرار.
وقال بعض المحققين في شرحه: جملة القول في بيان السر فيه أنه قد تحقق وثبت أن كلا من العوالم الثلاثة، له مدخل في خلق الانسان، وفي طينته ومادته، من كل حظ ونصيب، ولعل " الأرض الطيبة " كناية عماله في جملة طينته من آثار عالم الملكوت الذي منه الأرواح المثالية، والقوى الخيالية الفلكية، المعبر عنهم بالمدبرات أمرا.
و " الماء العذب " عما له في طينته من إفاضات عالم الجبروت، الذي منه الجواهر القدسية، والأرواح العالية، المجردة عن الصور، المعبر عنهم بالسابقات سبعا.
و " الأرض الخبيثة " عما له في طينته من أجزاء عالم الملك الذي منه الأبدان العنصرية المسخرة تحت الحركات الفلكية، المسخرة لما فوقها.
و " الماء الأجاج المالح الاسن " عماله في طينته من تهيجات الأوهام الباطلة والأهواء المموهة الردية، الحاصلة من تركيب الملك مع الملكوت، مما لا أصل له ولا حقيقة.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.