بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
4 - باب فطرة الله سبحانه وصبغته الآيات البقرة
ج ۶۴، ص ۱۲۹–۱۴۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
أو للمشاكلة فان النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر، يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم، وبه تحقق نصرانيتهم، ونصبها على أنه مصدر مؤكد لقوله " آمنا " وقيل: على الاغراء، وقيل على البدل من ملة إبراهيم.
" ومن أحسن من الله صبغة " لا صبغة أحسن من صبغته، " ونحن له عابدون " تعريض بهم أي لا نشرك به كشرككم.
وأقول: قد مضى تفسير الآية الثانية في باب فضل الايمان.
1 - الكافي: عن علي، عن أبيه ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة " قال: الاسلام، وقال في قوله عز وجل: " فقد استمسك بالعروة الوثقى " قال: هي الايمان بالله وحده لا شريك له.
بيان: قيل: على هذه الأخبار يحتمل أن تكون " صبغة " منصوبة على المصدر من مسلمون في قوله تعالى قبل ذلك " لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " ثم يحتمل أن يكون معناها وموردها مختصا بالخواص والخلص المخاطبين ب " قولوا " في صدر الآيات حيث قال: " قولوا آمنا بالله وما انزل إلينا " دون سائر أفراد بني آدم.
بل يتعين هذا المعنى إن فسر الاسلام بالخضوع والانقياد للأوامر والنواهي كما فعلوه، وإن فسر بالمعنى العرفي فتوجيه التعميم فيه كتوجيه التعميم في فطرة الله كما سيأتي إنشاء الله.
وقيل: صبغة الله إبداع الممكنات وإخراجها من العدم إلى الوجود وإعطاء كل ما يليق به من الصفات والغايات وغيرهما.
قوله: " فقد استمسك " قال تعالى: " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها " وفسر الطاغوت في الاخبار بالشيطان وبأئمة الضلال، والأولى التعميم ليشمل كل من عبد من دون الله من صنم أو صاد عن سبيل الله، و " يؤمن بالله " بالتوحيد وتصديق الرسل وأوصيائهم.
" فقد استمسك بالعروة الوثقى ": أي طلب الامساك من نفسه بالحبل الوثيق
وهي مستعار لمتمسك الحق من النظر الصحيح، والدين القويم، " لا انفصام لها " أي لا انقطاع لها، وما ورد في الخبر من تفسيره بالايمان، كأن المراد به أنه تعالى شبه الايمان الكامل بالعروة الوثقى.
وعلى ما ورد في كثير من الاخبار من أن المراد بالطاغوت: الغاصبون للخلافة فالمعنى من رفض متابعة أئمة الضلال، وآمن بما جاء من عند الله في علي والأوصياء من بعده عليهم السلام فقد آمن بالله وحده لا شريك له، وإلا فهو مشرك، كما روي في معاني الأخبار عن النبي صلى الله عليه وآله: من أحب أن يستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها فليستمسك بولاية أخي ووصيي علي بن أبي طالب فإنه لا يهلك من أحبه وتولاه، ولا ينجو من أبغضه وعاداه، وعن الباقر عليه السلام: أن العروة الوثقى هي مودتنا أهل البيت.
2 - الكافي: عن العدة، عن سهل، عن البزنطي، عن داود بن سرحان، عن عبد الله بن فرقد، عن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل:
" صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة " قال: الصبغة هي الاسلام.
3 - التوحيد: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن العلا ابن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال: على التوحيد. 4 - بصائر الدرجات: عن أحمد بن موسى، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمان بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال: فقال: على التوحيد ومحمد رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي أمير المؤمنين عليه السلام.
بيان: قال في النهاية: فيه كل مولود يولد على الفطرة، الفطر: الابتداء والاختراع، والفطرة منه الحالة كالجلسة والركبة، والمعنى أنه يولد على نوع من الجبلة والطبع المتهيأ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها، ولم يفارقها إلى غيرها وإنما يعدل عنه من يعدل لأفة من آفات البشر والتقليد، ثم تمثل بأولاد اليهود والنصارى في اتباعهم لآبائهم، والميل إلى أديانهم، عن مقتضى الفطرة السليمة.
وقيل: معناه كل مولود يولد على معرفة الله والاقرار به، فلا تجد أحدا إلا وهو يقر بأن الله صانعه، وإن سماه بغير اسمه، أو عبد معه غيره، ومنه حديث حذيفة " على غير فطرة محمد " أراد دين الاسلام الذي هو منسوب إليه انتهى.
وقيل: الفطرة بالكسر مصدر للنوع من الايجاد، وهو إيجاد الانسان على نوع مخصوص من الكمال، وهو التوحيد ومعرفة الربوبية، مأخوذا عليهم ميثاق العبودية، والاستقامة على سنن العدل.
وقال بعض العامة: الفطرة ما سبق من سعادة أو شقاوة، فمن علم الله سعادته ولد على فطرة الاسلام، ومن علم شقاوته، ولد على فطرة الكفر، تعلق بقوله تعالى " لا تبديل لخلق الله " وبحديث الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام، طبع يوم طبع كافرا، فإنه يمنع من كون تولده على فطرة الاسلام.
وأجيب عن الأول بأن معنى لا تبديل لا تغيير، يعني لا يكون بعضهم على فطرة الكفر، وبعضهم على فطرة الاسلام، ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه " فان المراد بهذه الفطرة فطرة الاسلام.
وعن الثاني: بأن المراد بالطبع حالة ثانية طرأت، وهي التهيؤ للكفر عن الفطرة التي ولد عليها.
وقال بعضهم: المراد بالفطرة: كونه خلقا قابلا للهداية، ومتهيئا لها، لما أوجد فيه من القوة القابلة لها، لان فطرة الاسلام وصوابها موضوع في العقول
وإنما يدفع العقول عن إدراكها تغيير الأبوين، أو غيرهما.
وأجيب عنه بأن حمل الفطرة على الاسلام لا يأباه العقل، وظاهر الروايات يدل عليه. وحملها على خلاف الظاهر لا وجه له من غير مستند.
5 - المحاسن: عن أبيه، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال: فطرهم على معرفة أنه ربهم، ولولا ذلك لم يعلموا إذا سئلوا من ربهم ومن رازقهم.
بيان: قال في المصباح المنير: فطر الله الخلق فطرا من باب قتل: خلقهم، و الاسم: الفطرة بالكسر، قال الله تعالى " فطرة الله التي فطر الناس عليها " وقال صلى الله عليه وآله:
كل مولود يولد على الفطرة، قيل: معناه الفطرة الاسلامية والدين الحق، وإنما أبواه يهودانه وينصرانه: أي ينقلانه إلى دينهما.
وهذا التفسير مشكل، إن حمل اللفظ على حقيقته فقط، لأنه يلزم منه أن لا يتوارث المشركون مع أولادهم الصغار قبل أن يهودوهم وينصروهم، واللازم منتف بل الوجه حمله على حقيقته ومجازه معا.
أما حمله على مجازه فعلى ما قبل البلوغ، وذلك أن إقامة الأبوين على دينهما سبب لجعل الولد تابعا لهما، فلما كانت الإقامة سببا جعلت تهويدا وتنصيرا مجازا، ثم أسند إلى الأبوين توبيخا لهما، وتقبيحا عليهما كأنه قال: أبواه بإقامتهما على الشرك يجعلانه مشركا، ويفهم من هذا أنه لو أقام أحدهما على الشرك، وأسلم الاخر، لا يكون مشركا بل مسلما، وقد جعل البيهقي هذا معنى الحديث، فقال: قد جعل رسول الله صلى الله عليه وآله حكم الأولاد قبل أن يختاروا لأنفسهم حكم الاباء، فيما يتعلق بأحكام الدنيا، وأما حمله على الحقيقة فعلى ما بعد البلوغ لوجود الكفر من الأولاد.
6 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الله بن
سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل " فطرة الله التي فطر الناس عليها " ما تلك الفطرة؟ قال: هي الاسلام، فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد.
بيان: على التوحيد متعلق بفطر وأخذ على التنازع.
7 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل " حنفاء لله غير مشركين به " قال: الحنيفية من الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، قال: فطرهم على المعرفة به.
فقال زرارة: وسألته عن قول الله عز وجل " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " قال: أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة، فخرجوا كالذر، فعرفهم وأراهم نفسه، ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه.
وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مولود يولد على الفطرة يعني على المعرفة بأن الله عز وجل خالقه، وكذلك قوله: " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ".
تبيين: قوله: " حنفاء لله " إشارة إلى قوله سبحانه في سورة الحج: " فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به " أي اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، كما يجتنب الأنجاس وكل افتراء، وعن الصادق عليه السلام الرجس من الأوثان: الشطرنج، وقول الزور: الغناء.
قال الطبرسي رحمه الله: " حنفاء لله ": أي مستقيمي الطريقة على ما أمر الله مائلين عن سائر الأديان، " غير مشركين به " أي حجاجا مخلصين، وهم مسلمون موحدون لا يشركون في تلبية الحج به أحدا.
وقال في النهاية: فيه خلقت عبادي حنفاء: أي طاهري الأعضاء من المعاصي، لا أنه خلقهم كلهم مسلمين لقوله تعالى " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن " وقيل: أراد أنه خلقهم حنفاء مؤمنين لما أخذ عليهم الميثاق " ألست بربكم قالوا بلى " فلا يوجد أحد إلا وهو مقر بأن له ربا وإن أشرك به واختلفوا فيه.
والحنفاء جمع حنيف، وهو المائل إلى الاسلام، الثابت عليه، والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم، وأصل الحنف: الميل، ومنه الحديث بعثت بالحنيفية السمحة السهلة: انتهى.
" لا تبديل لخلق الله ": أي بأن يكونوا كلهم أو بعضهم عند الخلق مشركين بل كان كلهم مسلمين مقرين به، أو قابلين للمعرفة، " وأراهم نفسه ": أي بالرؤية العقلية الشبيهة بالرؤية العينية في الظهور، ليرسخ فيهم معرفته، ويعرفوه في دار التكليف، ولولا تلك المعرفة الميثاقية، لم يحصل لهم تلك القابلية، وفسر عليه السلام الفطرة في الحديث بالمجبولية على معرفة الصانع والاذعان به.
" كذلك قوله " أي هذه الآية أيضا محمولة على هذا المعنى، " ولئن سألتهم " أي كفار مكة، كما ذكره المفسرون، أو الأعم، كما هو الأظهر من الخبر " ليقولن الله " لفطرتهم على المعرفة، وقال البيضاوي: لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره، بحيث اضطروا إلى إذعانه انتهى.
والمشهور أنه مبني على أن كفار قريش لم يكونوا ينكرون أن الصانع هو الله، بل كانوا يعبدون الأصنام، لزعمهم أنها شفعاء عند الله، وظاهر الخبر أن
كل كافر لو خلي وطبعه، وترك العصبية ومتابعة الأهواء، وتقليد الأسلاف والاباء لأقر بذلك، كما ورد ذلك في الأخبار الكثيرة.
قال بعض المحققين: الدليل على ذلك ما ترى أن الناس يتوكلون بحسب الجبلة على الله، ويتوجهون توجها غريزيا إلى مسبب الأسباب، ومسهل الأمور الصعاب، وإن لم يتفطنوا لذلك، ويشهد لهذا قول الله عز وجل " قال: أرأيتكم إن أتيكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ". وفي تفسير مولانا العسكري عليه السلام أنه سئل مولانا الصادق عن الله فقال للسائل يا أبا عبد الله هل ركبت سفينة قط قال: بلى، قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك، ولا سباحة تغنيك؟ قال: بلى، قال: فهل تعلق قلبك هناك أن شيئا من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟ قال: بلى، قال الصادق: فذلك الشئ هو الله القادر على الإنجاء حين لا منجي، وعلى الإغاثة حين لا مغيث.
ولهذا جعلت الناس معذورين في تركهم اكتساب المعرفة بالله عز وجل متروكين على ما فطروا عليه، مرضيا عنهم بمجرد الاقرار بالقول، ولم يكلفوا الاستدلال العلمية في ذلك، وإنما التعمق لزيادة البصيرة ولطائفة مخصوصة، وأما الاستدلال فللرد على أهل الضلال.
ثم إن أفهام الناس وعقولهم متفاوتة في قبول مراتب العرفان، وتحصيل الاطمينان، كما وكيفا، شدة وضعفا، سرعة وبطئا، حالا وعلما، وكشفا وعيانا وإن كان أصل المعرفة فطريا، إما ضروري أو يهتدى إليه بأدنى تنبيه، فلكل طريقة هداه الله عز وجل إليها إن كان من أهل الهداية، والطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، وهم درجات عند الله يرفع الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات.
قال بعض المنسوبين إلى العلم: اعلم أن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله عز وجل، فكان هذا يقتضي أن يكون معرفته أول المعارف، وأسبقها إلى الافهام وأسهلها على العقول، ونرى الامر بالضد من ذلك، فلابد من بيان السبب فيه.
وإنما قلنا إن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله، لمعنى لا تفهمه إلا بمثال هو: أنا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط مثلا، كان كونه حيا من أظهر الموجودات فحياته وعلمه وقدرته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة، إذ صفاته الباطنة كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه، وكل ذلك لا نعرفه، وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها، وبعضها نشك فيه، كمقدار طوله، واختلاف لون بشرته وغير ذلك من صفاته.
أما حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيوانا فإنه جلي عندنا، من غير أن يتعلق حس البصر بحياته وقدرته وإرادته فان هذه الصفات لا تحس بشئ من الحواس الخمس، ثم لا يمكن أن يعرف حياته وقدرته وإرادته إلا بخياطته وحركته، فلو نظرنا إلى كل ما في العلم سواء لم نعرف به صفاته، فما عليه إلا دليل واحد، وهو مع ذلك جلي واضح.
ووجود الله وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له بالضرورة كل ما نشاهده وندركه بالحواس الظاهرة والباطنة من حجر ومدر، ونبات وشجر، وحيوان وسماء وأرض وكوكب، وبر وبحر، ونار وهواء، وجوهر وعرض، بل أول شاهد عليه أنفسنا، وأجسامنا، وأصنافنا، وتقلب أحوالنا، وتغير قلوبنا، وجميع أطوارنا، في حركاتنا وسكناتنا.
وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا، ثم محسوساتنا بالحواس الخمس، ثم مدركاتنا بالبصيرة والعقل، وكل واحد من هذه المدركات له مدرك واحد، وشاهد ودليل واحد، وجميع ما في العالم شواهد ناطقة، وأدلة شاهدة، بوجود خالقها ومدبرها، ومصرفها ومحركها، ودالة على علمه وقدرته ولطفه وحكمته.
والموجودات المدركة لا حصر لها، فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا
وليس يشهد له إلا شاهد واحد، وهو ما أحسسنا من حركة يده، فكيف لا يتصور في الوجود شئ داخل نفوسنا وخارجها إلا وهو شاهد عليه وعلى عظمته وجلاله إذ كل ذرة فإنها تنادي بلسان حالها أنه ليس وجودها بنفسها ، ولا حركتها بذاتها وإنما يحتاج إلى موجد ومحرك لها، يشهد بذلك أولا تركيب أعضائنا وائتلاف عظامنا، ولحومنا وأعصابنا ونبات شعورنا، وتشكل أطرافنا، وسائر أجزائنا الظاهرة والباطنة، فانا نعلم أنها لم تأتلف بنفسها، كما نعلم أن يد الكاتب لم يتحرك بنفسها.
ولكن لما لم يبق في الوجود مدرك، ومحسوس ومعقول، وحاضر وغائب إلا وهو شاهد ومعرف عظم ظهوره، فانبهرت العقول، ودهشت عن إدراكه فاذن ما يقصر عن فهمه عقولنا له سببان: أحدهما خفاؤه في نفسه وغموضه، وذلك لا يخفى مثاله، والاخر ما يتناهى وضوحه.
وهذا كما أن الخفاش يبصر بالليل، ولا يبصر بالنهار، لا لخفاء النهار واستتاره، ولكن لشدة ظهوره، فان بصر الخفاش ضعيف يبهره نور الشمس إذا أشرق، فيكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سببا لامتناع إبصاره فلا يرى شيئا إلا إذا امتزج الظلام بالضوء، وضعف ظهوره.
فكذلك عقولنا ضعيفة، وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الاشراق والاستنارة وفي غاية الاستغراق والشمول، حتى لا يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السماوات والأرض، فصار ظهوره سبب خفائه، فسبحان من احتجب باشراق نوره، واختفى عن البصائر والابصار بظهوره.
ولا تتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور، فان الأشياء تستبان بأضدادها وما عم وجوده حتى لا ضد له عسر إدراكه، فلو اختلف الأشياء فدل بعضها دون البعض أدركت التفرقة على قرب، ولما اشتركت في الدلالة على نسق واحد أشكل الامر.
ومثاله نور الشمس المشرق على الأرض، فانا نعمل أنه عرض من الاعراض
يحدث في الأرض، ويزول عند غيبة الشمس، فلو كانت الشمس دائمة الاشراق لا غروب لها، لكنا نظن أن لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها وهي السواد والبياض وغيرها، فإنا لا نشاهد في الأسود إلا السواد، وفي الأبيض إلا البياض، وأما الضوء فلا ندركه وحده، لكن لما غابت الشمس وأظلمت المواضع، أدركنا تفرقة بين الحالتين، فعلمنا أن الأجسام كانت قد استضاءت بضوء، واتصفت بصفة فارقتها عند الغروب، فعرفنا وجود النور بعدمه، وما كنا نطلع عليه لولا عدمه إلا بعسر شديد، وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام والنور.
هذا مع أن النور أظهر المحسوسات، إذ به يدرك سائر المحسوسات، فما هو ظاهر في نفسه وهو مظهر لغيره، انظر كيف تصور استبهام أمره بسبب ظهوره، لولا طريان ضده، فاذن الرب تعالى هو أظهر الأمور، وبه ظهرت الأشياء كلها، ولو كان له عدم أو غيبة أو تغير لانهدمت السماوات والأرض، وبطل الملك والملكوت ولأدركت التفرقة بين الحالتين.
ولو كان بعض الأشياء موجودا به، وبعضها موجودا بغيره، لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة، ولكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد، ووجوده دائم في الأحوال، يستحيل خلافه، فلا جرم أورث شدة الظهور خفاء، فهذا هو السبب في قصور الافهام.
وأما من قويت بصيرته، ولم يضعف منته، فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا الله وأفعاله، وأفعاله أثر من آثار قدرته، فهي تابعة فلا وجود لها بالحقيقة وإنما الوجود للواحد الحق الذي به وجود الافعال كلها.
ومن هذا حاله فلا ينظر في شئ من الافعال إلا ويرى فيه الفاعل، ويذهل عن الفعل، من حيث إنه سماء وأرض وحيوان وشجر، بل ينظر فيه من حيث إنه صنع، فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره، كمن نظر في شعر إنسان أو خطه أو تصنيفه، ورأي فيه الشاعر والمصنف، ورأي آثاره من حيث هي آثاره، لا من حيث إنه حبر وعفص وزاج مرقوم على بياض، فلا يكون قد نظر إلى غير المصنف.
فكل العالم تصنيف الله تعالى فمن نظر إليها من حيث إنها فعل الله، وعرفها من حيث إنها فعل الله، وأحبها من حيث إنها فعل الله، لم يكن ناظرا إلا في الله ولا عارفا إلا بالله، ولا محبا إلا لله، وكان هو الموحد الحق الذي لا يرى إلا الله، بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه، بل من حيث هو عبد الله، فهذا هو الذي يقال فيه إنه فني في التوحيد، وإنه فنى في نفسه، وإليه الإشارة بقول من قال:
كنا بنا، ففنينا عنا، فبقينا بلا نحن .
فهذه أمور معلومة عند ذوي البصائر، أشكلت لضعف الافهام عن دركها وقصور قدرة العلماء عن إيضاحها وبيانها، بعبارة مفهمة موصلة للغرض إلى الافهام، ولاشتغالهم بأنفسهم، واعتقادهم أن بيان ذلك لغيرهم مما لا يغنيهم.
فهذا هو السبب في قصور الافهام عن معرفة الله تعالى، وانضم إليه أن المدركات كلها التي هي شاهدة على الله، إنما يدركها الانسان في الصبي عند فقد العقل قليلا قليلا، وهو مستغرق الهم بشهواته، وقد أنس بمدركاته ومحسوساته إلفها، فسقط وقعها عن قلبه بطول الانس، ولذلك إذا رأى على سبيل الفجأة حيوانا غريبا، أو فعلا من أفعال الله خارقا للعادة عجيبا انطلق لسانه بالمعرفة طبعا فقال:
" سبحان الله " وهو يرى طول النهار نفسه وأعضاءه وساير الحيوانات المألوفة، وكلها شواهد قاطعة، ولا يحس بشهادتها لطول الانس بها.
ولو فرض أكمه بلغ عاقلا، ثم انقشعت الغشاوة عن عينه، فامتد بصره إلى السماء والأرض، والأشجار والنبات، والحيوان، دفعة واحدة على سبيل الفجأة.
يخاف على عقله أن ينبهر، لعظم تعجبه من شهادة هذه العجائب على خالقها.
وهذا وأمثاله من الأسباب، مع الانهماك في الشهوات، وهي التي سدت على الخلق سبيل الاستضاءة بأنوار المعرفة، والسباحة في بحارها الواسعة والجليات إذا صارت مطلوبة، صارت معتاصة، فهذا سد الامر، فليتحقق ولذلك قيل:
لقد ظهرت فلا تخفى على أحد * إلا على أكمه لا يعرف القمرا لكن بطنت بما أظهرت محتجبا * فكيف يعرف من بالعرف استترا وفي كلام سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين صلوات الله على جده وأبيه، وأمه وأخيه، وعليه وبنيه، ما يرشدك إلى هذا العيان، بل يغنيك عن هذا البيان، حيث قال في دعاء عرفة:
" كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا تراك، ولا تزال عليها رقيبا، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبا " وقال: أيضا: " تعرفت لكل شئ فما جهلك شئ، وقال: تعرفت إلي في كل شئ فرأيتك ظاهرا في كل شئ، فأنت الظاهر لكل شئ " انتهى.
وأقول: قد مضع أكثر أخبار هذا الباب في كتاب التوحيد.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.