بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
1 باب فضل الايمان وجمل شرائطه
ج ۶۴، ص ۳۷–۶۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
" ومثل كلمة خبيثة " قيل: أي قول باطل ودعاء إلى ضلال أو فساد " كشجرة خبيثة " لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل " اجتثت " أي استوصلت وأخذت جثته بالكلية " من فوق الأرض " لان عروقها قريبة منه " مالها من قرار " أي استقرار.
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام إن هذا مثل بني أمية، وروى علي بن إبراهيم عنه عليه السلام كذلك الكافرون لا تصعد أعمالهم إلى السماء، وبنو أمية لا يذكرون الله في مجلس ولا في مسجد، ولا تصعد أعمالهم إلى السماء إلا قليل منهم.
" بالقول الثابت " قيل أي الذي ثبت بالحجة والبرهان عندهم، وتمكن في قلوبهم واطمأنت إليه أنفسهم " في الحياة الدنيا " فلا يزلون إذا افتتنوا في دينهم " وفي الآخرة " فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم " ويضل الله الظالمين " الذين ظلموا أنفسهم بالجحود والاقتصار على التقليد، فلا يهتدون إلى الحق، ولا يثبتون في مواقف الفتن . وفي التوحيد عن الصادق عليه السلام يعني يضلهم يوم القيامة عن دار كرامته " ويفعل الله ما يشاء " من تثبيت المؤمنين وخذلان الظالمين.
ويظهر من كثير من الاخبار أن التثبيت في الدنيا عند الموت، وفي الآخرة في القبر، أو الآخرة تشمل الحالتين، وقد مضت الأخبار الكثيرة في تفسير الآيات المذكورة، في كتب الإمامة، والفتن، والمعاد، وقد أوردنا وجوها كثيرة فيها
فلا نعيدها.
" حنيفا " قال الراغب: الحنف هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة و الجنف بالعكس.
" أجرا حسنا " هو الجنة " أبدا " بلا انقطاع.
" إلا أن تأتيهم سنة الأولين " إلا انتظار أن تأتيهم سنة الأولين وهي الاهلاك والاستئصال " أو يأتيهم العذاب " أي عذاب الآخرة " قبلا " أي عيانا.
" كانت لهم جنات الفردوس " قال في المجمع: أي كان في حكم الله وعلمه لهم بساتين الفردوس، وهو أطيب موضع في الجنة، وأوسطها وأفضلها وأرفعها " نزلا " أي منزلا ومأوى، وقيل ذات نزل، وقال الراغب: النزل ما يعد للنازل من الزاد " لا يبغون عنها حولا " أي تحولا، إذ لا يجدون أطيب منها، حتى تنازعهم إليه أنفسهم.
" ولا يظلمون شيئا " قيل: أي لا ينقصون شيئا من جزاء أعمالهم، ويجوز أن ينتصب شيئا على المصدر.
" سيجعل لهم الرحمان ودا " قيل: أي سيجعل لهم في القلوب مودة وقد مر في أخبار كثيرة أنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام حيث جعل الله له في قلوب المؤمنين ودا وفرض مودته وولايته على الخلق.
" قد عمل الصالحات " أي في الدنيا " لهم الدرجات العلى " أي المنازل الرفيعة " جنات عدن " بدل من الدرجات " من تزكى " أي من تطهر من أدناس الكفر والمعاصي.
" لمن تاب " أي من الشرك " وآمن " بما يجب الايمان به، " ثم اهتدى " أي إلى ولاية أهل البيت عليهم السلام كما ورد في الأخبار الكثيرة التي قد مر بعضها وسيأتي بعضها إنشاء الله.
" وهو مؤمن " أي بالله ورسله " فلا كفران لسعيه " أي لا تضييع له، استعير لمنع الثواب كما استعير الشكر لاعطائه " وإناله " أي لسعيه " كاتبون " أي مثبتون في صحيفة عمله.
" يفعل ما يريد " أي من إثابة الموحد الصالح، وعقاب المشرك، لا دافع له ولا مانع.
" من أساور " جمع أسورة وهي جمع سوار " من ذهب " بيان له " ولؤلؤا " عطف عليها لا على ذهب، " إلى الطيب من القول " قيل: هو قولهم: الحمد لله الذي صدقنا وعده، أو كلمة التوحيد. وقال علي بن إبراهيم: التوحيد والاخلاص " و هدوا إلى صراط الحميد " قيل أي المحمود نفسه أو عاقبته وهو الجنة، أو الحق أو المستحق لذاته الحمد، وهو الله تعالى، وصراطه الاسلام.
وفي المحاسن عن الباقر عليه السلام هو والله هذا الامر الذي أنتم عليه، وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال: ذاك حمزة وجعفر وعبيدة وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمار هدوا إلى أمير المؤمنين.
" إن الله يدافع عن الذين آمنوا " أي غائله المشركين.
" ورزق كريم " قيل: الكريم من كل نوع ما يجمع فضائله
" إلى صراط مستقيم " قال علي بن إبراهيم: إلى الامام المستقيم.
" قد أفلح المؤمنون " في الكافي عن الباقر عليه السلام: أتدري من هم قيل: أنت أعلم، قال: قد أفلح المؤمنون المسلمون، إن المسلمين هم النجباء، و روى علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام قال: لما خلق الله الجنة قال لها: تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون الآية.
وأقول: تدل الآيات على اشتراط تأثير الايمان في دخول الجنة بالاعمال و إن أمكن تأويلها بما سيأتي، وكذا قوله تعالى " ويقولون آمنا " إلى آخر الآيات تدل على بعض شرائط الايمان، وأن من لم يتحاكم إلى الرسول ولم يرض بحكمه فليس بمؤمن.
" إنما المؤمنون " حمل على الكاملين في الايمان " الذين آمنوا بالله و رسوله " أي من صميم قلوبهم " وإذا كانوا معه على أمر جامع " كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورة في الأمور " حتى يستأذنوه " أي الرسول صلى الله عليه وآله " إن الذين يستأذنونك " أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة، وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك، تنبيها على كونه مصداقا لصحة الايمان ومميزا للمخلص عن المنافق، وتعظيما للجرم.
" فعسى أن يكون من المفلحين " قيل: عسى تحقيق على عادة الكرام أو ترجى من التائب بمعنى فليتوقع أن يفلح.
" وهم لا يفتنون " أي لا يختبرون وفي المجمع عن الصادق عليه السلام
معنى يفتنون: يبتلون في أنفسهم وأموالهم، وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه لما نزلت هذه الآية قال: لابد من فتنة يبتلى بها الأمة بها، ليتعين الصادق من الكاذب، لان الوحي قد انقطع، وبقي السيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة.
وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام أنه قرأ هذه الآية ثم قال: ما الفتنة؟ قيل الفتنة في الدين فقال: يفتنون كما يفتن الذهب، ثم يخلصون كما يخلص الذهب.
" فليعلمن الله الذين صدقوا " أي في الوجود بحيث يتميز الذين صدقوا في الايمان والذين كذبوا فيه بعدما كان يعلمهم قبل ذلك أنهم سيوجدون ويمتحنون.
وفي المجمع عن أمير المؤمنين والصادق عليهما السلام أنهما قرءا بضم الياء و كسر اللام فيهما من الاعلام أي ليعرفنهم الناس.
وأقول: تدل على أن الاقرار الظاهري غير كاف في الايمان الواقعي.
" أحسن الذي كانوا يعملون " أي أحسن جزاء أعمالهم.
" لندخلنهم في الصالحين " أي في جملتهم أو في زمرتهم في الجنة " ومن الناس من يقول آمنا بالله " بلسانه " فإذا أوذي في الله " أي في دينه أو في ذاته " جعل فتنة الناس " أي تعذيبهم وأذيتهم " كعذاب الله " فيرجع عن الدين، كما ينبغي للكافر أن يترك دينه مخافة عذاب الله، " ولئن جاءهم نصر من ربك " أي فتح وغنيمة " ليقولن إنا كنا معكم " في الدين، فأشركونا فيه، والمراد المنافقون أو قوم ضعف إيمانهم فارتدوا من أذى المشركين، ويؤيد الأول " أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين " أي من الاخلاص والنفاق " وليعلمن الذين آمنوا " بقلوبهم " وليعلمن المنافقين " فيجازي الفريقين.
" وقولوا " أي لأهل الكتاب في المجادلة وفي الدعوة إلى الدين، فلا
يدل على اشتراط الايمان بالقول " فالذين آتيناهم الكتاب " أي علمه أي مؤمنو - أهل الكتاب " ومن هؤلاء " يعني من العرب، أو من أهل مكة، أو ممن في عهد الرسول صلى الله عليه وآله من أهل الكتاب " من يؤمن به " أي بالقرآن " وما يجحد بآياتنا " مع ظهورها وقيام الحجة عليها " إلا الكافرون " المتوغلون في الكفر.
" يتلى عليهم " أي تدوم تلاوته عليهم " إن في ذلك " أي الكتاب الذي هو آية مستمرة، وحجة مبينة، " لرحمة " أي لنعمة عظيمة " وذكرى لقوم يؤمنون " أي تذكرة لمن همه الايمان دون التعنت.
" لنبوءنهم " لننزلنهم " من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين " المخصوص بالمدح محذوف، دل عليه ما قبله، وهو الجنة أو الغرف " الذين صبروا " على المحن والمشاق في الدين " وعلى ربهم يتوكلون " أي لا يتوكلون إلا على الله.
" فهم في روضة " قيل: أي أرض ذات أزهار وأنهار " يحبرون " أي يسرون سرورا تهللت له وجوههم وقال علي بن إبراهيم: أي يكرمون.
" فأقم وجهك للدين حنيفا " قيل أي مائلا مستقيما عليه، وقيل هو تمثيل للاقبال والاستقامة عليه والاهتمام به، وقال علي بن إبراهيم: أي طاهرا وروى هو والكليني عن الباقر عليه السلام أنه قال: هو الولاية، وفي التهذيب عن الصادق عليه السلام قال: أمره أن يقيم وجهه لقبلة ليس فيه شئ من عبادة الأوثان.
" فطرة الله " نصب على الاغراء أو المصدر، لما دل عليه ما بعدها " التي فطر الناس عليها " أي خلقهم عليها، قيل: وهي قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه أو ملة الاسلام، فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أنه سئل ما تلك الفطرة، قال: هي الاسلام فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد قال: " ألست بربكم "؟ وفيهم المؤمن والكافر.
وفي كثير من الاخبار: فطرهم على التوحيد، وفي بعضها فطرهم على الولاية، وفي بعضها فطرهم على التوحيد ومحمد رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي أمير المؤمنين عليه السلام.
وعن الباقر عليه السلام: فطرهم على التوحيد عند الميثاق على معرفة أنه ربهم قال: لولا ذلك لم يعلموا من ربهم ولا من رازقهم، وقد مضت الاخبار والأقوال في ذلك في كتاب العدل.
" لا تبديل لخلق الله " أي لا يقدر أحد أن يغيره ، أو لا ينبغي أن يغير ذلك إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له، أو الفطرة إن فسرت بالملة " الدين القيم " أي المستوي الذي لا عوج فيه " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " أي استقامته.
" منيبين إليه " أي راجعين إليه مرة بعد أخرى " من الذين فرقوا دينهم " أي اختلفوا فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم، وقرأ حمزة والكسائي: " فارقوا " أي تركوا " وكانوا شيعا " أي فرقا يشايع كل إمامها الذي أصل دينها " كل حزب بما لديهم فرحون " أي مسرورون ظنا بأنه الحق.
" للدين القيم " أي البليغ الاستقامة " لا مرد له " لتحتم مجيئه " يومئذ يصدعون " أصله يتصدعون أي يتفرقون: فريق في الجنة وفريق في السعير.
" لهم جنات النعيم " قيل أي لهم نعيم جنات، فعكس للمبالغة.
" خالدين فيها " حال من الضمير في لهم، أو من جنات النعيم " وعد الله حقا " مصدران مؤكدان: الأول لنفسه، والثاني لغيره، لان قوله " لهم جنات " وعد، وليس كل وعد حقا " وهو العزيز " الذي لا يغلبه شئ، فيمنعه عن إنجاز وعده ووعيده، " الحكيم " الذي لا يفعل إلا ما تستدعيه حكمته.
" بأن لهم من الله فضلا كبيرا " أي على سائر الأمم، أو على أجر أعمالهم " ورزق كريم " أي لا تعب فيه ولا من عليه.
" وما يستوي الأعمى والبصير أي الكافر والمؤمن " ولا الظلمات ولا النور " أي ولا الباطل ولا الحق، " ولا الظل ولا الحرور " أي ولا الثواب ولا العقاب، " ولا " لتأكيد نفي الاستواء، وتكريرها على الشقين، لمزيد التأكيد والحرور من الحر، غلب على السموم.
وقال علي بن إبراهيم: الظل الناس، والحرور البهائم، وكأنهم إنما سموا ظلا لتعيشهم في الظلال، والبهائم حرورا لتعيشهم فيها، وفي بعض النسخ للناس وللبهائم، وهو أصوب وفي بعضها ولا الحرور، والحرور السمائم وهو أظهر منهما.
" وما يستوي الاحياء ولا الأموات " تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين أبلع من الأول، ولذلك كرر الفعل وقيل للعلماء والجهلاء " إن الله يسمع من يشاء " هدايته، فيوفقه لفهم آياته، والاتعاظ بعظاته " وما أنت بمسمع من في القبور " أي المصرين على الكفر.
وقال علي بن إبراهيم: قال : هؤلاء الكفار لا يسمعون منك كما لا يسمع من في القبور.
" من كان حيا " قال - ره -: يعني مؤمنا حي القلب، وفي المجمع عن
أمير المؤمنين عليه السلام أي عاقلا " ويحق القول " أي تجب كلمة العذاب " على الكافرين ".
" الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به " أخبر عنهم بالايمان إظهارا لفضله، وتعظيما لأهله " ويستغفرون للذين آمنوا " في الأخبار الكثيرة: للذين آمنوا بولايتهم عليهم السلام " ربنا " أي يقولون ربنا " وسعت كل شئ رحمة وعلما " أي وسعت رحمتك وعلمك كل شئ " فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك " قيل أي للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيل الحق " وقهم عذاب الجحيم ".
" ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم " أي إياها " ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم " عطف على " هم " الأول أي أدخلهم ومعهم هؤلاء ليتم سرورهم أو الثاني لبيان عموم الوعد " إنك أنت العزيز " الذي لا يمتنع عليه مقدور " الحكيم " الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه حكمته، ومن ذلك الوفاء بالوعد.
" وقهم السيئات " أي العقوبات، أو جزاء السيئات، أو المعاصي في الدنيا لقوله " ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته " أي ومن تقها في الدنيا، فقد رحمته في الآخرة و " ذلك الفوز العظيم " يعني الرحمة، أو الوقاية أو مجموعهما.
" ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب " قيل: أي بغير تقدير وموازنة بالعمل، بل أضعافا مضاعفة فضلا من الله ورحمة، ولعل جعل العلم عمدة، والايمان حالا، للدلالة على أنه شرط في اعتبار العمل، وأن ثوابه أعلى من ذلك.
" إنا لننصر رسلنا " قيل أي بالحجة والظفر، والانتقام من الكفرة " في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد " الاشهاد جمع شاهد، والمراد بهم من يقوم
يوم القيامة للشهادة على الناس، من الملائكة والأنبياء والمؤمنين.
وقال علي بن إبراهيم: هو في الرجعة إذا رجع رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام وروى بإسناده عن الصادق عليه السلام قال: ذلك والله في الرجعة أما علمت أن أنبياء الله كثيرة لم ينصروا في الدنيا وقتلوا والأئمة من بعدهم قتلوا ولم ينصروا وذلك في الرجعة.
" وما يستوي الأعمى والبصير " أي الجاهل والمستبصر " والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ " أي ولا يستوي المؤمن المحسن والمسئ، مؤمنا كان أو غيره " قليلا ما تتذكرون " أي تذكرا ما قليلا تتذكرون.
" فلما رأوا بأسنا " أي عذابنا النازل بهم قال في المجمع أي عند رؤيتهم بأس الله وعذابه لأنهم يصيرون عند ذلك ملجئين، وفعل الملجأ لا يستحق به المدح " سنة الله " نصبها على المصدر، أي سن الله هذه السنة في الأمم الماضية كلها إذ لا ينفعهم إيمانهم إذا رأوا العذاب، والمراد بالسنة هنا الطريقة المستمرة من فعله بأعدائه الجاحدين " وخسر هنالك الكافرون " بدخول النار واستحقاق النقمة وفوت الثواب والجنة.
وفي العيون عن الرضا عليه السلام: أنه سئل لأي علة غرق الله فرعون وقد آمن به وأقر بتوحيده؟ قال: لأنه آمن عند رؤية البأس، والايمان عند رؤية البأس غير مقبول، وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف، قال الله عز وجل " فلما رأوا بأسنا " الآيتين.
وقال الرازي في تفسيره: فان قيل: اذكروا ضابطا في الوقت الذي لا ينفع الاتيان بالايمان، قلنا: إنه الوقت الذي يعاين فيه نزول ملائكة الرحمة والعذاب، لان في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى الايمان، فذلك الايمان لا ينفع، إنما ينفع مع القدرة على خلافه حتى يكون المرء مختارا أما إذا عاينوا علامات الآخرة فلا ينفع.
قوله: " غير ممنون " أي لا يمن به عليكم، أو غير مقطوع.
" شرع لكم من الدين " أي قرر لكم دين نوح ومحمد ومن بينهما من أرباب الشرائع عليهم السلام، وهو الأصل المشترك فيما بينهم المفسر بقوله: " أن أقيموا الدين " وهو الايمان بما يجب تصديقه، والطاعة في أحكام الله " ولا تتفرقوا فيه " أي ولا تختلفوا في هذا الأصل، أما فروع الشرائع فمختلفة كما قال " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ".
" كبر على المشركين " أي عظم عليهم " ما تدعوهم إليه " من التوحيد " الله يجتبي إليه من يشاء " أي يجتلب إليه، والضمير لما تدعوهم، أو للدين " ويهدي إليه " بالارشاد والتوفيق " من ينيب " أي يقبل إليه.
وقال علي بن إبراهيم: هم الأئمة الذين اختارهم واجتباهم، وعن الصادق عليه السلام: " أن أقيموا الدين " قال الامام: " ولا تتفرقوا فيه " كناية عن أمير المؤمنين " ما تدعوهم إليه " من ولاية علي عليه السلام " من يشاء " كناية عن علي عليه السلام وسيأتي خبر طويل في تأويل هذه الآية.
" في روضات الجنات " قيل: أي في أطيب بقاعها وأنزهها " لهم ما يشاؤن عند ربهم " أي ما يشتهونه ثابت لهم عند ربهم " ذلك إشارة إلى ما للمؤمنين " هو الفضل الكبير " الذي يصغر دونه ما لغيرهم في الدنيا " ذلك الذي " أي ذلك الثواب الذي " يبشر " هم " الله به " فحذف الجار ثم العائد، أو " ذلك " التبشير " الذي يبشر " ه " الله عباده ".
" ويستجيب الذين آمنوا " قيل أي يستجيب الله لهم، فحذف اللام والمراد إجابة الدعاء، أو الإثابة على الطاعة، أو يستجيبون الله بالطاعة إذا دعاهم إليها، وفي المجمع عن ابن عباس في حديث طويل أن الأنصار عرضوا على النبي صلى الله عليه وآله أموالهم فنزلت: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " فخرجوا من عنده مسلمين وقال المنافقون: " إن هذا الشئ افتراء - وساق إلى قوله - وقال " ويستجيب الذين آمنوا " وهم الذين سلموا لقوله.
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال: هو المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب فيقول له الملك: آمين، ويقول العزيز الجبار: ولك مثلا ما سألت لحبك إياه.
وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال " ويزيدهم من فضله " الشفاعة لمن وجبت له النار ممن أحسن إليهم في الدنيا.
" الذين آمنوا " صفة للمنادى في قوله " يا عباد لا خوف عليكم " " تحبرون " أي تسرون أو تزينون أو تكرمون إكراما يبالغ فيه.
" في رحمته " التي من جملتها الجنة " ذلك هو الفوز المبين " لخلوصه
عن الشوائب.
" قالوا ربنا الله ثم استقاموا " قيل: أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في الأمور التي هي منتهى العمل، و " ثم " للدلالة على تأخير رتبة العمل، وتوقف اعتباره على التوحيد، وقال علي بن إبراهيم: استقاموا على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام " فلا خوف عليهم " من لحوق مكروه " ولا هم يحزنون " على فوات محبوب.
" وصدوا عن سبيل الله " قال علي بن إبراهيم: نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذين ارتدوا بعده، وغصبوا أهل بيته حقهم، وصدوا عن أمير المؤمنين، وعن ولاية الأئمة عليهم السلام، " أضل أعمالهم " أي أبطل ما كان تقدم منهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله من الجهاد والنصر.
وروى عن الصادق عليه السلام في قوله " وآمنوا بما نزل " قال بما نزل " على محمد " في علي، هكذا نزلت " كفر عنهم سيئاتهم " قال: نزلت في أبي ذر وسلمان وعمار والمقداد، لم ينقضوا العهد، قال " وآمنوا بما نزل على محمد ": أي أثبتوا على الولاية التي أنزلها الله " وهو الحق " يعني أمير المؤمنين عليه السلام " بالهم " أي حالهم.
" ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل " قال: وهم الذين اتبعوا أعداء رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما، وروى عن الصادق عليه السلام قال: في سورة محمد صلى الله عليه وآله آية فينا وآية في أعدائنا. " مولى الذين آمنوا " أي ناصرهم على أعدائهم، وقال علي بن إبراهيم: يعني الذين ثبتوا على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام " لا مولى لهم " فيدفع العذاب عنهم.
" ليدخل " قيل: أي فعل ما فعل ودبر ما دبر ليدخل. " ويكفر عنهم سيئاتهم " أي يغطيها ولا يظهرها " فوزا عظيما " لأنه منتهى ما يطلب من جلب نفع أو دفع ضرر.
" وعلى المؤمنين " أي أنزل عليهم الثبات والوقار " وألزمهم كلمة التقوى " أي كلمة بها يتقى من النار، أو هي كلمة أهل التقوى، وقال الأكثر: هي كلمة الشهادة وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الصادق عليه السلام: هي الايمان وعن النبي صلى الله عليه وآله في وصف علي عليه السلام هو الكلمة التي ألزمتها المتقين. وفي أخبار كثيرة عنهم عليهم السلام " نحن كلمة التقوى " أي ولايتهم " وكانوا أحق بها " أي بتلك الكلمة من غيرهم " وأهلها " أي المستأهل لها " وكان الله بكل شئ عليما " فيعلم أهل كل شئ وييسره له.
" حبب إليكم الايمان " أي جعله أحب الأديان إليكم، بأن أقام الأدلة على صحته، وبما وعد من الثواب عليه " وزينه في قلوبكم " بالألطاف الداعية إليه، وفيه إشعار بأن الايمان من فعل القلب " وكره إليكم الكفر " بما وصف من العقاب عليه، وبوجوه الألطاف الصارفة عنه " والفسوق " أي الخروج عن الطاعة إلى المعاصي " والعصيان " أي جميع المعاصي وقيل: الفسوق: الكذب وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام.
وفي الكافي وغيره عن الصادق عليه السلام أن الايمان أمير المؤمنين عليه السلام والثلاثة
الثلاثة على الترتيب، وفي المحاسن عنه عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية وقيل له:
هل للعباد فيما حبب الله صنع؟ قال: لا، ولا كرامة.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن الحب والبغض أمن الايمان هو؟ فقال: وهل الايمان إلا الحب والبغض؟ ثم تلا هذه الآية.
" أولئك هم الراشدون " يعني أولئك الذين فعل بهم ذلك، هم الذين أصابوا الطريق السوي.
" إنكم لفي قول مختلف " أي في محمد صلى الله عليه وآله شاعر أو مجنون؟، أو منكم مكذب، ومنكم مصدق، ومنكم شاك، أو في القرآن إنه سحر أو كهانة أو ما سطره الأولون؟ " يؤفك عنه من افك " الضمير للرسول صلى الله عليه وآله أو القرآن أو الايمان، أي من صرف عنه صرف عن الخيرات كلها، أو لا صرف أشد منه، فكأنه لا صرف بالنسبة إليه، أو يصرف عنه من صرف في علم الله وقضائه.
" تنفع المؤمنين " أي من قدر الله إيمانه، أو من آمن، فإنه يزداد بصيرة.
" مستخلفين فيه " أي من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرف فيها، فهي حقيقة له لا لكم، أو التي استخلفكم عمن قبلكم في تملكها والتصرف فيها، " ومالكم لا تؤمنون " أي أيما عذر لكم في ترك الايمان؟ " والرسول يدعوكم " إليه بالحجج والبينات " وقد أخذ ميثاقكم " أي وقد أخذ الله ميثاقكم بالايمان قبل ذلك " إن كنتم مؤمنين " لموجب ما فان هذا موجب لا مزيد عليه " من الظلمات إلى النور " أي من ظلمات الكفر إلى نور الايمان.
" يسعى نورهم " قيل: أي ما يهتدون به إلى الجنة " بين أيديهم وبأيمانهم " من حيث يؤتون صحائف أعمالهم لان السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين " بشراكم اليوم جنات " أي يقولون لهم من يتلقاهم من الملائكة " بشراكم " أي المبشر به " جنات " أو بشراكم دخول جنات " ذلك هو الفوز العظيم " إشارة إلى ما تقدم من النور والبشرى بالجنات المخلدة.
" أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم " في التهذيب عن السجاد عليه السلام إن هذه لنا ولشيعتنا، وفي المحاسن عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: ما من شيعتنا إلا صديق شهيد، قيل: أنى يكون ذلك وعامتهم يموتون على فرشهم، فقال:
أما تتلو كتاب الله في الحديد " والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون و الشهداء " قال: لو كان الشهداء [ليس إلا] كما يقولون كان الشهداء قليلا ".
أقول: سيأتي أخبار كثيرة في ذلك وقد مر بعضها.
" لهم أجرهم ونورهم " أي أجر الصديقين والشهداء ونورهم.
" سابقوا " أي سارعوا مسارعة السابقين في المضمار " إلى مغفرة من ربكم " أي إلى موجباتها " كعرض السماء والأرض " قيل أي كعرض مجموعهما إذا بسطتا.
" يا أيها الذين آمنوا " أي بالرسل المتقدمة " اتقوا الله " فيما نهاكم عنه " يؤتكم كفلين " أي نصيبين " من رحمته " لايمانكم بمحمد وإيمانكم بمن قبله " ويجعل لكم نورا تمشون به " قيل يريد المذكور في قوله " يسعى نورهم " أو الهدى الذي يسلك به إلى جناب القدس.
وقال علي بن إبراهيم: " كفلين " نصيبين " من رحمته " أحدهما أن
لا يدخله النار، وثانيهما أن يدخله الجنة " ويجعل لكم نورا " يعني الايمان.
وعن الصادق عليه السلام " كفلين من رحمته ": قال: الحسن والحسين و " نورا تمشون به " يعني إماما تأتمون به، وفي المناقب: قال: والنور علي عليه السلام.
" لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة " قيل أي لا يستوي الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا الجنة، والذين استمهنوها فاستحقوا النار، " هم الفائزون " بالنعيم المقيم.
" تؤمنون " استئناف مبين للتجارة، وهو الجمع بين الايمان والجهاد المؤدي إلى كمال عزهم، والمراد به الامر، وإنما جئ بلفظ الخبر، إيذانا بأن ذلك مما لا يترك. " ذلكم خير لكم " يعني ما ذكر من الايمان والجهاد " إن كنتم تعلمون " أي إن كنتم من أهل العلم إذ الجاهل لا يعتد بفعله.
" يغفر لكم " جواب للامر المدلول عليه بلفظ الخبر، أو بشرط أو استفهام دل عليه الكلام، تقديره: إن تؤمنوا وتجاهدوا. أو هل تقبلون أن أدلكم يغفر لكم " ذلك " إشارة إلى ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة.
" وأخرى " أي ولكم إلى هذه النعمة المذكورة نعمة أخرى، وقيل مبتدء خبره " نصر من الله وفتح قريب " فتح مكة، وفي تفسير علي بن إبراهيم يعني في الدنيا بفتح القائم عليه السلام " وبشر المؤمنين " عطف على محذوف مثل: قل يا أيها الذين آمنوا وبشر. أو على تؤمنون به فإنه في معنى الامر.
" من أنصاري إلى الله " أي من جندي متوجها إلى نصرة الله؟ والحواريون أصفياؤه، " فآمنت طائفة " أي بعيسى " وأيدنا الذين آمنوا " أي بالحجة أو بالحرب، وذلك بعد رفع عيسى عليه السلام " فأصبحوا ظاهرين " أي فصاروا غالبين.
" ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " أي لله الغلبة والقوة، ولمن أعزه
من رسوله والمؤمنين، " ولكن المنافقين لا يعلمون " من فرط جهلهم وغرورهم.
" والنور الذي أنزلناه " ذهب أكثر المفسرين إلى أنه القرآن، وقال علي بن إبراهيم: النور أمير المؤمنين عليه السلام وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام الإمامة هي النور وذلك قوله تعالى: " فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلناه " قال: النور هو الامام.
وعن الباقر عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقال: النور - والله - الأئمة الخبر، والاخبار في ذلك كثيرة أوردناها في كتاب الإمامة.
" يوم يجمعكم ليوم الجمع " لأجل ما فيه من الحساب والجزاء، و الجمع جمع الأولين والآخرين " ذلك يوم التغابن " يغبن فيه بعضهم بعضا، لنزول السعداء منازل الأشقياء، لو كانوا سعداء، وبالعكس، وفي معاني الأخبار عن الصادق عليه السلام يوم يغبن أهل الجنة أهل النار.
" ويعمل صالحا " أي عملا صالحا " ذلك الفوز العظيم " إشارة إلى مجموع الامرين، ولذلك جعله الفوز العظيم لأنه جامع للمصالح من دفع المضار وجلب المنافع.
" يهد قلبه " قيل أي للثبات، والاسترجاع عند حلول المصيبة، وقال علي بن إبراهيم: أي يصدق الله في قلبه، فإذا بين الله له، اختار الهدى، ويزيده الله كما قال: " والذين اهتدوا زادهم هدى ".
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال: إن القلب ليترجج فيما بين المصدر
والحنجرة، حتى يعقد على الايمان، فإذا عقد على الايمان قر، وذلك قول الله عز وجل " ومن يؤمن بالله يهد قلبه ".
أقول: كأنه عليه السلام قرأ بالهمز ورفع قلبه كما قرأ في الشواذ منسوبا إلى عكرمة وعمرو بن دينار، أو هو بيان لحاصل المعنى، فيوافق القراءة المشهورة أيضا: أي يهدي الله قلبه فيسكن.
" ذكرا رسولا " عن الرضا عليه السلام أن الذكر هنا هو الرسول ونحن أهل الذكر، وقال البيضاوي: يعني بالذكر جبرئيل عليه السلام لكثرة ذكره أو لنزوله بالذكر وهو القرآن، أو لكونه مذكورا في السماوات، أو ذا ذكر أي شرف، أو محمدا صلى الله عليه وآله لمواظبته على تلاوة القرآن، أو تبليغه.
وعبر عن إرساله بالانزال، ترشيحا، أو لأنه مسبب عن إنزال الوحي إليه، وأبدل عنه رسولا للبيان، أو أراد به القرآن ورسولا منصوب بمقدر مثل أرسل، أو ذكرا، والرسول مفعوله، أو بدله على أنه بمعنى الرسالة " من الظلمات إلى النور " من الضلالة إلى الهدى " قد أحسن الله له رزقا " قيل:
فيه تعجيب وتعظيم لما رزقوا من الثواب.
" والذين آمنوا معه " عطف على النبي صلى الله عليه وآله إحمادا لهم، وتعريضا لمن ناواهم، وقيل: مبتدء خبره " نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ".
في المجمع عن الصادق في هذه الآية قال: يسعى أئمة المؤمنين يوم القيامة بين أيدي المؤمنين وبأيمانهم حتى ينزلوهم منازلهم في الجنة وروى علي بن
إبراهيم مثله. وعن الباقر عليه السلام فمن كان له نور يومئذ نجا وكل مؤمن له نور يقولون إذا طفئ أنوار المنافقين " ربنا أتمم لنا نورنا " وقيل تتفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم، فيسألون إتمامه تفضلا.
" أفمن يمشي مكبا " يقال: كببته فأكب ، وهو من الغرائب أي يعثر كل ساعة ويخر على وجهه، لوعورة طريقه، واختلاف أجزائه، ولذلك قابله بقوله " أمن يمشي سويا " أي قائما سالما من العثار " على صراط مستقيم " أي مستوي الاجزاء أو الجهة.
والمراد: تشبيه المشرك والموحد بالسالكين، والدينين بالمسلكين، وقيل:
المراد بالمكب: الأعمى، فإنه يعتسف فينكب، وبالسوي: البصير، وقيل:
من يمشي مكبا هو الذي يحشر على وجهه إلى النار، ومن يمشي سويا: الذي يحشر على قدميه إلى الجنة.
وفي الكافي: عن الكاظم عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية، فقال: إن الله ضرب مثل من حاد عن ولاية علي عليه السلام كمن يمشي على وجهه، لا يهتدي لامره وجعل من تبعه سويا على صراط مستقيم، والصراط المستقيم: أمير المؤمنين عليه السلام.
" أفنجعل المسلمين ". إنكار لقولهم: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا، بل نكون أحسن حالا منهم، كما نحن عليه في الدنيا " ما لكم كيف تحكمون " التفات فيه تعجيب من حكمهم، واستبعاد له، وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي.
" فلا يخاف بخسا ولا رهقا ": أي نقصا في الجزاء، أو أن يرهقه ذلة.
وقال علي بن إبراهيم: البخس: النقصان والرهق: العذاب.
وفي الكافي: عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: قلت:
قوله " لما سمعنا الهدى آمنا به " قال: الهدى: الولاية، آمنا بمولانا، فمن آمن بولاية مولاه " فلا يخاف بخسا ولا رهقا "، قلت: تنزيل؟ قال: لا تأويل.
" يضحكون " أي يستهزؤون، " وإذا مروا بهم يتغامزون ": أي يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم، " انقلبوا فكهين ": أي ملتذين بالسخرية منهم.
وقال علي بن إبراهيم: إن الذين أجرموا: الأول والثاني ومن تبعهما يتغامزون برسول الله، إلى آخر السورة.
وفي المجمع قيل: نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام وذلك أنه كان في نفر من المسلمين جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فسخر منهم المنافقون، وضحكوا وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم، فقالوا: رأينا اليوم الأصلع، فضحكنا منه فنزلت الآيات قبل أن يصل علي وأصحابه إلى النبي صلى الله عليه وآله.
وعن ابن عباس: " إن الذين أجرموا " منافقو قريش " والذين آمنوا " علي بن أبي طالب عليه السلام.
" وإذا رأوهم ": أي وإذا المؤمنين نسبوهم إلى الضلال، " وما أرسلوا عليهم " أي على المؤمنين " حافظين " يحفظون عليهم أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم، " فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون " حين يرونهم أذلاء مغلولين في النار.
وروي أنه يفتح لهم باب إلى الجنة، فيقال لهم: اخروجوا إليها، فإذا
وصلوا أغلق دونهم، فيضحك المؤمنون منهم " هل ثوب الكفار ": أي أثيبوا وجوزوا " ما كانوا يفعلون " من السخرية بالمؤمنين، والاستفهام للتقرير.
" غير ممنون ". أي غير مقطوع، أو ممنون به عليهم كما مر " ذلك الفوز الكبير ": إذ الدنيا وما فيها يصغر دونه.
" وتواصوا بالصبر " أي أوصى بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله تعالى " والمرحمة ": الرحمة على عباده أو بموجبات رحمة الله " أصحاب الميمنة ": أي اليمين أو اليمن وقال علي بن إبراهيم: أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام.
" والعصر " قيل أقسم بصلاة العصر، أو بعصر النبوة، أو بالدهر لاشتماله على الأعاجيب، " إن الانسان لفي خسر ": أي في خسران في مساعيهم وصرف أعمارهم في مطالبهم " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا ففازوا بالحياة الأبدية، والسعادة السرمدية، " وتواصوا بالحق " بالثابت الذي لا يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل " وتواصوا بالصبر " عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب.
وفي الاكمال عن الصادق عليه السلام قال: " العصر " عصر خروج القائم عليه السلام " إن الانسان لفي خسر " يعني أعداءنا " إلا الذين آمنوا " يعني بآياتنا " وعملوا الصالحات " يعني بمواساة الاخوان " وتواصوا بالحق " يعني الإمامة " وتواصوا بالصبر " يعني بالعشرة.
وقال علي بن إبراهيم: " إلا الذين آمنوا " بولاية أمير المؤمنين عليه السلام " وتواصوا بالحق " ذرياتهم ومن خلفوا بالولاية تواصوا بها وصبروا عليها.
وفي المجمع عن علي عليه السلام وعلي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام أنهما قرءا: والعصر إن الانسان لفي خسر * وإنه فيه إلى آخر الدهر.
الاخبار 1 - علل الشرائع: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب عن علي بن عفان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما سمي المؤمن مؤمنا لأنه يؤمن على الله فيجيز أمانه. بيان: " يؤمن على الله " أي يدعو ويشفع لغيره في الدنيا والآخرة، فيستجاب له، وتقبل شفاعته فيه، وسيأتي التخصيص بالأخيرة.
2 - المحاسن: عن ابن زيد، عن مروك بن عبيد، عن سنان بن طريف، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لم سمي المؤمن مؤمنا؟ فقلت: لا أدري إلا أنه أراه يؤمن بما جاء من عند الله، فقال: صدقت وليس لذلك سمي المؤمن مؤمنا، فقلت:
لم سمي المؤمن مؤمنا؟ قال: إنه يؤمن على الله يوم القيامة فيجيز أمانه. 3 - علل الشرائع: عن أبيه، عن الحميري، عن هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ألا أنبئكم لم سمي المؤمن مؤمنا؟ لايمانه الناس على أنفسهم وأموالهم، ألا أنبئكم من المسلم؟ من سلم الناس من يده ولسانه الخبر. بيان: فيه إيماء إلى أنه يشترط في الايمان أو كماله أن لا يخافه الناس على أنفسهم وأموالهم وكذا الاسلام.
4 - تفسير العياشي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، في قول الله " العروة الوثقى " قال: هي الايمان بالله يؤمن بالله وحده.
5 - الاختصاص: روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: المؤمن هاشمي لأنه هشم الضلال والكفر والنفاق، والمؤمن قرشي لأنه أقر للشئ ونحن الشئ، وأنكر لا شئ: الدلام وأتباعه - والمؤمن نبطي لأنه استنبط الأشياء، تعرف الخبيث عن الطيب، والمؤمن عربي لأنه عرب عنا أهل البيت، والمؤمن أعجمي لأنه أعجم عن الدلام فلم يذكره بخير.
والمؤمن فارسي لأنه تفرس في الأسماء، لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله أبناء فارس، يعني به المتفرس فاختار منها أفضلها، واعتصم بأشرفها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله. توضيح: كأن الغرض بيان فضل المؤمن، وأنه يمكن أن يطلق عليه كل اسم حسن بوجه من الوجوه، فبين عليه السلام أنه يمكن أن يعد في الهاشميين، لأنه هشم الضلال وأشباهه أي كسرها وأبطلها.
في القاموس الهشم: كسر الشئ اليابس أو الأجوف، أو لكسر العظام والرأس خاصة أو الوجه والأنف، أو كل شئ، هشمه يهشمه فهو مهشوم وهشيم، وهاشم أبو عبد المطلب واسمه عمرو لأنه أول من ثرد الثريد وهشمه..
والقرشي كأنه مبني على الاشتقاق الكبير أو كان أصله ذلك كتأبط شرا فصار بكثرة الاستعمال كذلك، والمراد بالشئ الحق الثابت، وباللاشئ الباطل المضمحل، ويمكن أن يكون بمعنى المشئ أي ما يصلح أن تتعلق به المشيئة والحق كذلك.
والدلام بيان للاشئ ويكنى به غالبا في الاخبار عن عمر تقية، وقد يطلق على سابقه أيضا إما لسواد ظاهرهما، أو باطنهما بالكفر والنفاق، أو لانتشار الظلم والفتن بهما في الآفاق.
في القاموس: الدلام كسحاب: السواد أو الأسود وفي النهاية فيه أميركم رجل طوال أدلم: الأدلم الأسود الطويل، ومنه الحديث فجاء رجل أدلم فاستأذن على النبي صلى الله عليه وآله، قيل هو عمر بن الخطاب انتهى وهذا يدل على أن الكناية بعمر أنسب، والقرش: القطع والجمع، وفي تسمية قريش أقوال شتى لا طائل في ذكرها.
" لأنه عرب عنا " كأنه على بناء المجهول من التفعيل، فإن التعريب تهذيب المنطق من اللحن فعن تعليلية، أو على بناء المعلوم من التعريب، بمعنى التكلم عن القوم، والاعراب: الإبانة والافصاح وعدم اللحن في الكلام والرد عن القبيح كل ذلك ذكره الفيروزآبادي.
وفي النهاية: عربت عن القوم إذا تكلمت عنهم، وقال: الاعراب والتعريب:
الإبانة والايضاح، وفي القاموس: من لا يفصح كالأعجمي واستعجم: سكت.
قوله عليه السلام " لأنه تفرس في الأسماء " التفرس التثبت والنظر، وإعمال الحدس الصائب في الأمور، وقوله فاختار عطف على قوله تفرس، والحديث معترض بينهما لبيان أن الفارس في هذا الحديث أيضا المتفرس، والمعنى أن الذين مدحهم الرسول الله صلى الله عليه وآله ليس مطلق العجم، بل أهل الدين واليقين منهم كسلمان رضي الله عنه والتفرس في الأسماء كالتفكر في الايمان والنفاق مثلا واختيار الايمان، وفي التقوى والفسق واختيار التقوى أو التفكر في أن الايمان ما معناه وعلى أي الفرق المختلفة يصح إطلاق المؤمن، فيختار من الايمان ما هو حقه وما يصح أن يطلق عليه.
والحاصل أنه يتدبر ويتفكر في الدلائل والبراهين من الكتاب والسنة والأدلة العقلية، ويختار من العقائد والأعمال ما هو أحسنها وأوفقها للأدلة.
وفي النهاية فيه اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله يقال بمعنيين أحدهما
ما دل ظاهر هذا الحديث عليه، وهو ما يوقعه الله تعالى في قلوب أوليائه فيعلمون أحوال الناس بنوع من الكرامات، وإصابة الظن والحدس، والثاني: نوع يتعلم بالدلائل والتجارب والخلق والأخلاق فتعرف به أحوال الناس، وللناس فيه تصانيف قديمة وحديثة، ورجل فارس بالامر أي عالم به بصير.
6 - صفات الشيعة: بإسناده عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن أهل السماء هل يرون أهل الأرض؟ قال: لا يرون إلا المؤمنين، لان المؤمن من نور كنور الكواكب، قيل: فهم يرون أهل الأرض؟ قال: لا، يرون نوره حيث ما توجه، ثم قال: لكل مؤمن خمس ساعات يوم القيامة يشفع فيها. 7 - فضاء الحقوق للصوري: باسناده قال: قيل لأبي عبد الله عليه السلام: لم سمي المؤمن مؤمنا؟ قال: لأنه اشتق للمؤمن اسما من أسمائه تعالى، فسماه مؤمنا، وإنما سمي المؤمن لأنه يؤمن من عذاب الله تعالى، ويؤمن على الله يوم القيامة فيجيز له ذلك ولو أكل أو شرب أو قام أو قعد أو نام أو نكح أو مر بموضع فذر حوله الله من سبع أرضين طهرا لا يصل إليه من قذرها شئ وإن المؤمن ليكون يوم القيامة بالموقف مع رسول الله صلى الله عليه وآله فيمر بالمسخوط عليه المغضوب غير الناصب ولا المؤمن، وقد ارتكب الكبائر فيرى منزلة عظيمة له عند الله عز وجل، وقد عرف المؤمن في الدنيا وقضى له الحوائج.
فيقوم المؤمن اتكالا على الله عز وجل فيعرفه بفضل الله فيقول: اللهم هب لي عبدك فلان ابن فلان، قال: فيجيبه الله تعالى إلى ذلك.
قال : وقد حكى الله عز وجل عنهم يوم القيامة قولهم: " فمالنا من شافعين " من النبيين " ولا صديق حميم " من الجيران والمعارف، فإذا أيسوا من الشفاعة قالوا: يعني من ليس بمؤمن " فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين ". بيان: " بموضع قذر " كأنه متعلق بجميع الافعال المتقدمة، والمراد
بالقذارة والطهر المعنويان، أو بالطهر فقط المعنوي، والمراد بغير الناصب والمؤمن المستضعف، أو المؤمن الفاسق أو الأعم منهما.
8 - كتاب المؤمن: عن زرارة قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا جالس عن قول الله عز وجل " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " أيجري لهؤلاء ممن لا يعرف منهم هذا الامر؟ قال: إنما هي للمؤمنين خاصة. 9 - ومنه: عن يعقوب بن شعيب قال: سمعته يقول: ليس لأحد على الله ثواب على عمل إلا للمؤمنين.
10 - ومنه: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أحسن العبد المؤمن ضاعف الله له عمله، لكل عمل سبعمائة ضعف، وذلك قول الله عز وجل: " والله يضاعف لمن يشاء " 11 - ومنه: عن أحدهما عليهما السلام قال: إن المؤمن ليزهر نوره لأهل السماء كما تزهر نجوم السماء لأهل الأرض، وقال عليه السلام: إن المؤمن ولي الله يعينه ويصنع له، ولا يقول على الله إلا الحق، ولا يخاف غيره.
12 - وقال عليه السلام: إن المؤمنين ليلتقيان فيتصافحان، فلا يزال الله عز وجل مقبلا عليهما بوجهه، والذنوب تتحات عن وجوههما حتى يفترقا.
بيان: " ولي الله ": أي محبه أو محبوبه أو ناصر دينه، قال في المصباح:
الولي فعيل بمعنى فاعل من وليه إذا قام به، ومنه " الله ولي الذين آمنوا " ويكون الولي بمعنى المفعول في حق المطيع، فيقال: المؤمن ولي الله.
قوله " يعينه ": أي الله يعين المؤمن، " ويصنع له " أي يكفي مهماته " ولا يقول: أي المؤمن " على الله إلا الحق ": أي إلا ما علم أنه حق، " ولا يخاف غيره " وفيه تفكيك بعض الضمائر والأظهر أن المعنى: يعين المؤمن دين الله
وأولياءه " ويصنع له ": أي أعماله خالصة لله سبحانه، في القاموس: صنع إليه معروفا كمنع صنعا بالضم، وما أحسن صنع الله بالضم وصنيع الله عندك.
13 - المؤمن: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يقدر الخلائق على كنه صفة الله عز وجل، فكما لا يقدر على كنه صفة الله عز وجل، فكذلك لا يقدر على كنه صفة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكما لا يقدر على كنه صفة الرسول صلى الله عليه وآله فكذلك لا يقدر على كنه صفة الإمام عليه السلام، وكما لا يقدر على كنه صفة الإمام عليه السلام كذلك لا يقدر على كنه صفة المؤمن.
14 - ومنه: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقول الله عز وجل: من أهان لي وليا فقد أرصد لمحاربتي، وأنا أسرع شئ إلى نصرة أوليائي، وما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي في موت عبدي المؤمن، إني لأحب لقاءه فيكره الموت فأصرفه عنه، وإنه ليسألني فاعطيه وإنه ليدعوني فأجيبه، ولو لم يكن في الدنيا إلا عبد مؤمن لاستغنيت به عن جميع خلقي ولجعلت له من إيمانه انسا لا يستوحش إلى أحد.
15 - ومنه: عن أبي جعفر عليه السلام قال: لو كانت ذنوب المؤمن مثل رمل عالج ومثل زبد البحر لغفرها الله له فلا تجتروا.
بيان: يدل على أنه ليس المراد بالمؤمن المؤمن الكامل، لعدم اجتماع الايمان الكامل مع هذه الذنوب الكثيرة، وعدم الاجتراء، إما لأنه قلما يبقى الايمان مع الاصرار على الذنوب الكثيرة، أو لان المغفرة وعدم العقوبات لا ينافي حط الدرجات وفوت السعادات.
16 - المؤمن: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يتوفى المؤمن مغفورا له ذنوبه والله جميعا.
17 - ومنه: عنه عليه السلام قال: إن المؤمن إذا دعا الله أجابه، فشخص بصري نحوه إعجابا بما قال، فقال: إن الله واسع لخلقه.
18 - ومنه: عن ابن أبي البلاد، عن أبيه، عن بعض أهل العلم قال: إذا مات المؤمن صعد ملكاه فقالا: يا رب مات فلان، فيقول، انزلا فصليا عليه عند قبره، وهللاني وكبراني إلى يوم القيامة واكتبا ما تعملان له.
19 - ومنه: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رأي المؤمن ورؤياه جزء من سبعين جزءا من النبوة ومنهم من يعطى على الثلث.
بيان: " ومنهم من يعطى ": إي من المؤمنين الكاملين من يعطى ثلث أجزاء النبوة من الرأي والرؤيا أو الأعم.
20 - المؤمن: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عمل المؤمن يذهب فيمهد له في الجنة كما يرسل الرجل غلامه فيفرش له ثم تلا: " ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ". 21 - ومنه: عنه عليه السلام قال: إن الله عز وجل يذود المؤمن عما يكره كما يذود الرجل البعير الغريب ليس من أهله.
22 - ومنه: عنه عليه السلام أنه قال: كما لا ينفع مع الشرك شئ، فلا يضر مع الايمان شئ.
بيان: كأنه محمول على ترك الصغائر فان ترك الكبائر من الايمان، أو على الضرر الذي يوجب دخول النار، أو الخلود فيها.
23 - المؤمن: عن أبي جعفر عليه السلام قال: يقول الله عز وجل: ما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي على المؤمن، لأني أحب لقاءه ويكره الموت فأزويه عنه، ولو لم يكن في الأرض إلا مؤمن واحد لاكتفيت به عن جميع خلقي، وجعلت له من إيمانه انسا لا يحتاج فيه إلى أحد.
24 - ومنه: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما مؤمن يموت في غربة من الأرض فيغيب عنه بواكيه، إلا بكته بقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وبكته أثوابه وبكته أبواب السماء التي كان يصعد بها عمله، وبكاه الملكان الموكلان به.
وأقول: ستأتي الاخبار في ذلك وشرحها في كتاب الجنائز إن شاء الله.
25 - المؤمن: عن أحدهما عليهما السلام قال: إن ذنوب المؤمن مغفورة، فيعمل المؤمن لما يستأنف، أما إنها ليست إلا لأهل الايمان.
بيان: لما يستأنف أي لتحصيل الثواب، لا لتكفير السيئات.
26 - نهج البلاغة، في بعض خطبه عليه السلام: سبيل أبلج المنهاج، أنور السراج فبالايمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يستدل على الايمان، وبالايمان يعمر العلم، وبالعلم يرهب الموت، وبالموت تختم الدنيا، وبالدنيا تحرز الآخرة وبالقيامة تزلف الجنة للمتقين، وتبرز الجحيم للغاوين، وإن الخلق لا مقصر لهم عن القيامة مرقلين في مضمارها إلى الغاية القصوى.
تبيين: بلج الصبح: أي أضاء وأشرق، والمنهاج: الطريق، والظاهر أن الكلام في وصف الدين، ومناهجه: قوانينه، وسراجه الأنور: الرسول الهادي إليه وأوصياؤه صلوات الله عليهم.
قال بعض شراح النهج: يريد بالايمان أولا مسماه اللغوي وهو التصديق قال الله تعالى: " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " أي بمصدق، و ثانيا بمعناه الشرعي: أي التصديق والاقرار والعمل: أي من حصل عنده التصديق بالوحدانية والرسالة، استدل بهما على وجوب الأعمال الصالحة عليه، أو ندبه إليها، وبأعماله الصالحة يعلم إيمانه، وبهذا فر من الدور.
وقال بعضهم: الصالحات معلولات للايمان وثمرات له، فيستدل بوجوده في قلب العبد على ملازمته للصالحات استدلالا بالعلة على المعلول وبصدورها عن العبد على وجوده في القلب استدلالا بالمعلول على العلة.
وعلى هذا الوجه يكون الايمان في الموضعين بالمعنى اللغوي، وحينئذ يمكن أن يكون المعنى: يستدل بالايمان على الصالحات، أو يكون الايمان دليلا للانسان نفسه، وقائدا يؤديه إلى فعل الصالحات، وبأعماله الصالحة يعلم غيره أنه من المؤمنين، فالاستدلال في الموضعين ليس بمعنى واحد.
ويمكن أن يراد بالثاني أن مشاهدة الأعمال الصالحة يؤدي من يشاهدها إلى الايمان.
ويحتمل أن يكون المراد أن الايمان يهدي إلى صالح الأعمال، والأعمال الصالحة تورث كمال الايمان، أو الايمان يقود الانسان إلى الأعمال الصالحة والأعمال الصالحة الناشية من حسن السريرة وخلوص النية، تورث توفيق الكافر للايمان.
أو يستدل بايمان الرجل إذا علم، على حسن عمله، وبقدر أعماله على قدر إيمانه وكماله، أو يستدل بكل منهما إذا علم على الاخر، وهذا قريب من الثاني والغرض بيان شدة الارتباط والتلازم بينهما.
" وبالايمان يعمر العلم ": فان العلم الخالي من الايمان كالخراب لا ينتفع به وقيل: لان حسن العمل من أجزاء الايمان، والعلم بلا عمل كالخراب لا فائدة فيه.
" وبالعلم يرهب الموت ": أي يخشى عقاب الله بعد الموت كما قال الله تعالى " إنما يخشى الله من عباده العلماء " " وبالموت تختم الدنيا ": والموت لا مهرب منه، فلابد من القطع بانقطاع الدنيا، ولا ينبغي للعاقل أن تكون همته مقصورة عليها.
" وبالدنيا تحرز الآخرة ": أي تحاز وتجمع سعاداتهما، فان الدنيا مضمار الآخرة، ومحل الاستعداد، واكتساب الزاد ليوم المعاد، أو المراد بالدنيا:
الأموال ونحوها: أي يمكن للانسان أن يصرف ما أعطاه الله من المال ونحوه على وجه يكتسب به الآخرة، والزلفة والزلفى بالضم فيهما: القربة، وأبرزه الشئ إبرازا وبرزه تبريزا: أي أظهره وكشفه.
والغاوي: العامل بما يوجب الخيبة أي بالقيامة أو فيها يقرب الجنة للمتقين ليدخلوها أو ليستبشروا بها، ويكشف الغطاء عن الجحيم للضالين كما قال سبحانه:
" وأزلفت الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين " قيل: وفي اختلاف الفعلين دلالة على غلبة الوعد، والقصر بالفتح: الغاية، كالقصارى بالضم وقصرت الشئ: حبسته وقصرت فلانا على كذا: رددته على شئ دون ما أراد. كذا في العين: أي لا محبس للخلق أو لا غاية لهم دون القيامة أو لا مرد لهم عنها.
وأرقل: أي أسرع، والمضمار: موضع تضمير الفرس ومدته، وهو أن تعلفه حتى يسمن. ثم ترده إلى القوت، وفسر المضمار بالميدان وهو أنسب بالمقام.
27 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المؤمن كمثل شجرة لا يتحات ورقها شتاء ولا قيظا، قيل:
يا رسول الله وما هي؟ قال: النخلة.
بيان: القيظ: صميم الصيف من طلوع الثريا إلى طلوع سهيل.
28 - أمالي الطوسي: جماعة عن أبي المفضل، عن أحمد بن محمد العلوي، عن جده الحسين، عن أبيه إسحاق بن جعفر، عن أخيه الكاظم، عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يعير الله عز وجل عبدا من عباده يوم القيامة، فيقول:
عبدي! ما منعك إذ مرضت أن تعودني؟ فيقول: سبحانك سبحانك أنت رب العباد لا تألم ولا تمرض، فيقول: مرض أخوك المؤمن فلم تعده، وعزتي وجلالي لو عدته لوجدتني عنده، ثم لتكفلت بحوائجك فقضيتها لك وذلك من كرامة عبدي
المؤمن وأنا الرحمان الرحيم.
أقول: وروى باسناده عن أبي هريرة مثله مع زيادة السقي والاطعام.
بيان: لوجدتني أي وجدت رحمتي أو علمي عنده، والكلام مشتمل على المجاز والاستعارة مبالغة في إكرام المؤمن.
29 - مشكاة الأنوار: عن ميسر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن منكم يوم القيامة ليمر به الرجل، وقدر أمر به إلى النار، فيقول: يا فلان أغثني فاني كنت أصنع إليك المعروف في دار الدنيا فيقول للملك: خل سبيله: فيأمر الله به فيخلي سبيله.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.