بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
باب السنين والشهور وأنواعهما والفصول وأحوالها
ج ۵۵، ص ۳۶۱–۳۸۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
موافقا لما ذكره الطبرسي وغيره. وبالجملة إنهم كانوا يزيدون في بعض السنين شهرا ويتركون بعضها بحاله، فبعض سنيهم اثنا عشر شهرا، وبعضها ثلاثة عشر شهرا، و الزيادة دائما تكون في آخر السنة التي ينتقل الحج بعدها من شهر إلى آخر، لان من شهر إلى مثله اثني عشر شهرا، ومنه إلى ما يليه ثلاثة عشر شهرا والنسئ المشهور مبني على الأخير، وربما يبنى على الأول والثاني أيضا فنقول على الوجه الثالث المشهور لما تبين أن الولادة في الربيع الأول إما في السابع عشر أو في الثاني عشر والوفاة إما في الثاني عشر منه كما اختاره الكليني ره وفقا للمشهور بين العامة، أو في الثامن والعشرين من الشهر قبله أعني صفر كما هو المشهور عند الإمامية والمشهور أن مدة حياته الشريفة صلى الله عليه وآله ثلاث وستون سنة تامة قمرية تحقيقا على الأول وتقريبا على الثاني فمن جمادى الأخرى المؤخر عن ولادته صلى الله عليه وآله بثلاثة أشهر إلى ذي الحجة من حجة الوداع المقدم على وفاته صلى الله عليه وآله بمثله اثنان وستون سنة تامة قمرية وستة أشهر، و هو ستون سنة تامة نسيئية، لان ستين سنة نسيئية زائدة على ستين سنة تامة قمرية بثلاثين شهرا، لان كل سنتين تامتين نسيئتين زائدة على سنتين تامتين قمريتين بشهر، باعتبار انتقال الحج من شهر إلى آخر كما عرفت، وثلاثون شهرا سنتان وستة أشهر، فظهر أن من جمادى الثانية التي في خلال عام مولده إلى حجة الوداع ستون سنة تامة نسيئية، وظهر أن الحج وقع في خلال عام مولده في جمادى الثانية إذا المفروض أن مبدأ كل سنة من السنين التامة النسيئية الحج الواقع في شهر و منتهاها الحج الآخر الواقع في هذا الشهر أو في الشهر الآخر بعده، فمبدأ الستين السنة النسيئية جمادى الثانية، ومنتهاه ذو الحجة حجة الوداع، فالستون السنة محصورة بين حجتين: إحديهما المبدأ والأخرى المنتهى، فالحج الواقعة في هذه المدة إحدى وستون حجة لان كل سنة تامة نسيئية محصورة بين حجتين، وكل حجة بداية سنة تامة نسيئية ونهاية سنة أخرى إلا حجة الوداع، لان النسئ انقطع عنده، فهي نهاية سنة ستين النسيئية فقط، والحجة الواقعة في خلال عام مولده هي الحجة الأولى الواقعة فيها، لان حجة الوداع كانت أولى حجة وقعت
في ذي الحجة كما مر، والواقعة قبلها في الشهر السابقة كانت في ذي القعدة، فالشهر الزائد في آخر سنة الستين والمزيد فيها شهر سنة الستين لا التي قبلها، وكذا كل شفع من السنين النسيئية هي التي زيد في آخرها شهر، وقد مر أن الزيادة تكون باعتبار انتقال الحج من شهر إلى آخر، فلو كانت الحجة الواقعة في جمادى الثانية في خلال عام مولده صلى الله عليه وآله هي الحجة الثانية لزم أن تكون الحجة الواقعة بعدها التي هي مبدأ السنة الثانية من السنين النسيئية ومنتهى السنة الأولى قد وقعت في رجب، لأن المفروض على وقوع أزيد من حجتين في شهر، وأن تكون الزيادة في السنة الأولى لا في الثانية، وفي الوتر من السنين التامة النسيئية لا في الشفع، وأن تكون حجة الوداع الحجة الثانية الواقعة في ذي الحجة، لا الأولى، وهو خلاف المنقول والمروي. فظهر أن الحجة الواقعة في جمادى الثانية في خلال عام مولده صلى الله عليه وآله كانت الحجة الأولى، فالحمل به صلى الله عليه وآله في أيام التشريق في السنة السابقة في جمادى الأولى، فمدة الحمل عشرة أشهر بلا زيادة ولا نقصان، أو بزيادة يوم أو بنقصانه على ما ذهب إليه الكليني، وبزيادة أيام على المشهور، من أن يوم الولادة السابع عشر. وقد مر بعض القول منا في ذلك في المجلد السادس في باب ولادته صلى الله عليه وآله وقد ذكرنا هنا جملة من القول في الاختلاف الواقع في يوم مولده صلى الله عليه وآله ولنذكر هنا أيضا بعض القول فيه لما انتهى الكلام إليه، فإن الحديث ذو شجون.
فاعلم أنه لا خلاف في أن يوم الولادة الشريفة من أيام ربيع الأول في عام الفيل قبل الهجرة بثلاث وخمسين سنة، وإنما الخلاف في أنه أي يوم من الشهر المذكور، ولكن علماء الإمامية رضوان الله عليهم متفقون على كونه غير خارج من الثاني عشر والسابع عشر، فالمشهور السابع عشر، قال الشيخ المفيد ره في المقنعة: ولد صلى الله عليه وآله بمكة يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الأول في عام الفيل وصدع بالرسالة في يوم السابع والعشرين من رجب وله يومئذ أربعون سنة (انتهى) ونحو ذلك قال شيخ الطائفة وغيرهما من العلماء والمحدثين إلا ثقة الاسلام في
الكافي حيث قال: ولد النبي صلى الله عليه وآله لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في عام الفيل يوم الجمعة مع الزوال، وروي أيضا عند طلوع الفجر قبل أن يبعث بأربعين سنة وهو موافق لما هو المشهور بين العامة في الحرمين زاد الله في شرفهما وغيرهما من بلاد المخالفين، وهذا القول مع ندرته بيننا قد أيد بوجوه:
الأول أن وفاته صلى الله عليه وآله كانت في يوم الاثنين بالاتفاق، وكانت إما لليلتين بقيتا من شهر صفر كما هو المشهور بين الشيعة، أو في الثاني عشر من ربيع الأول كما في الكافي وهو أيضا مشهور بين المخالفين، وعلى كل تقدير يكون لا محالة غرة ربيع الأول في السنة الحادية عشر من هجرته الموافقة لوفاته صلى الله عليه وآله مطابقة ليوم الخميس ويلزم منه بالبرهان الحسابي أن يكون غرة ربيع الأول في سنة المولد يوم الاثنين أو يوم الثلاثاء، إذ بين غرتي هذين الربيعين ثلاث وستون سنة قمرية بلا زيادة ولا نقصان لعدم الخلاف في مدة عمره صلى الله عليه وآله ثلاث وعشرون أو أربع وعشرون منها ذات كبيسة، والباقية خالية عنها، والترديد باعتبار عدم العلم بمبدأ الكبائس، وبعد طرح الأسبوعات التامة من كل سنة يبقى من ذوات الكبائس خمسة أيام، ومن غيرها أربعة أيام، وهذا ظاهر، فيجتمع من بقايا أسبوعات تلك السنين مائتان وخمسة وسبعون أو ستة وسبعون يوما، والباقي منها بعد طرح سبعة سبعة اثنان أو ثلاثة، فيلزم من ذلك أو تكون غرة ربيع المولد يوما من الأسبوع مقدما على يوم غرة ربيع الوفاة باثنين أو ثلاثة، وكان هذا يوم الخميس فكان ذلك يوم الاثنين أو الثلاثاء كما ذكرنا وكونه يوم الثلاثاء ساقط بالاتفاق لعدم إمكان مطابقة الثاني عشر ولا السابع عشر على تقديره ليوم الجمعة، فتعين يوم الاثنين فيصادفه الثاني عشر دون السابع عشر، وهو المطلوب.
والثاني أن وفاة العسكري وانتقال الامر إلى صاحب الزمان عليه السلام باتفاق الكليني والمفيد رضي الله عنهما في الكافي والارشاد كان في يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة ستين ومأتين من الهجرة. فكانت غرة الشهر المذكور أيضا
وما بين غرة هذا الربيع وربيع المولد ثلاثمائة واثنتا عشرة سنة كاملة، فيظهر بالحساب المتقدم أن بقايا أسبوعات أيام تلك السنين أربعة أو خمسة أيام، فتكون غرة ربيع المولد مقدما على الجمعة بمثلها، فيكون يوم الاثنين أو يوم الأحد، والثاني ساقط بالاتفاق، والأول مستلزم للمطلوب.
والثالث: أن غرة محرم الحرام لسنة الهجرة مضبوطة عند أهل الهيئة والحساب، بأنها كانت يوم الخميس بحسب الحساب، ويوم الجمعة باعتبار رؤية الهلال كما هو مذكور في التحفة والزيج الجديد وكذا غرة رجب المرجب سنة المبعث مضبوط بأنها كانت يوم الاثنين كما يظهر مما رواه الشيخ في المصباح من أن المبعث كان في يوم السبت، ولم أطلع على خلاف فيه، فيستفاد من هذين الضبطين أيضا دليلان آخران على هذا المطلوب.
والرابع: ذكر بعض الأفاضل ره أن غرة ربيع الأول فيما نحن فيه من الزمان سنة ثمان وثمانين وألف من الهجرة كانت يوم الثلاثاء بلا اشتباه، وقد مضى حينئذ من غرة ربيع المولد ألف ومائة وأربعون سنة، ومن المقررات الحسابية المعلومة لأهل الخبرة أن في كل مأتين وعشرة سنين يعود وضع أيام الأسابيع مع أيام الشهور العربية إلى ما كان، ففي ألف وخمسين سنة يتم العود المذكور خمس مرات، فيكفي لنا النظر في تتمتها وهي تسعون سنة، ثلاث وثلاثون منها ذات كبيسة وسبع وخمسون بلا كبيسة، وقد عرفت أن الباقي من الأسبوعات كل من الأولى خمسة، ومن الثانية أربعة، فمجموع البقايا ثلاثمائة وثلاث وتسعون يوما، وإذا طرحناه سبعة سبعة يبقى واحد، فظهر أن غرة ربيع المولد مقدم على غرة ربيعنا بيوم، وهذا كان يوم الثلاثاء فذلك كان يوم الاثنين وهو يستلزم المطلوب كما مر.
ثم قال ره: فإن قيل: ذكر الشيخ في المصباح وغيره رواية مشتملة على تفسير المولد بالسابع عشر. قلنا: لكونها منافية لمقتضى هذه الدلائل الحسابية الغير المشكوك فيها، بل معارضة لما رواه أيضا في المصباح من موافقة المبعث يوم
السبت، لعدم إمكان اجتماعهما على ما مر ينبغي حملها على أن لا يكون التفسير المذكور من كلام الامام، بل من كلام بعض الرواة، لإزالة الابهام عنها على حسب اعتقاده ومثل ذلك ليس بعزيز في الروايات.
ثم إذا أتقنت هذا المسلك يتبين لك الحق بمعونته في كثير مما وقع الخلاف فيه، فمن ذلك أن الأمة بعد اتفاقهم على وقوع هجرة نبينا صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة في السنة الرابعة عشر من المبعث اختلفوا في شهرها ويومها بالنسبة إلى الشهر وبالنسبة إلى الأسبوع، فقيل: يوم الاثنين السادس والعشرون من صفر، وقيل:
ليلة الاثنين السابع والعشرون منه، وقيل: يوم الخميس أول ربيع الأول، و قيل: يوم الثلاثاء ثامنه، وقيل: يوم الاثنين بدون ذكر شهرها، وقيل: أول ربيع الأول بدون ذكر يومه، وقيل: الرابع منه، وقيل: العاشر منه كذلك، فهذه أقوال ثمانية، ولما عرفنا ما مر من مطابقة غرة المحرم سنة الهجرة ليوم الخميس أو الجمعة واطلعنا على سائر التواريخ المعلومة ومن جملتها أن غرة ربيع المولد يوم الاثنين، وأن بينها وبين غرة ربيع الهجرة ثلاثا وخمسين سنة، ووجدناها مشتملة على أسابيع تامة بلا كسر، ومستلزمة لموافقة غرتيهما يوما، حصل لنا بتلك المعارف العلم بتهافت القولين الأولين، لعدم موافقة السادس والعشرين ولا السابع والعشرين من صفر ليوم الاثنين، وكذا بتهافت القول الثالث والرابع لعدم مطابقة أول ربيع الأول للخميس، ولا الثامن منه للثلاثاء، ثم نعلم بارتفاع احتمال الثلاثاء والخميس من البين، تعين يوم الاثنين موافقا لليوم الخامس المروي عن ابن عباس بل عن رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم بتعينه بطلان القولين الأخيرين لتنافيهما، ثم ببطلانهما تعين أول ربيع الأول موافقا للقول السادس المنقول عن الشيخ المفيد ره فتبين لنا أن هجرته صلى الله عليه وآله كانت في يوم الاثنين أول ربيع الأول والحمد لله.
ثم بعد هذا التحقيق إذا نظرنا في تاريخ وصوله صلى الله عليه وآله إلى المدينة واختلاف القوم فيه، فقيل: لهلال ربيع الأول، وقيل لليلتين خلتا منه، وقيل لاثنتي عشرة مضت منه عرفنا بطلان القولين الأولين من طريق العادة، فتعين القول الأخير
الذي ذهب إليه المفيد ره في حدائق الرياض، وقد نقل ابن الجوزي في تلقيحه عن ابن سعد أنه هو المجمع عليه، ثم بتعينه عرفنا أن ما نقله ابن الجوزي عن ابن عباس وغيره وادعى صاحب روضة الصفا اتفاق أئمة الاخبار عليه من مصادفة يوم وصوله صلى الله عليه وآله إلى المدينة ليوم الاثنين لا عبرة به، لعدم إمكان اتفاق الأول و الثاني عشر من شهر في يوم، فيكون وصوله صلى الله عليه وآله يوم الجمعة، فظهر أيضا فساد ما نقله عن عروة أنه مكث بقبا ثلاث ليال، ثم ركب يوم الجمعة، فالمعتمد هو ما نقله عن الزهري أنه صلى الله عليه وآله نزل في بيت عمرو بن عوف بقبا، فأقام به بضعة عشرة ليلة، فإنه موافق لما رواه الكليني في الروضة بإسناده عن سعيد بن المسيب عن علي بن الحسين عليهما السلام في ذكر إسلام علي عليه السلام وموضع الحاجة منه قوله عليه السلام:
(حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وخلف عليا عليه السلام في أمور لم يكن يقوم بها أحد غيره، وكان خروج رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة في أول يوم من ربيع الأول وذلك يوم الخميس من سنة ثلاث عشرة من المبعث، وقدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول مع زوال الشمس فنزل بقبا فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين، ثم لم يزل مقيما ينتظر عليا عليه السلام يصلي الخمس صلوات ركعتين ركعتين وكان نازلا على عمرو بن عوف، فأقام عندهم بضعة عشر يوما يقولون له: أتقيم عندنا فنتخذ لك منزلا ومسجدا؟ فيقول: لا، إني أنتظر علي بن أبي طالب، وقد أمرته أن يلحقني، ولست مستوطنا منزلا حتى يقدم علي، وما أسرعه إن شاء الله تعالى فقدم علي عليه السلام والنبي صلى الله عليه وآله في بيت عمرو بن عوف، فنزل معه. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قدم علي عليه السلام تحول من قبا إلى بني سالم بن عوف، و علي عليه السلام معه يوم الجمعة مع طلوع الشمس، فخط لهم مسجدا ونصب قبلته فصلى بهم فيه الجمعة ركعتين، وخطب خطبتين، ثم راح من يومه إلى المدينة على ناقته التي كان قدم عليها، وعلي معه لا يفارقه يمشي بمشيه) (الحديث).
ولا يخفى أنه فيه إشكالين: أحدهما في قوله (وذلك يوم الخميس) لما عرفت
أن أول ربيع الأول في سنة الهجرة يوم الاثنين، والآخر في قوله (من سنة ثلاث عشرة من المبعث) لما عرفت أيضا من الاتفاق على كونه في السنة الرابعة عشر منه، ويمكن توجيه الأول بأن ذلك ليس إشارة إلى أول يوم ولا إلى خروج رسول الله صلى الله عليه وآله كما يتبادر إلى الأذهان، بل إلى التخليف المذكور قبلهما، ولعل هذا أقرب إلى ذلك لفظا لكونه أبعد، ومعنى لما نقل أنه صلى الله عليه وآله توقف بعد خروجه من مكة في الغار المشهور ثلاثة أيام، وكان علي عليه السلام يصل إليه فيه سرا، فالظاهر أن تخليفه فيما أوصى إليه من أموره كان عند ارتحاله عنه فتدبر. وتوجيه الثاني بأن الاتفاق على كونها في الرابعة عشر مبني على أن المبعث كان في رجب، و مبدأ السنة عند العرب هو المحرم، فما بعد المحرم إلى رجب من جملة السنة الثالثة عشر من المبعث وإن كان معدودا عندهم من الرابعة عشر باعتبار مبدأ السنة فهما متوافقان معنى، والمخالفة إنما هي في اللفظ فقط.
ومن ذلك اختلاف القوم بعد اتفاقهم على وقوع نص غدير خم في ثامن عشر ذي الحجة من السنة العاشرة الهجرية في خصوص يوم الأسبوعي، فنقل عن ابن مردويه وعن أخطب خوارزم مرويا عن أبي سعيد الخدري أنه كان يوم الخميس وقال بعض الشيعة إنه كان يوم الجمعة، وما نقل في حبيب السير من اتفاق المؤرخين على أن يوم عرفة في حجة الوداع كان مطابقا ليوم الجمعة مقتض للقول منهم بكونه يوم الأحد، وكذا ما يتوهم مما في كتاب الحجة من الكافي في أثناء رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام حيث قال بعد بيان نزول الصلاة والزكاة والصوم والحج:
(ثم نزلت الولاية وإنما أتاه ذلك يوم الجمعة بعرفة، أنزل الله عز وجل (اليوم أكملت لكم دينكم) (الحديث) وكونه توهما لأنه لا يصح أن يكون المراد بلفظ عرفة ههنا يوم عرفة لمكان الباء، ولا الموقف لا لان اسمه عرفات وإطلاق عرفة عليه شبيه بمولد كما في الصحاح والقاموس فإنها مستعملة فيه في كثير من روايات
كتاب الحج من الكافي والفقيه، بل لظاهر الروايات عن أهل البيت عليهما السلام بأن نزولها ما بين مكة والمدينة بعد الانصراف من حجة الوداع موافقا لما نقل في مجمع البيان عن الربيع بن أنس إما قبل وصوله إلى غدير خم كما روي في تفسير علي ابن إبراهيم عن أبي جعفر عليه السلام، وإما بعده كما روي في مجمع البيان وغيره عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام موافقا لما رواه المخالفون عن أبي سعيد الخدري ووجه الجمع حمل النزول في الأول على تمهيد ما ينزل، أو في الثاني على إقامة ما نزل بالتبليغ، فلو كان هذا اللفظ ههنا من كلام الإمام عليه السلام لاحتمل أن يكون (عرفة) بالضم، إذ هي كما في القاموس اسم لثلاثة عشر موضعا، فلا يبعد أن يكون أحدها قريبا من غدير خم، هذا، ولكن التحقيق أن ليس شئ من هذه الأيام الثلاثة موافقا للتواريخ المضبوطة المعلومة مع اختلافها بالنسبة إليه قربا وبعدا، فإن أقربها منه غرة صفر في السنة الحادية عشرة من الهجرة سنة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وهي كما ظهر مما مر كانت مطابقة للثلاثاء، فكانت غرة المحرم فيها موافقة للأحد أو الاثنين، فكانت غرة ذي الحجة من السنة السابقة العاشرة من الهجرة غير خارجة عن الجمعة والسبت والأحد، فكانت الثامن عشر منه لا يخلو من الاثنين والثلاثاء والأربعاء. وأن أبعدها عنه غرة ذي الحجة من سنة سبع وثمانين وألف قبيل ما نحن فيه من الزمان، وهي كانت يوم الخميس بحسب الحساب والرؤية جميعا بلا اشتباه، وغرة ذي الحجة من السنة العاشرة مقدمة عليها بألف وسبع وسبعين سنة تامة، فبطريق الحساب الذي مر بيانه يكون الباقي منها بعد طرح أسبوعاتها ستة فتكون مطابقة للجمعة، فكان ثامن عشره مصادفا ليوم الاثنين، فيدل كل من هذين التاريخين المعلومين على خلاف كل من الأقوال الثلاثة، ويدل على تعين رابع هو يوم الاثنين، ويطابقه أيضا ما ضبط ابن الجوزي في التلقيح من أن قتل عثمان كان في يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فإن ما بينهما خمس وعشرون سنة كاملة، والباقي بعد طرح أسبوعاتها أربعة، فإذا كان هذا يوم الجمعة فكان ذلك مقدما عليه بأربعة أيام، فكان يوم الاثنين، ويوافقه أيضا
ما ذكره الطبري في تاريخه من أن أول جمعة صلى علي عليه السلام بالناس وخطب بهم بعد قتل عثمان كان مطابقا للخامس والعشرين من ذي الحجة كما لا يخفى.
فان قلت: الصدوق ره قال في الفقيه: وروي أنه ما طلعت الشمس في يوم أفضل من يوم الجمعة، وكان اليوم الذي نصب فيه رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام بغدير خم يوم الجمعة (الحديث).
قلنا: أولا إن دأبه ره في هذا الكتاب أن يذكر ما لم يعتمد عليه من الروايات بهذا السياق.
وثانيا إن قوله (وكان اليوم الذي إلى آخره) يجوز أن يكون من عبارة الراوي، أو من عبارته على طبق طريقته في هذا الكتاب من إدراج كلامه كثيرا بين الأحاديث بدون علامة فاصلة بينهما، ويؤيدهما أن مثل صدر هذا الحديث مروي في التهذيب والكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام بدون هذه التتمة وفي الكافي أيضا عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر أو أبي عبد الله عليهما السلام مع تتمة أخرى.
وثالثا: إنه يمكن أن يوجه فيحمل اليوم الذي نصب فيه علي على اليوم الذي نزل فيه الامر بالنصب المذكور، أو على اليوم المقدر فيه ذلك، وهو يوم الميثاق، أو يقال: أفاد عليه السلام أحد هذين المعنيين بلفظ آخر، فنقله بعض الرواة بهذا اللفظ على طبق وهمه، فيطابق على الأول ما مر من رواية أبي الجارود، و على الثاني ما روي في الباب المذكور من الكافي والتهذيب على أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال له رجل: كيف سميت الجمعة؟ قال: إن الله عز وجل جمع فيها خلقه لولاية محمد صلى الله عليه وآله ووصيه في الميثاق، فسماه يوم الجمعة لجمعه فيه خلقه (الحديث) فتأمل.
ومن ذلك أنهم بعد اتفاقهم على وقوع الواقعة العظمى بكربلا في العاشر من المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة اختلفوا في يومه الأسبوعي، فقيل: كان يوم الجمعة، وقيل: يوم السبت، وقيل: يوم الاثنين، والتواريخ المعلومة المضبوطة لا توافق شيئا منها، فإن أقربها إلى يوم الغدير في السنة العاشرة، وكونها مطابقة للاثنين على ما مر مستلزم لعدم خروج غرة المحرم في الحادية عشر عن السبت والأحد، وما بين المحرمين خمسون سنة تامة، والباقي من أسبوعاتها واحد، و يحتمل اثنين أيضا من جهة زيادة الكبائس لو فرضنا مثلا [مبدء] الخمسين المذكور مطابقا لخامس الثلاثين المعتبر فيها الكبائس لاحدى عشرة كما لا يخفى على أهل الخبرة، فيلزم أن يكون غرة المحرم في سنة إحدى وستين مؤخرة عن السبت أو الأحد بواحد أو اثنين، فيكون موافقا للأحد أو الاثنين، أو الثلاثاء، فعاشره لا يخرج عن الثلاثاء والأربعاء والخميس وأبعد التواريخ المذكورة عنها غرة المحرم فيما نحن فيه من السنة الثامنة والثمانين بعد الألف، وهي كما ثبت بالحساب والرؤية جميعا بلا اشتباه كانت يوم الجمعة، وما بين ذينك المحرمين ألف وسبع وعشرون سنة، فإذا أسقطنا عنها (ثمانمائة وأربعين) أربع دورات تامة كل منها مائتان وعشرة سنين على ما مر وجهه يبقى مائة وسبع وثمانون سنة، والباقي من أسبوعاتها خمسة مع احتمال أربعة أيضا من جهة نقصان الكبائس لو فرضنا مثلا مبدأ المدة المذكورة مطابقا لثالث الثلاثين المذكور، فيلزم أن يكون غرة ذلك المحرم مقدمة على غرة محرم سنتنا بخمسة أو أربعة، فكانت يوم الأحد أو الاثنين، فعاشره لا يخرج عن الثلاثاء و الأربعاء، وسائر التواريخ المعلومة أيضا دالة على مثل ما دل عليه هذان التاريخان من حال الأقوال المذكورة بالنسبة إلى القواعد الحسابية.
فان قلت: القول الأخير مضبوط في الكافي، والثاني في إرشاد المفيد على التعيين، والثلاثة في مقنعته على الترديد، وبالجملة القدر المشترك بينها هو مما اتفق عليه الشيخان الجليلان.
قلنا: اتفاقهما بل نقل كل منهما مقبول ما لم يظهر في خلافه ما لا يعتريه الشك
والشبهة، وأما مع ذلك فالعذر واضح، وباب التأويل مفتوح، والله أعلم بحقائق الأمور.
ومن ذلك أن ابن إدريس ره في سرائره بعد ذكر فضيلة أيام ذي الحجة وما وقع فيها قال: وفي اليوم السادس والعشرين منه سنة ثلاث وعشرين من الهجرة طعن عمر بن الخطاب، فينبغي للانسان أن يصوم هذه الأيام، فإن فيها فضلا كثيرا وثوابا جزيلا، وقد تلبس على بعض أصحابنا يوم قبض عمر بن الخطاب فيظن أنه اليوم التاسع من ربيع الأول، وهذا خطأ من قائله بإجماع أهل التواريخ والسير، وقد حقق ذلك شيخنا المفيد في كتاب التواريخ وذهب إلى ما نقلناه (انتهى).
ثم إن صاحب كتاب أنيس العابدين على طبق الكفعمي في ذكر أعمال أيام ربيع الأول قال: وتاسعه روى فيه صاحب مسار الشيعة أن من أنفق شيئا غفر له ويستحب فيه إطعام الاخوان وتطيبهم، والتوسعة في النفقة، ولبس الجديد، و الشكر، والعبادة، وهو [يوم] نفي الهموم، وروي أنه ليس فيه صوم. وجمهور الشيعة يزعمون أن فيه قتل عمر بن الخطاب وليس بصحيح، ثم ذكر مضمون السرائر وكتاب التواريخ، ثم قال: وإنما قتل عمر يوم الاثنين لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة نص على ذلك صاحب الغرة، وصاحب المعجم، وصاحب الطبقات، وصاحب كتاب مسار الشيعة، وابن طاووس، بل الاجماع حاصل من الشيعة والسنة على ذلك (انتهى).
وفيه أن اليوم المذكور من ذي الحجة من السنة المذكورة لا يمكن كونه موافقا ليوم الاثنين، بل الضوابط الحسابية على نحو ما مر تدل على أنه غير خارج عن الثلاثاء والأربعاء، فالقول بهما مشتمل على التهافت.
أقول: أكثر ذلك ذكره بعض أفاضل المدققين ممن كان في عصرنا ره ولقد دقق وأفاد، وأحسن وأجاد، لكن بعض المقدمات المذكورة مبتنية على أقوال بعض العلماء، تبع فيها بعضهم بعضا، أخذا من بعض المؤرخين، فعدها من الاجماعيات، وليس من الاجماع في شئ، فلا يمكن القدح بها في الأخبار المعتبرة
وبعضها متفرعة على ما ظهر لهم من الارصاد المختلفة في الكسور والكبائس، مع أن حسابهم مبني على الامر الأوسط في القمر، وقد تتقدم الرؤية عليه بيومين و تتأخر بيومين، لما مر أنه قد تتوالى أربعة من الشهور تامة، وقد تتوالى ثلاثة من الشهور ناقصة، مع أنه قد يمكن تأخر أول الشهور وتأخره بأكثر من ذلك لمانع غيم أو غيره، فيمكن أن يكون ما ورد في الاخبار مبنيا على حكم ظاهر الشرع لا على قوانين الهيئة، ومع ذلك كله يصلح أن يكون مرجحا لبعض الأقوال والاخبار المختلفة، ولذا أطلنا الكلام بذكرها، وسنعيد القول في كل منها في بابه إن شاء الله تعالى، وقد مر الكلام في بعضها، والله الموفق للحق والصواب.
1 - مهج الدعوات: روينا من كتاب عبد الله بن حماد الأنصاري، عن أبي عبد الله عليه السلام - وذكر عنده حزيران - فقال: هو الشهر الذي دعا فيه موسى على بني إسرائيل، فمات في يوم وليلة من بني إسرائيل ثلاثمائة ألف من الناس.
2 - وفي حديث آخر من كتاب المذكور عنه عليه السلام قال: إن الله خلق الشهور وخلق حزيران، وجعل الآجال فيه متقاربة .
بيان: تقارب الآجال كناية عن كثرة الموت، إما لان أجل بعضهم يقرب من بعض، أو لان أجل كل منهم يقرب من ابتدائه. وفي القاموس: (إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب) المراد آخر الزمان واقتراب الساعة، لان الشئ إذا قل تقاصرت أطرافه.
3 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن الصباح بن سيابة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله خلق الشهور اثني عشر شهرا، وهي ثلاثمائة وستون يوما، فحجر منها ستة أيام خلق فيها السماوات والأرضين، فمن ثم تقاصرت الشهور.
العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد مثله.
العياشي: عن الصباح مثله.
4 - الفقيه: بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمد بن يعقوب، عن شعيب، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إن الناس يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما صام من شهر رمضان تسعة وعشرين يوما أكثر مما صام ثلاثين. قال:
كذبوا، ما صام رسول الله صلى الله عليه وآله إلا تاما، ولا تكون الفرائض ناقصة، إن الله تعالى خلق السنة ثلاثمائة وستين يوما، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام، فحجرها من ثلاثمائة وستين يوما، فالسنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما، وشهر رمضان ثلاثون يوما لقول الله عز وجل (ولتكملوا العدة) والكامل تام، وشوال تسعة وعشرون يوما، وذو القعدة ثلاثون يوما، لقول الله تعالى (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) فالشهر هكذا، ثم هكذا، أي شهر تام وشهر ناقص، وشهر رمضان لا ينقص أبدا، وشعبان لا يتم أبدا.
توضيح: قد عرفت سابقا أن السنة القمرية تزيد على ثلاثمائة وأربعة و خمسين يوما بثمان ساعات وثمان وأربعين دقيقة على ما هو المضبوط بالارصاد، فما في الخبر مبني على ما تعارف من اسقاط الكسر الناقص عن النصف في الحساب مساهلة، فإن كان ثلاث مائة وستون بلا كسر فالستة المختزلة ناقصة منها أيضا بالقدر المذكور، وإلا فيحتمل تمامها.
5 - التهذيب: في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الأهلة فقال:
هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيته فأفطر.
ومنه: بإسناده عن عبد الله بن سنان عنه عليه السلام مثله.
المقنعة: عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام مثله.
بيان: (عن الأهلة) أي المذكورة في قوله تعالى (يسألونك عن الأهلة) فاستدل عليه السلام بالآية على أن المدار في الأحكام الشرعية على الرؤية كما قال الشيخ - ره - في التهذيب: المعتبر في تعرف أوائل الشهور بالأهلة دون العدد على ما يذهب إليه قوم من شذاذ المسلمين، والذي يدل على ذلك قول الله عز وجل (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) فبين الله تعالى أنه جعل هذه الأهلة معتبرة في تعرف هذه الأوقات، ولو كان الامر على ما يذهب إليه أصحاب العدد لما كانت الأهلة مراعاة في تعرف هذه الأوقات، إذا كانوا يرجعون إلى العدد دون غيره، وهذا خلاف التنزيل، والهلال إنما سمي هلالا لارتفاع الأصوات عند مشاهدتها بالذكر لها والإشارة إليها بالتكبير أيضا والتهليل عند رؤيتها، و منه قيل (استهل الصبي) إذا ظهر صوته بالصياح عند الولادة، وسمي الشهر شهرا لاشتهاره بالهلال، فمن زعم أن العدد للأيام والحساب للشهور والسنين يغني في علامات الشهور عن الأهلة أبطل معنى سمات الأهلة والشهور الموضوعة في لسان العرب على ما ذكرناه (انتهى).
وأقول: يمكن المناقشة في بعض ما ذكره ره وسنذكرها في محلها إن شاء الله.
6 - التهذيب: في الصحيح عن محمد بن عيسى قال: كتب إليه أبو عمر: أخبرني يا مولاي أنه ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه، ونرى السماء ليست علة فيفطر الناس ونفطر معهم؟ ويقول قوم من الحساب قبلنا: إنه يرى تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقية والأندلس، فهل يجوز يا مولاي ما قال الحساب في هذا الباب حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا، وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقع عليه السلام: لا تصومن الشك ، أفطر لرؤيته، وصم لرؤيته.
بيان: يظهر من كلامه عليه السلام أن المدار على الرؤية، واختلاف الفرض إن
وقع الاختلاف في الرؤية غير ضائر.
7 - الاقبال: روينا بإسنادنا إلى علي بن فضال، من كتاب الصيام بإسناده إلى ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: شهر رمضان رأس السنة.
8 - الفقيه: عن العبد الصالح عليه السلام قال: ادع بهذا الدعاء في شهر رمضان مستقبل دخول السنة. وذكر أن من دعا به محتسبا مخلصا له لم تصبه في تلك السنة فتنة ولا آفة، وذكر الدعاء.
9 - الكافي والتهذيب: بسند فيه جهالة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض) فغرة الشهور شهر الله شهر رمضان، وقلب شهر رمضان ليلة القدر، ونزل القرآن في أول ليلة من شهر رمضان، فاستقبل الشهر بالقرآن.
تبيين: (فغرة الشهور) أي أولها، قال في النهاية: غرة كل شئ أوله.
وقد ورد في الاخبار أن أول السنة شهر رمضان، أو المراد بها أفضلها وأكملها كما قال في النهاية: كل شئ ترفع قيمته فهو غرة. والغرة أيضا البياض، فيحتمل ذلك أيضا، أي منور بالأنوار المعنوية، والأول أظهر. والمشهور بين العرب أن أول سنتهم المحرم، وهذه الأمور تختلف باختلاف الاعتبارات، فيمكن أن يكون أول السنة الشرعية شهر رمضان، ولهذا ابتدأ الشيخ به في المصباحين، وأول السنة العرفية المحرم، وأول سنة التقديرات ليلة القدر، وأول سنة جواز الأكل والشرب شهر شوال، كما روى الصدوق في العلل بإسناده إلى الفضل بن شاذان في علة صلاة العيد: لأنه أول يوم من السنة يحل فيه الأكل والشرب، لان
أول شهور السنة عند أهل الحق شهر رمضان وقال في علة اختصاص شهر رمضان بالصوم: وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وفيها يفرق كل أمر حكيم وهو رأس السنة، ويقدر فيها ما يكون في السنة من خير أو شر، أو مضرة أو منفعة أو رزق أو أجل ، ولذلك سميت ليلة القدر.
وقال السيد بن طاووس ره في كتاب الاقبال: واعلم أني وجدت الروايات مختلفات في أنه هل أول السنة المحرم أو شهر رمضان، لكنني رأيت من عمل من أدركته من علماء أصحابنا المعتبرين وكثيرا من تصانيف علمائهم الماضين أن أول السنة شهر رمضان على التعيين ولعل شهر الصيام أول العام في عبادات الاسلام، والمحرم أول السنة في غير ذلك من التواريخ ومهام الأنام، لان الله جل جلاله عظم شهر رمضان فقال جل جلاله (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) فلسان حال هذا التعظيم كالشاهد لشهر رمضان بالتقديم، ولأنه لم يجر لشهر من شهور السنة ذكر باسمه في القرآن وتعظيم أمره إلا لهذه الشهر شهر الصيام، وهذا الاختصاص بذكره كأنه ينبه و الله أعلم على تقديم أمره، ولأنه إذا كان أول السنة شهر الصيام وفيه ما قد اختص به من العبادات التي ليست في غيره من الشهور والأيام، فكان الانسان قد استقبل أول السنة بذلك الاستعداد والاجتهاد، فيرجى أن يكون باقي السنة جاريا على السداد والمراد، وظاهر دلائل المعقول وكثير من المنقول أن ابتداءات الدخول في الاعمال، هي أوقات التأهب والاستظهار لأوساطها وأواخرها على كل حال ولان فيه ليلة القدر التي يكتب فيها مقدار الآجال، وإطلاق الآمال، وذلك منبه على أن شهر الصيام هو أول السنة، فكأنه فتح للعباد في أول [دخولها]
أن يطلبوا أطول آجالهم، وبلوغ آمالهم، ليدركوا آخرها، ويحمدوا مواردها ومصادرها. وروى محمد بن يعقوب وابن بابويه في كتابيهما واللفظ لابن يعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليلة القدر هي أول السنة، وهي آخرها. ولان الاخبار بأن شهر رمضان أول السنة أبعد من التقية وأرب إلى مراد العترة النبوية وحسبك شاهدا وتنبيها وآكدا ما تضمنه الأدعية المنقولة في أول شهر رمضان بأنه أول السنة على التعيين والبيان.
10 - الخصال: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير، رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض) قال: المحرم وصفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، و رجب، وشعبان، وشهر رمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة. منها أربعة حرم: عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشر من شهر ربيع الآخر.
بيان: الشهور المذكورة في هذا الخبر هي أشهر السياحة التي قال الله عز وجل (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) والمشهور أن ابتداءها يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر، وقيل: من أول الشوال إلى آخر المحرم، لان الآية نزلت في شوال، وقيل: لعشر من ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول، لان الحج في تلك السنة كان في ذلك الشهر، وعلى التقادير هي غير الأشهر الحرم، وكانت مختصة بتلك السنة، فهذا إما اصطلاح آخر للأشهر الحرم غير المشهور، أو سقط من الخبر شئ، ولعله أظهر.
11 - الخصال: في خطبة النبي صلى الله عليه وآله في أيام التشريق: أيها الناس! إن الزمان قد استدار، فهو اليوم كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرضين، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم: رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم، فإن النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله، فكانوا يحرمون المحرم عاما ويستحلون صفر، ويحرمون صفر عاما ويستحلون المحرم.
بيان: قال في النهاية: يقال رجب فلان مولاه أي عظمه، ومنه سمي شهر رجب، لأنه كان يعظم، ومنه الحديث (رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) أضاف رجب إلى مضر لأنهم كانوا يعظمونه خلاف غيرهم وكأنهم اختصوا به، و قوله (بين جمادى وشعبان) تأكيد للبيان وإيضاح، لأنهم كانوا ينسؤونه ويؤخرونه من شهر إلى شهر، فيتحول عن موضعه المختص به، فبين لهم أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان، لاما كانوا يسمونه على حساب النسئ.
12 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن الحسين بن سعيد عن الحسين بن علي بن يقطين، عن بكر بن علي بن عبد العزيز، عن أبيه، قال:
سألت أبا عبد الله عليه السلام عن السنة كم يوما هي؟ قال: ثلاثمائة وستون يوما منها ستة أيام خلق الله عز وجل فيها الدنيا، فطرحت من أصل السنة، فصارت السنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما، يستحب أن يطوف الرجل في مقامه بمكة عدد أيام السنة ثلاثمائة وستين أسبوعا، فإن لم يقدر على ذلك طاف ثلاثمائة وستين شوطا.
13 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
يستحب أن تطوف ثلاثمائة وستين أسبوعا عدد أيام السنة، فإن لم تستطع فما قدرت عليه من الطواف.
14 - العلل: عن أبي الهيثم عبد الله بن محمد، عن محمد بن علي الصائغ، عن سعيد بن منصور، عن سفيان عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن الحر من فيح جهنم، واشتكت النار إلى ربها فأذن لها في نفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فشدة ما يجدون من الحر من فيحها، وما يجدون من البرد من زمهريرها.
بيان: الخبر عامي ضعيف، وقال في النهاية: فيه (شدة الحر من فيح جهنم) الفيح سطوع الحر وفورانه، ويقال بالواو، وفاحت القدر تفوح وتفيح إذا غلت، وقد أخرجه مخرج التشبيه والتمثيل، أي كأنه نار جهنم في حرها (انتهى) وقال الطيبي: (فأذن لها في نفسين) يبين أن المراد به الحقيقة لا المجاز وقال الكرماني في شرح البخاري: هو علة لشرعية الابراد، فإن شدته يسلب الخشوع، أو لأنه وقت غضب الله لا ينجع فيه الطلب بالمناجاة، إلا من أذن له (انتهى) وأقول: سيأتي تمام القول فيه في كتاب الصلاة إن شاء الله.
15 - العياشي : عن أبي جعفر، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فالسنة تنقص ستة أيام.
أقول: وسيأتي فضائل الشهور وخواصها في الأبواب المناسبة لها في عرض الكتاب إن شاء الله تعالى.
فائدة: قال أبو ريحان: فأما العرب فإن شهورهم اثنا عشر، أولها المحرم وقد قيل في علل أسامي هذه الشهور أقاويل: منها أنه قيل في تسمية المحرم أنه
لكونه من جملة الحرم، وصفر لامتيازهم من فرقة تسمى صفرية، وشهري ربيع للزهر والأنوار، وتواتر الأندية والأمطار، وهو نسبة إلى طبع الفصل الذي نسميه نحن الخريف، وكانوا يسمونه ربيعا، وشهري جمادى لجمود الماء، ورجب لاعتمادهم الحركة فيه لامن جهة القتال، والرجبة العماد، ومنه قيل: عذق مرجب. وشعبان لتشعب القبائل فيه، وشهر رمضان للحجارة ترمض فيه من شدة الحر، وشوال لارتفاع الحر وإدباره، وذو القعدة للزومهم منازلهم، وذو الحجة لحجهم فيه. وتوجد للشهور العربية أسامي اخر قد كان أوائلهم يدعونها بها، وهي هذه: المؤتمر، ناجر، خوان، صوان، حنتم، زباء، الأصم، عادل، نافق، واغل، هواع، برك. وقد توجد هذه الأسماء مخالفة لما أوردناه ومختلفة الترتيب كما نظمها أحد الشعراء:
بمؤتمر وناجرة بدأنا * وبالخوان يتبعه الصوان وبالزباء بايدة تليه * يعود أصم صم به الشنان وواغله وناتله جميعا * وعادله فهم غرر حسان ورنة بعدها برك فتمت * شهور الحول يعقدها البنان ومعاني هذه الأسماء على ما ذكر في كتب اللغة: أما المؤتمر فمعناه أن يأتمر بكل شئ مما تأتي به السنة من أقضيتها، وأما ناجر فهو من النجر وهو شدة الحر وأما خوان فهو على مثال فعال من الخيانة. وكذلك صوان على مثال فعال من الصيانة، وهذه المعاني كانت اتفقت لهم عند أول التسمية، وأما الزباء فهي الداهية العظيمة المتكاثفة، سمي لكثرة القتال فيه وتكاثفه، وأما البائد فهو أيضا من القتال إذ كان يبيد فيه كثير من الناس، وجرى المثل بذلك (العجب كل العجب بين جمادى ورجب) وكانوا يستعجلون فيه ويتوخون بلوغ ما كان لهم من الثأر والغارات قبل دخول رجب، وهو شهر حرام، وأما الأصم فلأنهم كانوا يكفون عن القتال فلا يسمع فيه صوت سلاح، وأما الواغل فهو الداخل على شراب ولم يدعوه، وذلك لهجومه على شهر رمضان، وكان يكثر في شهر رمضان شربهم للخمر، لان ما يتلوه
هي شهور الحج، وأما ناتل فهو مكيال للخمر سمي به لافراطهم في الشرب، و كثرة استعمالهم لذلك المكيال. وأما العادل فهو من العدل لأنه من أشهر الحج وكانوا يشتغلون فيه عن الباطل، وأما الرنة فلان الانعام كانت ترن فيه لقرب النحر، وأما برك فهو لبروك الإبل إذا أحضرت المنحر. وأحسن من النظم الذي ذكرنا نظم الصاحب إسماعيل بن عباد لها وهي هذه: (شعر) أردت شهور العرب في جاهلية * فخذها على سرد المحرم تشترك فمؤتمر يأتي ومن بعد ناجر * وخوان مع صوان يجمع في شرك حنين وزبا والأصم وعادل * ونافق مع وغل ورنة مع برك (انتهى) وأقول: في القاموس: ناجر رجب أو صفر، وكل شهر من شهور الصيف.
وقال: الخوان كشداد ويضم شهر ربيع الأول. وقال: (زبا) كربى بلا لام جمادى الآخرة. وقال: حنين كأمير وسكيت وبلام فيهما اسمان لجمادي الأولى والآخرة.
ثم قال أبو ريحان: ذكر محمد بن دريد في كتاب الوشاح أن ثمود كانوا يسمون الشهور بأسماء اخر وهي هذه: موجب وهو المحرم، ثم موجر، ثم مولد، ثم ملزم، ثم مصدر، ثم هوبر، ثم هوبل، ثم موها، ثم ديمر، ثم دابر، ثم حيفل، ثم مسبل. قال: وأنهم كانوا يتبدؤون من ديمر، وهو شهر رمضان، ولم تكن العرب تسمي أيامهم بأسامي مفردة كما سمتها الفرس، غير أنهم أفردوا لكل ثلاث ليال من كل شهر من شهورهم أسماء على حدة مستخرجا من حال القمر وضوئه فيها، فإذا ابتدؤوا من أول الشهر فثلاث (غرر) جمع (غرة) وغرة كل شئ أوله، وقيل: لان الهلال فيها يرى كالغرة. ثم ثلاث (نفل) من قولهم (تنفل) إذا ابتدأ بالعطية من غير وجوب، وبعضهم سمى هذه الثلاث الثانية (شهب). ثم ثلاث (تسع) لان آخر ليلة منها هي التاسعة، وسمى بعضهم هذه الثلاث الثالثة (البهر) لأنه تبهر ظلمة الليل فيها. ثم ثلاث (عشر) لان أولها العاشرة، ثم ثلاث (بيض) لأنها تبيض بطلوع القمر من أولها إلى آخرها. ثم ثلاث (درع)
لاسوداد أوائلها تشبيها بالشاة الدرعاء، والأصل هو التشبيه بالدرع الملبوس، لان لون رأس لابسه يخالف لون سائر بدنه. ثم ثلاث (ظلم) لاظلامها في أكثر أوقاتها.
ثم ثلاث (حنادس) وقيل لها أيضا (دهم) لسوادها. ثم ثلاث (آدئ) لأنها بقايا، وقيل: إن ذلك من سير الإبل، وهو يقدم إحدى يديه ثم يتبعها الأخرى عجلا، ثم ثلاث (محاق) لانمحاق القمر والشهر. وخصوا من الشهر ليالي بأسماء مفردة كآخر ليلة منه، فإنها تسمى (السرار) لاستسرار القمر و تسمى (الفحمة) أيضا لعدم الضوء فيها. ويقال لها (البراء) لتبرؤ الشمس فيها.
وآخر الشهر فإنهم يسمونه (النحيرة) لأنه ينحر فيه، أي يكون في نحره وكالليلة الثالثة عشر فإنها تسمى (السواء) والرابعة عشر (ليلة البدر) لامتلاء القمر فيها وتمام ضوئه، وكل شئ قد تم فقد بدر، كما قيل للعشرة آلاف درهم بدرة لأنها تمام العدد ومنتهاه بالوضع لا بالطبع.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.