بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
باب السنين والشهور وأنواعهما والفصول وأحوالها
ج ۵۵، ص ۳۳۶–۳۶۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
التوبة: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم - إلى قوله تعالى - إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين.
تفسير: (إن عدة الشهور) قال الرازي: اعلم أن السنة عند العرب عبارة عن اثني عشر شهرا من الشهور القمرية، والدليل عليه هذه الآية، وأيضا قوله:
(هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) فجعل تقدير القمر بالمنازل علة للسنين، وذلك إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بسير القمر، وأيضا قال تعالى (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) وعند سائر الطوايف عن المدة التي تدور الشمس فيها دورة تامة. والسنة القمرية أقل من الشمسية بمقدار معلوم، وبسبب ذلك النقصان تنتقل
الشهور القمرية من فصل إلى فصل، فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة وفي الصيف أخرى، وكان يشق عليهم الامر بهذا السبب، وأيضا إذا حضروا الحج حضروا للتجارة ، وربما كان ذلك الوقت غير موافق لحضور التجار من الأطراف، وكان يخل بأسباب تجاراتهم بهذا السبب، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة على ما هو معلوم في علم الزيجات، واعتبروا السنة الشمسية وعند ذلك بقي زمان الحج مختصا بوقت معين، فهو أخف لمصلحتهم، وانتفعوا بتجاراتهم ومصالحهم، فهذا النسئ وإن صار سببا لحصول المصالح الدنيوية إلا أنه لزم منه تغير حكم الله تعالى، لأنه لما خص الحج بأشهر معلومة على التعيين وكان بسبب النسئ يقع في سائر الشهور فتغير حكم الله لتكليفه. والحاصل أنهم لرعاية مصالحهم في الدنيا سعوا في تغيير أحكام الله وإبطال تكليفه، فلهذا استوجبوا الذم العظيم في هذه الآية. قال النيسابوري: قال المفسرون: إنهم كانوا أصحاب حروب وغارات وكان يشق عليهم مكث ثلاثة أشهر متوالية من غير قتل وغارة، فإذا اتفق لهم في شهر منها أو في المحرم حرب أو غارة أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر. قال الواحدي: وأكثر العلماء على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر، ويروى أنه حدث ذلك في كنانة، لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعا في قومه، وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته:
إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوا! ثم يقوم في القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه! والأكثرون على أنهم كانوا يحرمون من جملة شهور العام أربعة أشهر، وذلك قوله (ليواطئوا عدة ما حرم الله) أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوا، ولم يعلموا أنهم خالفوا ترك القتال ووجوب التخصيص، وذلك قوله تعالى (فيحلوا ما حرم الله) أي من القتال وترك الاختصاص.
قال ابن عباس: إنهم ما أحلوا شهرا من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه شهرا آخر من الحلال ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا آخر من الحرام لأجل أن تكون عدة الحرام أربعة مطابقة لما ذكره الله تعالى. وللآية تفسير آخر وهو أن يكون المراد بالنسئ كبس بعض السنين القمرية بشهر ، حتى يلتحق بالسنة الشمسية، وذلك أن السنة القمرية أعني اثني عشر شهرا قمريا هي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وخمس وسدس يوم على ما عرف من علم النجوم وعمل الزيجات والسنة الشمسية وهي عبارة عن عود الشمس من أية نقطة تفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصة ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم إلا كسرا قليلا، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بعشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة تقريبا، وبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل، فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة وفي الصيف أخرى، وكذا في الربيع والخريف، وكان يشق الامر عليهم، إذ ربما كان وقت الحج غير موافق لحضور التجار من الأطراف فكان تختل أسباب تجاراتهم ومعايشهم، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحج دائما عند اعتدال الهواء وإدراك الثمرات والغلات، وذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفي، فكبسوا تسع عشرة سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة شمسية فزادوا في السنة الثانية شهرا ثم في الخامسة، ثم في السابعة، ثم في العاشرة، ثم في الثالثة عشر، ثم في السادسة عشر، ثم في الثامنة عشر، وقد تعلموا هذه الصنعة من اليهود والنصاري، فإنهم يفعلون هكذا لأجل أعيادهم، فالشهر الزائد هو الكبيس، وسمي بالنسئ، لأنه المؤخر، والزائد مؤخر عن مكانه، وهذا التفسير يطابق ما روي أنه صلى الله عليه وآله خطب في حجة الوداع، و كان في جملة ما خطب به: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات و الأرض السنة اثنى عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر بين جمادى وشعبان. والمعنى: رجعت الأشهر إلى ما
كانت عليه، وعاد الحج في ذي الحجة، وبطل النسئ الذي كان في الجاهلية، و قد وافقت حجة الوداع ذا الحجة في نفس الامر، وكانت حجة أبي بكر قبلها في ذي القعدة التي سموها ذا الحجة. وإنما لزم العتب عليهم في هذا التفسير لأنهم إذا حكموا على بعض السنين بأنها ثلاثة عشر شهرا كان مخالفا لحكم الله بأن عدة الشهور اثنا عشر شهرا، أي لا أزيد ولا أنقص، وإليه الإشارة بقوله (ذلك الدين القيم) على هذا التفسير، ويلزمهم أيضا ما لزمهم في التفسير الأول من تغيير أشهر الحرم عن أماكنها، فتكون الإشارة إلى المجموع (انتهى).
وقال الطبرسي - ره -: (إن عدة الشهور عند الله) أي عدد شهور السنة في حكم الله وتقديره (اثنا عشر شهرا) وإنما تعبد الله المسلمين أن يجعلوا سنتهم على اثني شهر شهرا ليوافق ذلك عدد الأهلة ومنازل القمر، دون ما دان به أهل الكتاب والشهر مأخوذ من شهرة الامر لحاجة الناس إليه في معاملاتهم ومحل ديونهم وحجهم وصومهم وغير ذلك من مصالحهم المتعلقة بالشهور، وقوله (في كتاب الله) معناه ما كتب الله في اللوح المحفوظ، وفي الكتب المنزلة على أنبيائه. وقيل: في القرآن، وقيل: في حكمه وقضائه، عن أبي مسلم. وقوله (يوم خلق السماوات و الأرض) متصل بقوله (عند الله) والعامل فيها الاستقرار، وإنما قال ذلك لأنه يوم خلق السماوات والأرض أجرى فيها الشمس والقمر، وبمسيرهما تكون الشهور والأيام، وبهما تعرف الشهور (منها أربعة حرم) ثلاثة منها سرد: ذو القعدة، وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب، ومعنى (حرم) أنه يحرم انتهاك المحارم فيها أكثر مما يحرم في غيرها، وكانت العرب تعظمها حتى لو أن رجلا لقي قاتل أبيه فيا لم يهجه لحرمتها، وإنما جعل الله بعض هذه الشهور أعظم حرمة من بعض لما علم من المصلحة في الكف عن الظلم فيها، لعظم منزلتها، ولأنه ربما
أدى ذلك إلى ترك الظلم أصلا لانطفاء النائرة وانكسار الحمية في تلك المدة فإن الأشياء تجر إلى أشكالها.
وشهور السنة: المحرم، سمي بذلك لتحريم القتال فيه، وصفر، سمي بذلك لان مكة تصفر من الناس فيه أي تخلو، وقيل لأنه وقع وباء فيه فاصفرت وجوههم وقال أبو عبيد: سمي بذلك لأنه صفرت فيه أوطابهم عن اللبن، وشهرا ربيع سميا بذلك لانبات الأرض وإمراعها فيهما، وقيل: لارتباع القوم أي إقامتهم والجماديان، سميتا بذلك لجمود الماء فيهما، ورجب سمي بذلك لأنهم كانوا يرجبونه ويعظمونه، يقال: رجبته ورجبته - بالتخفيف والتشديد - وقيل: سمي بدلك لترك القتال فيه، من قولهم (رجل أرجب) إذا كان أقطع لا يمكنه العمل وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن في الجنة نهرا يقال له (رجب) ماؤه أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل، من صام يوما من رجب شرب منه، وشعبان سمي بذلك لتشعب القبائل فيه، عن أبي عمرو، وروى زياد بن ميمون أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إنما سمي شعبان لأنه يشعب فيه خير كثير لرمضان، و شهر رمضان، سمي بذلك لأنه يرمض الذنوب، وقيل: سمي بذلك لشدة الحر وقيل: إن رمضان من أسماء الله تعالى، وشوال، سمي بذلك لان القبائل كانت تشول فيه أي تبرح عن أمكنتها، وقيل: لشولان الناقة أذنابها فيه، وذو القعدة سمي بذلك لقعودهم فيه عن القتال، وذو الحجة، لقضاء الحج فيه.
(ذلك الدين القيم) أي ذلك الحساب المستقيم الصحيح، لا ما كانت العرب تفعله من النسئ، وقيل: معناه ذلك الحساب المستقيم الحق، وقيل: معناه
ذلك الدين تعبد به، فهو اللازم (فلا تظلموا فيهن) أي في هذه الأشهر كلها عن ابن عباس. وقيل: في هذه الأشهر الحرم (أنفسكم) بترك أوامر الله وارتكاب نواهيه، وإذا عاد الضمير إلى جميع الشهور فإنه يكون نهيا عن الظلم في جميع العمر وإذا عاد إلى الأشهر الحرم ففائدة التخصيص أن الطاعة فيها أعظم ثوابا، والمعصية أعظم عقابا، وذلك حكم الله في جميع الأوقات الشريفة، والبقاع المقدسة (انتهى).
أقول: ويحتمل أن يكون المراد: فلا تظلموا أنفسكم في أمرهن بهتك حرمتهن. وقال الطبرسي - ره -: قال مجاهد: كان المشركون يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور، حتى وافقت الحجة التي قبل حجة الوداع في ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وآله في العام القابل حجة الوداع، فوافقت ذا - الحجة فلذلك قال النبي صلى الله عليه وآله في خطبته: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض (الخبر) أراد صلى الله عليه وآله بذلك أن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها، وعاد الحج إلى ذي الحجة، وبطل النسئ.
(يضل به الذين كفروا) قال البيضاوي: أي ضلالا زائدا، وقرأ حمزة والكسائي وحفص (يضل) على البناء للمفعول (يحلونه عاما) أي يحلون النسئ من الأشهر الحرم سنة، ويحرمون مكانه شهرا آخر (ويحرمونه عاما) فيتركونه على حرمته (ليواطئوا عدة ما حرم الله) أي ليوافقوا عدة الأربعة المحرمة، واللام متعلقة بيحرمونه أو بما دل عليه مجموع الفعلين (فيحلوا ما حرم الله) بمواطاة العدة وحدها من غير مراعاة الوقت (انتهى).
وأقول: لما كانت معرفة الأخبار المذكورة في هذا الباب وغيره متوقفة على معرفة الشهور والسنين ومصطلحاتهما قدمنا شيئا من ذلك فنقول: لما احتاجوا في تقدير الحوادث إلى تركيب الأيام، وكان أشهر الاجرام السماوية الشمس ثم القمر، وكان دورة كل منهما إنما تحصل في أيام متعددة، كانا متعينين بالطبع لاعتبار التركيب، فصار القمر أصلا في الشهر والشمس أصلا في السنة. ثم إن الظاهر من حال القمر ليس دورة في نفسه، بل باعتبار تشكلاته النورية، فلذلك كان الشهر مأخوذا منها، وهي إنما تكون بحسب أوضاعه مع الشمس، ويتم دوره إذا صار فضل حركة القمر على حركة الشمس الحقيقيين دورا، والعلم به متعذر لأنهما إذا اجتمعا مثلا بمقوميهما وعاد القمر بمقومه إلى موضع الاجتماع فقد سارت الشمس قوسا، فإذا قطع القمر تلك القوس فقد سارت قوسا أخرى، ومع تعذره مختلف لاختلاف حركتيهما بمقوميهما، فلا يكون ذلك الفضل أمرا منضبطا فمستعملوا الشهر القمري من أهل الظاهر منهم من يأخذونه من يوم الاجتماع إلى يومه وهم اليهود والترك، ومنهم من ليلة رؤية الهلال إلى ليلتها وهم المسلمون أو من تشكل آخر إلى مثله بحسب ما يصطلحون عليه، واعتبار الاستهلال أولى، لأنه أبين أوضاعه من الشمس وأقربها إلى الادراك، مع أن القمر في هذا الموضع كالموجود بعد العدم ، والمولود الخارج من الظلم. لكن لما لم يكن لرؤية الأهلة حد لا يتعداه لاختلافها باختلاف المساكن وحدة الابصار إلى غير ذلك لم يلتفت إليها إلا في الأحكام الشرعية المبتنية على الأمور الظاهرة، ومستعملوه من أهل الحساب يأخذون الدور من الفضل بين الحركتين الوسطيتين، فيجدونه في تسعة وعشرين يوما ونصف يوم ودقيقة واحدة وخمسين ثانية إذا جزئ يوما بليلته بستين دقيقة، وكل دقيقة بستين ثانية، وهذا هو الشهر القمري الاصطلاحي المبني على اعتبار سير الوسط في السيرين، وإذا ضرب عدد أيامه في (اثني عشر) عدد أشهر السنة خرج
أيام السنة القمرية الاصطلاحية، وهو ثلاثمائة وأربع وخمسون يوما وخمس وسدس يوم، وهي ناقصة عن أيام السنة الشمسية بعشرة أيام وعشرين ساعة ونصف ساعة مستوية بالتقريب، فيأخذون لشهر ثلاثين يوما ولشهر آخر تسعة وعشرين يوما، و ذلك لأنهم اصطلحوا على أخذ الكسر الزائد على النصف صحيحا، فأخذوا المحرم الذي هو أول شهور السنة القمرية ثلاثين يوما لكون الكسر أزيد من النصف فصار صفر تسعة وعشرين لذهاب النصف عنه بما احتسب في المحرم، فلم يبق إلا ضعف فضل الكسر الزائد على النصف أعني ثلاث دقائق وأربعين ثانية وهو غير ملتفت إليه لقصوره عن النصف، وصار أول الربيعين ثلاثين يوما وثانيهما تسعة وعشرين وعلى هذا الترتيب إلى آخر السنة، فصار ذو الحجة تسعة وعشرين [يوما] وخمس وسدس يوم وهما اثنتان وعشرون دقيقة، لأنها الحاصلة من ضرب ما زاد في الكسر على النصف وهو دقيقة واحدة وخمسون ثانية في (اثني عشر) عدد الشهور، وإذا فعل بشهور السنة مثل ما فعل بشهور الأولى اجتمع لذي الحجة في الثانية مثل ما مر، فيصير الجميع أربعا وأربعين دقيقة، وهو زائد على النصف فيؤخذ ذو الحجة في السنة الثانية ثلاثين يوما، ويذهب في السنة الثالثة من الكسر اللازم بعد كل سنة ست عشرة دقيقة بما اعتبر في السنة السابقة وتبقى ست دقائق، فتنضم إلى الكسر اللازم من السنة الرابعة فيصير المجموع ثماني وعشرين دقيقة، وهو أقل من النصف، فإذا انضم إلى كسر السنة الخامسة صار مجموعهما خمسين دقيقة، وهو أكثر من النصف فيجعل ذو الحجة في هذه السنة ثلاثين يوما ويذهب من الكسر اللازم في السنة السادسة، عشر دقائق، وتبقى اثنتا عشرة دقيقة، فينضم إلى كسر السنة السابعة ويصير المجموع أربعا وثلاثين دقيقة، فيؤخذ ذو الحجة فيها ثلاثين يوما، وعلى هذا القياس يؤخذ ذو الحجة ثلاثين يوما في السنة العاشرة، والثالثة عشرة، والسادسة
عشرة، والثامنة عشرة، والحادية والعشرين، والرابعة والعشرين، والسادسة والعشرين، والتاسعة والعشرين، ومن لم يعتبر في اعتبار الكسر مجاوزة النصف بل يكتفي بالوصول إليه يجعل ذا الحجة في السنة الخامسة عشرة ثلاثين يوما بدل السادسة عشرة، وعلى التقديرين إذا اخذ ذو الحجة في السنة التاسع والعشرين ثلاثين يوما بقي عليهم لتمام يوم اثنتان وعشرون دقيقة، فينجبر بالكسر اللازم في السنة الثلاثين، ويتم عدد أيام الشهور بلا كسر في كل ثلاثين سنة، ثم يستأنف والسبب في ذلك أن الكسر اللازم في سنة واحدة اثنتان وعشرون دقيقة كما مر ونسبته إلى (ستين) بالخمس والسدس، وهما إنما يصحان من (ثلاثين) فثلاثون خمس يوم ستة أيام، وثلاثون سدس يوم خمسة أيام، والمجموع أحد عشر يوما وتسمى هذه الأيام (كبائس) فسنوا الكبس على ترتيب (بهز يجهح كادوط) أو (بهزيجوح كادوط) على القولين المتقدمين. هذا هو المشهور في الكبس. و ذكر شراح التذكرة نوعين آخرين من الكبس: الأول ما يفعله اليهود والترك فإنهم كانوا يردون السنين القمرية إلى السنين الشمسية بكبس القمرية في كل سنة أو ثلاث بشهر. والثاني ما تفعله العرب في الجاهلية من النسئ وهو أنهم كانوا يستعملون شهور الأهلة، وكانوا حجهم الواقع في عاشر ذي الحجة كما رسمه إبراهيم عليه السلام دائرا في الفصول كما في زماننا هذا، فأرادوا وقوعه دائما في زمان إدراك الغلات والفواكه واعتدال الهواء، أعني أوائل الخريف، ليسهل عليهم السفر وقضاء المناسك، فكان يقوم في الموسم عند اجتماع العرب خطيب يحمد الله ويثني عليه ويقول: إني أزيد لكم في هذه السنة شهرا، وهكذا أفعل في كل ثلاث سنين
حتى يأتي حجكم في وقت يسهل فيه مسافرتكم. فيوافقونه على ذلك، فكان يجعل المحرم كبسا ويؤخر اسمه إلى صفر، واسم صفر إلى ربيع الأول، وهكذا إلى آخر السنة، فكان يقع الحج في السنة القابلة في عاشر محرم، وهو ذو الحجة عندهم، لأنهم لما سموا صفر بالمحرم وجعلوه أول السنة صار المحرم الآتي ذا الحجة وآخر السنة، ويقع في السنة محرمان: أحدهما رأس السنة، والآخر النسئ، ويصير شهورها ثلاثة عشر، وعلى هذا يبقى الحج في المحرم ثلاث سنين متوالية، ثم ينتقل إلى صفر، ويبقى فيه كذلك إلى آخر الأشهر، ففي كل ست وثلاثين سنة قمرية تكون كبيستهم اثنا عشر شهرا قمريا. وقيل: كانوا يكبسون أربعا وعشرين سنة باثني عشر شهرا، وهذا هو الكبس المشهور في الجاهلية، و إن كان الأول أقرب إلى مرادهم. وبالجملة إذا انقضى سنتان أو ثلاث وانتهت النوبة إلى الكبيس قام فيهم خطيب وقال: إنما جعلنا اسم الشهر الفلاني من السنة الداخلة للذي بعده. وحيث كانوا يزيدون النسئ على جميع الشهور بالنوبة حتى يكون لهم في سنة محرمان وفي أخرى صفران، فإذا اتفق أن يتكرر في السنة شهر من الأربعة الحرم نبأهم الخطيب بتكريره، وحرم عليهم واحدا منهما بحسب ما تقتضيه مصلحتهم. ولما انتهى النوبة في أيام النبي صلى الله عليه وآله إلى ذي الحجة وتم دور النسئ على الشهور كلها حج في السنة العاشرة من الهجرة بوقوع الحج فيها في عاشر ذي الحجة، وقال: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض. يعني به رجوع الحج وأسماء الشهور إلى الوضع الأول، ثم تلا قوله تعالى (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا) إلى آخر الآية (انتهى) وأما السنة الشمسية فمأخوذة من عود الشمس إلى موضعها من فلك البروج، المقتضي لعود حال السنة بحسب الفصول، ويحصل ذلك في ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وربع يوم إلا كسرا، كما ذكره في لتذكرة، والكسر عند بطلميوس جزء واحد من ثلاث مائة جزء من يوم، ويتم في أيام السنة المذكورة من الشهور القمرية
الوسطية اثني عشر شهرا وأحد عشر يوما إلا سبع دقائق واثنتي عشرة ثانية، و هذه المدة أعني اثني عشر شهرا قمريا وسطيا تسمى سنة قمرية اصطلاحية. و مستعملوا السنة الشمسية لهم طرق: الأولى طريقة قدماء المنجمين فإنهم يأخذون السنة من يوم تحل الشمس فيه نقطة بعينها كالاعتدال الربيعي إلى مثل ذلك اليوم ويأخذون شهورها من الأيام التي تحل فيها أمثال تلك النقطة من البروج فإن كانت النقطة التي هي مبدأ السنة الموافق لمبدء الشهر الأول أول برج كأول الحمل كانت أمثالها أوائل البروج الباقية، وإن كان عاشرة برج مثلا كانت أمثالها عواشر البروج. الثانية الفرس القديم وليس فيها كسور وكبائس، وسنتهم ثلاثمائة وخمسة وستون يوما، وشهورهم ثلاثون ثلاثون، ويزيدون الخمسة في آخرها ويسمونها (الخمسة المسترقة) وهذه أسماء شهورهم: فروردين ماه، أردي بهشت ماه، خرداد ماه، تيرماه، مرداد ماه، شهريور ماه، مهرماه، أبان ماه، آذر ماه دي ماه، بهمن ماه، اسفندارمذ ماه، وكان في العهد القديم لهذا التاريخ كبيسة وأنهم كانوا يجمعون الأرباع الزائدة، ويؤخرونها إلى عشرين ومائة سنه، و كانوا يزيدون لذلك شهرا في سنة الإحدى والعشرين والمائة، فتصير هذه السنة ثلاثة عشر شهرا، ولهم في ذلك تفصيل من دور الكبس وغير ذلك أعرضنا عن ذكرها وكان مبدأ هذا التاريخ من زمان جمشيد أو كيومرث، واستمر إلى زمان يزدجرد فلما انتهى ملكهم تركوا الكبس. وكان بعض المنجمين يزيدون الخمسة المسترقة بعد أبان ماه، وبعضهم بعد إسفندارمذ ماه، ففي كل أربع سنين أو خمس سنين تتقدم هذه السنة على السنة الشمسية بيوم الثالثة التاريخ الملكي وهو منسوب إلى السلطان جلال الدين ملك شاه، والسبب في وضعه أنه اجتمع في حضرته ثمانية من الحكماء منهم الخيام، فوضعوا تاريخ مبدؤه نزول الشمس أول الحمل، وأول السنة يوم تكون الشمس في نصف نهاره في الحمل سموه بالنيروز السلطاني، فسنوه شمسية حقيقية، وكذا شهوره إذا اعتبرت بحلول الشمس في أوائل البروج كما فعله بعض
المنجمين، وإذا اخذت ثلاثين ثلاثين وألحقت الكسر بآخر السنة وكبس الكسر في كل أربع سنين أو خمس بيوم ليوافق أول السنة دائما نزول الشمس الحمل كما فعله أكثر المنجمين كانت اصطلاحية، وأسماء شهورها أسماء شهور الفرس القديم المتقدم، وعليه بناء التقاويم الآن.
الرابعة التاريخ الرومي، مبدؤه بعد اثنتي عشرة سنة شمسية من وفات الإسكندر بن فيلقوس الرومي، وسنوه شمسية اصطلاحية، هي ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع تام، وكذا شهورهم اصطلاحية شمسية، وأسماء شهورهم وعددها هكذا: تشرين الأول (لا) تشرين الآخر (ل) كانون الأول (لا) كانون الآخر (لا) شباط (كح) آذار (لا) نيسان (ل) أيار (لا) حزيران (ل) تموز (لا) أب (لا) أيلول (ل) ومستعملو هذا التاريخ يعدون أربعة منها ثلاثين، وهي: تشرين الآخر، ونيسان، وحزيران، وأيلول والسبعة البقية غير شباط أحدا وثلاثين، وشباط في ثلاث سنين متوالية ثمانية و عشرين، وفي الرابعة وهي سنة الكبيسة تسعة وعشرين فالسنة عندهم ثلاثمائة و خمسة وستون وربع كامل، مع أن السنة الشمسية أقل من ذلك عندهم لكسر في الربع كما عرفت، ووجدوا الكسر مختلفا في أرصادهم، ففي رصد التباني ثلاثة عشرة دقيقة وثلاثة أخماس دقيقة، وفي رصد المغربي اثنتا عشرة دقيقة، وعلى رصد مراغة إحدى عشرة دقيقة، وعلى رصد بعض المتأخرين تسع دقائق وثلاثة أخماس دقيقة، وعلى رصد بطلميوس أربع دقائق وأربعة أخماس دقيقة. والفرس من زمان جمشيد أو قبله والروم من عهد إسكندر أو بعده كانوا يعتبرون الكسر ربعا تاما موافقا لرصد (أبرخس) فالشهور الرومية مبنية على هذا الاعتبار وهذا الرصد وعلى ما وجده سائر أصحاب الارصاد فلا يوافق هذه السنة الشمسية. وبمرور الأزمان تدور شهورها في الفصول. وقال بعضهم: في كل ثلاثين سنة تقريبا تتأخر سنتهم عن مبدأ السنة الشمسية بيوم، وأول سنتهم وهو تشرين الأول في هذه الأزمان يوافق تاسع عشر الميزان، وأول نيسان في الدرجة الثالثة والعشرين من الحمل.
واعلم أن كثيرا من الأمور الشرعية منوطة بهذه الشهور، من الأحوال و الاعمال والآداب، كالمطر في نيسان وآدابه، ولا يعلم أن الشارع بناه على الفصول أو على الشهور، ولعل الأول أظهر فيشكل اعتبار الشهور في تلك الأزمان، إذ لعلهم أرادوا تعيين أوقات الفصول فعينوها بهذه الشهور لموافقتها لتلك الأوقات في تلك الأزمان لكن في بعض الاعمال التي في وقتها اتساع يمكن رعاية الاحتياط بحسب التفاوت بين الزمانين وإيقاعها في الوقت المشترك، وما لم يكن فيه اتساع بعملها في اليومين معا.
ثم إن انقسام السنة الشمسية عند الروم إلى هذه الشهور الاثني عشر التي بعضها ثمانية وعشرون وبعضها ثلاثون وبعضها أحد وثلاثون إنما هو محض اصطلاح منهم، لم يذكر أحد من المحصلين له وجها أو نكتة، وما توهم بعض المشاهير من أنه مبني على اختلاف مدة قطع الشمس كلا من البروج الاثني عشر ظاهر البطلان فإن الحمل والثور عندهم أحد وثلاثون، والجوزاء اثنان وثلاثون، والسرطان والأسد والسنبلة أحد وثلاثون، والميزان والعقرب ثلاثون، والقوس والجدي تسعة وعشرون والدلو والحوت ثلاثون، وظاهر أن الامر في الشهور الرومية ليس على طبقها، كيف وكانون الأول الذي اعتبروه أحدا وثلاثين هو بين القوس والجدي، وكل منهما تسعة وعشرون.
ثم أعلم أن التاريخ تعيين يوم ظهر فيه أمر شائع كملة أو دولة، أو حدث فيه أمر هائل كطوفان أو زلزلة أو حرب عظيم، لمعرفة ما بينه وبين أوقات الحوادث ولضبط ما يجب تعيين وقته في مستقبل الزمان، وقد مرت الإشارة إلى تاريخ الروم والفرس، والشائع المستعمل في زماننا تاريخ الهجرة، وسبب وضعه على ما نقل أنه دفع إلى عمر صك محله شعبان، فقال: أي شعبان هو؟ هذا الذي نحن فيه أو الذي يأتينا؟ أو أن أبا موسى كتب إليه أنه يأتينا من قبلك كتب لا نعرف كيف نعمل فيها، قد قرأنا صكا محله شعبان فما ندري أي الشعبانين هو؟ الماضي أو الآتي؟
فجمع الصحابة واستشارهم فيما يضبط به الأوقات، فقال له الهرمزان ملك الأهواز
وقد أسلم على يديه حين أسر وحمل إليه: إن للعجم حسابا يسمونه (ماه روز) وأسنده إلى من غلب عليهم من الأكاسرة، وبين كيفية استعماله، فعربوا (ماه روز )) بمؤرخ، وجعلوا مصدره التاريخ، فقال ابن الخطاب: ضعوا للناس تاريخا نضبط به أوقاتهم. فقال بعض الحاضرين من مسلمي اليهود: لنا حساب مثله نسنده إلى إسكندر، فما ارتضاه الصحابة، واتفقوا على أن يجعل مبدؤه هجرة النبي صلى الله عليه وآله، إذ بها ظهرت دولة الاسلام، وكانت الهجرة يوم الثلاثاء لثمان خلون من شهر ربيع الأول، وأول هذه السنة أعني المحرم كان يوم الخمس بحسب الامر الأوسط، وعلى قول أهل الحديث، ويوم الجمعة بحسب الرؤية و حساب الاجتماعات، فعمل عليه في أكثر الأزياج إلا زيج المعتبر فإنه عمل على يوم الخميس، وكان اتفاقهم على ذلك في سنة سبع عشرة من الهجرة ومبادئ شهور تلك السنة على الرؤية وقد تكون تامة وأكثر المتوالية منها أربعة، وقد تكون ناقصة وأكثر المتوالية منها ثلاثة.
واعلم أن القوم تمسكوا في اختيار واقعة الهجرة بمبدء التواريخ الاسلامية على سائر الوقائع المعروفة كالمبعث والمولد بوجوه ضعيفة، كقولهم إن المبعث غير معلوم، والمولد مختلف فيه، ولا يخفى وهنه، فإنه لو أريد بذلك عدم اتفاقهم في شئ منهما على يوم معين من شهر معين فظاهر أن أمر الهجرة أيضا كذلك كما بيناه في محله، مع أن العلم باليوم والشهر لا مدخل له في المطلوب وهو ظاهر، و إن أريد به اختلافهم في خصوص سنتيهما فكلا، فإنه لا خلاف فيه في زماننا فضلا عن أوائل الاسلام، وكذا الوجوه الأخرى التي ذكروها في هذا الباب، ولقد عثرت على خبر يصلح مرجحا ومخصصا لذلك قل من تفطن به، وهو ما ورد في خبر الصحيفة الشريفة السجادية صلوات الله على من ألهمها حيث قال الصادق عليه السلام:
إن أبي حدثني عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذته نعسة وهو على منبره، فرأى في منامه رجالا ينزون على منبره نزو القردة، يردون الناس على أعقابهم القهقري! فاستوى رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا والحزن يعرف في
وجهه، فأتاه جبرئيل عليه السلام بهذه الآية (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن الآية) يعني بني أمية. قال: يا جبرئيل!
أعلى عهدي يكونون وفي زمني؟ قال: لا، ولكن تدور رحى الاسلام من مهاجرك فتلبث بذلك عشرا، ثم تدور رحى الاسلام على رأس خمس وثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمسا (إلى آخر الخبر) فيدل على أن جعل مبدأ التاريخ من الهجرة مأخوذ من جبرئيل عليه السلام ومستند إلى الوحي السماوي، ومنسوب إلى الخبر النبوي، وهذا يؤيد ما روي أن أمير المؤمنين عليه السلام أشار عليهم بذلك في زمن عمر عند تحيرهم، والعلة الواقعية في ذلك يمكن أن تكون ما ذكر من أنها مبدء ظهور غلبة الاسلام والمسلمين، ومفتتح ظهور شرائع الدين، وتخلص المؤمنين من أسر المشركين، وسائر ما جرى بعد الهجرة من تأسيس قواعد الدين المبين.
ولنشر ههنا إلى فوائد:
الفائدة الأولى: أنه قد وردت أخبار كثيرة تدل على أن عدد أيام السنة ثلاثمائة وستون، كالاخبار الواردة في عدد الطواف المستحبة وكخبر الاحتزال وغيرها، وهي لا توافق شيئا من المصطلحات المتقدمة، ولا السنين الشمسية ولا القمرية، ويمكن توجيهه بوجوه: الأول أن يكون المراد بها السنة الإلهية كما مرت الإشارة إليه في الباب الأول. الثاني أن يكون المراد به السنة الأولى من خلق الدنيا بضم الستة المصروفة في خلق الدنيا إلى السنة القمرية. الثالث أن يكون مبنيا على بعض مصطلحات القدماء قال أبو ريحان البيروني في تاريخه:
سمعت أن الملوك البيشدادية من الفرس وهم الذين ملكوا الدنيا بحذافيرها كانوا يعملون السنة ثلاثمائة وستين يوما، كل شهر منها ثلاثون يوما بلا زيادة ونقصان وأنهم كانوا يكبسون في كل ست سنين بشهر ويسمونها (كبيسة) وفي كل مائة وعشرين سنة شهرين أحدهما بسبب الخمسة أيام، والثاني بسبب ربع اليوم، و أنهم كانوا يعظمون تلك السنة ويسمونها (المباركة) ويشتغلون فيها بالعبادات و
المصالح. ثم قال بعد ذكر نسئ العرب وكبس أهل الكتاب وغيرهم: وقد حكى أبو محمد التائب الآملي في كتاب الغرة عن يعقوب بن طارق أن الهند تستعمل أربعة أنواع من المدد: أحدها من عودة الشمس من نقطة من فلك البروج إليها بعينها وهي سنة الشمس والثانية طلوعها ثلاثمائة وستين مرة، وتسمى السنة الوسطى لأنها أكثر من سنة القمر وأقل من سنة الشمس. والثالثة عودة القمر من الشرطين وهما رأس الحمل إليهما اثنتي عشرة مرة، وهي سنة القمر المستعملة.
الفائدة الثانية: قال الرازي في قوله تعالى (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا) فإن قالوا: لم لم يقل ثلاثمائة وتسع سنين؟ وما الفائدة في قوله (وازدادوا تسعا)؟ قلنا: قال بعضهم كانت المدة ثلاثمائة سنة من السنين الشمسية وثلاثمائة وتسع سنين من القمرية، وهذا مشكل، لأنه لا يصح بالحساب هذا القول. وروى الطبرسي ره وغيره أن يهوديا سأل عليا عليه السلام عن مدة لبثهم، فأخبر عليه السلام بما في القرآن، فقال: إنا نجد في كتابنا ثلاثمائة. فقال عليه السلام:
ذلك بسني الشمس، وهذا بسني القمر.
وتفصيل القول في ذلك أنه يمكن تقرير الاشكال الوارد على هذا التفسير الذي أومأ إليه الرازي بوجهين: أحدهما أن أيام السنة القمرية في مدة ثلاثمائة وتسع سنين إذا قسمت على ثلاثمائة تخرج حصة كل سنة شمسية ثلاثمائة وأربعة وستين يوما وثلثا وعشرين ساعة مستوية وستا وخمسين دقيقة وثماني وثلاثين ثانية وأربعة وعشرين ثالثة، ولا يوافق ذلك شيئا من الارصاد المتداولة بل ناقص عن الجميع. وثانيهما أن التفاوت المضبوط بين السنتين في مدة ثلاثمائة سنة يزيد على تسع سنين على جميع الارصاد، فإنه على رصد التباني، مع أن مقتضاه أقل من سائر الارصاد يبلغ إلى عشرة أيام وعشرين ساعة وست وأربعين دقيقة و
أربع وعشرين ثانية، وإذا ضرب هذا المقدار من الزمان في ثلاثمائة وقسم الحاصل على مقدار السنة القمرية يزيد الخارج على تسع سنين قمرية بأربعة وسبعين يوما وأربع ساعات وثمان وأربعين دقيقة، فكيف على سائر الارصاد؟ حتى أنه على رصد أبرخس المبني عليه حساب الروم والفرس من قديم الأيام بل المعروف بين جميع الطوائف في صدر الاسلام يزيد على تسع سنين بسبعة وسبعين يوما وثماني و أربعين دقيقة، فلا تستقيم الموافقة المستفادة من التفسير المذكور والرواية المنقولة وقد يجاب بأن عدم الاعتناء بالكسور القليلة في جنب آحاد الصحاح تارة بإسقاطها سيما إذا لم تبلغ النصف، وتارة بإكمالها أي عدها تامة سيما إذا جاوزت النصف وكذا بالآحاد القليلة في جنب العشرات والعشرات القليلة في جنب المآت وهكذا أمر شائع وعرف عام في المحاورات الحسابية، يبتني عليه كثير من القرآن والحديث كما سنشير إليه في حديث الصباح بن سيابة، فلا بأس أن يخبر تعالى بأن مدة لبث أصحاب الكهف ثلاثمائة سنة بالشمسية أو ثلاثمائة وتسع سنين بالقمرية، وكانت ناقصة عن الأولى حقيقة بمثل تلك الأيام القلائل، أو كانت مطابقة لها وكانت زائدة على الثانية حقيقة بمثلها، أو كان في الأول نقصان وفي الثانية زيادة يصير المجموع مساويا لمثل تلت الأيام، فإن في رعاية مطابقة العرف في تلك المحاورات لمندوحة عن كذبها حتى أنه يمكن أن يقيد عرفا أمثال ذلك بأنه كذلك بلا زيادة ولا نقصان، اعتمادا على أن تحقق الزيادة والنقصان في عرف الحسابيين إنما هو بالصحاح أو ما في حكمهما، دون أمثال تلك الكسور.
وأقول: قد مر في المجلد التاسع في باب علم أمير المؤمنين عليه السلام بعض القول في ذلك.
الفائدة الثالثة: قد ورد في الاخبار بناء كثير من الأمور الشرعية من الصوم وغيره على عد شهر من الشهور القمرية تاما وشهرا ناقصا، كعد الخمسة من شهر آخر مثله، أو الستة في سنة الكبيسة وسيأتي بيانها وبسط القول فيها في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى، وعليه يبنى ما روي أن يوم الأضحى يوم الصوم ويوم
عاشورا يوم الفطر، لكنه إنما يستقيم في سنة الكبيسة، فإنه إذا كان أول شهر رمضان يوم السبت مثلا كان أول شوال يوم الاثنين لأنه من الشهور التامة، وأول ذي القعدة يوم الثلاثاء وأول ذي الحجة يوم الخميس، فالأضحى يوم السبت موافقا ليوم الصوم، وذو الحجة لما كان من الشهور الناقصة في غير سنة الكبيسة فالجمعة أول المحرم فعاشوراء يوم الأحد وهو لا يوافق يوم الفطر، وفي الكبيسة يوافقه لاتمام ذي الحجة فيها. ويمكن أن يكون مبنيا على الغالب، أو على ما إذا غمت الأهلة كما عمل بها جماعة من الأصحاب على هذا الوجه، أو على استحباب صوم يوم الشك فإن هذا الحساب متقدم على الرؤية غالبا، وما قيل في الخبر الأخير من أن المعنى أن العارفين يوم صومهم يوم عيدهم ويوم فطرهم يوم تعزيتهم فهو مما تضحك منه الثكلى، وسيأتي مزيد تحقيقه في محله الأنسب.
وقال أبو ريحان في تاريخه يبتدؤن بالشهر من عند رؤية الهلال، وكذلك شرع في الاسلام كما قال الله تعالى (ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) ثم نبتت نابتة ونجمت ناجمة وبغت فرقة جاهلية فنظروا إلى أخذهم بالتأويل وميلهم إلى اليهود والنصارى، فإن لهم جداول وحسابات يستخرجون بها شهورهم ويعرفون منها صيامهم والمسلمون مضطرون إلى رؤية الهلال، ووحدوهم شاكين فيه مختلفين مقلدين بعضهم بعضا بعد استفراغهم أقضى الوسع في تأمل مواضعه وتفحص مواقعه، ثم رجعوا إلى أصحاب الهيئة فألفوا زيجاتهم وكتبهم مفتتحة بمعرفة أوائل ما يراد من شهور العرب بصنوف الحسابات وأنواع الجداول، فظنوا أنها معمولة لرؤية الأهلة، وأخذوا بعضها ونسبوه إلى جعفر الصادق عليه السلام وأنه سر من أسرار النبوة، وتلك الحسابات مبنية على حركات النيرين الوسطى دون المعدلة، ومعمولة على عد سنة القمر ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وخمس وسدس وأن ستة أشهر من السنة تامة وستة ناقصة، وأن كل ناقص منها فهو تال لتام على ما عمل عليه في الزيجات فلما قصدوا استخراج أول الصوم وأول الفطر بها خرجت
قبل الواجب بيوم في أغلب الأحوال، فأولوا قول النبي صلى الله عليه وآله (صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته) بأن معناه صوموا الذي يرى الهلال في عشيته، كما يقال: تهيؤوا لاستقباله، فيقدم التهيؤ على الاستقبال! قالوا، وإن شهر رمضان لا ينقص من ثلاثين، فأما أصحاب الهيئة ومن تأمل الحال بعناية شديدة فإنهم يعلمون أن رؤية الهلال غير مطرد على سنن واحد، لاختلاف حركة القمر المرئية بطيئة و سريعة، وقربه من الأرض وبعده وصعوده في الشمال والجنوب وهبوطه فيهما و حدوث كل واحد من هذه الأحوال له في كل نقطة من فلك البروج، ثم بعد ذلك لما يعرض من سرعة غروب بعض القطع من فلك البروج وبطء بعض، وتغير ذلك على اختلاف عروض البلدان واختلاف الأهوية إما بالإضافة إلى البلاد الصافية الهواء بالطبع والكدرة المختلطة بالبخارات دائما والمغبرة في الأغلب، وإما بالإضافة إلى الأزمنة إذا غلظ في بعضها ورق في بعض وتفاوت قوى بصر الناظرين إليه في الحدة والكلال. وإن ذلك كله على اختلاف بصنوف الاقترانات كائنة في كل أول شهرين رمضان وشوال على أشكال غير معدودة، وأحوال غير محدودة فيكون لذلك رمضان ناقصا مرة وتاما أخرى، وإن ذلك كله يفتن بتزايد عروض البلدان وتناقصها، فيكون الشهر تاما في البلدان الشمالية مثلا، وناقصا هو بعينه في الجنوبية منها وبالعكس. ثم لا يجري ذلك فيها على نظم واحد، بل لا يتفق فيها أيضا حالة واحدة بعينها لشهر واحد مرارا متوالية وغير متوالية، فلو صح عملهم مثلا بتلك الجداول واتفق مع رؤية الهلال أو تقدمه يوما واحدا كما أصلوا لاحتاجوا إلى إفرادها لكل عرض، على أن اختلاف الرؤية ليس متولدا من جهة العرض فقط، بل لاختلاف أطوال البلدان فيها أوفر نصيب، فإذن لا يمكن ما ذكروه من تمام شهر رمضان أبدا، ووقع أوله وآخره في جميع المعمورة من الأرض متفقا، كما يخرجه الجدول الذي يستعملونه. فأما قولهم إن مقتضى الخبر المأثور تقديم الصوم والفطر على الرؤية فباطل، وذلك أن حرف اللام يقع على المستأنف كما ذكروه، ويقع على الماضي، كما يقال: كتب لكذا مضى من الشهر
أي من عند مضي كذا، فلا تتقدم الكتبة الماضي من الشهر، وهذا هو مقتضى الخبر دون الأول. ألا ترى إلى ما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: نحن قوم أميون لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا. وكان يشير في كل واحدة منها بأصابعه العشر يعني تاما ثلاثين يوما، ثم أعاد فقال: هكذا وهكذا وهكذا، وخنس إبهامه في الثالثة يعني ناقصة تسعة وعشرين يوما، فنص صلى الله عليه وآله نصا لا يخفى على أحد أن الشهر يكون تاما مرة ويكون ناقصا أخرى، وأن الحكم جار عليه بالرؤية عليه دون الحساب بقوله لا نكتب ولا نحسب. فإن قالوا: عنى أن كل شهر تام فإن تاليه ناقص كما يحسبه مستخرجو التواريخ، كذبهم العيان إن لم ينكروه، وعرف تمويههم الصغير والكبير فيما ارتكبوه، على أن تتمة الخبر الأول يفصح باستحالة ما ادعوه، وهو قوله صلى الله عليه وآله (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين يوما) وفي رواية أخرى (فإن حال بينكم وبين رؤيته سحاب أو قتام فأكملوا العدة ثلاثين) وذلك أنه إذا عرف أن الهلال يرى إما بجدولهم وحسابهم أو بما يستخرجه أصحاب الزيجات وقدم الصوم أو الفطر على رؤيته لم يحتج إلى إتمام شعبان ثلاثين أو إكمال شهر رمضان ثلاثين إذا انطبقت الآفاق بسحاب أو غبار، ولو كان أيضا شهر رمضان تاما أبدا ثم عرف أوله لاستغنى به عن الرؤية لشوال، مع ما روي في كتب الشيعة الزيدية أن الناس صاموا شهر رمضان على عهد أمير المؤمنين عليه السلام ثمانية وعشرين يوما، فأمرهم بقضاء يوم واحد فقضوه، وإنما اتفق ذلك لتوالي شهر شعبان وشهر رمضان عليهم ناقصين معا، و كان حال بينهم وبين الرؤية لرأس شهر رمضان حائل، فأكملوا العدة وتبين الامر في آخره. وروي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: يصيب شهر رمضان ما يصيب سائر الشهور من الزيادة والنقصان، وروي عنه أيضا أنه قال: إذا حفظتم شعبان وغم عليكم فعدوا ثلاثين وصوموا. وروي عنه عليه السلام أيضا أنه سئل عن الأهلة فقال: هي الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيته فأفطر. فأما ما روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: إذا رأيت هلال رجب فعد تسعة وخمسين يوما ثم صم
وما رووا عنه أنه قال: إذا رأيت هلال شهر رمضان لرؤيته فعد ثلاثمائة وأربعة و خمسين يوما ثم صم في القابل، فإن الله حق السنة ثلاثمائة وستين يوما، فاستثنى منها ستة أيام فيها خلق السماوات والأرض فليست في العدد. فلو صحت الرواية عنه لكان اخباره عن ذلك على أنه أكثري الوجود في بقعة واحدة، لا أنه مطرد في جميع البقاع كما ذكرنا. وأما تعليل الأيام الستة بهذه العلة فتعليل ركيك يكذب الرواية وتبطل له صحتها، وقد قرأت فيما قرأت من الاخبار أن أبا جعفر محمد بن سليمان عامل الكوفة من جهة المنصور حبس عبد الكريم بن أبي العوجاء و هو خال معن بن زائدة وكان من المانوية، فكثر شفعاؤه بمدينة السلام وألحوا على المنصور حتى كتب إلى محمد بالكف عنه، وكان عبد الكريم يتوقع ورود الكتاب في معناه، فقال لأبي الجبار وكان منقطعا إليه: إن أخرني الأمير ثلاثة أيام فله مائة ألف درهم. فأعلم أبو الجبار محمدا فقال: ذكرتنيه وكنت نسيته، فإذا انصرفت من الجمعة فاذكرنيه. فلما انصرف ذكره إياه فدعا به فأمر بضرب عنقه، فلما أيقن أنه مقتول قال: أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحل به الحرام، ولقد فطرتكم في يوم صومكم، وصومتكم في يوم فطركم. ثم ضربت عنقه وورد الكتاب في معناه بعده، وما أحق هذا الرجل الملحد بأن يكون متولي هذا التأويل الذي ذهبوا إليه وأصله (انتهى) وتمام القول فيه في كتاب الصوم.
الفائدة الرابعة: اعلم أن ما ذكروه من أن مدة الشهر القمري تسعة و عشرون يوما واثنتا عشرة ساعة وأربع وأربعون دقيقة إنما هو باعتبار وضع القمر بالنسبة إلى الشمس إلى حصول مثل ذلك الوضع له، فكان قدر مسير الشمس في هذا الزمان منضما إلى قدر دورته من نقطة معينة إليها، واما باعتباره في نفسه فإنه يتم دوره في مدة سبعة وعشرين يوما وثلث يوم، فالتفاوت بين الاعتبارين بيومين وأربع ساعات وأربع وأربعين دقيقة، فلمداره بالاعتبار الأخير حدود ينزل في كل ليلة في أحدها إلى أن يرجع إلى الأول منها، فهي حقيقة اثنان وثمانون منزلا
في ثلاث دورات له لمكان الكسر المذكور، ولكن الناس تسامحوا فيه واصطلحوا على تقسيم كل دورة له إما إلى سبعة وعشرين منزلا كما اصطلح عليه أهل الهند اسقاطا للكسر، وإما إلى ثمانية وعشرين كما اصطلح عليه العرب إتماما له، و علموها بالكواكب القريبة منها وقد مر ذكرها، ونظموها بالفارسية على الترتيب هكذا:
أسماء منازل قمر نزل عرب * شرطين وبطين است وثرياد بران هقعه هنعه ذراع ونثره پس طرف * جبهة زبره صرفه وعوا پس اران پس سماك وغفر وزبانا إكليل * قلب وشوله نعائم وبلده بدان سعد ذابح سعد بلع سعد سعود * بأشد پس سعد أخبيه چارمشان از فرع مقدم بمؤخر چه رسيد * آنگه برشاء شد كه بأشد پايان فلأجل التفاوت المذكور بين الاعتبارين إذا فرضنا القمر بدرا في منزل معين في شهر معين فبعد إتمام دورة منه إليه يكون فيه بعينه في الشهر التالي ناقصا عن البدرية بحسب ذلك التفاوت، وهكذا يريد النقصان المذكور بعد كل دورة حتى يبلغ بعد ست دورات في المنزل المذكور بعد تمام الشهر السادس إلى مرتبة الهلالية وقس عليه عكسه فيبلغ بعد إتمام ست دورات اخر فيه إلى البدرية، فعلى أي حالة يرى في منزل معين يرى فيه بعد ست دورات على الحالة المقابلة لها، وبعد اثنتي عشرة دورة على الحالة الموافقة لها، وهكذا دائما.
فإذا تمهد هذا فنقول: قد عرفت ما ذكره بعض المفسرين في قوله تعالى:
(والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم) ويرجع حاصله إلى أن القمر من أول ظهوره بالعشيات مستهلا إلى آخر رؤيته بالغدوات مستنيرا يسير جميع المنازل، وفي آخرها يشبه بالعرجون القديم فيما يعرضه بسبب مرور الزمان
كالدقة والانحناء. قال الطبرسي ره في جامع الجوامع: والمعنى قدرنا مسيره منازل، وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر منها على تقدير مستو (حتى عاد كالعرجون القديم) وهو عود العذق الذي تقادم عهده حتى يبس وتقوس، وقيل: إنه يصير كذلك في ستة أشهر، قال الزجاج: هو (فعلون) من الانعراج وهو الانعطاف، والقديم يدق وينحني و يصغر، فشبه القمر به من ثلاثة أوجه (انتهى) وقال الزمخشري بعد تفسير الآية بنحو ما مر: وقيل أقل مدة الموصوف بالقدم الحول، فلو أن رجلا قال (كل مملوك لي قديم فهو حر) أو كتب ذلك في وصيته، عتق له من مضى له حول أو أكثر (انتهى) وروى علي بن إبراهيم والطبرسي رحمهما الله وغيرهما أنه دخل أبو سعيد المكاري على أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال: ما تقول في رجل قال عند موته (كل مملوك لي قديم فهو حر لوجه الله؟) فقال أبو الحسن عليه السلام:
ما ملكه لستة أشهر فهو قديم وهو حر. قال: وكيف صار ذلك؟ قال: لان الله يقول (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم) سماه الله قديما ويعود كذلك لستة أشهر (الخبر) وفي الكافي هكذا: قال نعم، إن الله يقول في كتابه (حتى عاد كالعرجون القديم) فما كان من مماليكه اتي له ستة أشهر فهو حر.
فظهر من سياق ما نقلناه من التفسير والحديث أن بين العامة والخاصة في المسألة المذكورة من العتق موضع وفاق، هو أن حكمها مستنبط من الآية المذكورة، و موضع خلاف هو أن العامة لم يجاوز نظرهم عما فيها من توصيف العرجون بالقديم فظنوا بمحض زعمهم أن ثبوت هذا الوصف له بعد أن يحول الحول، فحكموا في المسألة على طبقه، وأن الخاصة عرفوا بتفريع إمامهم الحكم فيها بستة أشهر على
الآية أنه الحق الموافق لما تضمنه الكتاب، فاكتفوا به لعدم احتياجهم معه إلى تعرف وجه استنباطه منها، إذ لهم عليهم السلام طرق في استخراج الاحكام، والوقائع من الكلام المجيد لا سبيل لنا إلى معرفتها. لكن ذكر بعض المحققين هنا وجها دقيقا نورده ههنا وهو أن عبارة (حتى عاد كالعرجون القديم) المذكورة من الآية في الحديث للاحتجاج عليه مشتملة على عدة ألفاظ فابتداؤها المتكفل للدلالة على اعتبار انتهاء لما صوره تعالى فيها من سير القمر بالمطابقة متضمن للدلالة على اعتبار ابتداء له أيضا بالالتزام، وذكر العود يدل على اتحادهما، بمعنى أن ما اعتبره من منازله في هذا السير للابتداء اعتبر هو بعينه للانتهاء، وتقييده في ضمن التشبيه بكونه هلالا في خصوص حال العود يدل على اعتبار كونه بدرا مقابلا لها في حال البدء المقابل له، كما يتبادر من لفظ القمر أيضا سيما مع مقابلة الشمس من الطرفين والنكتة حينئذ في اعتبار هذا الترتيب في البدء والعود دون العكس أظهر من الشمس ثم توصيف المشبه به بالقدم يدل على اعتبار هذا الوصف أيضا في جملة وجوه الشبه بل هو أحق بالاعتبار، لاختصاصه بالذكر، وكونه مناطا لسائر الوجوه، كقولهم فلان كالبدر المنير أو كالأسد الغضبان، فمجمل ما أوجز في تلك الكلمات التامات إنما يرى من حال سير القمر في منازله المقدرة له من أنه في أي منزل كان بدرا فيه، في وقت يصير فيه بعينه هلالا شبيها بالعرجون القديم بعد دورات معدودة في أزمنة محدودة على تدريج خاص ونظام معين لا يتغير ولا يتبدل ولا يزيد ولا ينقص وهكذا حاله في جميع الأزمان من عجائب الآيات وغرائب التدبيرات، فبذلك التصوير والتشبيه مع ما عرفت مما مهدناه من أن صيرورته هلالا في منزل كان فيه بدرا يتم بتمام الشهر السادس وحينئذ بتعرضه للصفات المعتبرة في المشبه به ومن جملتها القدم تعرف أن الشئ إذا أتى له ستة أشهر صار موصوفا بالقدم وهذا هو المطلوب.
فان قيل: مدة ستة دورات ناقصة عن ستة أشهر كما عرفت.
قلنا: قد مر أنه شاع في عرف أهل الحساب عد ما زاد على النصف من الكسور
كاملا، والنقصان هنا أقل من نصف شهر كما لا يخفى.
وربما يؤيد هذا الوجه بأن الخبر على ما رواه علي بن إبراهيم ظاهره وصف القمر بالقديم، إذا الظاهر رجوع الضمير في (سماه) إلى القمر، بقرينة قوله (ويعود كذلك).
وأقول: هذا وجه لطيف مشتمل على دقائق جليلة، لكنه في غاية البعد و التكلف، والله يعلم حقائق كلامه، ومن خصه بمزيد الفضل من إنعامه.
الفائدة الخامسة: اعلم أن أصحابنا اتفقوا على أن ولادة نبينا صلى الله عليه وآله كانت في شهر ربيع الأول، إنما في السابع عشر منه كما هو المشهور، أو في الثاني عشر كما اختاره الكليني ره وهو المشهور بين المخالفين. وذكر الكليني وغيره أن الحمل به صلى الله عليه وآله كان في أيام التشريق، فيلزم أن يكون مدة حمله صلى الله عليه وآله إما ثلاثة أشهر أو سنة وثلاثة أشهر، مع أن الأصحاب اتفقوا على أنه لا يكون الحمل أقل من ستة أشهر ولا أكثر من سنة، ولم يذكر أحد من العلماء أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وآله والجواب أن ذلك مبني على النسئ الذي حققناه في صدر الباب، وذكروا للنسئ ثلاثة معان أو مأنا إلى بعضها: الأول أنهم كبسوا تسع عشرة سنة تامة قمرية، حتى صارت تسع عشرة سنة تامة شمسية على ترتيب (بهزيجوح) فدور النسئ على هذا الوجه تسع عشرة سنة تامة قمرية مكبوسة بسبعة أشهر تامة قمرية، لان تسع عشر منه وسبعة أشهر تامتين قمريتين تسع عشرة سنة تامة شمسية، والشهر الزائد وهو الكبس يسمى النسئ، لأنه المؤخر عن مكانه لان المحرم لو سمي بذي الحجة صار صفر محرما، فتأخر المحرم إلى مكان صفر والسنة التي يزيدون الشهر فيها هي السنة الكبيسة أي المدخولة المزيدة فيها، من الكبس بمعنى الطم. الثاني أنهم كانوا يكبسون في كل ثلاث سنين شهرا، فدور النسئ ست وثلاثون سنة تامة قمرية مكبوسة باثني عشر شهرا قمريا كذلك.
الثالث أنهم كانوا يكبسون في كل سنتين شهرا، فدور النسئ على هذا الوجه أربع وعشرون سنة تامة قمرية مكبوسة باثني عشر شهرا تاما قمريا، وهذا الوجه أشهر
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.