بحارالانوار · المجلد الثالث
باب 3 القضاء والقدر 1 والمشية والإرادة وسائر أسباب الفعل
ج ۵، ص ۱۱۱–۱۳۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
39 - التوحيد: أبي، عن سعد، عن الأصبهاني، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري قال: قال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام: جعلني الله فداك، أبقدر يصيب الناس ما أصابهم أم بعمل؟ فقال: إن القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد فالروح بغير جسد لا يحس، والجسد بغير روح صورة لا حراك بها، فإذا اجتمعا قويا وصلحا، كذلك العمل والقدر فلو لم يكن القدر واقعا على العمل لم يعرف الخالق من المخلوق وكان
القدر شيئا لم يحس، ولو لم يكن العمل بموافقة من القدر لم يمض ولم يتم، ولكنهما باجتماعهما قويا، ولله فيه العيون لعباده الصالحين. ثم قال: ألا إن من أجور الناس من رأى جوره عدلا وعدل المهتدي جورا، ألا إن للعبد أربعة أعين: عينان يبصر بهما أمر آخرته، وعينان يبصر بهما أمر دنياه، فإذا أراد الله عز وجل بعبد خيرا فتح له العينين اللتين في قلبه فأبصر بهما العيب، وإذا أراد غير ذلك ترك القلب بما فيه. ثم التفت إلى السائل عن القدر فقال: هذا منه هذا منه. " ص
375 - 376 " بيان: أي فتح عيني القلب وتركهما من القدر.
40 - التوحيد: القطان، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن علي بن زياد، عن مروان بن معاوية، عن الأعمش، عن ابن حيان التيمي، عن أبيه - وكان مع علي بن أبي طالب عليه السلام يوم صفين وفيما بعد ذلك - قال بينما علي بن أبي طالب عليه السلام يعبي الكتائب يوم صفين، ومعاوية مستقبله على فرس له يتأكل تحته تأكلا، وعلي عليه السلام على فرس رسول الله صلى الله عليه وآله المرتجز، وبيده حربة رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو متقلد سيفه ذا الفقار، فقال رجل من أصحابه: احترس يا أمير المؤمنين فإنا نخشى أن يغتالك هذا الملعون، فقال علي عليه السلام: لئن قلت ذاك إنه غير مأمون على دينه، وإنه لأشقى القاسطين، وألعن الخارجين على الأئمة المهتدين، ولكن كفى بالأجل حارسا، ليس أحد من الناس إلا ومعه ملائكة حفظة يحفظونه من أن أن يتردى في بئر أو يقع عليه حائط أو يصيبه سوء، فإذا حان أجله خلوا بينه وبين ما يصيبه، فكذلك أنا إذا حان أجلي انبعث
أشقاها فخضب هذه من هذا - وأشار إلى لحيته ورأسه - عهدا معهودا، ووعدا غير مكذوب.
والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. " ص 376 "
41 - التوحيد: الوراق وابن مغيرة معا، عن سعد، عن النهدي، عن ابن علوان، عن عمرو بن ثابت، عن ابن طريف، عن ابن نباتة قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر فقيل له يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله عز وجل. " ص 377 " بيان: أي أن الفرار أيضا من تقديره تعالى، فلا ينافي كون الأشياء بقضاء الله الفرار من البلايا والسعي في تحصيل ما يجب السعي فيه، فإن كل ذلك داخل في علمه وقضائه، ولا ينافي شئ من ذلك اختيار العبد كما مر، ويحتمل أن يكون المراد بقدر الله هنا حكمه وأمره أي إنما أفر من القضاء بأمره تعالى.
42 - التوحيد: أبي وابن الوليد معا، عن محمد العطار، وأحمد بن إدريس معا، عن الأشعري، عن ابن هاشم، عن ابن معبد، عن ابن أذينة، عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كما أن بادئ النعم من الله عز وجل وقد نحلكموه، وكذلك الشر من أنفسكم وإن جرى به قدره. " ص
376 - 377 "
43 - التوحيد: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعري، عن يوسف بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن العرزمي، عن أبيه رفعه إلى من قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. " ص 377 "
44 - تفسير علي بن إبراهيم: محمد بن جعفر، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن محمد السياري، عن فلان، عن أبي الحسن عليه السلام قال: إن الله جعل قلوب الأئمة موردا لإرادته فإذا شاء الله شيئا شاؤوه، وهو قوله: " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين ". " ص 714 "
45 - تفسير علي بن إبراهيم: جعفر بن أحمد، عن عبد الله بن موسى، عن ابن البطائني، عن أبيه،
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: قوله تعالى: " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين " قال: لان المشية إليه تبارك وتعالى لا إلى الناس. " ص 714 " بيان: لعل المراد أن المشية إنما هي مما خلقها الله في العبد وجعله شائيا فلا يشاؤون إلا بعد أن جعلهم الله بحيث يقدرون على المشية، أو أن المشية المستقلة التي لا يعارضها شئ إنما هي لله تعالى، وأما مشية العباد فهي مشوبة بالعجز يمكن أن يصرفهم الله تعالى عنها إذا شاء، فهم لا يشاؤون إلا بعد أن يهيئ الله لهم أسباب الفعل ولم يصرفهم عن مشيتهم، فالمعنى أن المشية المستقلة إليه تعالى، أو أن أسباب المشية ونفوذها بقدرته تعالى.
وفي الآية وجه آخر ذكر في الخبر السابق، وحاصله أن الله تعالى بعد أن أكمل أولياءه وحججه عليهم السلام لا يشاؤون شيئا إلا بعد أن يلهمهم الله تعالى ويلقي المشية في قلوبهم، فهو المتصرف في قلوبهم وأبدانهم والمسدد لهم في جميع أحوالهم فالآية خاصة غير عامة. وقال الطبرسي رحمه الله: فيه أقوال: أحدها أن معناه: وما تشاؤون الاستقامة إلا أن يشاء الله ذلك من قبل حيث خلقكم لها وكلفكم بها، فمشيته تعالى بين يدي مشيتكم.
وثانيها: أنه خطاب للكفار والمراد: لا تشاؤون الاسلام إلا أن يشاء الله أن يجبركم عليه ويلجئكم إليه، ولكنه لا يفعل لأنه يريد منكم أن تؤمنوا اختيارا لتستحقوا الثواب.
وثالثها: أن المراد: وما تشاؤون إلا أن يشاء الله أن يلطف لكم في الاستقامة.
46 - تفسير علي بن إبراهيم: قال علي بن إبراهيم: وأما الرد على المعتزلة فإن الرد من القرآن عليهم كثير، وذلك أن المعتزلة قالوا: نحن نخلق أفعالنا وليس لله فيها صنع ولا مشية ولا إرادة ويكون ما شاء إبليس، ولا يكون ما شاء الله، واحتجوا أنهم خالقون بقول الله تعالى: " تبارك الله أحسن الخالقين " فقالوا: في الخلق خالقون غير الله، فلم يعرفوا معنى الخلق وعلى كم وجه هو، فسئل الصادق عليه السلام: أفوض الله إلى العباد أمرا؟ فقال: الله أجل وأعظم من ذلك، فقيل: فأجبرهم على ذلك؟ فقال: الله أعدل من أن يجبرهم على فعل ثم يعذبهم عليه، فقيل له: هل بين هاتين المنزلتين منزلة؟ قال: نعم ما بين السماء والأرض.
47 - وفي حديث آخر قال: سئل هل بين الجبر والقدر منزلة؟ قال: نعم، فقيل ما هو؟ فقال: سر من أسرار الله.
48 - وفي حديث آخر قال: هكذا خرج إلينا.
49 - قال: وحدثني محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس قال: قال الرضا عليه السلام:
يا يونس لا تقل بقول القدرية فإن القدرية لم يقولوا بقول أهل الجنة، ولا بقول أهل
النار، ولا بقول إبليس فإن أهل الجنة قالوا: " الحمد لله الذي هدينا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدينا الله " ولم يقولوا بقول أهل النار، فإن أهل النار قالوا: " ربنا غلبت علينا شقوتنا " وقال إبليس: " رب بما أغويتني " فقلت يا سيدي: والله ما أقول بقولهم ولكني أقول: لا يكون إلا ما شاء الله وقضى وقدر، فقال: ليس هكذا يا يونس ولكن لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى، أتدري ما المشية يا يونس؟ قلت:
لا، قال: هو الذكر الأول: وتدري ما الإرادة؟ قلت: لا؟ قال العزيمة على ما شاء; وتدري ما التقدير؟ قلت: لا، قال: هو وضع الحدود من الآجال والأرزاق والبقاء و الفناء; وتدري ما القضاء؟ قلت: لا، قال: هو إقامة العين، ولا يكون إلا ما شاء الله في الذكر الأول " ص
21 - 22 " بيان: الظاهر أن المراد بالقدرية هنا من يقول: إن أفعال العباد، ووجودها ليست بقدرة الله وبقدره، بل باستقلال إرادة العبد به واستواء نسبة الإرادتين إليه، و صدور أحدهما عنه لا بموجب غير الإرادة، كما ذهب إليه بعض المعتزلة. لا يقول بقول أهل الجنة من إسناد هدايتهم إليه سبحانه، ولا بقول أهل النار من إسناد ضلالتهم إلى شقوتهم، ولا بقول إبليس من إسناد الاغواء إليه سبحانه، والفرق بين كلامه عليه السلام وكلام يونس إنها هو في الترتيب، فإن في كلامه عليه السلام التقدير مقدم على القضاء كما هو الواقع، وفي كلام يونس بالعكس، والذكر هو الكتابة مجملا في لوح المحو والاثبات، أو العلم القديم.
50 - ثواب الأعمال: علي بن أحمد، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن أبي القاسم، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن موسى البصري، عن سليمان بن عيسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق،
عن الحارث، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن أرواح القدرية يعرضون على النار غدوا وعشيا حتى تقوم الساعة، فإذا قامت الساعة عذبوا مع أهل النار بألوان العذاب، فيقولون: يا ربنا عذبتنا خاصة وتعذبنا عامة فيرد عليهم " ذوقوا مس سقر إنا كل شئ خلقناه بقدر ". " ص 204 " بيان: قال الطبرسي رحمه الله: أي خلقنا كل شئ خلقناه مقدرا بمقدار توجبه الحكمة لم نخلقه جزافا، فخلقنا العذاب أيضا على قدر الاستحقاق، وكذلك كل شئ خلقناه في الدنيا والآخرة خلقناه مقدرا بمقدار معلوم. وقيل: معناه خلقنا كل شئ على قدر معلوم، فخلقنا اللسان للكلام، واليد للبطش، والرجل للمشي، والعين للنظر، والاذن للسماع، والمعدة للطعام، ولو زاد أو نقص عما قدرناه لما تم الغرض. وقيل:
معناه: جعلنا لكل شئ شكلا يوافقه ويصلح له، كالمرأة للرجل، والاتان للحمار، و ثياب الرجال للرجال، وثياب النساء للنساء. وقيل: خلقنا كل شئ بقدر مقدر وقضاء محتوم في اللوح المحفوظ.
51 - ثواب الأعمال: علي بن أحمد، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن أبي بشر، عن محمد بن عيسى الدامغاني، عن محمد بن خالد البرقي، عن يونس، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
ما أنزل الله هذه الآيات إلا في القدرية: " إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شئ خلقناه بقدر ". " ص 204 "
52 - ثواب الأعمال: علي بن أحمد، عن محمد بن جعفر، عن مسلمة بن عبد الملك، عن داود ابن سليمان، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: صنفان من أمتي ليس لهما في الاسلام نصيب: المرجئة، والقدرية. " ص 204 "
53 - ثواب الأعمال: العطار، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الأهوازي، عن صفوان، عن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: يحشر المكذبون بقدر الله من قبورهم قد مسخوا قردة وخنازير. " 205 "
54 - ثواب الأعمال: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزلت هذه الآية
في القدرية: " ذوقوا مس سقر إنا كل شئ خلقناه بقدر ". " ص 205 ".
55 - تفسير العياشي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في قوله: " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " قال: قدره الذي قدره عليه.
56 - وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: خيره وشره معه، حيث كان لا يستطيع فراقه حتى يعطى كتابه يوم القيامة بما عمل.
بيان: قال الطبرسي رحمه الله: معناه وألزمنا كل إنسان عمله من خير أو شر في عنقه، أي جعلناه كالطوق في عنقه لا يفارقه. وقيل: طائره يمنه وشؤمه وهو ما يتطير به.
وقيل: طائره حظه من الخير والشر; وخص العنق لأنه محل الطوق الذي يزين المحسن، والغل الذي يشين المسئ، وقيل: طائره كتابه. وقيل: معناه: جعلنا لكل إنسان دليلا من نفسه لان الطائر يستدل به عندهم على الأمور الكائنة، فيكون معناه: كل إنسان دليل نفسه وشاهد عليها، إن كان محسنا فطائره ميمون، وإن أساء فطائره مشوم.
57 - ثواب الأعمال: ابن المتوكل، عن محمد بن جعفر، عن النخعي، عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم قال: يجاء بأصحاب البدع يوم القيامة فترى القدرية من بينهم كالشامة البيضاء في الثور الأسود فيقول الله عز وجل: ما أردتم؟ فيقولون: أردنا وجهك، فيقول: قد أقلتكم عثراتكم وغفرت لكم زلاتكم إلا القدرية فإنهم دخلوا في الشرك من حيث لا يعلمون. " ص 205 "
بيان: المراد بأصحاب البدع من لم ينته به بدعته إلى الكفر فضلوا من حيث لا يعلمون.
58 - ثواب الأعمال: بهذا الاسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر. " ص 206 "
59 - ثواب الأعمال: بهذا الاسناد قال: دخل مجاهد مولى عبد الله بن عباس على علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين ما تقول في كلام أهل القدر؟ - ومعه جماعة من الناس - فقال أمير المؤمنين عليه السلام: معك أحد منهم أو في البيت أحد منهم؟ قال: ما تصنع بهم يا أمير المؤمنين؟
قال: استتيبهم فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. " ص 205 "
60 - ثواب الأعمال: بالاسناد المتقدم عن السكوني، عن مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما غلا أحد في القدر إلا خرج من الايمان. " ص 205 "
61 - ثواب الأعمال: ابن المتوكل، عن محمد بن جعفر، عن أحمد بن محمد العاصمي، عن علي بن عاصم، عن محمد بن عبد الرحمن، عن يحيى بن سالم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما الليل بالليل ولا النهار بالنهار أشبه من المرجئة باليهودية، ولا من القدرية بالنصرانية.
" ص
205 - 206 "
62 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
سألته عن القضاء والقدر، فقال: هما خلقان من خلق الله والله يزيد في الخلق ما يشاء، و أردت أن أسأله في المشية فنظر إلى فقال: يا جميل لا أجيبك في المشية.
63 - المحاسن: أبى، عن إسماعيل بن إبراهيم، وابن أبي عمير، عن ابن بكير، عن زرارة، عن حمران قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله الله عز وجل: " هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا " فقال: كان شيئا ولم يكن مذكورا، قلت: فقوله:
" أو لم ير الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا " قال: لم يكن شيئا في كتاب ولا علم. " ج 1 ص 243 " بيان: ولا علم أي علم أحد من المخلوقين، والخلق في هذه الآية يحتمل التقدير والايجاد. قوله عليه السلام: كان شيئا أي مقدرا، كما روى الكليني عن مالك الجهني مكان " شيئا " مقدرا. غير مذكور أي عند الخلق أي غير موجود ليذكر عند الخلق، أو كان مقدرا في اللوح لكن لم يوح أمره إلى أحد من الخلق.
64 - المحاسن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:
إن الله إذا أراد شيئا قدره، فإذا قدره قضاه، فإذا قضاه أمضاه. " ص
243 - 244 "
65 - المحاسن: أبي، عن فضالة، عن محمد بن عمارة، عن حريز بن عبد الله، أو عبد الله بن مسكان قال: قال أبو جعفر عليه السلام لا يكون شئ في الأرض ولا في السماء إلا بهذه الخصال السبعة: بمشية، وإرادة، وقدر، وقضاء، وإذن، وكتاب، وأجل; فمن زعم أنه يقدر على نقص واحدة منهن فقد كفر. " ص 244 "
66 - المحاسن: النضر، عن هشام، وعبيد بن زرارة، عن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كنت أنا والطيار جالسين فجاء أبو بصير فأفرجنا له فجلس بيني وبين الطيار، فقال: في أي شئ أنتم؟ فقلنا: كنا في الإرادة والمشية والمحبة، فقال أبو بصير: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: شاء لهم الكفر وأراده؟ فقال: نعم، قلت: فأحب ذلك ورضيه؟
فقال: لا، قلت: شاء وأراد ما لم يحب ولم يرض؟ قال: هكذا خرج إلينا " ص 245 "
67 - المحاسن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المشية محدثة. ص " 245 "
68 - المحاسن: أبي، عن يونس، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت: لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى، قلت: فما معنى شاء؟ قال: ابتداء الفعل، قلت: فما معنى أراد؟ قال: الثبوت عليه، قلت: فما معنى قدر؟ قال: تقدير الشئ من طوله و عرضه، قلت: فما معنى قضى؟ قال: إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مرد له. ص " 244 " بيان: ابتداء الفعل أي أول الكتابة في اللوح، أو أول ما يحصل من جانب الفاعل ويصدر عنه مما يؤدي إلى وجود المعلول.
69 - المحاسن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن إسحاق قال: قال أبو الحسن عليه السلام ليونس مولى علي بن يقطين: يا يونس لا تتكلم بالقدر، قال: إني لا أتكلم بالقدر و لكن أقول: لا يكون إلا ما أراد الله وشاء وقضى وقدر، فقال: ليس هكذا أقول، ولكن أقول: لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى; ثم قال: أتدري ما المشية; فقال:
لا، فقال: همه بالشئ; أو تدري ما أراد؟ قال: لا، قال: إتمامه على المشية، فقال:
أو تدري ما قدر؟ قال: لا، قال: هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء. ثم قال: إن الله إذا شاء شيئا أراده، وإذا أراد قدره، وإذا قدره قضاه، وإذا قضاه أمضاه; يا يونس إن القدرية لم يقولوا بقول الله: " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله " ولا قالوا بقول أهل الجنة:
" الحمد لله الذي هدينا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدينا الله " ولا قالوا بقول أهل النار: " ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين " ولا قالوا بقول إبليس: ": رب بما أغويتني " ولا قالوا بقول نوح: " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون " ثم قال: قال الله: يا بن آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء، وبقوتي أديت إلي فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، وجعلتك سميعا بصيرا قويا، فما أصابك من حسنة فمني، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذلك إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون، ثم قال: قد نظمت لك كل شئ تريده.
" ص
244 - 245 "
70 - فقه الرضا (ع): سئل أمير المؤمنين صلوات الله عليه عن القدر قال: فقيل له: أنبئنا عن القدر يا أمير المؤمنين; فقال: سر الله فلا تفتشوه. فقيل له الثاني: أنبئنا عن القدر يا أمير المؤمنين، قال: بحر عميق فلا تلحقوه، فقيل له: أنبئنا عن القدر، فقال: " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل لها " فقال: يا أمير المؤمنين إنما سألناك عن الاستطاعة التي بها نقوم ونقعد، فقال : استطاعة تملك مع الله أم دون الله؟ قال: فسكت القوم ولم يحروا جوابا، فقال صلى الله عليه وآله: إن قلتم: إنكم تملكونها مع الله قتلتكم، وإن قلتم:
دون الله قتلتكم! فقالوا: كيف نقول يا أمير المؤمنين؟ قال: تملكونها بالذي يملكها دونكم فإن أمدكم بها كان ذلك من عطائه، وإن سلبها كان ذلك من بلائه، إنما هو المالك لما ملككم، والقادر لما عليه أقدركم، أما تسمعون ما يقول العباد ويسألونه الحول والقوة حيث يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله، فسئل عن تأويلها: فقال: لا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بعونه.
71 - قال العالم كتب الحسن بن أبي الحسن البصري إلى الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما يسأله عن القدر، وكتب إليه: فاتبع ما شرحت لك في القدر مما أفضي إلينا أهل البيت فإنه من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فقد كفر، ومن حمل المعاصي على الله عز وجل فقد افترى على الله افتراءا عظيما، إن الله تبارك وتعالى لا يطاع بإكراه، ولا يعصى بغلبة، ولا يهمل العباد في الهلكة، لكنه المالك لما ملكهم، والقادر لما عليه أقدرهم، فإن ائتمروا بالطاعة لم يكن الله صادا عنها مبطئا، وإن ائتمروا بالمعصية
فشاء أن يمن عليهم فيحول بينهم وبين ما ائتمروا به فعل، وإن لم يفعل فليس هو حملهم عليها قسرا، ولا كلفهم جبرا، بل بتمكينه إياهم بعد إعذاره وإنذاره لهم واحتجاجه عليهم طوقهم ومكنهم، وجعل لهم السبيل إلى أخذ ما إليه دعاهم، وترك ما عنه نهاهم، جعلهم مستطيعين لاخذ ما أمرهم به من شئ غير آخذيه، ولترك ما نهاهم عنه من شئ غير تاركيه، والحمد لله الذي جعل عباده أقوياء لما أمرهم به، ينالون بتلك القوة وما نهاهم عنه، وجعل العذر لمن يجعل له السبيل، حمدا متقبلا فأنا على ذلك أذهب وبه أقول، والله وأنا وأصحابي أيضا عليه، وله الحمد.
72 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: - وقد سئل عن القدر - طريق مظلم فلا تسلكوه، و بحر عميق فلا تلجوه، وسر الله فلا تتكلفوه.
73 - فقه الرضا (ع): سئل أمير المؤمنين صلوات الله عليه عن مشية الله وإرادته، فقال صلى الله عليه وآله:
إن لله مشيتين: مشية حتم، ومشية عزم، وكذلك إن لله إرادتين: إرادة حتم، وإرادة عزم، إرادة حتم لا تخطئ، وإرادة عزم تخطئ وتصيب، وله مشيتان: مشية يشاء، ومشية لا يشاء; ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء، معناه أراد من العباد وشاء ولم يرد المعصية وشاء، وكل شئ بقضائه وقدره، والأمور تجري ما بينهما، فإذا أخطأ القضاء لم يخطئ القدر، وإذا لم يخط القدر لم يخط القضاء، وإنما الخلق من القضاء إلى القدر وإذا يخطى ومن القدر إلى القضاء; والقضاء على أربعة أوجه في كتاب الله عز وجل الناطق على لسان سفيره الصادق صلى الله عليه وآله: منها قضاء الخلق وهو قوله تعالى: " فقضيهن سبع سماوات في يومين " معناه خلقهن.
والثاني قضاء الحكم وهو قوله: " وقضى بينهم بالحق " معناه حكم.
والثالث قضاء الامر وهو قوله: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " معناه أمر ربك.
والرابع قضاء العلم وهو قوله: " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين " معناه علمنا من بني إسرائيل، قد شاء الله من عباده المعصية وما أراد وشاء الطاعة وأراد منهم لان المشية مشية الامر ومشية العلم، وإرادته إرادة الرضا وإرادة الامر، أمر بالطاعة ورضي بها، وشاء المعصية يعني علم من عباده المعصية ولم يأمرهم بها، فهذا من عدل الله تبارك وتعالى في عباده جل جلاله وعظم شأنه.
أقول: كانت النسخة سقيمة فأوردناه كما وجدناه.
قوله عليه السلام: إذا أخطأ القضاء يمكن أن يقرأ بغير همز: والمعنى إذا جاوز أمر من الأمور التي شرع في تهيئة أسباب وجوده القضاء ولم يصر مقضيا فلا يتجاوز عن القدر، ولا محالة يدخل في التقدير، وإنما يكون البداء بعد التقدير. وإذا لم يخط من المضاعف بمعنى الكتابة أي إذا لم يكتب شئ في لوح القدر لا يكتب في لوح القضاء إذ هو بعد القدر . وإنما الخلق من القضاء أي إذا لوحظت علل الخلق والايجاد ففي الترتيب الصعودي يتجاوز من القضاء إلى القدر، والتخطي والبداء إنما يكون بعد القدر قبل القضاء، والأظهر أنه كان وإذا أخطأ القدر مكان " وإذا لم يخط القدر " و يكون من الخطأ لا من الخط، فالمعنى أن كل ما يوجد من الأمور إما موافق للوح القضاء، أو للوح القدر على سبيل منع الخلو، فإذا وقع البداء في أمر ولم يقع على ما أثبت في القدر يكون موافقا للقضاء، ولعل ظاهر هذا الخبر تقدم القضاء على القدر، ويحتمل أن يكون القضاء في الأولى بمعنى الامر، وفي الثانية بمعنى الحتم فيستقيم ما في الرواية من النفي.
74 - الإرشاد: روى الحسن بن أبي الحسن البصري قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام بعد انصرافه من حرب صفين فقال له: يا أمير المؤمنين خبرني عما كان بيننا و بين هؤلاء القوم من الحرب أكان بقضاء من الله وقدر؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ما
علوتم تلعة ولا هبطتم واديا إلا ولله فيه قضاء وقدر، فقال الرجل: فعند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين، فقال له: ولم؟ قال: إذا كان القضاء والقدر ساقانا إلى العمل فما الثواب لنا على الطاعة، وما وجه العقاب على المعصية؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أو ظننت يا رجل أنه قضاء حتم وقدر لازم لا تظن ذلك فإن القول به مقالة عبدة الأوثان وحزب الشيطان وخصماء الرحمن وقدرية هذه الأمة ومجوسها، إن الله جل جلاله أمر تخييرا ونهى تحذيرا، وكلف يسيرا، ولم يطع مكرها، ولم يعص مغلوبا، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار، فقال الرجل فما القضاء والقدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين؟ قال: الامر بالطاعة، والنهى عن المعصية، والتمكين من فعل الحسنة وترك السيئة، والمعونة على القربة إليه، والخذلان لمن عصاه، والوعد والوعيد والترغيب والترهيب، كل ذلك قضاء الله في أفعالنا وقدره لأعمالنا، فأما غير ذلك فلا تظنه فإن الظن له محبط للأعمال. فقال الرجل: فرجت عني يا أمير المؤمنين فرج الله عنك، وأنشأ يقول: أنت الامام الذي نرجو بطاعته إلى آخر البيتين.
75 - الدرة الباهرة: قال الرضا عليه السلام: المشية الاهتمام بالشئ، والإرادة إتمام ذلك الشئ.
76 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: - وقد سئل عن القدر - طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسر الله فلا تتكلفوه.
77 - وقال عليه السلام: يغلب المقدار على التقدير حتى تكون الآفة في التدبير.
بيان: المقدار: القدر.
78 - نهج البلاغة: من كلامه عليه السلام للشامي لما سأله: أكان مسيره إلى الشام بقضاء من الله وقدره؟ - بعد كلام طويل مختاره: ويحك لعلك ظننت قضاءا لازما وقدرا حاتما، ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، إن الله سبحانه أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلف يسيرا، ولم يكلف عسيرا، وأعطى على القليل
كثيرا، ولم يعص مغلوبا، ولم يطع مكرها، ولم يرسل الأنبياء لعبا، ولم ينزل الكتب للعباد عبثا، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار.
79 - تفسير العياشي: عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من زعم أن الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أن الخير والشر بغير مشيته فقد أخرج الله من سلطانه، ومن زعم أن المعاصي عملت بغير قوة الله فقد كذب على الله ومن كذب على الله أدخله الله النار.
تتميم: قال العلامة رحمه الله في شرحه على التجريد: يطلق القضاء على الخلق والاتمام قال الله تعالى: " فقضيهن سبع سماوات في يومين " أي خلقهن وأتمهن. وعلى الحكم والايجاب كقوله تعالى: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " أي أوجب والزم.
وعلى الاعلام والاخبار كقوله تعالى: " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب " أي أعلمناهم وأخبرناهم. ويطلق القدر على الخلق كقوله تعالى: " فقدر فيها أقواتها " والكتابة كقول الشاعر:
واعلم بأن ذا الجلال قد قدر * في الصحف الأولى التي كان سطر والبيان كقوله تعالى: " إلا امرأته قدرناها من الغابرين " اي بينا وأخبرنا بذلك، إذا ظهر هذا فنقول للأشعري: ما تعني بقولك: إنه تعالى قضى أعمال العباد وقدرها؟ إن أردت به الخلق والايجاد فقد بينا بطلانه، وأن الافعال مستندة إلينا، وإن عني به الالزام لم يصح إلا في الواجب خاصة، وإن عني به أنه تعالى بينها و كتبها وعلم أنهم سيفعلونها فهو صحيح، لأنه تعالى قد كتب ذلك أجمع في اللوح المحفوظ وبينه لملائكته، وهذا المعنى الأخير هو المتعين للاجماع على وجوب الرضا بقضاء الله تعالى وقدره، ولا يجوز الرضا بالكفر وغيره من القبائح، ولا ينفعهم الاعتذار
بوجوب الرضا به من حيث إنه فعله، وعدم الرضا به من حيث الكسب لبطلان الكسب أولا; وثانيا نقول: إن كان كون الكفر كسبا بقضائه تعالى وقدره وجب الرضا به من حيث هو كسب، وهو خلاف قولكم وإن لم يكن بقضاء وقدر بطل إسناد الكائنات بأجمعها إلى القضاء والقدر انتهى.
وقال شارح المواقف: اعلم أن قضاء الله عند الأشاعرة هو إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، وقدره إيجاده إياها على وجه مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها، وأما عند الفلاسفة فالقضاء عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام وأكمل الانتظام، وهو المسمى عندهم بالعناية التي هي مبدء لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه وأكملها والقدر عبارة عن خروجها إلى الوجود العيني بأسبابها على الوجه الذي تقرر في القضاء والمعتزلة ينكرون القضاء والقدر في الأفعال الاختيارية الصادرة عن العباد، ويثبتون علمه تعالى بهذه الافعال، ولا يسندون وجودها إلى ذلك العلم، بل إلى اختيار العباد، وقدرتهم انتهى.
وقال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الغرر والدرر: إن قال قائل: ما تأويل قوله تعالى: " وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون " فظاهر هذا الكلام يدل على أن الايمان إنما كان لهم فعله بإذنه وأمره وليس هذا مذهبكم، فإن حمل الاذن ههنا على الإرادة اقتضى أن من لم يقع منه الايمان لم يرد الله تعالى منه وهذا أيضا بخلاف قولكم، ثم جعل الرجس الذي هو العذاب على الذين لا يعقلون، ومن كان فاقدا عقله لا يكون مكلفا، فكيف يستحق العذاب؟ وهذا بالضد من الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أكثر أهل الجنة البله.
الجواب يقال له: في قوله: إلا بإذن الله وجوه: منها أن يكون الاذن: الامر، ويكون معنى الكلام أن الايمان لا يقع من أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه ويأمر به، ولا يكون معناه ما ظنه السائل من أنه لا يكون للفاعل فعله إلا بإذنه، ويجرى هذا مجرى
ويجري هذا مجرى قوله تعالى: " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله " ومعلوم أن معنى قوله: " ليس لها " في هذه الآية هو ما ذكرناه، وإن كان الأشبه في الآية التي فيها ذكر الموت أن يكون المراد بالاذن العلم.
ومنها أن يكون الاذن هو التوفيق والتيسير والتسهيل، ولا شبهة في أن الله تعالى يوفق لفعل الايمان ويلطف فيه ويسهل السبيل إليه.
ومنها أن يكون الاذن: العلم، من قولهم: أنت أذنت لكذا وكذا: إذا سمعته وعلمته، وأذنت فلانا بكذا وكذا: إذا أعلمته، فتكون فائدة الآية الاخبار عن علمه تعالى بسائر الكائنات وأنه مما لا تخفى عليه الخفيات، وقد أنكر بعض من لا بصيرة له أن يكون الاذن - بكسر الألف وتسكين الذال - عبارة عن العلم، وزعم أن الذي هو العلم الاذن - بالتحريك - واستشهد بقول الشاعر: إن همي في سماع وأذن. وليس الامر على ما توهمه هذا المتوهم لان الاذن هو المصدر والاذن هو اسم الفعل ويجري مجرى الحذر في أنه مصدر والحذر - بالتسكين - الاسم; على أنه لو لم يكن مسموعا إلا الاذن - بالتحريك - لجاز التسكين، مثل مثل ومثل وشبه وشبه ونظائر ذلك كثيرة.
ومنها أن يكون الاذن: العلم، ومعناه إعلام الله المكلفين بفضل الايمان وما يدعو إلى فعله، فيكون معنى الآية: وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإعلام الله تعالى لها ما يبعثها على الايمان ويدعوها إلى فعله، فأما ظن السائل دخول الإرادة في محتمل اللفظ فباطل، لان الاذن لا يحتمل الإرادة في اللغة، ولو احتملها أيضا لم يجب ما توهمه لأنه إذا قال: إن الايمان لم يقع إلا وأنا مريد له لم ينف أن يكون مريدا لما لم يقع، و ليس في صريح الكلام ولا في دلالته شئ من ذلك.
وأما قوله تعالى: " ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون " فلم يعن به الناقصي العقول، وإنما أراد تعالى الذين لم يعقلوا ولم يعلموا ما وجب عليهم علمه من معرفة خالقهم تعالى، والاعتراف بنبوة رسله عليهم السلام، والانقياد إلى طاعتهم، ووصفهم بأنهم لا يعقلون تشبيها، كما قال الله تعالى: " صم بكم عمي " وكما يصف أحدنا من لم يفطن لبعض الأمور أو لم يعلم ما هو مأمور بعلمه بالجنون وفقد العقل. فأما الحديث الذي أورده السائل شاهدا له فقد قيل فيه: إنه صلى الله عليه وآله لم يرد بالبله ذوي الغفلة والنقص والجنون وإنما أراد البله عن الشر والقبيح وسماهم بلها عن ذلك من حيث لا يستعملونه ولا يعتادونه، لا من حيث فقد العلم به، ووجه تشبيه من هذه حاله بالأبله ظاهر. ثم قال رحمه الله: إن سأل سائل عن قوله تعالى - حاكيا عن شعيب عليه السلام -: " قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجينا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا " فقال: أليس هذا تصريحا منه بأن الله تعالى يجوز أن يشاء الكفر والقبيح؟
لان ملة قومه كانت كفرا وضلالا، وقد أخبر أنه لا يعود فيها إلا أن يشاء الله.
الجواب قيل له: في هذه الآية وجوه: أولها أن تكون الملة التي عناها الله تعالى إنما هي العبادات الشرعيات التي كانت قوم شعيب متمسكين بها وهي منسوخة عنهم ولم يعن بها ما يرجع إلى الاعتقادات في الله وصفاته.
وثانيها أنه أراد أن ذلك لا يكون أبدا من حيث علقه بمشية الله تعالى، لما كان معلوما أنه لا يشاؤه، وكل أمر علق بما لا يكون فقد نفي كونه على أبعد الوجوه، و تجري الآية مجرى قوله تعالى: " ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " وثالثها ما ذكره قطرب من أن في الكلام تقديما وتأخيرا وإن الاستثناء من الكفار وقع لا من شعيب فكأنه تعالى قال - حاكيا عن الكفار -: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا إلا أن يشاء الله أن تعود في ملتنا، ثم قال حاكيا عن شعيب: وما يكون لنا أن نعود فيها على كل حال.
ورابعها أن تعود الهاء التي في قوله تعالى: " فيها " إلى القرية لا إلى الملة لان ذكر القرية قد تقدم كما تقدم ذكر الملة، ويكون تلخيص الكلام: إنا سنخرج من قريتكم ولا نعود فيها إلا أن يشاء الله بما ينجزه لنا من الوعد في الاظهار عليكم والظفر بكم فنعود إليها.
وخامسها أن يكون المعنى: إلا أن يشاء الله أن يردكم إلى الحق فنكون جميعا على ملة واحدة غير مختلفة، لأنه لما قال تعالى حاكيا عنهم: " أو لتعودن في ملتنا " كان معناه أو لتكونن على ملة واحدة غير مختلفة فحسن أن يقول من بعد: إلا أن يشاء الله أن يجمعكم معنا على ملة واحدة. فإن قيل: الاستثناء بالمشية إنما كان بعد قوله: وما يكون لنا أن نعود فيها فكأنه قال: ليس نعود فيها الا أن يشاء الله فكيف يصح هذا الجواب؟
قلنا: هو كذلك إلا أنه لما كان معنى أن نعود فيها هو أن تصير ملتنا واحدة غير
مختلفة جاز أن يوقع الاستثناء على المعنى فيقول: إلا أن يشاء الله أن نتفق في الملة بأن ترجعوا أنتم إلى الحق.
فإن قيل: وكان الله ما شاء أن ترجع الكفار إلى الحق؟ قلنا: بلى قد شاء ذلك إلا أنه ما شاء على كل حال، بل من وجه دون وجه، وهو أن يؤمنوا ويصيروا إلى الحق مختارين ليستحقوا الثواب الذي أجرى بالتكليف إليه، ولو شاءه على كل حال لما جاز أن لا يقع منهم. وسادسها أن يكون المعنى: إلا أن يشاء الله أن يمكنكم من إكراهنا ويخلي بينكم وبينه فنعود إلى إظهارها مكرهين، ويقوي هذا الوجه قوله تعالى: " أولو كنا كارهين ".
وسابعها أن يكون المعنى: إلا أن يشاء الله أن يتعبدنا بإظهار ملتكم مع الاكراه لان إظهار كلمة الكفر قد يحسن في بعض الأحوال إذا تعبد الله تعالى بإظهاره; وقوله:
" أولو كنا كارهين " يقوي هذا الوجه أيضا.
فإن قيل: فكيف يجوز من نبي من أنبياء الله تعالى أن يتعبد بإظهار الكفر و خلاف ما جاء به من الشرع؟ قلنا: يجوز أن يكون لم يرد بالاستثناء نفسه بل قومه فكأنه قال: وما يكون لي ولا لامتي أ ن نعود فيها إلا يشاء الله أن يتعبد أمتي باظهار ملتكم على سبيل الاكراه، وهذا جائز غير ممتنع.
وقال طيب الله رمسه: إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى: " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون " فقال: كيف يعذبهم بالأموال والأولاد ومعلوم أن لهم فيها سرورا ولذة؟ وما تأويل
قوله: " ماتوا وهم كافرون " فظاهره يقتضي أنه أراد كفرهم من حيث أراد أن تزهق أنفسهم في حال كفرهم لان القائل إذا قال: أريد أن يلقاني فلان وهو لابس; أو على صفة كذا وكذا فالظاهر أنه أراد كونه على هذه الصفة.
قلنا: أما التعذيب بالأموال والأولاد ففيه وجوه:
أحدها ما روي عن ابن عباس وقتادة وهو أن يكون في الكلام تقديم وتأخير، ويكون التقدير فلا تعجبك يا محمد! ولا تعجب المؤمنين معك أموال هؤلاء الكفار و المنافقين وأولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة عقوبة لهم على منعهم حقوقها; واستشهد على ذلك بقوله تعالى: " اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون " فالمعنى: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم.
وثانيها أن يكون المعنى: ما جعله للمؤمنين من قتالهم وغنيمة أموالهم وسبي أولادهم واسترقاقهم، وفي ذلك لا محالة إيلام لهم واستخفاف بهم. وثالثها أن يكون المراد بتعذيبهم بذلك كل ما يدخله في الدنيا عليهم من العموم والمصائب بأموالهم وأولادهم التي هي لهؤلاء الكفار والمنافقين عقاب وجزاء، وللمؤمنين محنة وجالبة للنفع والعوض، ويجوز أيضا أن يراد به ما ينذر به الكافر - قبل موته وعند
احتضاره وانقطاع التكليف عنه مع أنه حي - من العذاب الدائم الذي قد أعد له، و إعلامه أنه صائر إليه.
ورابعها أن يكون المراد بذلك ما ألزمه هؤلاء الكفار من الفرائض والحقوق في أموالهم لان ذلك يؤخذ منهم على كره، وهم إذا أنفقوا فيه أنفقوا بغير نية ولا عزيمة فتصير نفقتهم غرامة وعذابا من حيث لا يستحقون عليها أجرا، وفي هذا الوجه نظر.
ثم اعلم أن جميع الوجوه التي حكيناها في هذه الآية إلا جواب التقديم والتأخير مبنية على أن الحياة الدنيا ظرف للعذاب، وما يحتاج عندنا إلى جميع ما تكلفوه إذا لم نجعل الحياة ظرفا للعذاب، بل جعلناها ظرفا للفعل الواقع بالأموال والأولاد المتعلق بهما، لأنا قد علمنا أولا أن قوله: ليعذبهم بها لابد من الانصراف عن ظاهره لان الأموال والأولاد أنفسهما لا تكون عذابا، فالمراد على سائر وجوه التأويل الفعل المتعلق بها والمضاف إليها، سواء كان إنفاقها، أو المصيبة بها والغم عليها، أو إباحة غنيمتها و إخراجها عن أيدي مالكيها، وكان تقدير الآية: إنما يريد الله ليعذبهم بكذا وكذا مما يتعلق بأموالهم وأولادهم ويتصل بها، وإذا صح هذا جاز أن تكون الحياة الدنيا ظرفا لأفعالهم القبيحة في أموالهم وأولادهم التي تغضب الله وتسخطه كإنفاقهم الأموال في وجوه المعاصي، وحملهم الأولاد على الكفر، فتقدير الكلام: إنما يريد الله ليعذبهم بفعلهم في أموالهم وأولادهم الواقع ذلك في الحياة الدنيا.
وأما قوله تعالى: " وتزهق أنفسهم وهم كافرون " فمعنا تبطل وتخرج أي أنهم يموتون على الكفر، ليس يجب إذا كان مريدا لان تزهق أنفسهم وهم على هذه الحال أن يريد الحال نفسها على ما ظنوه. وقد ذكر في ذلك وجه آخر وهو أن لا يكون قوله: وهم كافرون ، حالا لزهوق أنفسهم بل يكون كأنه كلام مستأنف، و التقدير فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم مع ذلك كله كافرون صائرون إلى النار، وتكون الفائدة أنهم مع عذاب الدنيا قد اجتمع عليهم عذاب الآخرة، ويكون معنى تزهق أنفسهم المشقة الشديدة والكلفة الصعبة.
أقول: قد مضى بعض الأخبار في معنى القدر والقضاء في باب البداء.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.