بحارالانوار · المجلد الثالث
باب 1 نفى الظلم والجور عنه تعالى، وابطال الجبر والتفويض،
ج ۵، ص ۵۷–۶۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۳
107 - الطرائف: روى كثير من المسلمين عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنه قال يوما لبعض المجبرة: هل يكون أحد أقبل للعذر الصحيح من الله؟ فقال: لا، فقال: فما تقول فيمن قال ما أقدر وهو لا يقدر؟ أيكون معذورا أم لا؟ فقال المجبر: يكون معذورا، قال له: فإذا كان الله يعلم من عباده أنهم ما قدروا على طاعته وقال لسان حالهم أو مقالهم يوم القيامة: يا رب ما قدرنا على طاعتك لأنك منعتنا منها أما يكون قولهم وعذرهم صحيحا على قول المجبرة؟ فقال: بلى والله فقال: فيجب على قولك أن الله يقبل هذا العذر الصحيح ولا يؤاخذ أحدا أبدا وهذا خلاف قول أهل الملل كلهم. فتاب المجبر من قوله بالجبر في الحال. " ص 95 "
108 - الطرائف: روي أن الحجاج بن يوسف كتب إلى الحسن البصري وإلى عمرو ابن عبيد وإلى واصل بن عطا وإلى عامر الشعبي أن يذكروا ما عندهم وما وصل إليهم
في القضاء والقدر، فكتب إليه الحسن البصري: إن أحسن ما انتهى إلى ما سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: أتظن أن الذي نهاك دهاك؟ وإنما دهاك أسفلك وأعلاك، والله برئ من ذاك. وكتب إليه عمرو بن عبيد: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: لو كان الزور في الأصل محتوما كان المزور في القصاص مظلوما. وكتب إليه واصل بن عطا: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: أيدلك على الطريق ويأخذ عليك المضيق؟. وكتب إليه الشعبي أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:
كل ما استغفرت الله منه فهو منك، وكل ما حمدت الله عليه فهو منه. فلما وصلت كتبهم إلى الحجاج ووقف عليها قال: لقد أخذوها من عين صافية. " ص 95 " أقول: روى الكراجكي مثله. وفيه: من وسع عليك الطريق لم يأخذ عليك المضيق وفي القاموس: دهاه: أصابه بداهية، وهي الامر العظيم. " ص 170 "
109 - الطرائف: روي أن رجلا سأل جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن القضاء والقدر فقال: ما استطعت أن تلوم العبد عليه فهو منه، وما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو من فعل الله، يقول الله تعالى للعبد: لم عصيت؟ لم فسقت؟ لم شربت الخمر؟ لم زنيت؟ فهذا فعل العبد; ولا يقول له: لم مرضت؟ لم قصرت؟ لم ابيضضت؟ لم اسوددت؟ لأنه من فعل الله تعالى.
110 - الطرائف: روي أن الفضل بن سهل سأل الرضا عليه السلام بين يدي المأمون فقال:
يا أبا الحسن الخلق مجبورون؟ فقال: الله أعدل من أن يجبر خلقه ثم يعذبهم، قال:
فمطلقون؟ قال: الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه.
الطرائف: ومن الحكايات ما روي أن بعض أهل العدل وقف على جماعة من المجبرة، فقال لهم: أنا ما أعرف المجادلة والإطالة لكني أسمع في القرآن قوله تعالى:
" كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله " ومفهوم هذا الكلام عند كل عاقل أن الموقد للنار غير الله، وأن المطفئ للنار هو الله، وكيف تقبل العقول أن الكل منه؟ وأن
الموقد للنار هو المطفئ لها؟ فانقطعوا ولم يردوا جوابا. " ص 97 " ومن الحكايات أن جماعة من اليهود اجتمعوا إلى أبي بحر الخاقاني فقالوا له:
ما معناه أنت سلطان عادل منصف، ومن المسلمين في بلدك المجبرة وهم الذين يعولون عليهم في الأقوال والافعال، وهم يشهدون لنا أننا لا نقدر على الاسلام ولا الايمان، فكيف تأخذ الجزية من قوم لا يقدرون على الاسلام ولا الايمان؟! فجمع المجبرة وقال لهم: ما تقولون فيما قد ذكره اليهود من احتجاجهم عليكم؟ فقالوا: كذا نقول: إنهم لا يقدرون على الاسلام والايمان. فطالبهم بالدليل على قولهم فلم يقدروا عليه فنفاهم. " ص 97 " ومن الحكايات المذكورة في ذلك ما روي عن القاسم بن زياد الدمشقي أنه قال: كنت في حرس عمر بن عبد العزيز فدخل غيلان فقال: يا عمر: إن أهل الشام يزعمون أن المعاصي قضاء الله، وأنك تقول ذلك; فقال: ويحك يا غيلان! أو لست تراني أسمي مظالم بني مروان ظلما وأردها أفتراني اسمي قضاء الله ظلما وأرده؟. " ص 98 " أقول: أورد السيد في الطرائف فصلا مشبعا في الرد على المجبرة تركنا إيراده لئلا يطول الكتاب مع كونه خارجا عن مقصودنا فمن أراد الاطلاع عليه فليراجع إلى الكتاب المذكور; وقد مر خبر الحسين بن خالد في ذلك في باب نفي التشبيه.
111 - وقال الكراجكي في كنز الفوائد: قال الصادق صلى الله عليه وآله لزرارة بن أعين:
يا زرارة أعطيك جملة في القضاء والقدر؟ قال: نعم جعلت فداك، قال: إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلائق سألهم عما عهد إليهم ولم يسألهم عما قضى عليهم. " ص 171 "
112 - وروي عن محمد بن أحمد بن شاذان القمي، عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن أيوب بن نوح، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمسة لا تطفئ نيرانهم، ولا تموت أبدانهم: رجل أشرك، ورجل عق والديه، ورجل سعى بأخيه إلى السلطان فقتله، ورجل قتل نفسا بغير نفس، ورجل أذنب وحمل ذنبه على الله عز وجل.
" ص 202 "
فائدة: قال السيد المرتضى قدس الله روحه: إن سأل سائل فقال: بم تدفعون من خالفكم في الاستطاعة وزعم أن المكلف يؤمر بما لا يقدر عليه ولا يستطيعه إذا تعلق بقوله تعالى: " انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا " فإن الظاهر من هذه الآية يوجب أنهم غير مستطيعين للامر الذي هم غير فاعلين له، وأن القدرة مع الفعل; وإذا تعلق بقوله تعالى في قصة موسى: " إنك لن تستطيع معي صبرا " وأنه نفى أن يكون قادرا على الصبر في حال هو فيها غير صابر، وهذا يوجب أن القدرة مع الفعل; وبقوله تعالى: " ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون "؟. يقال له: أول ما نقوله: إن المخالف لنا في هذا الباب من الاستطاعة لا يصح له فيه التعلق بالسمع، لان مذهبه لا تسلم معه صحة السمع، ولا يتمكن مع المقام عليه من معرفة السمع بأدلته، وإنما قلنا ذلك لان من جوز تكليف الله تعالى الكافر بالايمان وهو لا يقدر عليه لا يمكنه العلم بنفي القبائح عن الله عز وجل، وإذا لم يمكنه ذلك فلابد من أن يلزمه تجويز القبائح على الله في أفعاله وأخباره، ولا يأمن من أن يرسل كذابا، وأن يخبرهم بالكذب، تعالى عن ذلك، فالسمع إن كان كلامه قدح في حجته تجويز الكذب عليه، وإن كان كلام رسوله قدح فيه ما يلزمه من تجويز تصديق الكذاب، وإنما طرق ذلك تجويز بعض القبائح عليه، وليس لهم أن يقولوا: إن أمره تعالى الكافر بالايمان وإن لم يقدر عليه يحسن من حيث أتى الكافر فيه من قبل نفسه لأنه تشاغل بالكفر فترك الايمان، وإنما كان يبطل تعلقنا بالسمع لو أضفنا ذلك إليه تعالى على وجه يقبح، وذلك لان ما قالوه إذا لم يؤثر في كون ما ذكرناه تكليفا لما لا يطاق لم يؤثر في نفي ما ألزمناه عنهم لأنه يلزم على ذلك أن يفعل الكذب وسائر القبائح وتكون حسنة منه بأن يفعلها من وجه لا يقبح منه، وليس قولهم: إنا لم نضفه إليه من وجه يقبح بشئ يعتمد، بل يجري مجرى قول من جوز عليه أن يكذب ويكون الكذب منه حسنا، ويدعي مع ذلك صحة معرفة السمع بأن يقول: إنني لم أضف إليه قبيحا فيلزمني إفساد
طريقة السمع، فلما كان من ذكرناه لا عذر له في هذا الكلام لم يكن للمخالف في الاستطاعة عذر بمثله.
ونعود إلى تأويل الآي: أما قوله: " انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا " فليس فيه ذكر للشئ الذي لا يقدرون عليه ولا بيان له، وإنما يصح ما قالوه لو بين لهم أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى أمر معين، فأما إذا لم يذكر ذلك كذلك فلا متعلق لهم.
فإن قيل: فقد ذكر تعالى من قبل ضلالهم فيجب أن يكون المراد بقوله: " فلا يستطيعون سبيلا " إلى مفارقة الضلال.
قلنا: إنه تعالى كما ذكر الضلال فقد ذكر ضرب المثل منهم، فيجوز أن يريد أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من الأمثال، وذلك غير مقدور على الحقيقة ولا مستطاع، والظاهر أن هذا الوجه أولى لأنه تعالى حكى عنهم أنهم ضربوا له الأمثال، وجعل ضلالهم وأنهم لا يستطيعون السبيل متعلقا بما تقدم ذكره، وظاهر ذلك يوجب رجوع الامرين جميعا إليه، وأنهم ضلوا بضرب المثل، وأنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من المثل، على أنه تعالى قد أخبر عنهم بأنهم ضلوا، وظاهر ذلك الاخبار عن ماضي فعلهم، فإن كان قوله: " فلا يستطيعون سبيلا " يرجع إليه فيجب أن يدل على أنهم لا يقدرون في المستقبل على ترك الماضي، وهذا مما لا يخالف فيه، وليس فيه ما نأباه من أنهم لا يقدرون في المستقبل أو في الحال على مفارقة الضلال والخروج عنه وتعذر تركه، وبعد فإذا لم يكن للآية ظاهر فلم صاروا بأن يحملوا نفي الاستطاعة على أمر كلفوه بأولى منا إذا حملنا ذلك على أمر لم يكلفوه؟ أو على أنه أراد الاستثقال والخبر عن عظم المشقة عليهم، وقد جرت عادة أهل اللغة بأن يقولوا لمن يستثقل شيئا:
إنه لا يستطيعه ولا يقدر عليه ولا يتمكن منه; ألا ترى أنهم يقولون: فلان لا يستطيع أن يكلم فلانا ولا ينظر إليه وما أشبه ذلك وإنما غرضهم الاستثقال وشدة الكلفة والمشقة.
فإن قيل: فإذا كان لا ظاهر للآية يشهد بمذهب المخالف فما المراد بها عندكم؟
قلنا: قد ذكر أبو علي أن المراد أنهم لا يستطيعون إلى بيان تكذيبه سبيلا لأنهم ضربوا الأمثال ظنا منهم بأن ذلك يبين كذبه، فأخبر تعالى أن ذلك غير مستطاع لان تكذيب صادق وإبطال حق مما لا تتعلق به قدرة ولا تتناوله استطاعة. وقد ذكر أبو هاشم أن المراد بالآية أنهم لأجل ضلالهم بضرب المثل وكفرهم لا يستطيعون سبيلا إلى الخير الذي هو النجاة من العقاب والوصول إلى الثواب، وليس يمكن على هذا أن يقال: كيف لا يستطيعون سبيلا إلى الخير والهدى وهم عندكم قادرون على الايمان والتوبة؟ ومتى فعلوا ذلك استحقوا الثواب، لان المراد أنهم مع التمسك بالضلال والمقام على الكفر لا سبيل لهم إلى خير وهدى، وإنما يكون لهم سبيل إلى ذلك بأن يفارقوا ما هم عليه، وقد يمكن أيضا في معنى الآية ما تقدم ذكره من أن المراد بنفي الاستطاعة عنهم أنهم مستثقلون للايمان، فقد يخبر عمن يستثقل شيئا بأنه لا يستطيعه على ما تقدم ذكره، كذا في كتاب الغرر للسيد رحمه الله.
أما قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: " إنك لا تستطيع معي صبرا " فظاهره يقتضي أنك لا تستطيع ذلك في المستقبل، ولا يدل على أنه غير مستطيع للصبر في الحال أن يفعله في الثاني، وقد يجوز أن يخرج في المستقبل من أن يستطيع ما هو في الحال مستطيع له، غير أن الآية تقتضي خلاف ذلك، لأنه قد صبر عن المسألة أوقاتا، وإن لم يصبر عنها في جميع الأوقات فلم تنتف الاستطاعة للصبر عنه في جميع الأحوال المستقبلة؟.
على أن المراد بذلك واضح، وأنه تعالى خبر عن استثقاله الصبر عن المسألة عما لا يعرف ولا يقف عليه لان مثل ذلك يصعب على النفس، ولهذا يجد أحدنا إذا جرى بين يديه ما ينكره ويستبدعه تنازعه نفسه إلى المسألة عنه والبحث عن حقيقته، ويثقل عليه الكف عن الفحص عن أمره، فلما حدث من صاحب موسى عليه السلام ما يستنكر ظاهره استثقل الصبر عن المسألة عن ذلك، ويشهد لهذا الوجه قوله تعالى: " وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا " فبين أن العلة في قلة صبره ما ذكرناه دون غيره، ولو كان الامر على ما ظنوا لوجب أن يقول: وكيف تصبر وأنت غير مطيق للصبر؟.
وأما قوله تعالى: " ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون " فلا تعلق لهم بظاهره، لان السمع ليس بمعنى فيكون مقدورا، لان الادراك على المذهب الصحيح ليس بمعنى، ولو ثبت أنه معنى على ما يقوله أبو علي لكان أيضا غير مقدور للعبد من حيث اختص القديم تعالى بالقدرة عليه. هذا إن أريد بالسمع الادراك، وإن أريد به نفس الحاسة فهي أيضا غير مقدورة للعباد لان الجواهر وما تختص به الحواس من البينة والمعاني ليصح به الادراك مما ينفرد القديم تعالى بالقدرة عليه فالظاهر لا حجة لهم فيه.
فإن قالوا: ولعل المراد بالسمع كونهم سامعين، كأنه نفى عنهم استطاعة أن يسمعوا. قلنا: هذا خلاف الظاهر، ولو ثبت أن المراد ذلك لحملنا نفي الاستطاعة ههنا على ما تقدم ذكره من الاستثقال وشدة المشقة كما يقول القائل: فلان لا يستطيع أن يراني، ولا يقدر على أن يكلمني، وما أشبه ذلك، وهذا بين لمن تأمله. وقال رضي الله عنه: إن سأل سائل عن قوله تعالى: " قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون " فقال: أليس ظاهر هذا القول يقتضي أنه خالق لاعمال العباد؟
لان " ما " ههنا بمعنى " الذي " فكأنه قال: خلقكم وخلق أعمالكم.
قلنا: قد حمل أهل الحق هذه الآية على أن المراد بقوله: وما تعملون أي وما تعملون فيه من الحجارة والخشب وغيرهما مما كانوا يتخذونه أصناما ويعبدونها، قالوا:
وغير منكر أن يريد بقوله: وما تعملون ذلك، كما أنه قد أراد ما ذكرناه بقوله: " أتعبدون ما تنحتون " لأنه لم يرد أنكم تعبدون نحتكم الذي هو فعل لكم بل أراد ما تفعلون فيه النحت، كما قال تعالى في عصا موسى عليه السلام: " تلقف ما يأفكون، " وتلقف ما
صنعوا " وإنما أراد أن العصا تلقف الحبال التي أظهروا سحرهم فيها، وهي التي حلتها صنعتهم وإفكهم فقال: " ما صنعوا وما يأفكون " وأراد ما صنعوا فيه، وما يأفكون فيه، ومثله قوله تعالى: " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان " وإنما أراد المعمول فيه دون العمل - وهذا الاستعمال أيضا سائع شائع - لأنهم يقولون: هذا الباب عمل النجار; وفي الخلخال: هذا من عمل الصائغ; وإن كانت الأجسام التي أشير إليها ليست أعمالا لهم، وإنما عملوا فيها فحسن إجراء هذه العبارة.
فإن قيل: كل الذي ذكرتموه وإن استعمل فعلى وجه المجاز والاتساع، لان العمل في الحقيقة لا يجري إلا على فعل الفاعل دون ما يفعل فيه، وإن استعير في بعض المواضع. قلنا: ليس نسلم لكم أن الاستعمال الذي ذكرناه على سبيل المجاز، بل نقول:
هو المفهوم الذي لا يستفاد سواه لان القائل إذا قال: هذا الثوب عمل فلان لم يفهم منه إلا أنه عمل فيه، وما رأينا أحدا قط يقول في الثوب بدلا من قوله: هذا من عمل فلان: هذا مما حله عمل فلان; فالأول أولى بأن يكون حقيقة، وليس ينكر أن يكون الأصل في الحقيقة ما ذكروه، ثم انتقل بعرف الاستعمال إلى ما ذكرناه، وصار أخص به ومما لا يستفاد من الكلام سواه كما انتقلت ألفاظ كثيرة على هذا الحد، ولا اعتبار بالمفهوم من الألفاظ إلا بما استقر عليه استعمالها دون ما كانت عليه في الأصل فوجب أن يكون المفهوم.
والظاهر من الآية ما ذكرناه على أنا لو سلمنا أن ذلك مجاز لوجب المصير إليه من وجوه، فمن ذلك أنه تعالى أخرج الكلام مخرج التهجين لهم، والتوبيخ لأفعالهم، والازراء على مذاهبهم، فقال " أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون " ومتى لم يكن قوله: " وما تعملون " المراد به تعملون فيه ليصير تقدير الكلام أتعبدون الأصنام التي تنحتونها، والله خلقكم وخلق هذه الأصنام التي تفعلون فيها التخطيط والتصوير لم يكن للكلام معنى ولا مدخل في باب التوبيخ، ويصير على ما يذكره المخالف كأنه
قال: أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وخلق عباداتكم فأي وجه للتقريع، وهذا إلى أن يكون عذرا أقرب من أن يكون لوما وتوبيخا لأنه إذا خلق عبادتهم للأصنام فأي وجه للومهم عليها. على أن قوله تعالى " والله خلقكم وما تعملون " بعد قوله: " أتعبدون ما تنحتون " إنما خرج مخرج التعليل للمنع من عبادة غيره تعالى فلابد أن يكون متعلقا بما تقدم من قوله: " أتعبدون ما تنحتون، ومؤثرا في المنع من عبادة غير الله، فلو أفاد قوله: " ما تعملون " نفس العمل الذي هو النحت دون المعمول فيه لكان لا فائدة في الكلام لان القوم لم يكونوا يعبدون النحت، وإنما كانوا يعبدون محله، وأنه كان لاحظ في الكلام للمنع من عبادة الأصنام، وذلك إن حمل قوله تعالى: " ما تعملون " على أعمال اخر ليست نحتهم ولا هي ما عملوا فيه لكان أظهر في باب اللغو والعبث والبعد عن التعلق بما تقدم، فلم يبق إلا أنه أراد أنه خلقكم وما تعملون فيه النحت فكيف تعبدون مخلوقا مثلكم؟!
فإن قيل: لم زعمتم أنه لو كان الامر على ما ذكرناه لم يكن للقول الثاني حظ في باب المنع من عبادة الأصنام؟ وما تنكرون أن يكون لما ذكرناه وجه في المنع من ذلك، على أن ما ذكرتموه أيضا لو أريد لكان وجها، وهو أن من خلقنا وخلق الافعال فينا لا يكون إ الاله القديم الذي تحق له العبادة، وغير القديم تعالى كما يستحيل أن يخلقنا يستحيل أن يخلق فينا الافعال على الوجه الذي يخلقها القديم عليه فصار لما ذكرناه تأثير.
قلنا: معلوم أن الثاني إذا كان كالتعليل للأول والمؤثر في المنع من العبادة فلان يتضمن أنكم مخلوقان وما تعبدونه أولى من أن ينصرف إلى ما ذكرتموه مما لا يقتضي أكثر من خلقهم دون خلق ما عبدوه فإنه لا شئ أدل على المنع من عبادة الأصنام من كونها مخلوقة كما أن عابدها مخلوق، ويشهد بما ذكرناه قوله تعالى في موضع آخر; " أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون "
فاحتج تعالى عليهم في المنع من عبادة الآلهة دونه بأنها مخلوقة لا تخلق شيئا ولا تدفع عن أنفسها ضرا ولاعنهم، وهذا واضح على أنه لو ساوى ما ذكروه ما ذكرناه في التعلق بالأول لم يسغ حمله على ما أدعوه لان فيه عذرا لهم في الفعل الذي عنفوا به وقرعوا من أجله، وقبيح أن يوبخهم بما يعذرهم، ويذمهم بما ينزههم على ما تقدم; على أنا لا نسلم أن من يفعل أفعال العباد ويخلقها يستحق العبادة لان من جملة أفعالهم القبائح، ومن فعل القبائح لا يكون إلها ولا تحق العبادة له، فخرج ما ذكروه من أن يكون مؤثرا في انفراده بالعبادة; على أن إضافته العمل إليهم بقوله تعالى: " تعملون " يبطل تأويلهم هذه الآية، لأنه لو كان خالقا له لم يكن عملا لهم لان العمل إنما يكون عملا لمن يحدثه ويوجده، فكيف يكون عملا لهم والله خلقه؟! هذه مناقضة لهم، فثبت بهذا أن الظاهر شاهد لنا أيضا; على أن قوله: " وما تعملون " يقتضي الاستقبال، وكل فعل لم يوجد فهو معدوم، ومحال أن يقول تعالى: إني خالق للمعدوم.
فإن قالوا: اللفظ وإن كان للاستقبال فالمراد به الماضي فكأنه قال: والله خلقكم وما عملتم. قلنا: هذا عدول منكم عن الظاهر الذي ادعيتم أنكم متمسكون به، وليس أنتم بأن تعدلوا عنه بأولى منا، بل نحن أحق لأنا نعدل عنه بدلالة، وأنتم تعدلون بغير حجة.
فإن قالوا: فأنتم تعدلون عن هذا الظاهر بعينه على تأويلكم، وتحملون لفظ الاستقبال على لفظ الماضي. قلنا: نحن لا نحتاج في تأويلنا إلى ذلك لأنا إذا حملنا قوله: " وما تعملون " على الأصنام المعمول فيها ومعلوم أن الأصنام موجودة قبل عملهم فيها فجاز أن يقول تعالى:
" إني خلقتها " ولا يجوز أن يقول: " إني خلقت ما سيقع من العمل في المستقبل " على أنه لو أراد بذلك أعمالهم لا ما عملوا فيه على ما ادعوه لم يكن في الظاهر حجة على ما يريدون لان الخلق هو التقدير والتدبير، وليس يمتنع في اللغة أن يكون الخالق خالقا لفعل غيره إذا قدره ودبره ألا ترى أنهم يقولون: خلقت الأديم وإن لم يكن الأديم فعلا لمن يقول ذلك فيه؟ ويكون معنى خلقه لافعال العباد أنه مقدر لها ومعرف لنا مقاديرها ومراتبها، وما به نستحق عليها من الجزاء.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.