بحارالانوار · المجلد الثاني عشر
14 باب سائر ما جرى بينه عليه السلام وبين المأمون وأمرائه
ج ۴۹، ص ۱۸۲–۱۸۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
قال المأمون: ما شئ أحب إلي من هذا، قال فاجمع وجوه أهل مملكتك والقواد والقضاة، وخيار الفقهاء لأبين نقصه بحضرتهم، فيكون أخذا له عن محله الذي أحللته فيه، على علم منهم بصواب فعلك.
قال: فجمع الخلق الفاضلين من رعيته في مجلس واسع قعد فيه لهم، وأقعد الرضا عليه السلام بين يديه في مرتبته التي جعلها له، فابتدأ هذا الحاجب المتضمن للوضع من الرضا عليه السلام وقال له: إن الناس قد أكثروا عنك الحكايات، وأسرفوا في وصفك بما أرى أنك إن وقفت عليه برئت إليهم منه، فأول ذلك أنك دعوت الله في المطر المعتاد مجيئه فجاء فجعلوه آية لك معجزة أوجبوا لك بها أن لا نظير لك في الدنيا وهذا أمير المؤمنين أدام الله ملكه وبقاءه لا يوازن بأحد إلا رجح به، وقد أحلك المحل الذي عرفت، فليس من حقه عليك أن تسوغ الكاذبين لك وعليه ما يتكذبونه.
فقال الرضا عليه السلام: ما أدفع عباد الله عن التحدث بنعم الله علي وإن كنت لا أبغي أشرا ولا بطرا، وأما ذكرك صاحبك الذي أجلني فما أحلني إلا المحل الذي أحله ملك مصر يوسف الصديق عليه السلام وكانت حالهما ما قد علمت.
فغضب الحاجب عند ذلك فقال: يا ابن موسى لقد عدوت طورك وتجاوزت قدرك أن بعث الله تعالى بمطر مقدر وقته لا يتقدم ولا يتأخر جعلته آية تستطيل بها، وصولة تصول بها، كأنك جئت بمثل آية الخليل إبراهيم عليه السلام لما أخذ رؤس الطير بيده ودعا أعضاءها التي كان فرقها على الجبال فأتينه سعيا وتركبن على الرؤس، وخفقن وطرن بإذن الله؟ فان كنت صادقا فيما توهم فأحي هذين وسلطهما علي فان ذلك يكون حينئذ آية معجزة، فأما المطر المعتاد مجيئه فلست أحق بأن يكون جاء بدعائك من غيرك - الذي دعا كما دعوت وكان الحاجب قد أشار إلى أسدين مصورين على مسند المأمون الذي كان مستندا إليه، وكانا متقابلين على المسند.
فغضب علي بن موسى الرضا عليه السلام وصاح بالصورتين: دونكما الفاجر! فافترساه ولا تبقيا له عينا ولا أثرا فوثبت الصورتان وقد عادتا أسدين فتناولا الحاجب وعضاه ورضاه وهشماه وأكلاه ولحسا دمه، والقوم ينظرون متحيرين مما يبصرون، فلما فرغا منه أقبلا على الرضا عليه السلام وقالا: يا ولي الله في أرضه! ماذا تأمرنا نفعل بهذا أنفعل به فعلنا بهذا؟ يشيران إلى المأمون - فغشي على المأمون مما سمع منهما، فقال الرضا عليه السلام: قفا فوقفا.
ثم قال الرضا عليه السلام: صبوا عليه ماء ورد وطيبوه، ففعل ذلك به، وعاد الأسدان يقولان: أتأذن لنا أن نلحقه بصاحبه الذي أفنيناه؟ قال: لا، فان لله عز وجل فيه تدبيرا هو ممضيه، فقالا: ماذا تأمرنا؟ فقال: عود إلى مقركما كما كنتما فعادا إلى المسند، وصارا صورتين كما كانتا.
فقال المأمون: الحمد لله الذي كفاني شر حميد بن مهران يعني الرجل المفترس ثم قال للرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله هذا الامر لجدكم رسول الله صلى الله عليه وآله ثم لكم، فلو شئت لنزلت عنه لك، فقال الرضا عليه السلام: لو شئت لما ناظرتك
ولم أسألك فان الله عز وجل قد أعطاني من طاعة سائر ما رأيت من طاعة هاتين الصورتين إلا جهال بني آدم فإنهم وإن خسروا حظوظهم فلله عز وجل فيهم تدبير، وقد أمرني بترك الاعتراض عليك، وإظهار ما أظهرته من العمل من تحت يدك، كما امر يوسف عليه السلام بالعمل من تحت يد فرعون مصر.
قال: فما زال المأمون ضئيلا إلى أن قضى في علي بن موسى الرضا عليه السلام ما قضى.
بيان: قوله " غير رائث " قال الجزري: في حديث الاستسقاء عجلا غير رائث أي غير بطيئ متأخر انتهى. قوله " ولا ضائر " أي ضار، و " الرسل " بالكسر التأني و " الوابل " المطر الشديد قوله في مهواه أي مسيره من قولهم هوى يهوي إذا أسرع في السير، والمهواة المطمئن من الأرض، قوله " أن تكون تاريخ الخلفاء " كناية عن عظم تلك الواقعة، وفظاعتها بزعمه، فان الناس يؤرخون الأمور بالوقائع والدواهي.
و " المخرقة " بالقاف الشعبدة والسحر، كما يظهر من استعمالاتهم، وإن لم نجد في اللغة ولعلها من الخرق بمعنى السفه والكذب، أو من المخراق الذي يضرب به، وفي بعض النسخ بالفاء من الخرافات، والتشوق التزين والتطلع، وفي بعض النسخ التسوق بالسين المهملة والقاف، ولعله مأخوذ من السوق أي أعمال أهل السوق من الأداني، وفي القاموس ساوقه فاخره في السوق ويقال فلان يرشح للوزارة أي يربى ويؤهل لها، ولحس القصعة أكل بقية ما فيه باللسان، والضئيل كأمير الصغير الدقيق الحقير والنحيف.
17 - عيون أخبار الرضا (ع): البيهقي، عن الصولي قال: حدثنا الغلابي، عن أحمد بن عيسى ابن زيد أن المأمون أمرني بقتل رجل فقال: استبقني فان لي شكرا، فقال:
ومن أنت وما شكرك؟ فقال علي بن موسى عليه السلام: يا أمير المؤمنين أنشدك الله أن تترفع عن شكر أحد، وإن قل، فان الله عز وجل أمر عباده بشكره فشكروه
فعفى عنهم.
18 - عيون أخبار الرضا (ع): السناني، عن الأسدي، عن محمد بن خلف ، عن هرثمة بن أعين قال: دخلت على سيدي ومولاي يعني الرضا عليه السلام في دار المأمون وكان قد ظهر في دار المأمون أن الرضا عليه السلام قد توفي، ولم يصح هذا القول، فدخلت أريد الاذن عليه.
قال: وكان في بعض ثقات خدم المأمون غلام يقال له: صبيح الديلمي وكان يتولى سيدي حق ولايته، وإذا صبيح قد خرج فلما رآني قال لي: يا هرثمة ألست تعلم أني ثقة المأمون على سره وعلانيته؟ قلت: بلى، قال: اعلم يا هرثمة أن المأمون دعاني وثلاثين غلاما من ثقاته على سره وعلانيته، في الثلث الأول من الليل فدخلت عليه وقد صار ليله نهارا من كثرة الشموع، وبين يديه سيوف مسلولة مشحوذة مسمومة.
فدعا بنا غلاما غلاما وأخذ علينا العهد والميثاق بلسانه، وليس بحضرتنا أحد من خلق الله غيرنا، فقال لنا: هذا العهد لازم لكم إنكم تفعلون ما أمرتكم به ولا تخالفوا منه شيئا، قال: فحلفنا له فقال: يأخذ كل واحد منكم سيفا بيده و امضوا حتى تدخلوا على علي بن موسى الرضا في حجرته، فان وجدتموه قائما أو قاعدا أو نائما فلا تكلموه، وضعوا أسيافكم عليه وأخلطوا لحمه ودمه وشعره وعظمه ومخه ثم اقلبوا عليه بساطه وامسحوا أسيافكم به، وصيروا إلي، وقد جعلت لكل واحد منكم على هذا الفعل وكتمانه، عشر بدر دراهم، وعشر ضياع منتجبة والحظوظ عندي ما حييت وبقيت.
قال: فأخذنا الأسياف بأيدينا ودخلنا عليه في حجرته، فوجدناه مضطجعا يقلب طرف يديه ويتكلم بكلام لا نعرفه، قال: فبادر الغلمان إليه بالسيوف ووضعت (سيفي) وأنا قائم أنظر إليه وكأنه قد كان علم بمصيرنا إليه فلبس على بدنه ما لا تعمل فيه السيوف فطووا عليه بساطه، وخرجوا حتى دخلوا على المأمون.
فقال: ما صنعتم؟ قالوا: فعلنا ما أمرتنا به يا أمير المؤمنين، قال: لا تعيدوا شيئا مما كان، فلما كان عند تبلج الفجر، خرج المأمون فجلس مجلسه مكشوف الرأس محلل الأزرار، وأظهر وفاته وقعد للتعزية، ثم قام حافيا فمشى لينظر إليه وأنا بين يديه فلما دخل عليه حجرته سمع همهمة فأرعد ثم قال: من عنده؟
قلت: لا علم لنا يا أمير المؤمنين فقال: أسرعوا وانظروا، قال صبيح: فأسرعنا إلى البيت فإذا سيدي عليه السلام جالس في محرابه يصلي ويسبح.
فقلت: يا أمير المؤمنين هو ذا نرى شخصا في محرابه يصلي ويسبح، فانتقض المأمون وارتعد، ثم قال: غررتموني لعنكم الله، ثم التفت إلي من بين الجماعة فقال لي: يا صبيح أنت تعرفه، فانظر من المصلي عنده؟ قال صبيح: فدخلت وتولى المأمون راجعا فلما صرت عند عتبة الباب قال لي: يا صبيح قلت لبيك: يا مولاي وقد سقطت لوجهي فقال: قم يرحمك الله يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون.
قال: فرجعت إلى المأمون فوجدت وجهه كقطع الليل المظلم، فقال لي:
يا صبيح ما وراك؟ قلت له: يا أمير المؤمنين هو والله جالس في حجرته، وقد ناداني وقال لي كيت وكيت، قال: فشد أزراره وأمر برد أثوابه، وقال: قولوا: إنه كان غشي عليه وأنه قد أفاق.
قال هرثمة فأكثرت لله عز وجل شكرا وحمدا، ثم دخلت على سيدي الرضا عليه السلام فلما رآني قال: يا هرثمة لا تحدث بما حدثك به صبيح أحدا إلا من امتحن الله قلبه للايمان بمحبتنا وولايتنا، فقلت: نعم يا سيدي ثم قال لي عليه السلام:
يا هرثمة والله لا يضرنا كيدهم شيئا حتى يبلغ الكتاب أجله.
19 - أقول: روى السيد المرتضى في كتاب العيون والمحاسن عن الشيخ المفيد رضي الله عنهما قال: روي أنه لما سار المأمون إلى خراسان وكان معه الرضا علي
ابن موسى عليه السلام فبينا هما يسيران إذ قال له المأمون: يا أبا الحسن إني فكرت في شئ فنتج لي الفكر الصواب فيه: فكرت في أمرنا وأمركم، ونسبنا ونسبكم فوجدت الفضيلة فيه واحدة، ورأيت اختلاف شيعتنا في ذلك محمولا على الهوى والعصبية.
فقال له أبو الحسن الرضا عليه السلام: إن لهذا الكلام جوابا إن شئت ذكرته لك، وإن شئت أمسكت، فقال له المأمون: إني لم أقله إلا لأعلم ما عندك فيه قال له الرضا عليه السلام: أنشدك الله يا أمير المؤمنين لو أن الله تعالى بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وآله فخرج علينا من وراء أكمة من هذه الآكام يخطب إليك ابنتك كنت مزوجه إياها؟ فقال: يا سبحان الله وهل أحد يرغب عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له الرضا عليه السلام: أفتراه كان يحل له أن يخطب إلي؟ قال: فسكت المأمون هنيئة ثم قال: أنتم والله أمس برسول الله صلى الله عليه وآله رحما.
20 - وعن الكتاب المذكور قال: قال المأمون يوما للرضا عليه السلام: أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين يدل عليها القرآن، قال: فقال له الرضا عليه السلام:
فضيلة في المباهلة، قال الله جل جلاله " فمن حاجك فيه " الآية فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله الحسن والحسين عليهما السلام فكانا ابنيه، ودعا فاطمة عليها السلام فكانت في هذا الموضع نساءه، ودعا أمير المؤمنين عليه السلام فكان نفسه بحكم الله عز وجل فثبت أنه ليس أحد من خلق الله تعالى أجل من رسول الله صلى الله عليه وآله وأفضل، فواجب أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول الله صلى الله عليه وآله بحكم الله عز وجل.
قال: فقال له المأمون: أليس قد ذكر الله تعالى الأبناء بلفظ الجمع، وإنما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله ابنيه خاصة، وذكر النساء بلفظ الجمع، وإنما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله ابنته وحدها فألا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه، ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره، فلا يكون لأمير المؤمنين عليه السلام ما ذكرت من الفضل.
قال: فقال له الرضا عليه السلام: ليس يصح ما ذكرت يا أمير المؤمنين، وذلك أن الداعي إنما يكون داعيا لغيره، كما أن الآمر آمر لغيره، ولا يصح أن يكون داعيا لنفسه في الحقيقة كما لا يكون آمرا لها في الحقيقة، وإذا لم يدع رسول الله صلى الله عليه وآله رجلا في المباهلة إلا أمير المؤمنين عليه السلام فقد ثبت أنه نفسه التي عناها الله سبحانه في كتابه، وجعل (له) حكمه ذلك في تنزيله، قال: فقال المأمون إذا ورد الجواب سقط السؤال.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.