پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثاني عشر

14 باب سائر ما جرى بينه عليه السلام وبين المأمون وأمرائه

ج ۴۹، ص ۱۵۶–۱۸۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۴۹

أما بعد فالحمد لله البدئ البديع، القادر القاهر، الرقيب على عباده، المقيت على خلقه، الذي خضع كل شئ لملكه، وذل كل شئ لعزته، واستسلم كل شئ لقدرته، وتواضع كل شئ لسلطانه وعظمته، وأحاط بكل شئ علمه، وأحصاه عدده، فلا يؤوده كبير، ولا يعزب عنه صغير، الذي لا تدركه أبصار الناظرين، ولا تحيط به صفة الواصفين، له الخلق والامر، والمثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم.

والحمد لله الذي شرع الاسلام دينا، ففضله وعظمه وشرفه وكرمه، و جعله الدين القيم الذي لا يقبل غيره، والصراط المستقيم الذي لا يضل من لزمه ولا يهتدي من صدف عنه.

وجعل فيه النور والبرهان، والشفا والبيان، وبعث به من اصطفى من ملائكته إلى من اجتبى من رسله، في الأمم الخالية، والقرون الماضية، حتى انتهت رسالته إلى محمد صلى الله عليه وآله فختم به النبيين، وقفى به على آثار المرسلين، وبعثه رحمة للعالمين وبشيرا للمؤمنين المصدقين، ونذيرا للكافرين المكذبين، لتكون له الحجة البالغة وليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم.

والحمد لله الذي أورث أهل بيته مواريث النبوة، واستودعهم العلم والحكمة

وجعلهم معدن الإمامة والخلافة، وأوجب ولايتهم، وشرف منزلتهم، فأمر رسوله بمسألة أمته مودتهم إذ يقول: " قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " وما وصفهم به من إذهاب الرجس عنهم، وتطهيره إياهم في قوله " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ".

ثم إن المأمون بر رسول الله صلى الله عليه وآله في عترته، ووصل أرحام أهل بيته، فرد ألفتهم، وجمع فرقتهم، ورأب صدعهم، ورتق فتقهم، وأذهب الله به الضغائن و الإحن بينهم، وأسكن التناصر والتواصل والمحبة والمودة قلوبهم، فأصبحت بيمنه وحفظه وبركته وبره وصلته أيديهم واحدة، وكلمتهم جامعة، وأهواؤهم متفقة ورعى الحقوق لأهلها، ووضع المواريث مواضعها، وكافأ إحسان المحسنين، و حفظ بلاء المبلين، وقرب وباعد على الدين، ثم اختص بالتفضيل والتقديم والتشريف من قدمته مساعيه، فكان ذلك ذا الرئاستين الفضل بن سهل إذ رآه له مؤازرا، و بحقه قائما، وبحجته ناطقا، ولنقبائه نقيبا ولخيوله قائدا، ولحروبه مدبرا، و لرعيته سائسا، وإليه داعيا، ولمن أجاب إلى طاعته مكافئا، ولمن عند عنها مبائنا وبنصرته منفردا، ولمرض القلوب والنيات مداويا.

لم ينهه عن ذلك قلة مال، ولا عوز رجال، ولم يمل به طمع، ولم يلفته عن نيته وبصيرته وجل، بل عندما يهوله المهولون، ويرعد ويبرق به المبرقون المرعدون وكثرة المخالفين والمعاندين من المجاهدين والمخاتلين، أثبت ما يكون عزيمة وأجرأ جنانا، وأنفذ مكيدة، وأحسن تدبيرا، وأقوى تثبتا في حق المأمون والدعاء إليه، حتى قصم أنياب الضلالة، وفل حدهم، وقلم أظفارهم، وحصد شوكتهم وصرعهم مصارع الملحدين في دينه، الناكثين لعهده، الوانين في أمره، المستخفين بحقه، الآمنين لما حذر من سطوته وبأسه، مع آثار ذي الرئاستين في صنوف الأمم

من المشركين، وما زاد الله به في حدود دار المسلمين، مما قد وردت أنباؤه عليكم وقرئت به الكتب على منابركم، وحملت أهل الآفاق عنكم، إلى غيركم.

فانتهى شكر ذي الرئاستين بلاء أمير المؤمنين عنده، وقيامه بحقه وابتذاله مهجته، ومهجة أخيه أبي محمد الحسن بن سهل الميمون النقيبة المحمود السياسة، إلى غاية تجاوز فيها الماضين، وفاق بها الفائزين، وانتهت مكافأة أمير المؤمنين إياه إلى ما جعل له من الأموال والقطائع والجواهر، وإن كان ذلك لا يفي بيوم من أيامه، ولا مقام من مقاماته، فتركه زهدا فيه، وارتفاعا من همته عنه، وتوفيرا له على المسلمين ، واطراحا للدنيا، واستصغارا لها، وإيثارا الآخرة، و منافسة فيها.

وسأل أمير المؤمنين ما لم يزل له سائلا، وإليه راغبا، من التخلي والتزهد فعظم ذلك عنده وعندنا، لمعرفتنا بما جعل الله عز وجل في مكانه الذي هو به من العز للدين، والسلطان والقوة على صلاح المسلمين، وجهاد المشركين، وما أرى الله به من تصديق نيته، ويمن نقيبته، وصحة تدبيره، وقوة رأيه، ونجح طلبته ومعاونته على الحق والهدى، والبر والتقوى.

فلما وثق أمير المؤمنين، وثقنا منه بالنظر للدين وإيثار ما فيه صلاحه وأعطيناه سؤله الذي يشبه قدره، وكتبنا له كتاب حباء وشرط قد نسخ في أسفل كتابي هذا وأشهدنا الله عليه ومن حضرنا من أهل بيتنا والقواد والصحابة والقضاة والفقهاء والخاصة والعامة، ورأي أمير المؤمنين الكتاب به إلى الآفاق ليذيع ويشيع في أهلها، ويقرأ على منابرها، ويثبت عند ولاتها وقضاتها، فسألني أن أكتب بذلك وأشرح معانيه، وهي على ثلاثة أبواب:

ففي الباب الأول البيان عن كل آثاره التي أوجب الله بها حقه علينا وعلى المسلمين.

والباب الثاني البيان عن مرتبته في إزاحة علته في كل ما دبر ودخل فيه ولا سبيل عليه فيما ترك وكره، وذلك ما ليس لخلق ممن في عنقه بيعة إلا له وحده

ولأخيه ومن إزاحة العلة تحكيمهما في كل من بغى عليهما، وسعى بفساد علينا وعليهما وعلى أوليائنا، لئلا يطمع طامع في خلاف عليهما، ولا معصية لهما، ولا احتيال في مدخل بيننا وبينهما.

والباب الثالث البيان في إعطائنا إياه ما أحب من ملك التخلي وحلية الزهد وحجة التحقيق، لما سعى فيه من ثواب الآخرة، بما يتقرر في قلب من كان في ذلك منه، وما يلزمنا له من الكرامة والعز والحباء الذي بذلناه له ولأخيه، من منعهما ما نمنع منه أنفسنا، وذلك محيط بكل ما يحتاط فيه محتاط في أمر دين ودنيا.

وهذه نسخة الكتاب: " بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب وشرط من عبد الله المأمون أمير المؤمنين وولي عهده علي بن موسى لذي الرئاستين الفضل بن سهل في يوم الاثنين لسبع خلون من شهر رمضان، من سنة إحدى ومائتين، وهو اليوم الذي تمم الله فيه دولة أمير المؤمنين وعقد لولي عهده، وألبس الناس اللباس الأخضر، وبلغ أمله في صلاح وليه، والظفر بعدوه.

إنا دعوناك إلى ما فيه بعض مكافأتك على ما قمت به من حق الله تبارك و تعالى وحق رسوله وحق أمير المؤمنين وولي عهده علي بن موسى وحق هاشم التي بها يرجى صلاح الدين، وسلامة ذات البين بين المسلمين، إلى أن ثبتت النعمة علينا وعلى العامة بذلك، وبما عاونت عليه أمير المؤمنين من إقامة الدين والسنة وإظهار الدعوة الثانية، وإيثار الأولى مع قمع الشرك، وكسر الأصنام، وقتل العتاة، و سائر آثارك الممثلة للأمصار في المخلوع.

وفي المتسمي بالأصفر المكنى بأبي السرايا وفي المتسمي بالمهدي محمد بن جعفر الطالبي والترك الخزلجية، وفي طبرستان وملوكها إلى بندار هرمز بن شروين وفي الديلم وملكها وفي كابل وملكها المهوزين ثم ملكها الاصفهد وفي ابن المبرم وجبال بدار بنده وغرشستان والغور وأصنافها وفي خراسان خاقان وملون صاحب جبل التبت وفي كيمان والتغرغر وفي أرمينية والحجاز وصاحب السرير وصاحب

الخزر وفي المغرب وحروبه.

وتفسير ذلك في ديوان السيرة وكان ما دعوناك إليه وهو معونة لك مائة ألف ألف درهم وغلة عشرة ألف ألف درهم جوهرا سوى ما أقطعك أمير المؤمنين قبل ذلك وقيمة مائة ألف ألف درهم جوهرا يسير عندما أنت له مستحق فقد تركت مثل ذلك حين بذله لك المخلوع، وآثرت الله ودينه، وإنك شكرت أمير المؤمنين وولي عهده، وآثرت توفير ذلك كله على المسلمين، وجدت لهم به.

وسألتنا أن تبلغك الخصلة التي لم تزل إليها تائقا من الزهد والتخلي ليصح عند من شك في سعيك للآخرة دون الدنيا، تركك الدنيا، وما عن مثلك يستغنى في حال، ولا مثلك رد عن طلبته، ولو أخرجتنا طلبتك عن شطر النعم علينا، فكيف بأمر رفعت فيه المؤنة، وأوجبت به الحجة، على من كان يزعم أن دعاءك إلينا للدنيا لا للآخرة.

وقد أجبناك إلى ما سألت، وجعلنا ذلك لك مؤكدا بعهد الله وميثاقه الذي لا تبديل له ولا تغيير، وفوضنا الامر في وقت ذلك إليك، فما أقمت فعزيز مزاح العلة مدفوع عنك الدخول فيما تكره من الأعمال كائنا ما كان، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا في الحالات كلها وأنا أردت التخلي فمكرم مزاح البدن، وحق لبدنك الراحة والكرامة.

ثم نعطيك ما تتناوله مما بذلناه لك في هذا الكتاب، فتركته اليوم، وجعلنا للحسن بن سهل مثل ما جعلناه لك، ونصف ما بذلناه من العطية وأهل ذلك هو لك وبما بذل من نفسه في جهاد العتاة، وفتح العراق مرتين، وتفريق جموع الشيطان بيديه، حتى قوي الدين، وخاض نيران الحروب وفاء وشكرا بنفسه وأهل بيته ومن ساس من أولياء الحق.

وأشهدنا الله وملائكته وخيار خلقه وكل من أعطانا بيعته وصفقة يمينه في هذا اليوم وبعده على ما في هذا الكتاب وجعلنا الله علينا كفيلا وأوجبنا على أنفسنا

الوفاء بما شرطنا من غير استثناء بشئ ينقضه في سر وعلانية، والمؤمنون عند شروطهم، والعهد فرض مسؤول، وأولى الناس بالوفاء من طلب من الناس الوفاء، وكان موضعا للقدرة فان الله تبارك وتعالى يقول ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون﴾.

وكتب الحسن بن سهل توقيع المأمون فيه (بسم الله الرحمن الرحيم قد أوجب أمير المؤمنين على نفسه جميع ما في هذا الكتاب وأشهد الله تبارك وتعالى وجعله عليه داعيا وكفيلا وكتب بخطه في صفر سنة اثنتين ومائتين تشريفا للحباء وتوكيدا للشريطة.

توقيع الرضا عليه السلام (بسم الله الرحمن الرحيم قد ألزم علي بن موسى نفسه جميع ما في الكتاب على ما وكد فيه من يومه وغده، ما دام حيا، وجعل الله عليه راعيا وكفيلا، وكفى بالله شهيدا، وكتب بخطه في هذا الشهر من هذه السنة والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ايضاح (رأبت الاناء) أصلحته، ومنه قولهم اللهم ارأب بينهم أي أصلح و (الإحن) بكسر الهمزة وفتح الحاء جمع الإحنة بالكسر وهي الحقد قوله (وحفظ بلاء المبلين) البلاء النعمة، ومنه قول سيد الساجدين عليه السلام وأبلو البلاء الحسن في نصره، (والعوز) القلة والفقر ويقال (لفته عن رأيه) أي صرفه، ويقال أرعد الرجل وأبرق: إذا تهدد وأوعد، والقصم بالقاف والفاء الكسر.

وقال الجوهري: قال أبو عبيد: النقيبة النفس يقال فلان ميمون النقيبة إذا كان مبارك النفس، قال ابن السكيت إذا كان ميمون المشورة قوله (في إزاحة علته) أي في إزالة موانعه في كل ما دبر، والغرض تمكينه التام، قوله (وذلك ما ليس) أي هذا التمكين التام مختص به من بين كل من في عنقه بيعة لا يشركه فيه أحد وفي بعض النسخ (لما) أي ذلك التمكين لسوابق لم تحصل إلا له ولأخيه.

قوله (من ملك التخلي) أي له أن يختار التخلي ويزهد فيما فيه من الامارة وذلك حجة يتحقق بها في قلوب الناس، أنه إنما سعى في تمكين الخليفة للآخرة لا للدنيا، ويزول شك من كان في ذلك شاكا، وقوله (ما يلزمنا) معطوف على قوله (وذلك محيط) أي منعهما ما نمنع به أنفسنا يشتمل على كل ما يحتاط فيه محتاط في دين أو دنيا فيدل على أنا نراعي فيهما كل ما نراعي في أنفسنا من الحفظ من شرور الدنيا والآخرة.

قوله (وإظهار الدعوة الثانية) لعلها إشارة إلى البيعة الثانية مع ولاية العهد قوله (تائقا) من تاقت نفسه إلى الشئ أي اشتاقت.

2 - عيون أخبار الرضا (ع): الحسين بن أحمد البيهقي، عن محمد بن يحيى الصولي، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: حدثني الحافظ، عن ثمامة بن أشرس قال: عرض المأمون يوما للرضا عليه السلام بالامتنان عليه بأن ولاه العهد، فقال له: إن من أخذ برسول الله لخليق أن يعطى به.

3 - عيون أخبار الرضا (ع): روي أنه قصد الفضل بن سهل مع هشام بن عمرو الرضا عليه السلام فقال له: يا ابن رسول الله جئتك في سر فأخل لي المجلس، فأخرج الفضل يمينا مكتوبة بالعتق والطلاق، وما لا كفارة له، وقالا له: إنا جئناك لنقول كلمة حق وصدق وقد علمنا أن الامرة إمرتكم، والحق حقكم يا ابن رسول الله، والذي نقول بألسنتنا عليه ضمائرنا، وإلا نعتق ما نملك والنساء طوالق، وعلي ثلاثون حجة راجلا أنا، على أن نقتل المأمون، ونخلص لك الامر، حتى يرجع الحق إليك.

فلم يسمع منهما وشتمهما ولعنهما وقال لهما، كفرتما النعمة، فلا تكون لكما سلامة ولا لي إن رضيت بما قلتما.

فلما سمع الفضل ذلك منه مع هشام علما أنهما أخطئا فقصدا المأمون بعد أن قالا للرضا عليه السلام: أردنا بما فعلنا أن نجر بك، فقال لهما الرضا عليه السلام: كذبتما فان قلوبكما على ما أخبرتماني إلا أنكما لم تجداني نحو ما أردتما.

فلما دخلا على المأمون قالا: يا أمير المؤمنين إنا قصدنا الرضا وجربناه وأردنا أن نقف على ما يضمره لك، فقلنا وقال، فقال المأمون: وفقتما فلما خرجا من عند المأمون قصده الرضا عليه السلام: وأخليا المجلس وأعلمه ما قالا، وأمره أن يحفظ نفسه منهما، فلما سمع ذلك من الرضا عليه السلام علم أن الرضا عليه السلام هو الصادق.

4 - عيون أخبار الرضا (ع): الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن إبراهيم بن محمد الحسني قال:

بعث المأمون إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام جارية فلما أدخلت إليه اشمأزت من الشيب فلما رأى كراهتها ردها إلى المأمون وكتب إليه بهذه الأبيات:

نعى نفسي إلى نفسي المشيب * وعند الشيب يتعظ اللبيب فقد ولى الشباب إلى مداه * فلست أرى مواضعه تؤوب سأبكيه وأندبه طويلا * وأدعوه إلي عسى يجيب وهيهات الذي قد فات منه * تمنيني به النفس الكذوب وداع الغانيات بياض رأسي * ومن مد البقاء له يشيب أرى البيض الحسان يحدن عني * وفي هجرانهن لنا نصيب فان يكن الشباب مضى حبيبا * فان الشيب أيضا لي حبيب سأصحبه بتقوى الله حتى * يفرق بيننا الاجل القريب بيان: قال الجوهري: " الغانية " الجارية التي غنيت بزوجها وقد تكون التي غنيت بحسنها وجمالها.

5 - عيون أخبار الرضا (ع): حمزة العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن ياسر الخادم، قال:

كان الرضا عليه السلام إذا خلا جمع حشمه كلهم عنده الصغير والكبير، فيحدثهم ويأنس بهم ويؤنسهم وكان عليه السلام إذا جلس على المائدة لا يدع صغيرا ولا كبيرا حتى السائس والحجام إلا أقعده معه على مائدته.

قال ياسر: فبينا نحن عنده يوما إذ سمعنا وقع القفل الذي كان على باب المأمون إلى دار أبي الحسن عليه السلام فقال لنا الرضا أبو الحسن عليه السلام: قوموا تفرقوا فقمنا عنه فجاء المأمون ومعه كتاب طويل فأراد الرضا عليه السلام أن يقوم فأقسم عليه المأمون بحق رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا يقوم إليه.

ثم جاء حتى انكب على أبي الحسن عليه السلام وقبل وجهه، وقعد بين يديه على وسادة، فقرأ ذلك الكتاب عليه فإذا هو فتح لبعض قرى كابل فيه: إنا فتحنا قرية كذا وكذا، فلما فرغ قال له الرضا عليه السلام: وسرك فتح قرية من قرى الشرك؟

فقال له المأمون: أو ليس في ذلك سرور؟ فقال: يا أمير المؤمنين اتق الله في أمة محمد صلى الله عليه وآله وما ولاك الله من هذا الامر وخصك به فإنك قد ضيعت أمور المسلمين وفوضت ذلك إلى غيرك، يحكم فيهم بغير حكم الله عز وجل، وقعدت في هذه البلاد، وتركت بيت الهجرة، ومهبط الوحي، وإن المهاجرين والأنصار يظلمون دونك، ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، ويأتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه ويعجز عن نفقته، فلا يجد من يشكو إليه حاله، ولا يصل إليك.

فاتق الله يا أمير المؤمنين في أمور المسلمين وارجع إلى بيت النبوة، ومعدن المهاجرين والأنصار، أما علمت يا أمير المؤمنين أن والي المسلمين مثل العمود في وسط الفسطاط، من أراده أخذه.

قال المأمون: يا سيدي فما ترى؟ قال: أرى أن تخرج من هذه البلاد، وتتحول إلى موضع آبائك وأجدادك، وتنظر في أمور المسلمين، ولا تكلهم إلى غيرك فان الله عز وجل سائلك عما ولاك .

فقام المأمون فقال: نعم ما قلت يا سيدي هذا هو الرأي وخرج وأمر أن تقدم النوائب، وبلغ ذلك ذا الرئاستين فغمه غما شديدا وقد كان غلب على الامر، ولم يكن للمأمون عنده رأي، فلم يجسر أن يكاشفه، ثم قوي الرضا عليه السلام جدا فجاء ذو الرئاستين إلى المأمون فقال، يا أمير المؤمنين ما هذا الرأي الذي أمرت به؟

فقال: أمرني سيدي أبو الحسن بذلك، وهو الصواب.

فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا بصواب، قتلت بالأمس أخاك، وأزلت الخلافة عنه، وبنو أبيك معادون لك، وجميع أهل العراق وأهل بيتك والعرب، ثم أحدثت هذا الحدث الثاني: إنك جعلت ولاية العهد لأبي الحسن وأخرجتها من بني أبيك والعامة والعلماء والفقهاء وآل عباس لا يرضون بذلك، وقلوبهم متنافرة عنك، و الرأي أن تقيم بخراسان حتى تسكن قلوب الناس على هذا، ويتناسوا ما كان من أمر محمد أخيك، وهيهنا يا أمير المؤمنين مشايخ قد خدموا الرشيد، وعرفوا الامر فاستشرهم في ذلك، فان أشاروا به فأمضه.

فقال المأمون: مثل من؟ قال: مثل علي بن أبي عمران، وابن مؤنس، والجلودي وهؤلاء هم الذين نقموا بيعة أبي الحسن عليه السلام ولم يرضوا به، فحبسهم المأمون بهذا السبب فقال المأمون: نعم، فلما كان من الغد جاء أبو الحسن عليه السلام فدخل على المأمون فقال: يا أمير المؤمنين ما صنعت؟ فحكى له ما قال ذو الرئاستين.

ودعا المأمون بهؤلاء النفر فأخرجهم من الحبس فأول من دخل عليه علي بن أبي عمران فنظر إلى الرضا عليه السلام بجنب المأمون فقال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تخرج هذا الامر الذي جعله الله لكم وخصكم به، وتجعله في أيدي أعدائكم ومن كان آباؤك يقتلونهم، ويشردونهم في البلاد، قال المأمون له: يا ابن الزانية وأنت بعد على هذا؟ قدمه يا حرسي واضرب عنقه، فضربت عنقه، وادخل ابن مؤنس فلما نظر إلى الرضا عليه السلام بجنب المأمون قال: يا أمير المؤمنين هذا الذي بجنبك والله صنم يعبد دون الله قال له المأمون: يا ابن الزانية وأنت بعد على هذا يا حرسي قدمه واضرب عنقه، فضرب عنقه، ثم ادخل الجلودي.

وكان الجلودي في خلافة الرشيد لما خرج محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة بعثه الرشيد وأمره إن ظفر به أن يضرب عنقه، وأن يغير على دور آل أبي طالب وأن يسلب نساءهم ولا يدع على واحدة منهن إلا ثوبا واحدا، ففعل الجلودي ذلك، وقد كان مضى أبو الحسن موسى عليه السلام فصار الجلودي إلى باب أبي الحسن الرضا عليه السلام فانهجم على داره مع خيله، فلما نظر إليه الرضا عليه السلام جعل النساء كلهن

في بيت، ووقف على باب البيت، فقال الجلودي لأبي الحسن عليه السلام: لا بد من أن أدخل البيت فأسلبهن كما أمرني أمير المؤمنين، فقال الرضا عليه السلام أنا أسلبهن لك وأحلف أني لا أدع عليهن شيئا إلا أخذته، فلم يزل يطلب إليه ويحلف له حتى سكن فدخل أبو الحسن عليه السلام فلم يدع عليهن شيئا حتى أقراطهن وخلاخيلهن وإزارهن إلا أخذه منهن وجميع ما كان في الدار من قليل وكثير.

فلما كان في هذا اليوم وادخل الجلودي على المأمون قال الرضا عليه السلام:

يا أمير المؤمنين هب لي هذا الشيخ فقال المأمون: يا سيدي هذا الذي فعل ببنات رسول الله صلى الله عليه وآله ما فعل من سلبهن، فنظر الجلودي إلى الرضا عليه السلام وهو يكلم المأمون ويسأله عن أن يعفو عنه ويهبه له، فظن أنه يعين عليه لما كان الجلودي فعله، فقال: يا أمير المؤمنين أسألك بالله وبخدمتي للرشيد أن لا تقبل قول هذا في، فقال المأمون: يا أبا الحسن قد استعفى ونحن نبر قسمه ثم قال: لا والله لا أقبل فيك قوله ألحقوه بصاحبيه، فقدم وضرب عنقه.

ورجع ذو الرياستين إلى أبيه سهل، وقد كان المأمون أمر أن تقدم النوائب فردها ذو الرئاستين، فلما قتل المأمون هؤلاء علم ذو الرئاستين أنه قد عزم على الخروج، فقال الرضا عليه السلام: يا أمير المؤمنين ما صنعت بتقديم النوائب؟ قال المأمون: يا سيدي مرهم أنت بذلك، فخرج أبو الحسن عليه السلام وصاح بالناس:

قدموا النوائب، قال: فكأنما وقعت فيهم النيران وأقبلت النوائب يتقدم و يخرج.

وقعد ذو الرئاستين منزله فبعث إليه المأمون فأتاه فقال له: مالك قعدت في بيتك؟

فقال يا أمير المؤمنين إن ذنبي عظيم عند أهل بيتك وعند العامة، والناس يلومونني بقتل أخيك المخلوع وبيعة الرضا عليه السلام ولا آمن السعاة والحساد وأهل البغي أن يسعوا بي، فدعني أخلفك بخراسان، فقال له المأمون: لا نستغني عنك فأما ما قلت إنه يسعى بك ويبغى لك الغوائل، فليس أنت عندنا إلا الثقة المأمون، الناصح

المشفق فاكتب لنفسك ما تثق به من الضمان والأمان، وأكد لنفسك ما تكون به مطمئنا.

فذهب وكتب لنفسه كتابا وجمع عليه العلماء وأتى به المأمون فقرأه و أعطاه المأمون كلما أحب، وكتب له بخطه كتاب الحبوة: إني قد حبوتك بكذا وكذا من الأموال والضياع والسلطان، وبسط له من الدنيا أمله، فقال ذو الرئاستين: يا أمير المؤمنين يجب أن يكون خط أبي الحسن في هذا الأمان يعطينا ما أعطيت، فإنه ولي عهدك. فقال المأمون: قد علمت أن أبا الحسن عليه السلام قد شرط علينا أن لا يعمل من ذلك شيئا ولا يحدث حدثا. فلا نسأله ما يكرهه، فاسأله أنت فإنه لا يأبى عليك في هذا.

فجاء واستأذن على أبي الحسن عليه السلام قال ياسر: فقال لنا الرضا عليه السلام: قوموا فتنحوا فتنحينا، فدخل فوقف بين يديه ساعة، فرفع أبو الحسن عليه السلام رأسه إليه فقال له: ما حاجتك يا فضل؟ قال: يا سيدي هذا ما كتبه لي أمير المؤمنين وأنت أولى أن تعطينا مثل ما أعطى أمير المؤمنين إذ كنت ولي عهد المسلمين.

فقال له الرضا عليه السلام اقرأه، وكان كتابا في أكبر جلد، فلم يزل قائما حتى قرأه فلما فرغ قال له أبو الحسن عليه السلام: يا فضل لك علينا هذا ما اتقيت الله عز وجل، قال ياسر: فنقض عليه أمره في كلمة واحدة فخرج من عنده وخرج المأمون وخرجنا مع الرضا عليه السلام.

فلما كان بعد ذلك بأيام ونحن في بعض المنازل، ورد على ذي الرئاستين كتاب من أخيه الحسن بن سهل أني نظرت في تحويل هذه السنة في حساب النجوم ووجدت فيه أنك تذوق في شهر كذا يوم الأربعاء حر الحديد وحر النار، وأرى أن تدخل أنت والرضا وأمير المؤمنين الحمام في هذا اليوم، فتحتجم فيه، وتصب الدم على بدنك ليزول نحسه عنك، فبعث الفضل إلى المأمون وكتب إليه بذلك وسأله أن يدخل الحمام معه ويسأل أبا الحسن عليه السلام أيضا ذلك، فكتب المأمون إلى الرضا عليه السلام رقعة في ذلك وسأله، فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام: لست بداخل

غدا الحمام ولا أرى لك يا أمير المؤمنين أن تدخل الحمام غدا ولا أرى للفضل أن يدخل الحمام غدا.

فأعاد إليه الرقعة مرتين فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام: لست بداخل غدا الحمام فاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في النوم في هذه الليلة يقول لي: يا علي لا تدخل الحمام غدا. فلا أرى لك يا أمير المؤمنين ولا للفضل أن تدخلا الحمام غدا، فكتب إليه المأمون صدقت يا سيدي وصدق رسول الله، لست بداخل غدا الحمام والفضل فهو أعلم وما يفعله.

قال ياسر: فلما أمسينا وغابت الشمس فقال لنا الرضا عليه السلام: قولوا نعوذ بالله من شر ما ينزل في هذه الليلة، فأقبلنا نقول كذلك فلما صلى الرضا عليه السلام الصبح قال لنا: قولوا نعوذ بالله من شر ما ينزل في هذا اليوم، فما زلنا نقول ذلك.

فلما كان قريبا من طلوع الشمس قال الرضا عليه السلام اصعد السطح، فاستمع هل تسمع شيئا، فلما صعدت سمعت الضجة والنحيب وكثر ذلك، فإذا المأمون قد دخل من الباب الذي كان إلى داره من دار أبي الحسن عليه السلام يقول: يا سيدي يا أبا الحسن آجرك الله في الفضل، وكان دخل الحمام فدخل عليه قوم، بالسيوف فقتلوه واخذ من دخل عليه في الحمام وكانوا ثلاثة نفر أحدهم ابن خالة الفضل ذو القلمين قال: واجتمع القواد والجند، ومن كان من رجال ذي الرئاستين على باب المأمون فقالوا: اغتاله وقتله فلنطلبن بدمه.

فقال المأمون للرضا عليه السلام: يا سيدي ترى أن تخرج إليهم وتفرقهم، قال ياسر: فركب الرضا عليه السلام وقال لي اركب فلما خرجنا من الباب نظر الرضا عليه السلام إليهم وقد اجتمعوا وجاؤا بالنيران ليحرقوا الباب، فصاح بهم وأومأ إليهم بيده:

تفرقوا! فتفرقوا. قال ياسر: فأقبل الناس والله يقع بعضهم على بعض، وما أشار إلى أحد إلا ركض ومر ولم يقف له أحد.

6 - الإرشاد: ابن قولويه، عن الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن ياسر الخادم قال: لما عزم المأمون الخروج من خراسان إلى بغداد خرج، وخرج معه الفضل ابن سهل ذو الرئاستين، وخرجنا مع أبي الحسن الرضا عليه السلام فورد على الفضل بن سهل كتاب من أخيه الحسن بن سهل، ونحن في بعض المنازل في الطريق إني نظرت في تحويل السنة، وذكر مثل ما أوردنا إلى آخر الخبر.

بيان: قوله عليه السلام " يظلمون " على البناء للمجهول " دونك " أي قبل أن يصلوا إليك، والإل بالكسر: العهد والقرابة، قوله " مثل العمود " أي في ظهوره للناس وعدم مانع عن الوصول إليه، وكونه في وسط الممالك، ويمكن أن يكون المراد بالنوائب العساكر المعدة للنوائب أو أسباب السفر المعدة لها أو العساكر الذين ينتابون في الخدمة أو الطبول المسماة في عرف العجم بالنوبة السلطانية.

7 - عيون أخبار الرضا (ع): الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن الهروي قال جئت إلى باب الدار التي حبس فيه الرضا عليه السلام بسرخس وقد قيد فاستأذنت عليه السجان، فقال:

لا سبيل لكم إليه فقلت: ولم؟ قال: لأنه ربما صلى في يومه وليلته ألف ركعة، وإنما ينفتل من صلاته ساعة في صدر النهار، وقبل الزوال، وعند اصفرار الشمس، فهو في هذه الأوقات قاعد في مصلاه يناجي ربه.

قال: فقلت له: فاطلب لي في هذه الأوقات إذنا عليه فاستأذن لي عليه فدخلت عليه وهو قاعد في مصلاه متفكر، قال أبو الصلت: فقلت يا بن رسول الله ما شئ يحكيه عنكم الناس؟ قال: وما هو؟ قلت: يقولون إنكم تدعون أن الناس لكم عبيد؟ فقال: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت شاهد بأني لم أقل ذلك قط ولا سمعت أحدا من آبائي عليهم السلام قاله قط، وأنت العالم بما لنا من المظالم عند هذه الأمة وأن هذه منها.

ثم أقبل علي فقال: يا عبد السلام إذا كان الناس كلهم عبيدنا على ما حكوه عنا، فممن نبيعهم؟ فقلت: يا ابن رسول الله صدقت.

ثم قال: يا عبد السلام أمنكر أنت لما أوجب الله عز وجل لنا من الولاية كما ينكره غيرك؟ قلت: معاذ الله بل أنا مقر بولايتكم.

8 - عيون أخبار الرضا (ع): البيهقي، عن الصولي، عن عون بن محمد، عن محمد بن أبي عبادة قال:

لما كان من أمر الفضل بن سهل ما كان وقتل، دخل المأمون إلى الرضا عليه السلام يبكي وقال له: هذا وقت حاجتي إليك يا أبا الحسن، فتنظر في الامر وتعينني، قال له:

عليك التدبير يا أمير المؤمنين وعلينا الدعاء فلما خرج المأمون قلت للرضا عليه السلام لم أخرت أعزك الله ما قال لك أمير المؤمنين وأبيته؟ فقال: ويحك يا با حسن لست من هذا الامر في شئ قال: فرآني قد اغتممت، فقال: وما لك في هذا لو آل الامر إلى ما تقول وأنت مني كما أنت ما كانت نفقتك إلا في كمك وكنت كواحد من الناس.

بيان: قوله عليه السلام: " ما كانت نفقتك إلا في كمك " كناية عن قلتها بحيث يقدر أن يحملها معه في كمه، أو عن كونها حاضرة له لا يتعب في تحصيلها، والأول أظهر.

9 - كشف الغمة: ومما تلقته الاسماع ونقلته الألسن في بقاع الأصقاع أن الخليفة المأمون وجد في يوم عيد انحراف مزاج أحدث عنده ثقلا عن الخروج إلى الصلاة بالناس، فقال لأبي الحسن علي الرضا عليه السلام: يا أبا الحسن! قم وصل بالناس، فخرج الرضا عليه السلام وعليه قميص قصير أبيض ، وعمامة بيضاء نظيفة، وهما من قطن، وفي يده قضيب، فأقبل ماشيا يؤم المصلى وهو يقول: السلام على أبوي آدم ونوح السلام على أبوي إبراهيم وإسماعيل السلام على أبوي محمد وعلي السلام على عباد الله الصالحين فلما رآه الناس أهرعوا إليه وانثالوا عليه لتقبيل يديه.

فأسرع بعض الحاشية إلى الخليفة المأمون فقال: يا أمير المؤمنين تدارك

الناس واخرج صل بهم، وإلا خرجت الخلافة منك الآن، فحمله على أن خرج بنفسه وجاء مسرعا والرضا عليه السلام بعد من كثرة الزحام عليه لم يخلص إلى المصلى فتقدم المأمون وصلى بالناس.

وقال الآبي في نثر الدر: علي بن موسى الرضا عليه السلام سأله الفضل بن سهل في مجلس المأمون فقال: يا أبا الحسن الخلق مجبرون؟ فقال: الله أعدل من أن يجبر ثم يعذب؟ قال: فمطلقون؟ قال: الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه.

اتي المأمون بنصراني قد فجر بهاشمية فلما رآه أسلم فغاظه ذلك، وسأل الفقهاء فقالوا: هدر الاسلام ما قبله فسأل الرضا عليه السلام؟ فقال: اقتله لأنه أسلم حين رأى البأس، قال الله عز وجل: " فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده " إلى آخر السورة.

قال عمرو بن مسعدة: بعثني المأمون إلى علي عليه السلام لأعلمه بما أمرني به من كتاب في تقريظه، فأعلمته ذلك، فأطرق مليا وقال: يا عمرو إن من أخذ برسول الله لحقيق أن يعطى به.

بيان: " التقريظ " مدح الانسان وهو حي وحاصل الجواب أنه أخذ الخلافة بسبب الانتساب برسول الله صلى الله عليه وآله فهو حقيق بأن يكرم أهل بيته عليهم السلام.

10 - كشف الغمة: قال الآبي: ادخل رجل إلى المأمون، أراد ضرب رقبته والرضا عليه السلام حاضر، فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أقول: إن الله لا يزيدك بحسن العفو إلا عزا فعفا عنه.

وقال المأمون: يا أبا الحسن أخبرني عن جدك علي بن أبي طالب بأي وجه

هو قسيم الجنة والنار؟ فقال: يا أمير المؤمنين ألم ترو عن أبيك، عن آبائه، عن عبد الله بن عباس أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: حب علي إيمان وبغضه كفر؟ فقال: بلى، قال الرضا عليه السلام: فقسم الجنة والنار، فقال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن، أشهد أنك وارث علم رسول الله.

قال أبو الصلت الهروي: فلما رجع الرضا إلى منزله أتيته فقلت: يا ابن رسول الله ما أحسن ما أجبت به أمير المؤمنين؟ فقال: يا أبا الصلت أنا كلمته من حيث هو، ولقد سمعت أبي يحدث عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: قال لي رسول الله:

يا علي أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة، تقول للنار: هذا لي وهذا لك.

11 - عيون أخبار الرضا (ع): علي بن الحسين بن شاذويه وجعفر بن محمد بن مسرور، عن الحميري عن أبيه، عن الريان بن الصلت قال: حضر الرضا عليه السلام مجلس المأمون بمرو، وقد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق وخراسان، فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا " فقالت العلماء:

أراد الله عز وجل بذلك الأمة كلها، فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال الرضا عليه السلام: لا أقول كما قالوا ولكني أقول: أراد الله عز وجل بذلك العترة الطاهرة - ثم استدل عليه السلام بالآيات والروايات إلى أن قال المأمون والعلماء -:

جزاكم الله أهل بيت نبيكم عن الأمة خيرا فما نجد الشرح والبيان فيما اشتبه علينا إلا عندكم.

12 - عيون أخبار الرضا (ع): جعفر بن علي بن أحمد الفقيه القمي، عن الحسن بن محمد بن علي بن صدقة، عن محمد بن عمر بن عبد العزيز الأنصاري قال: حدثني من سمع الحسن بن محمد النوفلي ثم الهاشمي يقول: لما قدم علي بن موسى الرضا عليه السلام على المأمون أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات: مثل الجاثليق، ورأس الجالوت، ورؤساء الصابئين، والهربذ الأكبر، وأصحاب زردهشت، ونسطاس

الرومي، والمتكلمين ليسمع كلامه وكلامهم، فجمعهم الفضل بن سهل، ثم أعلم المأمون باجتماعهم، فقال: أدخلهم على ففعل فرحب بهم المأمون ثم قال لهم:

إني إنما جمعتكم لخير وأحببت أن تناظروا ابن عمي هذا المدني القادم علي فإذا كان بكرة فاغدوا علي ولا يتخلف منكم أحد فقالوا: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين نحن مبكرون إنشاء الله تعالى.

قال الحسن بن محمد النوفلي: فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا عليه السلام إذ دخل علينا ياسر، وكان يتولى أمر أبي الحسن عليه السلام فقال: يا سيدي إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول: فداك أخوك إنه اجتمع إلى أصحاب المقالات، وأهل الأديان والمتكلمون من جميع الملل، فرأيك في البكور علينا إن أحببت كلامهم، وإن كرهت ذلك فلا تتجشم وإن أحببت أن نصير إليك خف ذلك علينا، فقال أبو الحسن عليه السلام: أبلغه السلام وقل له: قد علمت ما أردت، وأنا صائر إليك بكرة إنشاء الله تعالى.

قال الحسن بن محمد النوفلي: فلما مضى ياسر التفت إلينا ثم قال لي: يا نوفلي أنت عراقي ورقة العراقي غير غليظة، فما عندك في جمع ابن عمك علينا أهل الشرك، وأصحاب المقالات؟ فقلت: جعلت فداك يريد الامتحان ويحب أن يعرف ما عندك ولقد بنى على أساس غير وثيق البنيان وبئس والله ما بنى، فقال لي:

وما بناؤه في هذا الباب؟ قلت: إن أصحاب الكلام والبدع خلاف العلماء، وذلك أن العالم لا ينكر غير المنكر، وأصحاب المقالات والمتكلمون وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهتة، إن احتججت عليهم بأن الله تعالى واحد قالوا: صحح وحدانيته وإن قلت: إن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا: ثبت رسالته، ثم يباهتون الرجل وهو يبطل عليهم بحجته، ويغالطونه حتى يترك قوله، فاحذرهم جعلت فداك.

قال فتبسم عليه السلام: ثم قال: يا نوفلي أفتخاف أن يقطعوني على حجتي؟

قلت: لا والله، ما خفت عليك قط، وإني لأرجو أن يظفرك الله بهم إنشاء الله تعالى فقال لي: يا نوفلي أتحب أن تعلم متى يندم المأمون؟ قلت: نعم، قال: إذا سمع

احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم، وعلى أهل الزبور بزبورهم، وعلى الصابئين بعبرانيتهم، وعلى أهل الهرابذة بفارسيتهم، وعلى أهل الروم بروميتهم، وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم، فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته، وترك مقالته ورجع إلى قولي، علم المأمون أن الموضع الذي هو بسبيله ليس بمستحق له، فعند ذلك تكون الندامة منه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فلما أصبحنا أتانا الفضل بن سهل فقال له: جعلت فداك ابن عمك ينتظرك وقد اجتمع القوم فما رأيك في إتيانه؟ فقال له الرضا عليه السلام: تقدمني وإني صائر إلى ناحيتكم إنشاء الله.

ثم توضأ عليه السلام وضوءه للصلاة، وشرب شربة سويق وسقانا منه، ثم خرج وخرجنا معه حتى دخلنا على المأمون، فإذا المجلس غاص بأهله ومحمد بن جعفر في جماعة الطالبيين والهاشميين، والقواد حضور.

فلما دخل الرضا عليه السلام قام المأمون وقام محمد بن جعفر وجميع بني هاشم فما زالوا وقوفا والرضا عليه السلام جالس مع المأمون حتى أمرهم بالجلوس فجلسوا فلم يزل المأمون مقبلا عليه يحدثه ساعة ثم التفت إلى الجاثليق فقال: يا جاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر، وهو من ولد فاطمة بنت نبينا وابن علي ابن أبي طالب عليه السلام فأحب أن تكلمه وتحاجه وتنصفه، فقال الجاثليق: يا أمير المؤمنين كيف أحاج رجلا يحتج علي بكتاب أنا منكره، ونبي لا أؤمن به فقال الرضا عليه السلام: يا نصراني فان احتججت عليك بإنجيلك أتقر به؟ قال الجاثليق:

وهل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل، نعم والله أقر به على رغم أنفي.

ثم قرأ الرضا عليه السلام عليه الإنجيل، وأثبت عليه أن نبينا صلى الله عليه وآله مذكور فيه ثم أخبره بعدد حواري عيس عليه السلام وأحوالهم، واحتج بحجج كثيرة أقر بها ثم قرأ عليه كتاب شعيا وغيره إلى أن قال الجاثليق: ليسألك غيري فلا وحق المسيح ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك.

فالتفت الرضا عليه السلام إلى رأس الجالوت واحتج عليه بالتوراة والزبور وكتاب شعيا وحيقوق حتى أقحم ولم يحر جوابا.

ثم دعا عليه السلام بالهربذ الأكبر واحتج عليه حتى انقطع هربذ مكانه.

فقال الرضا عليه السلام: يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الاسلام وأراد أن يسأل فليسأل غير محتشم فقام إليه عمران الصابي وكان واحدا في المتكلمين فقال:

يا عالم الناس لولا أنك دعوت إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل، فلقد دخلت الكوفة والبصرة، والشام والجزيرة، ولقيت المتكلمين فلم أقع على أحد يثبت لي واحدا ليس غيره قائما بوحدانيته أفتأذن أن أسألك؟ قال الرضا عليه السلام: إن كان في الجماعة عمران الصابي فأنت هو، قال: أنا هو، قال: سل يا عمران، وعليك بالنصفة وإياك والخطل والجور، فقال: والله يا سيدي ما أريد إلا أن تثبت لي شيئا أتعلق به، فلا أجوزه، قال: سل عما بدا لك.

فازدحم الناس وانضم بعضهم إلى بعض، فاحتج الرضا عليه السلام عليه وطال الكلام بينهما إلى الزوال فالتفت الرضا عليه السلام إلى المأمون، فقال: الصلاة قد حضرت فقال عمران: يا سيدي لا تقطع علي مسألتي فقد رق قلبي قال الرضا عليه السلام:

نصلي ونعود، فنهض ونهض المأمون، فصلى الرضا عليه السلام داخلا وصلى الناس خارجا خلف محمد بن جعفر، ثم خرجا فعاد الرضا عليه السلام إلى مجلسه ودعا بعمران، فقال:

سل يا عمران، فسأله عن الصانع تعالى وصفاته وأجيب إلى أن قال: أفهمت يا عمران؟ قال: نعم، يا سيدي قد فهمت، وأشهد أن الله على ما وصفت، ووحدت، و أن محمدا عبده المبعوث بالهدى ودين الحق، ثم خر ساجدا نحو القبلة وأسلم.

قال الحسن بن محمد النوفلي، فلما نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابي وكان جدلا لم يقطعه عن حجته أحد قط لم يدن من الرضا عليه السلام أحد منهم، ولم يسألوه عن شئ، وأمسينا، فنهض المأمون والرضا عليه السلام فدخلا، وانصرف الناس وكنت مع جماعة من أصحابنا إذ بعث إلي محمد بن جعفر فأتيته فقال لي: يا نوفلي

أما رأيت ما جاء به صديقك لا والله ما ظننت أن علي بن موسى خاض في شئ من هذا قط ولا عرفناه به، إنه كان يتكلم بالمدينة أو يجتمع إليه أصحاب الكلام؟ قلت:

قد كان الحاج يأتونه فيسألونه عن أشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم، وربما كلم من يأتيه يحاجه.

فقال محمد بن جعفر: يا با محمد إني أخاف عليه أن يحسده هذا الرجل فيسمه أو يفعل به بلية، فأشر عليه بالامساك عن هذه الأشياء قلت: إذا لا يقبل مني، وما أراد الرجل إلا امتحانه ليعلم هل عنده شئ من علوم آبائه عليهم السلام فقال لي: قل له:

إن عمك قد كره هذا الباب، وأحب أن تمسك عن هذه الأشياء لخصال شتى.

فلما انقلبت إلى منزل الرضا عليه السلام أخبرته بما كان من عمه محمد بن جعفر فتبسم عليه السلام ثم قال: حفظ الله عمي ما أعرفني به لم كره ذلك، يا غلام صر إلى عمران الصابي فائتني به فقلت: جعلت فداك أنا أعرف موضعه وهو عند بعض إخواننا من الشيعة، قال: فلا بأس قربوا إليه دابة فصرت إلى عمران فأتيته به فرحب به ودعا بكسوة فخلعها عليه وحمله ودعا بعشرة آلاف درهم، فوصله بها.

فقلت: جعلت فداك حكيت فعل جدك أمير المؤمنين عليه السلام قال: هكذا يجب ثم دعا عليه السلام بالعشاء فأجلسني عن يمينه وأجلس عمران عن يساره، حتى إذا فرغنا قال لعمران: انصرف مصاحبا وبكر علينا نطعمك طعام المدينة، فكان عمران بعد ذلك يجتمع إليه المتكلمون من أصحاب المقالات، فيبطل أمرهم حتى اجتنبوه ووصله المأمون بعشرة آلاف درهم، وأعطاه الفضل مالا وحمله وولاه الرضا عليه السلام صدقات بلخ فأصاب الرغائب.

13 - عيون أخبار الرضا (ع): بالاسناد المتقدم عن الحسن بن محمد النوفلي قال: قدم سليمان المروزي متكلم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله، ثم قال له: إن ابن عمي علي بن موسى عليه السلام قدم علي من الحجاز، وهو يحب الكلام وأصحابه فلا عليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته، فقال سليمان يا أمير المؤمنين إني أكره أن

أسأل مثله في مجلسك في جماعة من بني هاشم فينتقص عند القوم إذا كلمني ولا يجوز الاستقصاء عليه قال المأمون إنما وجهت إليك لمعرفتي بقوتك وليس مرادي إلا أن تقطعه عن حجة واحدة فقط، فقال سليمان: حسبك يا أمير المؤمنين اجمع بينه وبيني وخلني والذم.

فوجه المأمون إلى الرضا عليه السلام فقال: إنه قد قدم علينا رجل من أهل مرو وهو واحد خراسان من أصحاب الكلام، فان خف عليك أن تتجشم المصير إلينا فعلت، فنهض عليه السلام للوضوء وقال لنا: تقدموني، وعمران الصابي معنا، فصرنا إلى الباب فأخذ ياسر وخالد بيدي فأدخلاني على المأمون فلما سلمت قال: أين أخي أبو الحسن أبقاه الله؟ قلت: خلفته يلبس ثيابه وأمرنا أن نتقدم.

ثم قلت يا أمير المؤمنين: إن عمران مولاك معي وهو بالباب فقال: من عمران؟ قلت: الصابي الذي أسلم على يديك، قال: فليدخل، فدخل فرحب به المأمون، ثم قال له: يا عمران لم تمت حتى صرت من بني هاشم قال: الحمد لله الذي شرفني بكم يا أمير المؤمنين، فقال له المأمون: يا عمران هذا سليمان المروزي متكلم خراسان قال عمران: يا أمير المؤمنين إنه يزعم أنه واحد خراسان في النظر وينكر البداء، قال: فلم لا تناظره؟ قال عمران: ذاك إليه.

فدخل الرضا عليه السلام فقال في أي شئ كنتم؟ قال عمران: يا بن رسول الله هذا سليمان المروزي فقال سليمان: أترضى بأبي الحسن وبقوله فيه؟ فقال عمران:

قد رضيت بقول أبي الحسن في البداء على أن يأتيني فيه بحجة أحتج بها على نظرائي من أهل النظر.

فاحتج عليه السلام عليه في البداء والإرادة وغيرهما من مسائل التوحيد حتى انقطع سليمان، ولم يحر جوابا، فقال المأمون عند ذلك: يا سليمان هذا أعلم هاشمي ثم تفرق القوم.

قال الصدوق رحمه الله: كان المأمون يجلب على الرضا عليه السلام من متكلمي الفرق وأهل الأهواء المضلة كل من سمع به حرصا على انقطاع الرضا عليه السلام عن الحجة مع واحد منهم، وذلك حسدا منه له ولمنزلته من العلم، فكان لا يكلمه أحد إلا أقر له بالفضل والتزم الحجة له عليه لان الله تعالى ذكره يأبى إلا أن يعلي كلمته، ويتم نوره، وينصر حجته، وهكذا وعد تبارك وتعالى في كتابه فقال " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا " 1 يعني بالذين آمنوا الأئمة الهداة عليهم السلام وأتباعهم العارفين، والآخذين عنهم، ينصرهم بالحجة على مخالفيهم ما داموا في الدنيا، وكذلك يفعل بهم في الآخرة، وإن الله عز وجل لا يخلف وعده 2.

١٤ - عيون أخبار الرضا ﴿ع): الهمداني والمكتب والوراق جميعا عن علي بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد البرمكي، عن الهروي قال: لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا عليه السلام أهل المقالات من أهل الاسلام والديانات من اليهود والنصارى و المجوس والصابئين وسائر أهل المقالات فلم يقم أحد إلا وقد ألزمه حجته كأنه ألقم حجرا، قام إليه علي بن محمد بن الجهم فقال له: يا ابن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء؟ قال: نعم، قال: فما تعمل في قول الله عز وجل " وعصى آدم ربه فغوى﴾ إلى آخر ما قال. فأجابه عليه السلام عن جميع ذلك حتى بكى علي بن محمد ابن الجهم وقال يا ابن رسول الله أنا تائب إلى الله عز وجل من أن أنطق في أنبياء الله عليهم السلام بعد يومي هذا إلا بما ذكرته.

15 - عيون أخبار الرضا (ع): تميم القرشي. عن أبيه، عن حمدان بن سليمان، عن علي بن محمد ابن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى عليه السلام فسأله المأمون عن الاخبار الموهمة لعدم عصمة الأنبياء عليهم السلام فأجاب عليه السلام عن كل

منها فكان المأمون يقول: أشهد أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله حقا، وقد كان يقول:

لله درك يا ابن رسول الله، وقد كان يقول: بارك الله فيك يا أبا الحسن، وقد كان يقول: جزاك الله عن أنبيائه خيرا يا أبا الحسن.

فلما أجاب عليه السلام عن كل ما أراد أن يسأله قال المأمون: لقد شفيت صدري يا ابن رسول الله وأوضحت لي ما كان ملتبسا علي فجزاك الله عن أنبيائه وعن الاسلام خيرا.

قال علي بن محمد الجهم فقام المأمون إلى الصلاة وأخذ بيد محمد بن جعفر وكان حاضر المجلس وتبعتهما، فقال له المأمون: كيف رأيت ابن أخيك؟ فقال:

عالم ولم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم، فقال المأمون: إن ابن أخيك من أهل بيت النبي الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وآله " ألا إن أبرار عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس كبارا، لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، لا يخرجونكم من باب هدى، ولا يدخلونكم في باب ضلال " وانصرف الرضا عليه السلام إلى منزله.

فلما كان من الغد غدوت عليه وأعلمته ما كان من قول المأمون، وجواب عمه محمد بن جعفر له، فضحك عليه السلام ثم قال: يا ابن الجهم لا يغرنك ما سمعته منه فإنه سيغتالني، والله ينتقم لي منه.

قال الصدوق رحمه الله: هذا الحديث غريب من طريق علي بن محمد بن الجهم مع نصبه وبغضه وعداوته لأهل البيت عليهم السلام.

أقول: قد أوردت تلك الأخبار بتمامها في كتاب الاحتجاجات وكتاب النبوة وإنما أوردت منها ههنا ما يناسب المقام.

16 - عيون أخبار الرضا (ع): المفسر باسناده إلى أبي محمد العسكري، عن أبيه، عن جده عليهم السلام أن الرضا علي بن موسى عليه السلام لما جعله المأمون ولي عهده، احتبس المطر فجعل بعض حاشية المأمون والمتعصبين على الرضا عليه السلام يقولون: انظروا لما جاءنا علي ابن موسى وصار ولي عهدنا فحبس الله تعالى عنا المطر، واتصل ذلك بالمأمون فاشتد

عليه، فقال للرضا عليه السلام: قد احتبس المطر فلو دعوت الله عز وجل أن يمطر الناس قال الرضا عليه السلام: نعم، قال: فمتى تفعل ذلك؟ وكان ذلك يوم الجمعة، قال: يوم الاثنين فان رسول الله صلى الله عليه وآله أتاني البارحة في منامي ومعه أمير المؤمنين عليه السلام وقال:

يا بني انتظر يوم الاثنين، فأبرز إلى الصحراء واستسق فان الله عز وجل سيسقيهم وأخبرهم بما يريك الله مما لا يعلمون حاله، ليزداد علمهم بفضلك ومكانك من ربك عز وجل.

فلما كان يوم الاثنين غدا إلى الصحراء وخرج الخلائق ينظرون فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اللهم يا رب أنت عظمت حقنا أهل البيت فتوسلوا بنا كما أمرت، وأملوا فضلك ورحمتك، وتوقعوا إحسانك ونعمتك فاسقهم سقيا نافعا عاما غير رائث، ولا ضائر، وليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم ومقارهم.

قال: فوالله الذي بعث محمدا بالحق نبيا، لقد نسجت الرياح في الهواء الغيوم وأرعدت وأبرقت، وتحرك الناس كأنهم يرون التنحي عن المطر فقال الرضا عليه السلام على رسلكم أيها الناس فليس هذا الغيم لكم، إنما هو لأهل بلد كذا، فمضت السحابة وعبرت، ثم جاءت سحابة أخرى تشتمل على رعد وبرق فتحركوا فقال:

على رسلكم فما هذه لكم إنما هي لأهل بلد كذا، فما زال حتى جاءت عشر سحابات وعبرت ويقول علي بن موسى الرضا عليه السلام في كل واحدة: على رسلكم ليست هذه لكم إنما هي لأهل بلد كذا.

ثم أقبلت سحابة حادية عشر، فقال: أيها الناس هذه بعثها الله عز وجل لكم فاشكروا الله تعالى على تفضله عليكم، وقوموا إلى منازلكم ومقاركم فإنها مسامتة لكم ولرؤوسكم ممسكة عنكم إلى أن تدخلوا مقاركم ثم يأتيكم من الخير ما يليق بكرم الله تعالى وجلاله، ونزل من المنبر فانصرف الناس فما زالت السحابة ممسكة إلى أن قربوا من منازلهم ثم جاءت بوابل المطر فملأت الأودية والحياض والغدران والفلوات، فجعل الناس يقولون: هنيئا لولد رسول الله صلى الله عليه وآله كرامات الله عز وجل.

ثم برز إليهم الرضا عليه السلام وحضرت الجماعة الكثيرة منهم، فقال: أيها الناس اتقوا الله في نعم الله عليكم، فلا تنفروها عنكم بمعاصيه، بل استديموها بطاعته و شكره على نعمه وأياديه، واعلموا أنكم لا تشكرون الله عز وجل بشئ بعد الايمان بالله، وبعد الاعتراف بحقوق أولياء الله من آل محمد رسول الله أحب إليكم من معاونتكم لإخوانكم المؤمنين على دنياهم التي هي معبرتهم إلى جنان ربهم، فان من فعل ذلك كان من خاصة الله تبارك وتعالى.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك قولا ما ينبغي لقائل أن يزهد في فضل الله تعالى عليه إن تأمله وعمل عليه قيل: يا رسول الله هلك فلان يعمل من الذنوب كيت وكيت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بل قد نجا ولا يختم الله تعالى عمله إلا بالحسنى و سيمحو الله عنه السيئات، ويبدلها له حسنات، إنه كان مرة يمر في طريق عرض له مؤمن قد انكشفت عورته، وهو لا يشعر فسترها عليه ولم يخبره بها مخافة أن يخجل ثم إن ذلك المؤمن عرفه في مهواه فقال له: أجزل الله لك الثواب، وأكرم لك المآب ولا ناقشك الحساب، فاستجاب الله له فيه، فهذا العبد لا يختم له إلا بخير بدعاء ذلك المؤمن.

فاتصل قول رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الرجل فتاب وأناب وأقبل على طاعة الله عز وجل فلم يأت عليه سبعة أيام حتى أغير على سرح المدينة، فوجه رسول الله صلى الله عليه وآله في أثرهم جماعة ذلك الرجل أحدهم فاستشهد فيهم.

قال الإمام محمد بن علي بن موسى عليه السلام: وأعظم الله تبارك وتعالى البركة في البلاد بدعاء الرضا عليه السلام وقد كان للمأمون من يريد أن يكون هو ولي عهده من دون الرضا عليه السلام وحساد كانوا بحضرة المأمون للرضا عليه السلام فقال المأمون بعض أولئك: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تكون تاريخ الخلفاء في اخراجك هذا الشرف العميم، والفخر العظيم، من بيت ولد العباس إلى بيت ولد علي، ولقد أعنت على نفسك وأهلك، جئت بهذا الساحر ولد السحرة، وقد كان خاملا فأظهرته، و متضعا فرفعته، ومنسيا فذكرت به، ومستخفا فنوهت به، قد ملا الدنيا مخرقة وتشوقا بهذا المطر الوارد عند دعائه، ما أخوفني أن يخرج هذا الرجل

هذا الامر عن ولد العباس إلى ولد علي، بل ما أخوفني أن يتوصل بسحره إلى إزالة نعمتك، والتوثب على مملكتك، هل جنى أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك؟.

فقال المأمون: قد كان هذا الرجل مستترا عنا يدعو إلى نفسه فأردنا أن نجعله ولي عهدنا ليكون دعاؤه لنا، وليعرف بالملك والخلافة لنا وليعتقد فيه المفتونون به أنه ليس مما ادعى في قليل ولا كثير، وأن هذا الامر لنا من دونه وقد خشينا إن تركناه على تلك الحال أن ينفتق علينا منه ما لا نسده ويأتي علينا منه ما لا نطيقه. والآن فإذ قد فعلنا به ما فعلنا، وأخطأنا في أمره بما أخطأنا وأشرفنا من الهلاك بالتنويه به على ما أشرفنا، فليس يجوز التهاون في أمره، ولكنا نحتاج أن نضع منه قليلا قليلا حتى نصوره عند الرعية بصورة من لا يستحق لهذا الامر ثم ندبر فيه بما يحسم عنا مواد بلائه.

قال الرجل: يا أمير المؤمنين فولني مجادلته فاني أفحمه وأصحابه، وأضع من قدره، فلولا هيبتك في صدري لأنزلته منزلته، وبينت للناس قصوره عما رشحته له.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.