بحارالانوار · المجلد الحادي عشر
9. باب أحواله عليه السلام في الحبس إلى شهادته وتاريخ
ج ۴۸، ص ۲۰۵–۲۳۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
2 - الكافي: قبض عليه السلام لست خلون من رجب من سنة ثلاث وثمانين ومائة، و هو ابن أربع أو خمس وخمسين سنة، وقبض عليه السلام ببغداد في حبس السندي بن شاهك، وكان هارون حمله من المدينة لعشر ليال بقين من شوال سنة تسع وسبعين ومائة، وقد قدم هارون المدينة منصرفه من عمرة شهر رمضان، ثم شخص هارون إلى الحج وحمله معه ثم انصرف على طريق البصرة، فحبسه عند عيسى بن جعفر ثم أشخصه إلى بغداد فحبسه عند السندي بن شاهك، فتوفي عليه السلام في حبسه، ودفن ببغداد في مقبرة قريش.
3 - الكافي: سعد والحميري معا، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: قبض موسى ابن جعفر عليه السلام وهو ابن أربع وخمسين سنة في عام ثلاث وثمانين ومائة، وعاش بعد جعفر عليه السلام خمسا وثلاثين سنة.
4 - روضة الواعظين: وفاته عليه السلام كانت ببغداد يوم الجمعة لست بقين من رجب، وقيل لخمس خلون منه سنة ثلاث وثمانين ومائة.
5 - إقبال الأعمال: محمد بن علي الطرازي باسناده إلى أبي علي بن إسماعيل بن يسار قال: لما حمل موسى عليه السلام إلى بغداد، وكان ذلك في رجب سنة تسع وسبعين و مائة دعا بهذا الدعاء، كان ذلك يوم السابع والعشرين منه يوم المبعث.
6 - الدروس: قبض عليه السلام مسموما ببغداد في حبس السندي بن شاهك لست بقين من رجب، سنة ثلاث وثمانين ومائة، وقيل: يوم الجمعة لخمس خلون من رجب سنة إحدى وثمانين ومائة.
7 - عيون أخبار الرضا (ع): الطالقاني، عن محمد بن يحيى الصولي، عن أبي العباس أحمد بن عبد الله عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي، عن صالح بن علي بن عطية قال: كان السبب في وقوع موسى بن جعفر عليه السلام إلى بغداد أن هارون الرشيد أراد أن يعقد الامر لابنه محمد بن زبيدة، وكان له من البنين أربعة عشر ابنا فاختار منهم ثلاثة: محمد بن زبيدة، وجعله ولي عهده، وعبد الله المأمون، وجعل الامر له بعد ابن زبيدة، و القاسم المؤتمن، وجعل الامر له بعد المأمون، فأراد أن يحكم الامر في ذلك، و يشهره شهرة يقف عليها الخاص والعام.
فحج في سنة تسع وسبعين ومائة وكتب إلى جميع الآفاق يأمر الفقهاء والعلماء والقراء والأمراء أن يحضروا مكة أيام الموسم، فأخذ هو طريق المدينة قال علي ابن محمد النوفلي: فحدثني أبي أنه كان سبب سعاية يحيى بن خالد بموسى بن جعفر عليه السلام وضع الرشيد ابنه محمد بن زبيدة في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث، فساء ذلك يحيى، وقال: إذا مات الرشيد وأفضى الامر إلى محمد انقضت دولتي ودولة
ولدي وتحول الامر إلى جعفر بن محمد بن الأشعث وولده، وكان قد عرف مذهب جعفر في التشيع، فأظهر له أنه على مذهبه فسر به جعفر وأفضى إليه بجميع أموره وذكر له ما هو عليه في موسى بن جعفر عليه السلام.
فلما وقف على مذهبه سعى به إلى الرشيد، فكان الرشيد يرعى له موضعه و موضع أبيه من نصرة الخلافة فكان يقدم في أمره ويؤخر، ويحيى لا يألو أن يخطب عليه، إلى أن دخل يوما إلى الرشيد فأظهر له إكراما، وجرى بينهما كلام مت به جعفر بحرمته وحرمة أبيه، فأمر له الرشيد في ذلك اليوم بعشرين ألف دينار، فأمسك يحيى عن أن يقول فيه شيئا حتى أمسى، ثم قال للرشيد: يا أمير المؤمنين قد كنت أخبرك عن جعفر ومذهبه فتكذب عنه، وههنا أمر فيه الفيصل قال: وما هو؟ قال: إنه لا يصل إليه مال من جهة من الجهات إلا أخرج خمسه فوجه به إلى موسى بن جعفر، ولست أشك أنه قد فعل ذلك في العشرين الألف الدينار التي أمرت بها له فقال هارون: إن في هذا لفيصلا.
فأرسل إلى جعفر ليلا، وقد كان عرف سعاية يحيى به، فتباينا وأظهر كل واحد فيهما لصاحبه العداوة، فلما طرق جعفرا رسول الرشيد بالليل خشي أن يكون قد سمع فيه قول يحيى، وأنه إنما دعاه ليقتله، فأفاض عليه ماءا ودعا بمسك وكافور فتحنط بهما، ولبس بردة فوق ثيابه، وأقبل إلى الرشيد، فلما وقعت عليه عينه وشم رائحة الكافور، ورأي البردة عليه، قال: يا جعفر ما هذا!؟.
فقال: يا أمير المؤمنين قد علمت أنه قد سعي بي عندك، فلما جاءني رسولك في هذه الساعة لم آمن أن يكون قد قدح في قلبك ما يقال علي فأرسلت إلي لتقتلني.
فقال: كلا، ولكن قد خبرت أنك تبعث إلى موسى بن جعفر من كل ما يصير إليك بخمسه: وأنك قد فعلت ذلك في العشرين الألف الدينار، فأحببت أن أعلم ذلك، فقال جعفر: الله أكبر يا أمير المؤمنين تأمر بعض خدمك يذهب فيأتيك بها بخواتيمها.
فقال الرشيد لخادم له: خذ خاتم جعفر وانطلق به حتى تأتيني بهذا المال وسمى له جعفر جاريته التي عندها المال فدفعت إليه البدر بخواتيمها فأتى بها الرشيد فقال له جعفر: هذا أول ما تعرف به كذب من سعى بي إليك قال: صدقت يا جعفر انصرف آمنا فإني لا أقبل فيك قول أحد، قال: وجعل يحيى يحتال في اسقاط جعفر.
قال النوفلي: فحدثني علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي عن بعض مشايخه، وذلك في حجة الرشيد قبل هذه الحجة، قال: لقيني علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد فقال لي: مالك قد أخملت نفسك مالك لا تدبر أمر الوزير؟ فقد أرسل إلي فعادلته وطلبت الحوائج إليه.
وكان سبب ذلك أن يحيى بن خالد قال ليحيى بن أبي مريم: ألا تدلني على رجل من آل أبي طالب له رغبة في الدنيا، فأوسع له منها؟ قال: بلى، أدلك على رجل بهذه الصفة وهو علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، فأرسل إليه يحيى فقال:
أخبرني عن عمك، وعن شيعته، والمال الذي يحمل إليه فقال له: عندي الخبر فسعى بعمه، فكان في سعايته أن قال: إن من كثرة المال عنده أنه اشترى ضيعة تسمى البشرية بثلاثين ألف دينار، فلما أحضر المال قال البايع: لا أريد هذا النقد أريد نقد كذا وكذا، فأمر بها فصبت في بيت ماله، وأخرج منه ثلاثين ألف دينار من ذلك النقد ووزنه في ثمن الضيعة.
قال النوفلي: قال أبي: وكان موسى بن جعفر عليهما السلام يأمر لعلي بن إسماعيل بالمال ويثق به حتى ربما خرج الكتاب منه إلى بعض شيعته بخط علي بن إسماعيل ثم استوحش منه، فلما أراد الرشيد الرحلة إلى العراق بلغ موسى بن جعفر عليه السلام أن عليا ابن أخيه يريد الخروج مع السلطان إلى العراق، فأرسل إليه: مالك والخروج مع السلطان؟ قال: لان علي دينا فقال: دينك علي قال: وتدبير عيالي قال: أنا أكفيهم فأبى إلا الخروج فأرسل إليه مع أخيه محمد بن جعفر بثلاثمائة
دينار، وأربعة آلاف درهم فقال: اجعل هذا في جهازك، ولا تؤتم ولدي.
توضيح: قوله أن يخطب عليه في أكثر النسخ بالخاء المعجمة أي ينشئ الخطب مغريا عليه أي يحسن الكلام ويحبره في ذمه، وفي بعضها بالمهملة قال الفيروزآبادي حطب به سعى وقال الجزري: المت التوسل والتوصل بحرمة أو قرابة أو غير ذلك، قوله قد قدح في قلبك أي أثر من قولهم قدحت النار، قوله فعادلته أي ركبت معه في المحمل.
أقول: قد مضى سبب تشيع جعفر بن محمد بن الأشعث في باب معجزات الصادق عليه السلام.
8 - عيون أخبار الرضا (ع): المكتب عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني، عن موسى بن القاسم البجلي، عن علي بن جعفر قال: جاءني محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد و ذكر لي أن محمد بن جعفر دخل على هارون الرشيد فسلم عليه بالخلافة ثم قال له: ما ظننت أن في الأرض خليفتين حتى رأيت أخي موسى بن جعفر يسلم عليه بالخلافة، وكان ممن سعى بموسى بن جعفر عليه السلام يعقوب بن داود وكان يرى رأي الزيدية.
9 - عيون أخبار الرضا (ع) أمالي الصدوق: أبي، عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني، عن أحمد بن عبد الله القروي، عن أبيه قال: دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح فقال لي: ادن مني فدنوت حتى حاذيته ثم قال لي: أشرف إلى البيت في الدار، فأشرفت فقال: ما ترى في البيت؟ قلت: ثوبا مطروحا فقال: انظر حسنا فتأملت ونظرت فتيقنت فقلت: رجل ساجد فقال لي: تعرفه؟ قلت: لا قال: هذا مولاك قلت:
ومن مولاي!؟ فقال: تتجاهل علي!؟ فقلت: ما أتجاهل ولكني لا أعرف لي مولى.
فقال: هذا أبو الحسن موسى بن جعفر إني أتفقده الليل والنهار، فلم أجده في وقت من الأوقات إلا على الحال التي أخبرك بها إنه يصلي الفجر فيعقب ساعة في دبر صلاته، إلى أن تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة، فلا يزال ساجدا حتى تزول الشمس، وقد وكل من يترصد له الزوال، فلست أدري متى يقول الغلام قد زالت الشمس إذ يثب فيبتدئ بالصلاة، من غير أن يجدد وضوءا فأعلم أنه لم ينم في سجوده ولا أغفى.
فلا يزال كذلك إلى أن يفرغ من صلاة العصر، فإذا صلى العصر سجد سجدة فلا يزال ساجدا إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت الشمس وثب من سجدته فصلى المغرب من غير أن يحدث حدثا، ولا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلي العتمة فإذا صلى العتمة أفطر على شوي يؤتى به، ثم يجدد الوضوء، ثم يسجد ثم يرفع رأسه، فينام نومة خفيفة، ثم يقوم فيجدد الوضوء، ثم يقوم فلا يزال يصلي في جوف الليل، حتى يطلع الفجر، فلست أدري متى يقول الغلام إن الفجر قد طلع إذ قد وثب هو لصلاة الفجر، فهذا دأبه منذ حول إلي.
فقلت: اتق الله، ولا تحدثن في أمره حدثا يكون منه زوال النعمة، فقد تعلم أنه لم يفعل أحد بأحد منهم سوء إلا كانت نعمته زائلة، فقال: قد أرسلوا إلي في غير مرة يأمرونني بقتله، فلم أجبهم إلى ذلك، وأعلمتهم أني لا أفعل ذلك ولو قتلوني ما أجبتهم إلى ما سألوني.
فلما كان بعد ذلك حول إلى الفضل بن يحيى البرمكي، فحبس عنده أياما فكان الفضل بن الربيع يبعث إليه في كل ليلة مائدة، ومنع أن يدخل إليه من عند غيره، فكان لا يأكل ولا يفطر إلا على المائدة التي يؤتى بها، حتى مضى على تلك الحال ثلاثة أيام ولياليها، فلما كانت الليلة الرابعة، قدمت إليه مائدة للفضل
ابن يحيى قال: ورفع عليه السلام يده إلى السماء فقال: يا رب إنك تعلم أني لو أكلت قبل اليوم كنت قد أعنت على نفسي قال: فأكل فمرض، فلما كان من غد بعث إليه بالطبيب ليسأله عن العلة فقال له الطبيب: ما حالك؟ فتغافل عنه، فلما أكثر عليه أخرج إليه راحته فأراها الطبيب ثم قال: هذه علتي وكانت خضرة وسط راحته تدل على أنه سم، فاجتمع في ذلك الموضع قال: فانصرف الطبيب إليهم وقال:
والله لهو أعلم بما فعلتم به منكم، ثم توفي عليه السلام.
10 - عيون أخبار الرضا (ع) أمالي الصدوق: أبي، عن سعد، عن اليقطيني، عن الحسن بن محمد بن بشار قال: حدثني شيخ من أهل قطيعة الربيع من العامة ممن كان يقبل قوله قال:
قال لي: قد رأيت بعض من يقرون بفضله من أهل هذا البيت فما رأيت مثله قط في نسكه وفضله قال: قلت: من؟ وكيف رأيته؟ قال: جمعنا أيام السندي بن شاهك ثمانين رجلا من الوجوه ممن ينسب إلى الخير، فأدخلنا على موسى بن جعفر فقال لنا السندي: يا هؤلاء انظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث؟ فإن الناس يزعمون أنه قد فعل مكروه به، ويكثرون في ذلك، وهذا منزله وفرشه موسع عليه غير مضيق ولم يرد به أمير المؤمنين سوءا، وإنما ينتظره أن يقدم فيناظره أمير المؤمنين، وها هو ذا صحيح، موسع عليه في جميع أمره فاسألوه.
قال: ونحن ليس لنا هم إلا النظر إلى الرجل، وإلى فضله وسمته فقال:
أما ما ذكر من التوسعة وما أشبه ذلك فهو على ما ذكر غير أني أخبركم أيها النفر أني قد سقيت السم في تسع تمرات وإني أخضر غدا وبعد غد أموت.
قال: فنظرت إلى السندي بن شاهك يرتعد ويضطرب مثل السعفة، قال الحسن:
وكان هذا الشيخ من خيار العامة شيخ صديق، مقبول القول، ثقة ثقة جدا عند الناس.
11 - قرب الإسناد: اليقطيني، عن الحسن بن محمد بن بشار مثله.
12 - غيبة الشيخ الطوسي: الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني مثله.
13 - عيون أخبار الرضا (ع): الطالقاني، عن محمد بن يحيى الصولي، عن أحمد بن عبد الله عن علي بن محمد بن سليمان، عن إبراهيم بن أبي البلاد قال: كان يعقوب بن داود يخبرني أنه قد قال بالإمامة، فدخلت إليه بالمدينة في الليلة التي اخذ فيها موسى بن جعفر عليه السلام في صبيحتها فقال لي: كنت عند الوزير الساعة - يعني يحيى بن خالد - فحدثني أنه سمع الرشيد يقول عند رسول الله صلى الله عليه وآله كالمخاطب له: " بأبي أنت وأمي يا رسول الله إني أعتذر إليك من أمر عزمت عليه، وإني أريد أن آخذ موسى بن جعفر فأحبسه، لأني قد خشيت أن يلقي بين أمتك حربا تسفك فيها دماؤهم " وأنا أحسب أنه سيأخذه غدا فلما كان من الغد أرسل إليه الفضل بن الربيع وهو قائم يصلي في مقام رسول الله صلى الله عليه وآله فأمر بالقبض عليه وحبسه.
14 - عيون أخبار الرضا (ع): الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن صالح قال: حدثني حاجب الفضل بن الربيع عن الفضل بن الربيع قال: كنت ذات ليلة في فراشي مع بعض جواري فلما كان في نصف الليل سمعت حركة باب المقصورة فراعني ذلك فقالت الجارية: لعل هذا من الريح، فلم يمض إلا يسير حتى رأيت باب البيت الذي كنت فيه قد فتح وإذا مسرور الكبير قد دخل علي فقال لي: أجب الأمير، ولم يسلم علي.
فيئست من نفسي وقلت: هذا مسرور ودخل إلي بلا إذن ولم يسلم، ما هو إلا القتل، وكنت جنبا فلم أجسر أن أسأله انظاري حتى أغتسل فقالت لي الجارية:
لما رأت تحيري وتبلدي: ثق بالله عز وجل وانهض، فنهضت، ولبست ثيابي، و
خرجت معه حتى أتيت الدار فسلمت على أمير المؤمنين وهو في مرقده فرد علي السلام فسقطت فقال: تداخلك رعب؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين فتركني ساعة حتى سكنت ثم قال لي: صر إلى حبسنا فأخرج موسى بن جعفر بن محمد وادفع إليه ثلاثين ألف درهم، واخلع عليه خمس خلع، واحمله على ثلاثة مراكب، وخيره بين المقام معنا أو الرحيل عنا إلى أي بلد أراد وأحب.
فقلت: يا أمير المؤمنين تأمر باطلاق موسى بن جعفر؟ قال: نعم فكررت ذلك عليه ثلاث مرات فقال لي: نعم ويلك أتريد أن أنكث العهد؟ فقلت: يا أمير المؤمنين وما العهد؟ قال: بينا أنا في مرقدي هذا إذ ساورني أسود ما رأيت من السودان أعظم منه، فقعد على صدري وقبض على حلقي وقال لي: حبست موسى ابن جعفر ظالما له؟ فقلت: فأنا أطلقه وأهب له، وأخلع عليه، فأخذ علي عهد الله عز وجل وميثاقه، وقام عن صدري، وقد كادت نفسي تخرج.
فخرجت من عنده ووافيت موسى بن جعفر عليه السلام وهو في حبسه فرأيته قائما يصلي فجلست حتى سلم ثم أبلغته سلام أمير المؤمنين وأعلمته بالذي أمرني به في أمره، وأني قد أحضرت ما وصله به، فقال: إن كنت أمرت بشئ غير هذا فافعله؟
فقلت: لا وحق جدك رسول الله ما أمرت إلا بهذا فقال: لا حاجة لي في الخلع والحملان والمال إذ كانت فيه حقوق الأمة فقلت: ناشدتك بالله أن لا ترده فيغتاظ فقال: اعمل به ما أحببت، وأخذت بيده عليه السلام وأخرجته من السجن.
ثم قلت له: يا ابن رسول الله أخبرني بالسبب الذي نلت به هذه الكرامة من هذا الرجل، فقد وجب حقي عليك لبشارتي إياك، ولما أجراه الله عز وجل على يدي من هذا الامر فقال عليه السلام: رأيت النبي صلى الله عليه وآله ليلة الأربعاء في النوم فقال لي: يا موسى أنت محبوس مظلوم؟ فقلت: نعم يا رسول الله محبوس مظلوم، فكرر علي ذلك ثلاثا ثم قال: " وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " أصبح غدا صائما وأتبعه بصيام الخميس والجمعة، فإذا كان وقت الافطار فصل اثنتي عشرة
ركعة تقرأ في كل ركعة الحمد واثنتي عشرة مرة قل هو الله أحد، فإذا صليت منها أربع ركعات فاسجد ثم قل: يا سابق الفوت يا سامع كل صوت يا محيي العظام وهي رميم بعد الموت أسألك باسمك العظيم الأعظم أن تصلي على محمد عبدك ورسولك وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وأن تعجل لي الفرج مما أنا فيه، ففعلت فكان الذي رأيت.
بيان: ساوره واثبه.
15 - الاختصاص: حمدان بن الحسين النهاوندي، عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي عن أحمد بن إسماعيل، عن عبيد الله بن صالح مثله، وفيه فسرت إليه مرعوبا فقال لي: يا فضل أطلق موسى بن جعفر الساعة وهب له ثمانين ألف درهم، واخلع عليه خمس خلع، واحمله على خمسة من الظهر.
16 - عيون أخبار الرضا (ع): الهمداني عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن الحسين المدني، عن عبد الله بن الفضل، عن أبيه الفضل قال: كنت أحجب للرشيد فأقبل علي يوما غضبانا وبيده سيف يقلبه فقال لي: يا فضل بقرابتي من رسول الله لئن لم تأتني بابن عمي لآخذن الذي فيه عيناك، فقلت: بمن أجيئك؟ فقال: بهذا الحجازي قلت: وأي الحجازيين؟ قال موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب.
قال الفضل: فخفت من الله عز وجل إن جئت به إليه ثم فكرت في النقمة فقلت له: أفعل فقال: ائتني بسواطين وهبنازين وجلادين قال: فأتيته بذلك ومضيت إلى منزل أبي إبراهيم موسى بن جعفر.
فأتيت إلى خربة فيها كوخ من جرائد النخل فإذا أنا بغلام أسود فقلت له:
استأذن لي على مولاك يرحمك الله فقال لي: لج ليس له حاجب ولا بواب، فولجت
إليه، فإذا أنا بغلام أسود بيده مقص يأخذ اللحم من جبينه وعرنين أنفه من كثرة سجوده فقلت له: السلام عليك يا ابن رسول الله أجب الرشيد فقال: ما للرشيد و مالي؟ أما تشغله نعمته عني؟ ثم قام مسرعا، وهو يقول: لولا أني سمعت في خبر عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله: أن طاعة السلطان للتقية واجبة إذا ما جئت.
فقلت له: استعد للعقوبة يا أبا إبراهيم رحمك الله فقال عليه السلام: أليس معي من يملك الدنيا والآخرة، ولن يقدر اليوم على سوء بي إنشاء الله قال الفضل بن الربيع: فرأيته وقد أدار يده يلوح على رأسه ثلاث مرات فدخلت إلى الرشيد فإذا هو كأنه امرأة ثكلى قائم حيران فلما رآني قال لي: يا فضل فقلت: لبيك فقال:
جئتني بابن عمي؟ قلت: نعم قال: لا تكون أزعجته؟ فقلت: لا قال: لا تكون أعلمته أني عليه غضبان؟ فاني قد هيجت على نفسي ما لم أرده ائذن له بالدخول فأذنت له.
فلما رآه وثب إليه قائما وعانقه وقال له: مرحبا بابن عمي وأخي، ووارث نعمتي، ثم أجلسه على فخذه وقال له: ما الذي قطعك عن زيارتنا؟ فقال: سعة ملكك وحبك للدنيا فقال: ائتوني بحقة الغالية، فاتي بها فغلفه بيده ثم أمره أن يحمل بين يديه خلع وبدرتان دنانير فقال موسى بن جعفر عليه السلام: والله لولا أني أرى من أزوجه بها من عزاب بني أبي طالب لئلا ينقطع نسله أبدا ما قبلتها ثم تولى عليه السلام وهو يقول: الحمد لله رب العالمين.
فقال الفضل: يا أمير المؤمنين أردت أن تعاقبه فخلعت عليه وأكرمته؟ فقال لي: يا فضل إنك لما مضيت لتجيئني به رأيت أقواما قد أحدقوا بداري بأيديهم حراب قد غرسوها في أصل الدار يقولون: إن آذى ابن رسول الله خسفنا به وإن أحسن إليه انصرفنا عنه وتركناه.
فتبعته عليه السلام فقلت له: ما الذي قلت حتى كفيت أمر الرشيد؟ فقال: دعاء جدي علي بن أبي طالب عليه السلام كان إذا دعا به ما برز إلى عسكر إلا هزمه، ولا إلى فارس إلا قهره، وهو دعاء كفاية البلاء قلت: وما هو؟ قال: قلت: اللهم بك
أساور، وبك أحاول، وبك أحاور، وبك أصول، وبك أنتصر، وبك أموت، وبك أحيى أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم إنك خلقتني ورزقتني وسترتني، وعن العباد بلطف ما خولتني أغنيتني، وإذا هويت رددتني، وإذا عثرت قومتني، وإذا مرضت شفيتني، وإذا دعوت أجبتني يا سيدي ارض عني فقد أرضيتني.
بيان: الكوخ بالضم بيت من قصب بلا كوة، ولوح الرجل بثوبه وبسيفه لمع به وحركه.
17 - عيون أخبار الرضا (ع): يحيى بن المكتب عن الوراق، عن علي بن هارون الحميري، عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي، عن أبيه، عن علي بن يقطين قال: أنهي الخبر إلى أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام وعنده جماعة من أهل بيته، بما عزم عليه موسى ابن المهدي في أمره فقال لأهل بيته: ما تشيرون؟ قالوا: نرى أن تتباعد عنه، وأن تغيب شخصك منه، فإنه لا يؤمن شره، فتبسم أبو الحسن عليه السلام ثم قال:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها * وليغلبن مغلب الغلاب ثم رفع عليه السلام يده إلى السماء فقال: اللهم كم من عدو شحذ لي ظبة مديته، وأرهف لي شبا حده وداف لي قواتل سمومه، ولم تنم عني عين حراسته فلما رأيت ضعفي عن احتمال الفوادح، وعجزي عن ملمات الجوايح صرفت عني ذلك بحولك وقوتك، لا بحولي وقوتي، فألقيته في الحفير الذي احتفره لي خائبا مما أمله في دنياه متباعدا مما رجاه في آخرته فلك الحمد على ذلك قدر استحقاقك سيدي اللهم فخذه بعزتك وافلل حده عني بقدرتك، واجعل له شغلا فيما يليه وعجزا عمن يناويه، اللهم وأعدني عليه عدوى حاضرة تكون من غيظي شفاءا ومن حقي عليه وفاءا وصل اللهم دعائي بالإجابة، وانظم شكايتي بالتغيير، وعرفه عما قليل ما وعدت الظالمين، وعرفني ما وعدت في إجابة المضطرين، إنك ذو الفضل
العظيم، والمن الكريم ".
قال: ثم تفرق القوم فما اجتمعوا إلا لقراءة الكتاب الوارد عليه بموت موسى بن المهدي، ففي ذلك يقول بعض من حضر موسى عليه السلام من أهل بيته:
وسارية لم تسر في الأرض تبتغي * محلا ولم يقطع بها البعد قاطع سرت حيث لم تحد الركاب ولم تنخ * لورد ولم يقصر لها البعد مانع تمر وراء الليل والليل ضارب * بجثمانه فيه سمير وهاجع تفتح أبواب السماء ودونها * إذا قرع الأبواب منهن قارع إذا وردت لم يردد الله وفدها * على أهلها والله راء وسامع وإني لأرجو الله حتى كأنما * أرى بجميل الظن ما الله صانع.
18 - أمالي الطوسي: الغضائري، عن الصدوق، عن ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه عن الحسين بن علي بن يقطين قال: وقع الخبر إلى موسى بن جعفر عليه السلام وعنده جماعة من أهل بيته إلى قوله: فما اجتمعوا إلا لقراءة الكتب الواردة بموت موسى بن المهدي.
19 - أمالي الصدوق: ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه مثله.
بيان: وسارية أي ورب سارية من السرى، وهو السير بالليل أي رب دعوة لم تجر في الأرض تطلب محلا، بل صعدت إلى السماء، ولم يقطعها قاطع لبعد المسافة جرت حيث لم تحد الركاب، من حدى الإبل، ولم تنخ من إناخة الإبل لورد أي ورود على الماء، قوله: تمر وراء الليل أي تمر هذه الدعوة وراء ستر الليل بحيث لا يطلع عليها أحد.
قوله: والليل ضارب بجثمانه أي ضرب بجسده الأرض، وسكن واستقر
فيها وقال الجوهري الضارب: الليل الذي ذهبت ظلمته يمينا وشمالا وملأت الدنيا قوله: لم يردد الله وفدها أي لم يرددها وافدة.
20 - عيون أخبار الرضا (ع): ماجيلويه، عن علي، عن أبيه قال: سمعت رجلا من أصحابنا يقول:
لما حبس الرشيد موسى بن جعفر عليه السلام جن عليه الليل فخاف ناحية هارون أن يقتله، فجدد موسى عليه السلام طهوره واستقبل بوجهه القبلة وصلى لله عز وجل أربع ركعات ثم دعا بهذه الدعوات فقال: يا سيدي نجني من حبس هارون، وخلصني من يده، يا مخلص الشجر من بين رمل وطين وماء، ويا مخلص اللبن من بين فرث ودم، ويا مخلص الولد من بين مشيمة ورحم، ويا مخلص النار من بين الحديد والحجر، ويا مخلص الروح من بين الأحشاء والأمعاء، خلصني من يدي هارون.
قال: فلما دعا موسى عليه السلام بهذه الدعوات أتى هارون رجل أسود في منامه وبيده سيف قد سله، فوقف على رأس هارون وهو يقول: يا هارون أطلق عن موسى بن جعفر وإلا ضربت علاوتك بسيفي هذا، فخاف هارون من هيبته ثم دعا الحاجب فجاء الحاجب فقال له: اذهب إلى السجن فأطلق عن موسى بن جعفر قال:
فخرج الحاجب فقرع باب السجن فأجابه صاحب السجن فقال: من ذا؟ قال:
إن الخليفة يدعو موسى بن جعفر فأخرجه من سجنك، وأطلق عنه، فصاح السجان يا موسى: إن الخليفة يدعوك.
فقام موسى عليه السلام مذعورا فزعا وهو يقول: لا يدعوني في جوف هذا الليل إلا لشر يريد بي، فقام باكيا حزينا مغموما آيسا من حياته فجاء إلى هارون وهو ترتعد فرائصه فقال: سلام على هارون فرد عليه السلام ثم قال له هارون: ناشدتك بالله هل دعوت في جوف هذه الليلة بدعوات؟ فقال: نعم، قال: وما هن؟ قال:
جددت طهورا وصليت لله عز وجل أربع ركعات، ورفعت طرفي إلى السماء و قلت: يا سيدي خلصني من يد هارون وذكره وشره، وذكر له ما كان من دعائه فقال
هارون قد استجاب الله دعوتك يا حاجب أطلق عن هذا، ثم دعا بخلع فخلع عليه ثلاثا وحمله على فرسه وأكرمه وصيره نديما لنفسه، ثم قال: هات الكلمات فعلمه فأطلق عنه وسلمه إلى الحاجب ليسلمه إلى الدار ويكون معه، فصار موسى بن جعفر عليه السلام كريما شريفا عند هارون، وكان يدخل عليه في كل خميس إلى أن حبسه الثانية فلم يطلق عنه حتى سلمه إلى السندي بن شاهك وقتله بالسم.
21 - أمالي الصدوق: مثله إلى قوله في كل يوم خميس.
22 - أمالي الطوسي: الغضائري عن الصدوق مثله.
23 - مناقب ابن شهرآشوب: مرسلا مثله مع اختصار ثم قال: وفي رواية الفضل بن الربيع أنه قال: صر إلى حبسنا وأخرج موسى بن جعفر وادفع إليه ثلاثين ألف درهم و اخلع عليه خمس خلع، واحمله على ثلاث مراكب، وخيره إما المقام معنا، أو الرحيل إلى أي البلاد أحب، فلما عرض الخلع عليه أبى أن يقبلها.
بيان: العلاوة بالكسر أعلا الرأس.
24 - عيون أخبار الرضا (ع): محمد بن علي بن محمد بن حاتم، عن عبد الله بن بحر الشيباني قال :
حدثني الخرزي أبو العباس بالكوفة قال: حدثني الثوباني قال: كانت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام - بضع عشرة سنة - كل يوم سجدة بعد ابيضاض الشمس إلى وقت الزوال قال: فكان هارون ربما صعد سطحا يشرف منه على الحبس الذي حبس فيه أبا الحسن عليه السلام فكان يرى أبا الحسن عليه السلام ساجدا فقال للربيع: ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع؟ قال: يا أمير المؤمنين ما ذاك بثوب و إنما هو موسى بن جعفر، له كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال قال الربيع: فقال لي هارون: أما إن هذا من رهبان بني هاشم، قلت: فما لك فقد
ضيقت عليه في الحبس!؟ قال: هيهات لا بد من ذلك.
25 - عيون أخبار الرضا (ع): الطالقاني، عن محمد بن يحيى الصولي، عن أحمد بن عبد الله، عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال: سمعت أبي يقول: لما قبض الرشيد على موسى ابن جعفر عليه السلام وهو عند رأس النبي صلى الله عليه وآله قائما يصلي فقطع عليه صلاته وحمل وهو يبكي ويقول: إليك أشكو يا رسول الله ما القى وأقبل الناس من كل جانب يبكون ويضجون فلما حمل إلى بين يدي الرشيد شتمه وجفاه، فلما جن عليه الليل أمر ببيتين فهيئا له فحمل موسى بن جعفر عليه السلام إلى أحدهما في خفاء ودفعه إلى حسان السروي وأمره أن يصير به في قبة إلى البصرة فيسلمه إلى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، وهو أميرها، ووجه قبة أخرى علانية نهارا إلى الكوفة معها جماعة ليعمي على الناس أمر موسى بن جعفر عليه السلام.
فقدم حسان البصرة قبل التروية بيوم، فدفعه إلى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر نهارا علانية حتى عرف ذلك، وشاع أمره، فحبسه عيسى في بيت من بيوت المحبس الذي كان يحبس فيه، وأقفل عليه وشغله عنه العيد فكان لا يفتح عنه الباب إلا في حالتين حال يخرج فيها إلى الطهور، وحال يدخل إليه فيها الطعام.
قال أبي: فقال لي الفيض بن أبي صالح: - وكان نصرانيا ثم أظهر الاسلام وكان زنديقا، وكان يكتب لعيسى بن جعفر، وكان بي خاصا - فقال: يا أبا عبد الله لقد سمع هذا الرجل الصالح في أيامه هذه في هذه الدار التي هو فيها من ضروب الفواحش والمناكير ما أعلم ولا أشك أنه لم يخطر بباله قال أبي: وسعي بي في تلك الأيام إلى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر علي بن يعقوب بن عون بن العباس ابن ربيعة في رقعة دفعها إليه أحمد بن أسيد حاجب عيسى قال: وكان علي بن يعقوب من مشايخ بني هاشم، وكان أكبرهم سنا، وكان مع سنه يشرب الشراب ويدعو أحمد بن أسيد إلى منزله فيحتفل له ويأتيه بالمغنين والمغنيات، ويطمع في أن يذكره لعيسى فكان في رقعته التي دفعها إليه إنك تقدم علينا محمد بن سليمان في إذنك وإكرامك وتخصه بالمسك، وفينا من هو أسن منه، وهو
يدين بطاعة موسى بن جعفر المحبوس عندك.
قال أبي: فإني لقائل في يوم قائظ إذ حركت حلقة الباب علي فقلت:
ما هذا؟ فقال لي الغلام: قعنب بن يحيى على الباب يقول: لا بد من لقائك الساعة فقلت: ما جاء إلا لأمر ائذنوا له، فدخل فخبرني عن الفيض بن أبي صالح بهذه القصة والرقعة، وقد كان قال لي الفيض بعد ما أخبرني: لا تخبر أبا عبد الله فتخوفه فإن الرافع عند الأمير لم يجد فيه مساغا وقد قلت للأمير: أفي نفسك من هذا شئ حتى أخبر أبا عبد الله فيأتيك فيحلف على كذبه؟ فقال: لا تخبره فتغمه فإن ابن عمه إنما حمله على هذا لحسد له فقلت له: أيها الأمير أنت تعلم إنك لا تخلو بأحد خلوتك به، فهل حملك على أحد قط؟ قال: معاذ الله قلت: فلو كان له مذهب يخالف فيه الناس لأحب أن يحملك عليه قال: أجل ومعرفتي به أكثر.
قال أبي: فدعوت بدابتي وركبت إلى الفيض من ساعتي فصرت إليه ومعي قعنب في الظهيرة فاستأذنت عليه، فأرسل إلي: جعلت فداك قد جلست مجلسا أرفع قدرك عنه، وإذا هو جالس على شرابه فأرسلت إليه لا بد من لقائك فخرج إلي في قميص دقيق وإزار مورد فأخبرته بما بلغني فقال لقعنب: لا جزيت خيرا ألم أتقدم إليك أن لا تخبر أبا عبد الله فتغمه ثم قال: لا بأس فليس في قلب الأمير من ذلك شئ قال: فما مضت بعد ذلك إلا أيام يسيرة حتى حمل موسى بن جعفر عليه السلام سرا إلى بغداد وحبس ثم أطلق، ثم حبس وسلم إلى السندي بن شاهك، فحبسه وضيق عليه ثم بعث إليه الرشيد بسم في رطب وأمره أن يقدمه إليه ويحتم عليه في تناوله منه ففعل، فمات صلوات الله عليه.
ايضاح: احتفل القوم اجتمعوا وما احتفل به: ما بالى.
26 - عيون أخبار الرضا (ع): تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الأنصاري، عن سليمان
ابن جعفر البصري، عن عمر بن واقد قال: إن هارون الرشيد لما ضاق صدره مما كان يظهر له من فضل موسى بن جعفر عليهما السلام، وما كان يبلغه عنه من قول الشيعة بإمامته، واختلافهم في السر إليه بالليل والنهار خشية على نفسه وملكه، ففكر في قتله بالسم فدعا برطب فأكل منه ثم أخذ صينية فوضع فيها عشرين رطبة، وأخذ سلكا فعركه في السم، وأدخله في سم الخياط، وأخذ رطبة من ذلك الرطب فأقبل يردد إليها ذلك السم بذلك الخيط، حتى علم أنه قد حصل السم فيها فاستكثر منه ثم ردها في ذلك الرطب وقال لخادم له: احمل هذه الصينية إلى موسى بن جعفر وقل له: إن أمير المؤمنين أكل من هذا الرطب وتنغص لك به، وهو يقسم عليك بحقه لما أكلتها عن آخر رطبة فإني اخترتها لك بيدي، ولا تتركه يبقي منها شيئا ولا يطعم منها أحدا.
فأتاه بها الخادم وأبلغه الرسالة فقال له: ائتني بخلال فناوله خلالا، وقام بإزائه وهو يأكل من الرطب وكانت للرشيد كلبة تعز عليه فجذبت نفسها وخرجت تجر سلاسلها من ذهب وجوهر حتى حاذت موسى بن جعفر عليه السلام فبادر بالخلال إلى الرطبة المسمومة ورمى بها إلى الكلبة فأكلتها فلم تلبث أن ضربت بنفسها الأرض وعوت وتهرت قطعة قطعة واستوفى عليه السلام باقي الرطب، وحمل الغلام الصينية حتى صار بها إلى الرشيد.
فقال له: قد أكل الرطب عن آخره؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال: فكيف رأيته؟ قال: ما أنكرت منه شيئا يا أمير المؤمنين قال: ثم ورد عليه خبر الكلبة وأنها قد تهرت وماتت، فقلق الرشيد لذلك قلقا شديدا، واستعظمه، ووقف على الكلبة فوجدها متهرئة بالسم فأحضر الخادم ودعا له بسيف ونطع وقال له: لتصدقني عن خبر الرطب أو لأقتلنك فقال: يا أمير المؤمنين إني حملت الرطب إلى موسى بن جعفر وأبلغته سلامك، وقمت بإزائه فطلب مني خلالا فدفعته إليه فأقبل يغرز في الرطبة بعد الرطبة ويأكلها حتى مرت الكلبة فغرز الخلال في رطبة من ذلك الرطب فرمى بها فأكلتها الكلبة وأكل هو باقي الرطب، فكان ما ترى يا أمير المؤمنين.
فقال الرشيد: ما ربحنا من موسى إلا أنا أطعمناه جيد الرطب، وضيعنا سمنا، وقتل كلبتنا ما في موسى حيلة.
ثم إن سيدنا موسى عليه السلام دعا بالمسيب وذلك قبل وفاته بثلاثة أيام وكان موكلا به فقال له: يا مسيب فقال: لبيك يا مولاي قال: إني ظاعن في هذه الليلة إلى المدينة، مدينة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله لأعهد إلى علي ابني ما عهده إلي أبي وأجعله وصيي وخليفتي، وآمره بأمري قال المسيب: فقلت: يا مولاي كيف تأمرني أن أفتح لك الأبواب وأقفالها، والحرس معي على الأبواب؟ فقال: يا مسيب ضعف يقينك في الله عز وجل وفينا؟ فقلت: لا يا سيدي قال: فمه؟ قلت: يا سيدي ادع الله أن يثبتني فقال: اللهم ثبته.
ثم قال: إني أدعو الله عز وجل باسمه العظيم الذي دعا به آصف حتى جاء بسرير بلقيس فوضعه بين يدي سليمان قبل ارتداد طرفه إليه حتى يجمع بيني وبين ابني علي بالمدينة، قال المسيب : فسمعته عليه السلام يدعو ففقدته عن مصلاه، فلم أزل قائما على قدمي حتى رأيته قد عاد إلى مكانه وأحاد الحديد إلى رجليه فخررت لله ساجدا لوجهي شكرا على ما أنعم به علي من معرفته.
فقال لي: ارفع رأسك يا مسيب واعلم أني راحل إلى الله عز وجل في ثالث هذا اليوم قال: فبكيت فقال لي: لا تبك يا مسيب فان عليا ابني هو إمامك، و مولاك بعدي فاستمسك بولايته، فإنك لا تضل ما لزمته فقلت: الحمد لله.
قال: ثم إن سيدي عليه السلام دعاني في ليلة اليوم الثالث فقال لي: إني على ما عرفتك من الرحيل إلى الله عز وجل فإذا دعوت بشربة من ماء فشربتها، ورأيتني قد انتفخت وارتفع بطني، واصفر لوني، واحمر واخضر، وتلون ألوانا فخبر الطاغية بوفاتي، فإذا رأيت بي هذا الحدث فإياك أن تظهر عليه أحدا، ولا على من عندي إلا بعد وفاتي.
قال المسيب بن زهير: فلم أزل أرقب وعده حتى دعا عليه السلام بالشربة فشربها ثم دعاني فقال لي: يا مسيب إن هذا الرجس السندي بن شاهك سيزعم أنه
يتولى غسلي، ودفني، وهيهات هيهات أن يكون ذلك أبدا فإذا حملت إلى المقبرة المعروفة بمقابر قريش فألحدوني بها ولا ترفعوا قبري فوق أربع أصابع مفرجات ولا تأخذوا من تربتي شيئا لتتبركوا به، فان كل تربة لنا محرمة إلا تربة جدي الحسين بن علي عليه السلام فان الله عز وجل جعلها شفاء لشيعتنا وأوليائنا.
قال: ثم رأيت شخصا أشبه الاشخاص به عليه السلام جالسا إلى جانبه، وكان عهدي بسيدي الرضا عليه السلام وهو غلام فأردت سؤاله فصاح بي سيدي موسى عليه السلام وقال لي: أليس قد نهيتك يا مسيب؟ فلم أزل صابرا حتى مضى، وغاب الشخص ثم أنهيت الخبر إلى الرشيد فوافى السندي بن شاهك فوالله لقد رأيتهم بعيني وهم يظنون أنهم يغسلونه فلا تصل أيديهم إليه، ويظنون أنهم يحنطونه ويكفنونه و أراهم لا يصنعون به شيئا، ورأيت ذلك الشخص يتولى غسله وتحنيطه وتكفينه وهو يظهر المعاونة لهم، وهم لا يعرفونه.
فلما فرغ من أمره قال لي ذلك الشخص: يا مسيب مهما شككت فيه فلا تشكن في فاني إمامك ومولاك، وحجة الله عليك بعد أبي يا مسيب مثلي مثل يوسف الصديق عليه السلام ومثلهم مثل إخوته حين دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون، ثم حمل عليه السلام حتى دفن في مقابر قريش، ولم يرفع قبره أكثر مما أمر به ثم رفعوا قبره بعد ذلك وبنوا عليه.
بيان: العرك الدلك، وتنغصت عيشه أي تكدرت، وهرأت اللحم وهرأته تهرئة إذا أجدت إنضاجه فتهرأ حتى سقط عن العظم.
27 - إكمال الدين عيون أخبار الرضا (ع): الطالقاني، عن أحمد بن محمد بن عامر، عن الحسن بن محمد القطعي، عن الحسن بن علي النخاس العدل، عن الحسن بن عبد الواحد الخزاز عن علي بن جعفر بن عمر، عن عمر بن واقد قال: أرسل إلى السندي بن شاهك في بعض الليل وأنا ببغداد يستحضرني فخشيت أن يكون ذلك لسوء يريده بي فأوصيت
عيالي بما احتجت إليه وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم ركبت إليه.
فلما رآني مقبلا قال: يا أبا حفص لعلنا أرعبناك وأفزعناك؟ قلت: نعم قال:
فليس هنا إلا خير قلت: فرسول تبعثه إلى منزلي يخبرهم خبري فقال: نعم ثم قال: يا أبا حفص أتدري لم أرسلت إليك؟ فقلت: لا فقال: أتعرف موسى بن جعفر؟
فقلت: إي والله إني لأعرفه، وبيني وبينه صداقة منذ دهر فقال: من ههنا ببغداد يعرفه ممن يقبل قوله؟ فسميت له أقواما، ووقع في نفسي أنه عليه السلام قد مات قال:
فبعث وجاء بهم كما جاء بي فقال: هل تعرفون قوما يعرفون موسى بن جعفر؟
فسموا له قوما فجاء بهم فأصبحنا ونحن في الدار نيف وخمسون رجلا ممن يعرف موسى بن جعفر عليه السلام وقد صحبه.
قال: ثم قام فدخل وصلينا، فخرج كاتبه ومعه طومار فكتب أسماءنا ومنازلنا وأعمالنا وحلانا ثم دخل إلى السندي قال: فخرج السندي فضرب يده إلي فقال لي: قم يا أبا حفص فنهضت ونهض أصحابنا، ودخلنا فقال لي: يا أبا حفص اكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفر، فكشفته فرأيته ميتا فبكيت واسترجعت ثم قال للقوم: انظروا إليه فدنا واحد بعد واحد فنظروا إليه ثم قال: تشهدون كلكم أن هذا موسى بن جعفر بن محمد؟ فقلنا: نعم نشهد أنه موسى بن جعفر بن محمد عليهم السلام ثم قال:
يا غلام اطرح على عورته منديلا واكشفه قال: ففعل فقال: أترون به أثرا تنكرونه؟
فقلنا: لا ما نرى به شيئا ولا نراه إلا ميتا قال: فلا تبرحوا حتى تغسلوه وأكفنه وأدفنه قال: فلم نبرح حتى غسل وكفن وحمل فصلى عليه السندي بن شاهك ودفناه ورجعنا فكان عمر بن واقد يقول: ما أحد هو أعلم بموسى بن جعفر عليه السلام مني كيف يقولون إنه حي وأنا دفنته.
28 - عيون أخبار الرضا (ع): الطالقاني، عن الحسن بن علي بن زكريا، عن محمد بن خليلان قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن عتاب بن أسيد، عن جماعة، عن مشايخ أهل المدينة قالوا: لما مضى خمس عشرة سنة من ملك الرشيد استشهد ولي الله موسى
ابن جعفر عليه السلام مسموما سمه السندي بن شاهك بأمر الرشيد في الحبس المعروف بدار المسيب بباب الكوفة، وفيه السدرة، ومضى عليه السلام إلى رضوان الله وكرامته يوم الجمعة لخمس خلون من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة من الهجرة، وقد تم عمره أربعا وخمسين سنة، وتربته بمدينة السلام في الجانب الغربي بباب التين في المقبرة المعروفة بمقابر قريش.
29 - إكمال الدين عيون أخبار الرضا (ع): ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن الحسن بن عبد الله الصيرفي، عن أبيه قال: توفي موسى بن جعفر عليه السلام في يدي السندي ابن شاهك، فحمل على نعش ونودي عليه هذا إمام الرافضة فاعرفوه.
فلما اتي به مجلس الشرطة أقام أربعة نفر فنادوا ألا من أراد أن يرى الخبيث ابن الخبيث موسى بن جعفر فليخرج، وخرج سليمان بن أبي جعفر من قصره إلى الشط، فسمع الصياح والضوضاء فقال لولده وغلمانه: ما هذا؟ قالوا: السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر على نعش فقال لولده وغلمانه: يوشك أن يفعل هذا به في الجانب الغربي، فإذا عبر به فانزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم فإن مانعوكم فاضربوهم وخرقوا ما عليهم من السواد.
فلما عبروا به نزلوا إليهم فأخذوه من أيديهم وضربوهم، وخرقوا عليهم سوادهم، ووضعوه في مفرق أربعة طرق وأقام المنادين ينادون ألا من أراد الطيب ابن الطيب موسى بن جعفر فليخرج، وحضر الخلق وغسل وحنط بحنوط فاخر، و كفنه بكفن فيه حبرة استعملت له بألفين وخمسمائة دينار، عليها القرآن كله، و احتفى ومشى في جنازته متسلبا مشقوق الجيب إلى مقابر قريش، فدفنه عليه السلام هناك وكتب بخبره إلى الرشيد فكتب إلى سليمان بن أبي جعفر: وصلتك رحم يا عم، و أحسن الله جزاءك، والله ما فعل السندي بن شاهك لعنه الله ما فعله عن أمرنا.
بيان: شرط السلطان نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده والضوضاء أصوات الناس وغلبتهم، والسلب خلع لباس الزينة ولبس أثواب المصيبة.
30 - عيون أخبار الرضا (ع): الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن سليمان بن حفص قال: إن هارون الرشيد قبض على موسى بن جعفر عليه السلام سنة تسع وسبعين ومائة، وتوفي في حبسه ببغداد لخمس ليال بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة، وهو ابن سبع و أربعين سنة، ودفن في مقابر قريش، وكانت إمامته خمسا وثلاثين سنة وأشهرا، و أمه أم ولد يقال لها حميدة وهي أم أخويه إسحاق ومحمد ابني جعفر، ونص على ابنه علي بن موسى الرضا عليه السلام بالإمامة بعده.
بيان: لعل في لفظ الأربعين تصحيفا.
31 - إكمال الدين عيون أخبار الرضا (ع): الهمداني، عن علي، عن أبيه محمد بن صدقة العنبري قال:
لما توفي أبو إبراهيم موسى بن جعفر عليه السلام جمع هارون الرشيد شيوخ الطالبية وبني العباس وسائر أهل المملكة والحكام وأحضر أبا إبراهيم موسى بن جعفر فقال: هذا موسى بن جعفر قد مات حتف أنفه وما كان بيني وبينه ما أستغفر الله منه في أمره يعني في قتله فانظروا إليه فدخل عليه سبعون رجلا من شيعته فنظروا إلى موسى بن جعفر وليس به أثر جراحة ولا خنق، وكان في رجله أثر الحناء فأخذه سليمان بن أبي جعفر فتولى غسله وتكفينه وتحفى وتحسر في جنازته.
32 - قرب الإسناد: أحمد بن محمد، عن أبي قتادة، عن أبي خالد الزبالي قال: قدم أبو الحسن موسى عليه السلام زبالة ومعه جماعة من أصحاب المهدي بعثهم المهدي في إشخاصه إليه، وأمرني بشراء حوائج له، ونظر إلي وأنا مغموم فقال: يا أبا خالد مالي أراك مغموما؟ قلت: جعلت فداك هو ذا تصير إلى هذا الطاغية ولا آمنه عليك
فقال: يا أبا خالد ليس علي منه بأس، إذا كانت سنة كذا وكذا وشهر كذا وكذا ويوم كذا وكذا فانتظرني في أول الميل فاني أوافيك إن شاء الله.
قال: فما كنت لي همة إلا إحصاء الشهور والأيام، فغدوت إلى أول الميل في اليوم الذي وعدني، فلم أزل أنتظره إلى أن كادت الشمس أن تغيب فلم أر أحدا فشككت فوقع في قلبي أمر عظيم، فنظرت قرب الليل، فإذا سواد قد رفع قال:
فانتظرته فوافاني أبو الحسن عليه السلام أمام القطار على بغلة له فقال: أيهن يا أبا خالد قلت: لبيك جعلت فداك قال: لا تشكن، ود والله الشيطان أنك شككت قلت:
قد كان والله ذلك جعلت فداك. قال: فسررت بتخليصه وقلت: الحمد لله الذي خلصك من الطاغية فقال: يا أبا خالد إن لي إليهم عودة لا أتخلص منهم.
33 - كشف الغمة: من دلائل الحميري عن أحمد بن محمد مثله.
34 - قرب الإسناد: اليقطيني، عن يونس، عن علي بن سويد السائي قال: كتب إلي أبو الحسن الأول عليه السلام في كتاب إن أول ما أنعى إليك نفسي في ليالي هذه، غير جازع، ولا نادم، ولا شاك فيما هو كائن، مما قضى الله وحتم، فاستمسك بعروة الدين آل محمد والعروة الوثقى الوصي بعد الوصي، والمسالمة والرضا بما قالوا.
35 - غيبة الشيخ الطوسي: يونس بن عبد الرحمن قال: حضر الحسين بن علي الرواسي جنازة أبي إبراهيم عليه السلام فلما وضع على شفير القبر إذا رسول من السندي بن شاهك قد أتى أبا المضا خليفته - وكان مع الجنازة - أن اكشف وجهه للناس قبل أن تدفنه حتى يروه صحيحا لم يحدث به حدث، قال: فكشف عن وجه مولاي
حتى رأيته وعرفته ثم غطى وجهه وادخل قبره صلى الله عليه.
36 - غيبة الشيخ الطوسي: اليقطيني قال: أخبرتني رحيم أم ولد الحسين بن علي بن يقطين - وكانت امرأة حرة فاضلة قد حجت نيفا وعشرين حجة - عن سعيد مولاه وكان يخدمه في الحبس ويختلف في حوائجه: أنه حضر حين مات كما يموت الناس من قوة إلى ضعف إلى أن قضى عليه السلام.
37 - مناقب ابن شهرآشوب غيبة الشيخ الطوسي: محمد البرقي، عن محمد بن غياث المهلبي قال: لما حبس هارون الرشيد أبا إبراهيم موسى عليه السلام وأظهر الدلائل والمعجزات وهو في الحبس تحير الرشيد، فدعا يحيى بن خالد البرمكي فقال له: يا أبا على أما ترى ما نحن فيه من هذه العجائب ألا تدبر في أمر هذا الرجل تدبيرا تريحنا من غمه.
فقال له يحيى بن خالد: الذي أراه لك يا أمير المؤمنين أن تمتن عليه، و تصل رحمه فقد والله أفسد علينا قلوب شيعتنا، وكان يحيى يتولاه، وهارون لا يعلم ذلك، فقال هارون: انطلق إليه وأطلق عنه الحديد وأبلغه عني السلام وقل له:
يقول لك ابن عمك إنه قد سبق مني فيك يمين أني لا أخليك حتى تقر لي بالإساءة وتسألني العفو عما سلف منك، وليس عليك في إقرارك عار ولا في مسألتك إياي منقصة. وهذا يحيى بن خالد هو ثقتي ووزيري وصاحب أمري فسله بقدر ما أخرج من يميني وانصرف راشدا.
قال محمد بن غياث: فأخبرني موسى بن يحيى بن خالد أن أبا إبراهيم قال ليحيى: يا أبا علي أنا ميت، وإنما بقي من أجلي أسبوع، اكتم موتي وائتني يوم الجمعة عند الزوال، وصل علي أنت وأوليائي فرادى وانظر إذا سار هذا الطاغية إلى الرقة وعاد إلى العراق لا يراك ولا تراه لنفسك، فاني رأيت في نجمك و
نجم ولدك ونجمه أنه يأتي عليكم فاحذروه، ثم قال: يا أبا علي أبلغه عني يقول لك موسى بن جعفر: رسولي يأتيك يوم الجمعة فيخبرك بما ترى، وستعلم غدا إذا جاثيتك بين يدي الله من الظالم والمعتدي على صاحبه والسلام.
فخرج يحيى من عنده واحمرت عيناه من البكاء حتى دخل على هارون فأخبره بقصته وما ورد عليه فقال هارون: إن لم يدع النبوة بعد أيام فما أحسن حالنا فلما كان يوم الجمعة توفي أبو إبراهيم عليه السلام وقد خرج هارون إلى المدائن قبل ذلك فاخرج إلى الناس حتى نظروا إليه، ثم دفن عليه السلام ورجع الناس، فافترقوا فرقتين فرقة تقول: مات، وفرقة تقول: لم يمت.
38 - غيبة الشيخ الطوسي: أخبرنا أحمد بن عبدون سماعا وقراءة عليه قال: أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني قال: حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال:
حدثنا علي بن محمد النوفلي، عن أبيه، قال الأصبهاني: وحدثني أحمد بن سعيد قال: حدثني محمد بن الحسن العلوي وحدثني غيرهما ببعض قصته، وجمعت ذلك بعضه إلى بعض قالوا: كان السبب في أخذ موسى بن جعفر عليهما السلام أن الرشيد جعل ابنه في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث فحسده يحيى بن خالد البرمكي وقال: إن أفضت الخلافة إليه زالت دولتي، ودولة ولدي.
فاحتال على جعفر بن محمد - وكان يقول بالإمامة - حتى داخله وآنس إليه وكان يكثر غشيانه في منزله، فيقف على أمره، فيرفعه إلى الرشيد، ويزيد عليه بما يقدح في قلبه ثم قال يوما لبعض ثقاته: أتعرفون لي رجلا من آل أبي طالب ليس بواسع الحال يعرفني ما أحتاج إليه فدل على علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد فحمل إليه يحيى بن خالد مالا وكان موسى يأنس إليه ويصله، وربما أفضى إليه بأسراره كلها، فكتب ليشخص به فأحس موسى بذلك فدعاه فقال: إلى أين
يا بن أخي؟ قال: إلى بغداد قال: وما تصنع؟ قال: علي دين وأنا مملق قال:
فأنا أقضي دينك، وأفعل بك وأصنع، فلم يلتفت إلى ذلك فقال له: انظر يا بن أخي لا تؤتم أولادي، وأمر له بثلاثمائة دينار، وأربعة آلاف درهم.
فلما قام من بين يديه قال أبو الحسن موسى عليه السلام لمن حضره: والله ليسعين في دمي، ويؤتمن أولادي فقالوا له: جعلنا الله فداك فأنت تعلم هذا من حاله و تعطيه وتصله؟! فقال لهم: نعم حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن الرحم إذا قطعت فوصلت قطعها الله.
فخرج علي بن إسماعيل حتى أتى إلى يحيى بن خالد فتعرف منه خبر موسى ابن جعفر، ورفعه إلى الرشيد، وزاد عليه وقال له: إن الأموال تحمل إليه من المشرق والمغرب، وإن له بيوت أموال وإنه اشترى ضيعة بثلاثين ألف دينار فسماها اليسيرة، وقال له صاحبها وقد أحضر المال: لا آخذ هذا النقد، ولا آخذ إلا نقد كذا فأمر بذلك المال فرد وأعطاه ثلاثين ألف دينار من النقد الذي سأل بعينه، فرفع ذلك كله إلى الرشيد، فأمر له بمائتي ألف درهم يسبب له على بعض النواحي فاختار كور المشرق، ومضت رسله ليقبض المال ودخل هو في بعض الأيام إلى الخلاء فزحر زحرة خرجت منها حشوته كلها فسقط، وجهدوا في ردها فلم يقدروا، فوقع لما به، وجاءه المال وهو ينزع فقال: ما أصنع به وأنا في الموت.
وحج الرشيد في تلك السنة فبدأ بقبر النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني أعتذر إليك من شئ أريد أن أفعله، أريد أن أحبس موسى بن جعفر فإنه يريد التشتت بين أمتك وسفك دمائها، ثم أمر به فاخذ من المسجد فادخل إليه فقيده، وأخرج من داره بغلان عليهما قبتان مغطاتان هو في إحداهما، ووجه مع كل واحدة
منهما خيلا فأخذ بواحدة على طريق البصرة، والأخرى على طريق الكوفة ليعمي على الناس أمره، وكان في التي مضت إلى البصرة، وأمر الرسول أن يسلمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور، وكان على البصرة حينئذ فمضى به فحبسه عنده سنة.
ثم كتب إلى الرشيد أن خذه مني، وسلمه إلى من شئت، وإلا خليت سبيله، فقد اجتهدت بأن أجد عليه حجة، فما أقدر على ذلك، حتى أني لا تسمع عليه إذا دعا لعله يدعو علي أو عليك فما أسمعه يدعو إلا لنفسه، يسأل الرحمة و المغفرة فوجه من تسلمه منه، وحبسه عند الفضل بن الربيع ببغداد، فبقي عنده مدة طويلة، وأراده الرشيد على شئ من أمره فأبى فكتب بتسليمه إلى الفضل بن يحيى فتسلمه منه وأراد ذلك منه فلم يفعل، وبلغه أنه عنده في رفاهية وسعة، وهو حينئذ بالرقة.
فأنفذ مسرور الخادم إلى بغداد على البريد، وأمره أن يدخل من فوره إلى موسى بن جعفر فيعرف خبره، فإن كان الامر على ما بلغه أوصل كتابا منه إلى العباس بن محمد وأمره بامتثاله، وأوصل منه كتابا آخر إلى السندي بن شاهك يأمره بطاعة العباس.
فقدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريد ثم دخل على موسى ابن جعفر عليه السلام فوجده على ما بلغ الرشيد، فمضى من فوره إلى العباس بن محمد والسندي فأوصل الكتابين إليهما، فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض إلى الفضل بن يحيى فركب معه وخرج مشدوها دهشا حتى دخل على العباس فدعا بسياط وعقابين فوجه ذلك إلى السندي وأمره بالفضل فجرد ثم ضربه مائة سوط، وخرج متغير اللون خلاف ما دخل فأذهبت نخوته فجعل يسلم على الناس يمينا وشمالا و كتب مسرور بالخبر إلى الرشيد فأمر بتسليم موسى إلى السندي بن شاهك وجلس مجلسا حافلا وقال: أيها الناس إن الفضل بن يحيى قد عصاني، وخالف طاعتي ورأيت أن ألعنه فالعنوه فلعنه الناس من كل ناحية حتى ارتج البيت والدار بلعنه.
وبلغ يحيى بن خالد فركب إلى الرشيد ودخل من غير الباب الذي يدخل الناس منه حتى جاءه من خلفه وهو لا يشعر ثم قال: التفت إلي يا أمير المؤمنين فأصغى إليه فزعا فقال له: إن الفضل حدث وأنا أكفيك ما تريد، فانطلق وجهه وسر وأقبل على الناس فقال: إن الفضل كان عصاني في شئ فلعنته وقد تاب وأناب إلى طاعتي فتولوه، فقالوا له: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت وقد توليناه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.