بحارالانوار · المجلد الحادي عشر
6. باب مناظراته عليه السلام مع خلفاء الجور، وما جرى
ج ۴۸، ص ۱۲۰–۱۴۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
وفيه كلام شناعة، مثل المتعة بلا شهود، واستحلال الفروج بأمره، ولو بدرهم، والبراءة من السلف، ويلعنون عليهم في صلاتهم، ويزعمون أن من لم يتبرأ منهم فقد بانت امرأته منه، ومن أخر الوقت فلا صلاة له لقول الله تبارك وتعالى " أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا " يزعمون أنه واد في جهنم والكتاب طويل وأنا قائم أقرأ وهو ساكت، فرفع رأسه وقال: اكتفيت بما قرأت فكلم بحجتك بما قرأته.
قلت: يا أمير المؤمنين والذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالنبوة ما حمل إلي أحد درهما ولا دينارا من طريق الخراج لكنا معاشر آل أبي طالب نقبل الهدية التي أحلها الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله في قوله: لو أهدي لي كراع لقبلت، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت، وقد علم أمير المؤمنين ضيق ما نحن فيه، وكثرة عدونا، وما منعنا السلف من الخمس الذي نطق لنا به الكتاب، فضاق بنا الامر، وحرمت علينا الصدقة وعوضنا الله عز وجل عنها الخمس واضطررنا إلى قبول الهدية وكل ذلك مما علمه أمير المؤمنين فلما تم كلامي سكت.
ثم قلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لابن عمه في حديث عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وآله فكأنه اغتنمها، فقال: مأذون لك، هاته! فقلت: حدثني أبي، عن جدي يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله: أن الرحم إذا مست رحما تحركت واضطربت فان رأيت أن تناولني يدك، فأشار بيده إلي.
ثم قال: ادن، فدنوت فصافحني وجذبني إلى نفسه مليا ثم فارقني وقد دمعت عيناه فقال لي: اجلس يا موسى، فليس عليك بأس، صدقت وصدق جدك وصدق النبي صلى الله عليه وآله لقد تحرك دمي، واضطربت عروقي وأعلم أنك لحمي ودمي وأن الذي حدثتني به صحيح، وإني أريد أن أسألك عن مسألة فان أجبتني، أعلم أنك صدقتني خليت عنك، ووصلتك، ولم أصدق ما قيل فيك، فقلت: ما كان علمه عندي أجبتك فيه.
فقال: لم لا تنهون شيعتكم عن قولهم لكم يا ابن رسول الله وأنتم ولد علي وفاطمة إنما هي وعاء، والولد ينسب إلى الأب لا إلى الأم؟ فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من هذه المسألة فعل؟ فقال: لست أفعل أو أجبت فقلت: فأنا في أمانك أن لا يصيبني من آفة السلطان شئ؟ فقال: لك الأمان قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم " ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون
وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى، وعيسى " فمن أبو عيسى؟ فقال:
ليس له أب إنما خلق من كلام الله عز وجل وروح القدس فقلت: إنما الحق عيسى بذراري الأنبياء من قبل مريم، وألحقنا بذراري الأنبياء من قبل فاطمة لا من قبل علي عليه السلام فقال: أحسنت أحسنت يا موسى زدني من مثله.
فقلت: اجتمعت الأمة برها وفاجرها أن حديث النجراني حين دعاه النبي صلى الله عليه وآله إلى المباهلة لم يكن في الكساء إلا النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فقال الله تبارك وتعالى " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم " فكان تأويل أبناءنا الحسن والحسين ، ونساءنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي طالب فقال: أحسنت.
ثم قال: أخبرني عن قولكم: ليس للعم مع ولد الصلب ميراث، فقلت:
أسألك يا أمير المؤمنين بحق الله وبحق رسوله صلى الله عليه وآله أن تعفيني من تأويل هذه الآية وكشفها، وهي عند العلماء مستورة فقال: إنك قد ضمنت لي أن تجيب فيما أسألك ولست أعفيك فقلت: فجدد لي الأمان فقال: قد أمنتك فقلت: إن النبي صلى الله عليه وآله لم يورث من قدر على الهجرة فلم يهاجر، وإن عمي العباس قدر على الهجرة فلم يهاجر، وإنما كان في عدد الأسارى عند النبي صلى الله عليه وآله، وجحد أن يكون له الفداء فأنزل الله تبارك وتعالى على النبي صلى الله عليه وآله يخبره بدفين له من ذهب، فبعث عليا عليه السلام فأخرجه من عند أم الفضل، وأخبر العباس بما أخبره جبرئيل عن الله تبارك وتعالى فأذن لعلي وأعطاه علامة الذي دفن فيه، فقال العباس عند ذلك:
يا ابن أخي ما فاتني منك أكثر، وأشهد أنك رسول رب العالمين.
فلما أحضر علي الذهب فقال العباس: أفقرتني يا ابن أخي فأنزل الله تبارك
وتعالى: " إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما اخذ منكم ويغفر لكم " وقوله: " والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا " ثم قال: " وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر " فرأيته قد اغتم.
ثم قال: أخبرني من أين قلتم إن الانسان يدخله الفساد من قبل النساء لحال الخمس الذي لم يدفع إلى أهله، فقلت: أخبرك يا أمير المؤمنين بشرط أن لا تكشف هذا الباب لاحد ما دمت حيا، وعن قريب يفرق الله بيننا وبين من ظلمنا، وهذه مسألة لم يسألها أحدا من السلاطين غير أمير المؤمنين قال: ولا تيم ولا عدي ولا بنو أمية ولا أحد من آبائنا؟ قلت: ما سئلت ولا سئل أبو عبد الله جعفر ابن محمد عنها قال: فإن بلغني عنك أو عن أحد من أهل بيتك كشف ما أخبرتني به رجعت عما آمنتك فقلت: لك على ذلك.
فقال: أحببت أن تكتب لي كلاما موجزا له أصول وفروع، يفهم تفسيره و يكون ذلك سماعك من أبي عبد الله عليه السلام فقلت: نعم وعلى عيني يا أمير المؤمنين قال: فإذا فرغت فارفع حوائجك، وقام، ووكل بي من يحفظني، وبعث إلي في كل يوم بمائة سرية فكتبت:
بسم الله الرحمن الرحيم أمور الدنيا أمران: أمر لا اختلاف فيه، وهو إجماع الأمة على الضرورة التي يضطرون إليها والاخبار المجتمع عليها المعروض عليها شبهة، والمستنبط منها كل حادثة، وأمر يحتمل الشك والانكار، وسبيل استنصاح أهله الحجة عليه، فما ثبت لمنتحليه من كتاب مستجمع على تأويله، أو سنة عن النبي صلى الله عليه وآله لا اختلاف فيها، أو قياس تعرف العقول عدله، ضاق على من استوضح تلك الحجة ردها، ووجب عليه قبولها، والاقرار والديانة بها، وما لم يثبت لمنتحليه به حجة من كتاب مستجمع على تأويله، أو سنة عن النبي صلى الله عليه وآله لا اختلاف
فيها، أو قياس تعرف العقول عدله، وسع خاص الأمة وعامها الشك فيه، والانكار له، كذلك، هذان الأمران من أمر التوحيد فما دونه، إلى أرش الخدش فما دونه فهذا المعروض الذي يعرض عليه أمر الدين فما ثبت لك برهانه اصطفيته، وما غمض عنك ضوؤه نفيته، ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله، ونعم الوكيل.
فأخبرت الموكل بي أني قد فرغت من حاجته، فأخبره فخرج، وعرضت عليه فقال: أحسنت هو كلام موجز جامع، فارفع حوائجك يا موسى فقلت: يا أمير المؤمنين أول حاجتي إليك أن تأذن لي في الانصراف إلى أهلي، فاني تركتهم باكين آيسين من أن يروني أبدا فقال: مأذون لك، ازدد؟ فقلت: يبقي الله أمير المؤمنين لنا معاشر بني عمه فقال: ازدد؟ فقلت: علي عيال كثير، وأعيننا بعد الله ممدودة إلى فضل أمير المؤمنين وعادته، فأمر لي بمائة ألف درهم، وكسوة، وحملني وردني إلى أهلي مكرما.
بيان: قد أثبتنا شرح أجزاء الخبر في المحال المناسبة لها، وقد مر بتغيير في كتاب الاحتجاج ورواه في كتاب الاستدراك أيضا عن هارون بن موسى التلعكبري باسناده إلى علي بن أبي حمزة عنه عليه السلام باختصار وأدنى تغيير، وأما عدم ذكر الجواب عن الفساد من قبل النساء للعهد الذي جرى بينه عليه السلام وبين الرشيد وسيأتي ما يظهر منه الجواب في كتاب الخمس إنشاء الله تعالى في الاستدراك أنه أجاب عليه السلام أنه من جهة الخمس.
2 - عيون أخبار الرضا (ع): أبو أحمد هاني بن محمد بن محمود العبدي رضي الله عنه عن أبيه باسناده رفعه إلى موسى بن جعفر عليهما السلام قال: لما أدخلت على الرشيد سلمت عليه فرد علي السلام ثم قال: يا موسى بن جعفر خليفتين يجبى إليهما الخراج؟! فقلت: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تبوء بإثمي وإثمك، وتقبل الباطل من أعدائنا علينا، فقد
علمت أنه قد كذب علينا منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله بما علم ذلك عندك، فان رأيت بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله أن تأذن لي أحدثك بحديث أخبرني به أبي عن آبائه عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: قد أذنت لك.
فقلت: أخبرني أبي عن آبائه عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الرحم إذا مست الرحم تحركت واضطربت، فناولني يدك جعلني الله فداك فقال: ادن فدنوت منه، فأخذ بيدي، ثم جذبني إلى نفسه وعانقني طويلا، ثم تركني وقال:
اجلس يا موسى فليس عليك بأس، فنظرت إليه فإذا أنه قد دمعت عيناه، فرجعت إلى نفسي فقال: صدقت وصدق جدك صلى الله عليه وآله لقد تحرك دمي، واضطربت عروقي حتى غلبت علي الرقة وفاضت عيناي، وأنا أريد أن أسألك عن أشياء تتلجلج في صدري منذ حين، لم أسأل عنها أحدا فان أنت أجبتني عنها خليت عنك، ولم أقبل قول أحد فيك، وقد بلغني أنك لم تكذب قط فأصدقني عما أسألك مما في قلبي فقلت:
ما كان علمه عندي فإني مخبرك به إن أنت آمنتني؟ قال: لك الأمان إن صدقتني وتركت التقية التي تعرفون بها معشر بني فاطمة، فقلت ليسأل أمير المؤمنين عما شاء؟. قال: أخبرني لم فضلتم علينا ونحن وأنتم من شجرة واحدة وبنو عبد المطلب ونحن وأنتم واحد، إنا بنو العباس وأنتم ولد أبي طالب، وهما عما رسول الله صلى الله عليه وآله وقرابتهما منه سواء؟.
فقلت: نحن أقرب قال: وكيف ذلك؟ قلت: لان عبد الله وأبا طالب لأب وأم، وأبوكم العباس ليس هو من أم عبد الله، ولا من أم أبي طالب قال: فلم ادعيتم أنكم ورثتم النبي صلى الله عليه وآله؟ والعم يحجب ابن العم، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وقد توفي أبو طالب قبله، والعباس عمه حي؟.
فقلت له: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من هذه المسألة ويسألني عن كل باب سواه يريده فقال: لا أو تجيب فقلت: فآمني؟ قال: قد آمنتك قبل الكلام فقلت: إن في قول علي بن أبي طالب عليه السلام إذ ليس مع ولد الصلب ذكرا كان أو أنثى لاحد سهم إلا للأبوين والزوج والزوجة، ولم يثبت للعم مع ولد الصلب
ميراث، ولم ينطق به الكتاب، إلا أن تيما وعديا وبني أمية قالوا: العم والد رأيا منهم بلا حقيقة، ولا أثر عن النبي صلى الله عليه وآله.
ومن قال بقول علي عليه السلام من العلماء قضاياهم خلاف قضايا هؤلاء، هذا نوح بن دراج يقول: في هذه المسألة بقول علي عليه السلام وقد حكم به، وقد ولاه أمير المؤمنين المصرين الكوفة والبصرة، وقد قضى به فأنهي إلى أمير المؤمنين فأمر باحضاره وإحضار من يقول بخلاف قوله منهم سفيان الثوري، وإبراهيم المدني والفضيل بن عياض فشهدوا أنه قول علي عليه السلام في هذه المسألة فقال لهم - فيما أبلغني بعض العلماء من أهل الحجاز: فلم لا تفتون به وقد قضى به نوح بن دراج؟ فقالوا جسر نوح وجبنا وقد أمضى أمير المؤمنين قضيته بقول قدماء العامة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: علي أقضاكم، وكذلك قال عمر بن الخطاب علي أقضانا، وهو اسم جامع لان جميع ما مدح به النبي صلى الله عليه وآله أصحابه من القراءة والفرائض والعلم داخل في القضاء.
قال: زدني يا موسى، قلت: المجالس بالأمانات وخاصة مجلسك؟ فقال:
لا بأس عليك فقلت: إن النبي صلى الله عليه وآله لم يورث من لم يهاجر، ولا أثبت له ولاية حتى يهاجر فقال: ما حجتك فيه؟ قلت: قول الله تبارك وتعالى: " والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا " وإن عمي العباس لم يهاجر، فقال لي: أسألك يا موسى هل أفتيت بذلك أحدا من أعدائنا؟ أم أخبرت أحدا من الفقهاء في هذه المسألة بشئ؟ فقلت: اللهم لا، وما سألني عنها إلا أمير المؤمنين.
ثم قال: لم جوزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله و يقولون لكم: يا بني رسول الله، وأنتم بنو علي وإنما ينسب المرء إلى أبيه وفاطمة إنما هي وعاء، والنبي صلى الله عليه وآله جدكم من قبل أمكم؟ فقلت: يا أمير المؤمنين لو أن النبي صلى الله عليه وآله نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟ فقال: سبحان الله
ولم لا أجيبه؟! بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك، فقلت: لكنه عليه السلام لا يخطب إلي ولا أزوجه فقال: ولم؟ فقلت: لأنه ولدني ولم يلدك فقال: أحسنت يا موسى.
ثم قال: كيف قلتم إنا ذرية النبي، والنبي عليه السلام لم يعقب؟ وإنما العقب للذكر لا للأنثى، وأنتم ولد الابنة، ولا يكون لها عقب؟ فقلت: أسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه إلا ما أعفيتني عن هذه المسألة فقال: لا أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي، وأنت يا موسى يعسوبهم، وإمام زمانهم، كذا أنهي إلي، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه، حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب الله، فأنتم تدعون معشر ولد علي أنه لا يسقط عنكم منه شئ ألف ولا واو، إلا وتأويله عندكم، واحتججتم بقوله عز وجل، " ما فرطنا في الكتاب من شئ " وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم فقلت: تأذن لي في الجواب؟ قال: هات فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم " ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف و موسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى " من أبو عيسى يا أمير المؤمنين؟ فقال: ليس لعيسى أب فقلت: إنما ألحقناه بذراري الأنبياء عليهم السلام من طريق مريم عليها السلام، وكذلك ألحقنا بذراري النبي صلى الله عليه وآله من قبل امنا فاطمة عليها السلام.
أزيدك يا أمير المؤمنين؟ قال: هات، قلت: قول الله عز وجل " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا و نساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " ولم يدع أحد أنه أدخل النبي صلى الله عليه وآله تحت الكساء عند مباهلة النصارى إلا علي بن أبي طالب وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام فكان تأويل قوله عز وجل أبناءنا الحسن والحسين
ونساءنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي طالب، إن العلماء قد أجمعوا على أن جبرئيل قال يوم أحد: يا محمد إن هذه لهي المواساة من علي قال: لأنه مني وأنا منه فقال جبرئيل: وأنا منكما يا رسول الله ثم قال: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، فكان كما مدح الله عز وجل به خليله عليه السلام إذ يقول: " فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " إنا معشر بني عمك نفتخر بقول جبرئيل إنه منا.
فقال: أحسنت يا موسى، ارفع إلينا حوائجك فقلت له: أول حاجة أن تأذن لابن عمك أن يرجع إلى حرم جده عليه السلام وإلى عياله فقال: ننظر إن شاء الله.
فروي أنه أنزله عند السندي بن شاهك فزعم أنه توفي عنده والله أعلم.
3 - الإحتجاج: مرسلا مثله إلى قوله ننظر إن شاء الله.
4 - عيون أخبار الرضا (ع): الوراق والمكتب، والهمداني، وابن تاتانة، وأحمد بن علي ابن إبراهيم، وماجيلويه، وابن المتوكل رضي الله عنهم جميعا، عن علي، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن سفيان بن نزار قال : كنت يوما على رأس المأمون فقال: أتدرون من علمني التشيع؟ فقال القوم جميعا: لا والله ما نعلم قال: علمنيه الرشيد قيل له: وكيف ذلك؟ والرشيد كان يقتل أهل هذا البيت؟ قال: كان يقتلهم على الملك، لان الملك عقيم، ولقد حججت معه سنة، فلما صار إلى المدينة تقدم إلى حجابه وقال: لا يدخلن علي رجل من أهل المدينة ومكة من أبناء المهاجرين والأنصار وبني هاشم وسائر بطون قريش إلا نسب نفسه، فكان الرجل إذا دخل عليه قال: أنا فلان بن فلان حتى ينتهي إلى جده من هاشمي أو قرشي أو مهاجري أو أنصاري، فيصله من المائة بخمسة آلاف درهم وما دونها إلى مائتي دينار، على قدر شرفه، وهجرة آبائه.
فأنا ذات يوم واقف إذ دخل الفضل بن الربيع فقال: يا أمير المؤمنين على الباب رجل زعم أنه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فأقبل علينا ونحن قيام على رأسه، والأمين والمؤتمن وسائر القواد فقال: احفظوا على أنفسكم، ثم قال لآذنه ائذن له، ولا ينزل إلا على بساطي.
فأنا كذلك إذ دخل شيخ مسخد قد أنهكته العبادة، كأنه شن بال، قد كلم السجود وجهه وأنفه، فلما رأى الرشيد رمى بنفسه عن حمار كان راكبه فصاح الرشيد: لا والله إلا على بساطي فمنعه الحجاب من الترجل ونظرنا إليه بأجمعنا بالاجلال والاعظام، فما زال يسير على حماره حتى سار إلى البساط، و الحجاب والقواد محدقون به، فنزل فقام إليه الرشيد واستقبله إلى آخر البساط وقبل وجهه، وعينيه، وأخذ بيده حتى صيره في صدر المجلس، وأجلسه معه فيه، و جعل يحدثه ويقبل بوجهه عليه، ويسأله عن أحواله.
ثم قال: يا أبا الحسن ما عليك من العيال؟ فقال: يزيدون على الخمسمائة قال: أولاد كلهم؟ قال: لا، أكثرهم موالي وحشم، فأما الولد فلي نيف وثلاثون الذكران منهم كذا، والنسوان منهم كذا، قال: فلم لا تزوج النسوان من بني عمومتهن وأكفائهن؟ قال: اليد تقصر عن ذلك قال: فما حال الضيعة؟ قال:
تعطي في وقت وتمنع في آخر، قال: فهل عليك دين؟ قال: نعم قال: كم؟ قال:
نحو من عشرة آلاف دينار.
فقال الرشيد: يا ابن عم أنا أعطيك من المال ما تزوج به الذكران والنسوان وتعمر الضياع فقال له: وصلتك رحم يا ابن عم، وشكر الله لك هذه النية الجميلة والرحم ماسة، والقرابة واشجة، والنسب واحد، والعباس عم النبي صلى الله عليه وآله، و صنو أبيه، وعم علي بن أبي طالب عليه السلام وصنو أبيه، وما أبعدك الله من أن تفعل ذلك وقد بسط يدك، وأكرم عنصرك، وأعلى محتدك فقال: أفعل ذلك يا أبا الحسن وكرامة.
فقال: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قد فرض على ولاة عهده، أن ينعشوا فقراء الأمة، ويقضوا عن الغارمين، ويؤدوا عن المثقل، ويكسوا العاري ويحسنوا إلى العاني، وأنت أولى من يفعل ذلك فقال: أفعل يا أبا الحسن، ثم قام، فقام الرشيد لقيامه، وقبل عينيه ووجهه، ثم أقبل علي وعلى الأمين و المؤتمن فقال: يا عبد الله ويا محمد ويا إبراهيم بين يدي عمكم وسيدكم، خذوا بركابه، وسووا عليه ثيابه، وشيعوه إلى منزله، فأقبل أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام سرا بيني وبينه فبشرني بالخلافة وقال لي: إذا ملكت هذا الامر فأحسن إلى ولدي، ثم انصرفنا، وكنت أجرأ ولد أبي عليه.
فلما خلا المجلس قلت: يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي قد عظمته وأجللته، وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته، وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه ثم أمرتنا بأخذ الركاب له؟ قال: هذا إمام الناس، وحجة الله على خلقه، وخليفته على عباده فقلت: يا أمير المؤمنين أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟! فقال:
أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حق، والله يا بني إنه لاحق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله مني، ومن الخلق جميعا، ووالله لو نازعتني هذا الامر لاخذت الذي فيه عيناك، فان الملك عقيم.
فلما أراد الرحيل من المدينة إلى مكة أمر بصرة سوداء، فيها مائتا دينار ثم أقبل على الفضل بن الربيع فقال له: اذهب بهذه إلى موسى بن جعفر وقل له:
يقول لك أمير المؤمنين: نحن في ضيقة وسيأتيك برنا بعد هذا الوقت.
فقمت في صدره فقلت: يا أمير المؤمنين تعطي أبناء المهاجرين والأنصار و سائر قريش، وبني هاشم، ومن لا يعرف حسبه ونسبه خمسة آلاف دينار إلى ما دونها وتعطي موسى بن جعفر وقد أعظمته وأجللته مائتي دينار؟! أخس عطية أعطيتها أحدا من الناس؟ فقال: اسكت لا أم لك، فإني لو أعطيت هذا ما ضمنته له، ما كنت آمنه وكتب الموت على جميع خلقه، وجعلهم أسوة فيه، عدلا منه عليهم عزيزا، وقدرة منه عليهم، لا مدفع لاحد منهم، ولا محيص له عنه، حتى يجمع الله تبارك و
تعالى بذلك إلى دار البقاء خلقه، ويرث به أرضه ومن عليها، وإليه يرجعون.
بلغنا أطال الله بقاك ما كان من قضاء الله الغالب في وفاة أمير المؤمنين موسى صلوات الله عليه، ورحمته، ومغفرته، ورضوانه، وإنا لله وإنا إليه راجعون إعظاما لمصيبته، وإجلالا لرزئه وفقده. ثم إنا لله وإنا إليه راجعون، صبرا لأمر الله عز وجل، وتسليما لقضائه، ثم إنا لله وإنا إليه راجعون لشدة مصيبتك علينا خاصة، وبلوغها من حر قلوبنا، ونشوز أنفسنا، نسأل الله أن يصلي على أمير المؤمنين وأن يرحمه، ويلحقه بنبيه صلى الله عليه وآله، ويصالح سلفه، وأن يجعل ما نقله إليه خيرا مما أخرجه منه.
ونسأل الله أن يعظم أجرك أمتع الله بك، وأن يحسن عقباك، وأن يعوضك من المصيبة بأمير المؤمنين أفضل ما وعد الصابرين، من صلواته ورحمته وهداه، و نسأل الله أن يربط على قلبك، ويحسن عزاك وسلوتك، والخلف عليك، ولا يريك بعده مكروها في نفسك، ولا في شئ من نعمته.
وأسأل الله أن يهنيك خلافة أمير المؤمنين أمتع الله به، وأطال بقاه، ومد في عمره، وأنسأ في أجله، وأن يسوغكما بأتم النعمة، وأفضل الكرامة، وأطول العمر وأحسن الكفاية، وأن يمتعك وإيانا خاصة، والمسلمين عامة بأمير المؤمنين حتى نبلغ به أفضل الامل فيه لنفسه ومنك أطال الله بقاه ومنا له.
أن يضرب وجهي غدا بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم، من بسط أيديهم وأعينهم.
فلما نظر إلى ذلك مخارق المغني دخله في ذلك غيظ، فقام إلى الرشيد فقال:
يا أمير المؤمنين قد دخلت المدينة وأكثر أهلها يطلبون مني شيئا، وإن خرجت ولم أقسم فيهم شيئا لم يتبين لهم تفضل أمير المؤمنين علي، ومنزلتي عنده، فأمر له بعشرة آلاف دينار فقال له: يا أمير المؤمنين هذا لأهل المدينة، وعلي دين أحتاج أن
أقضيه فأمر له بعشرة آلاف دينار أخرى.
فقال له: يا أمير المؤمنين بناتي أريد أن أزوجهن وأنا محتاج إلى جهازهن فأمر له بعشرة آلاف دينار أخرى فقال له: يا أمير المؤمنين لا بد من غلة تعطينيها ترد علي وعلى عيالي وبناتي وأزواجهن القوت، فأمر له بأقطاع ما يبلغ غلته في السنة عشرة آلاف دينار، وأمر أن يعجل ذلك له من ساعته.
ثم قام مخارق من فوره وقصد موسى بن جعفر عليه السلام وقال له: قد وقفت على ما عاملك به هذا الملعون، وما أمر لك به، وقد احتلت عليه لك، وأخذت منه صلات ثلاثين ألف دينار، وأقطاعا تغل في السنة عشرة آلاف دينار، ولا والله يا سيدي ما أحتاج إلى شئ من ذلك، وما أخذته إلا لك، وأنا أشهد لك بهذه الاقطاع، وقد حملت المال إليك.
فقال: بارك الله لك في مالك، وأحسن جزاك ما كنت لآخذ منه درهما واحدا ولا من هذه الاقطاع شيئا، وقد قبلت صلتك وبرك، فانصرف راشدا، ولا تراجعني في ذلك، فقبل يده وانصرف.
5 - الإحتجاج: روي أن المأمون قال لقومه: أتدرون من علمني التشيع إلى قوله أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وإغنائهم.
بيان: قال الفيروزآبادي الملك عقيم أي لا ينفع فيه نسب لأنه يقتل في طلبه الأب والأخ والعم والولد وقال الجوهري أصبح فلان مسخدا إذا أصبح مصفرا ثقيلا مورما قوله عليه السلام وصلتك رحم أي صارت الرحم سببا لصلتك لنا، أو دعاء له بأن تصله الرحم وتعينه وتجزيه بما رعى لها والأخير أظهر، والواشجة المشتبكة، والمحتد الأصل، ونعشه أي رفعه، والعاني الأسير.
6 - أمالي الصدوق عيون أخبار الرضا (ع): أبي، عن علي، عن أبيه، عن الريان بن شبيب قال: سمعت المأمون يقول: ما زلت أحب أهل البيت عليهم السلام وأظهر للرشيد بغضهم تقربا إليه فلما حج الرشيد وكنت أنا ومحمد والقاسم معه، فلما كان بالمدينة استأذن عليه الناس فكان آخر من أذن له موسى بن جعفر عليه السلام فدخل فلما نظر إليه الرشيد تحرك، ومد بصره وعنقه إليه حتى دخل البيت الذي كان فيه.
فلما قرب منه جثا الرشيد على ركبتيه وعانقه، ثم أقبل عليه فقال له:
كيف أنت يا أبا الحسن؟ كيف عيالك وعيال أبيك؟ كيف أنتم؟ ما حالكم؟ فما زال يسأله عن هذا، وأبو الحسن عليه السلام يقول: خير خير، فلما قام أراد الرشيد أن ينهض فأقسم عليه أبو الحسن عليه السلام فقعد، وعانقه، وسلم عليه وودعه، قال المأمون:
وكنت أجرأ ولد أبي عليه.
فلما خرج أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قلت لأبي: يا أمير المؤمنين لقد رأيتك عملت بهذا الرجل شيئا ما رأيتك فعلته بأحد من أبناء المهاجرين و الأنصار، ولا ببني هاشم، فمن هذا الرجل؟ فقال: يا بني هذا وارث علم النبيين هذا موسى بن جعفر بن محمد، إن أردت العلم الصحيح فعند هذا، قال المأمون:
فحينئذ انغرس في قلبي حبهم.
7 - قرب الإسناد: محمد بن عيسى، عن بعض من ذكره أنه كتب أبو الحسن موسى عليه السلام إلى الخيزران أم أمير المؤمنين يعزيها بموسى ابنه، ويهنيها بهارون ابنها:
بسم الله الرحمن الرحيم للخيزران أم أمير المؤمنين من موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين أما بعد أصلحك الله، وأمتع بك، وأكرمك، وحفظك، وأتم النعمة والعافية في الدنيا والآخرة لك برحمته.
ثم إن الأمور أطال الله بقاءك كلها بيد الله عز وجل يمضيها، ويقدرها بقدرته فيها، والسلطان عليها توكل بحفظ ماضيها، وتمام باقيها، فلا مقدم لما أخر منها، ولا مؤخر لما قدم، استأثر بالبقاء، وخلق خلقه للفناء، أسكنهم دنيا سريعا زوالها، قليلا بقاؤها، وجعل لهم مرجعا إلى دار لا زوال لها ولا فناء لم يكن أطال الله بقاك أحد من أهلي، وقومك وخاصتك وحرمتك كان أشد لمصيبتك إعظاما، وبها حزنا ولك بالأجر عليها دعاءا وبالنعمة التي أحدث الله لأمير المؤمنين أطال الله بقاه دعاءا بتمامها، ودوامها، وبقائها، ودفع المكروه فيها مني، والحمد لله لما جعلني الله عليه بمعرفتي بفضلك، والنعمة عليك، وبشكري بلاءك، وعظيم رجائي لك أمتع الله بك، وأحسن جزاك، إن رأيت أطال الله بقاك أن تكتبي إلي بخبرك في خاصة نفسك، وحال جزيل هذه المصيبة، وسلوتك عنها فعلت، فإني بذلك مهتم وإلى ما جاءني من خبرك وحالك فيه متطلع، أتم الله لك أفضل ما عودك من نعمته، واصطنع عندك من كرامته، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وكتب يوم الخميس لسبع ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبعين ومائة.
توضيح: المحيص المهرب، والرزء المصيبة، وقوله ونشوز أنفسا معطوف على بلوغها من حر قلوبنا، يقال: نشزت المرأة نشوزا أي استصعبت على بعلها و أنغصته قوله عليه السلام: أن يسوغكما بأتم النعمة الباء للتعدية، يقال ساغ الشراب يسوغ سوغا أي سهل مدخله في الحلق وسغته أنا أسوغه وأسيغه يتعدى ولا يتعدى.
أقول: انظر إلى شدة التقية في زمانه عليه السلام حتى أحوجته إلى أن يكتب مثل هذا الكتاب لموت كافر لا يؤمن بيوم الحساب، فهذا يفتح لك من التقية كل باب.
8 - الإحتجاج: قيل: لما دخل هارون الرشيد المدينة توجه لزيارة النبي صلى الله عليه وآله ومعه الناس فتقدم إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله فقال: السلام عليك يا ابن عم، مفتخرا بذلك على غيره فتقدم أبو الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام إلى القبر فقال: السلام عليك
يا رسول الله، السلام عليك يا أبة، فتغير وجه الرشيد، وتبين الغيظ فيه.
9 - كامل الزيارة: الكليني العدة من أصحابه، عن سهل، عن علي بن حسان، عن بعض أصحابنا، قال: حضرت أبا الحسن الأول وهارون الخليفة، وعيسى بن جعفر، وجعفر بن يحيى، بالمدينة، وقد جاؤوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله فقال هارون لأبي الحسن عليه السلام: تقدم فأبى، فتقدم هارون فسلم وقام ناحية، فقال عيسى ابن جعفر لأبي الحسن عليه السلام: تقدم فأبى، فتقدم عيسى فسلم ووقف مع هارون وتقدم أبو الحسن عليه السلام فقال: السلام عليك يا أبه أسأل الله الذي اصطفاك واجتباك و هداك وهدى بك أن يصلي عليك، فقال هارون لعيسى: سمعت ما قال؟ قال: نعم قال هارون: أشهد أنه أبوه حقا.
10 - من كتاب حقوق المؤمنين: لأبي علي بن طاهر قال: استأذن علي ابن يقطين مولاي الكاظم عليه السلام في ترك عمل السلطان فلم يأذن له وقال: لا تفعل فإن لنا بك انسا، ولإخوانك بك عزا، وعسى أن يجبر الله بك كسرا، ويكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه، يا علي كفارة أعمالكم الاحسان إلى إخوانكم اضمن لي واحدة وأضمن لك ثلاثا، اضمن لي أن لا تلقى أحدا من أوليائنا إلا قضيت حاجته وأكرمته، وأضمن لك أن لا يظلك سقف سجن أبدا ولا ينالك حد سيف أبدا، ولا يدخل الفقر بيتك أبدا، يا علي من سر مؤمنا فبالله بدأ وبالنبي صلى الله عليه وآله ثنى وبنا ثلث.
11 - الخرائج: روي أن علي بن يقطين كتب إلى موسى بن جعفر عليه السلام اختلف في المسح على الرجلين، فإن رأيت أن تكتب ما يكون عملي عليه فعلت، فكتب أبو الحسن: الذي آمرك به أن تتمضمض ثلاثا، وتستنشق ثلاثا، وتغسل وجهك ثلاثا وتخلل شعر لحيتك ثلاثا. وتغسل يديك ثلاثا، وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما
وتغسل رجليك ثلاثا، ولا تخالف ذلك إلى غيره. فامتثل أمره وعمل عليه.
فقال الرشيد: أحب أن أستبرئ أمر علي بن يقطين فإنهم يقولون إنه رافضي والرافضة يخففون في الوضوء، فناطه بشئ من الشغل في الدار حتى دخل وقت الصلاة، ووقف الرشيد وراء حائط الحجرة ، بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو، وقد بعث إليه بالماء للوضوء فتوضأ كما أمره موسى، فقام الرشيد وقال:
كذب من زعم أنك رافضي، فورد على علي بن يقطين كتاب موسى بن جعفر:
توضأ من الآن كما أمر الله، اغسل وجهك مرة فريضة، والأخرى إسباغا واغسل يديك من المرفقين كذلك وامسح مقدم رأسك، وظاهر قدميك، من فضل نداوة وضوئك فقد زال ما يخاف عليك.
12 - إعلام الورى الإرشاد: روى عبد الله بن إدريس، عن ابن سنان قال: حمل الرشيد في بعض الأيام إلى علي بن يقطين ثيابا أكرمه بها وكان في جملتها دراعة خز سوداء من لباس الملوك، مثقلة بالذهب، فأنفذ علي بن يقطين جل تلك الثياب إلى أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام وأنفذ في جملتها تلك الدراعة، وأضاف إليها مالا كان أعده له على رسم له فيما يحمله إليه من خمس ماله، فلما وصل ذلك إلى أبي الحسن قبل المال والثياب، ورد الدراعة على يد الرسول إلى علي بن يقطين وكتب إليه أن احتفظ بها، ولا تخرجها عن يدك، فسيكون لك بها شأن، تحتاج إليها معه، فارتاب علي بن يقطين بردها عليه، ولم يدر ما سبب ذلك، فاحتفظ بالدراعة.
فلما كان بعد أيام تغير علي بن يقطين على غلام كان يختص به فصرفه عن خدمته، وكان الغلام يعرف ميل علي بن يقطين إلى أبي الحسن عليه السلام ويقف على ما يحمله إليه في كل وقت من مال وثياب وألطاف وغير ذلك، فسعى به إلى الرشيد فقال: إنه يقول بامامة موسى بن جعفر، ويحمل إليه خمس ماله في كل سنة
وقد حمل إليه الدراعة التي أكرمه بها أمير المؤمنين في وقت كذا وكذا.
فاستشاط الرشيد لذلك، وغضب غضبا، وقال لأكشفن عن هذه الحال فإن كان الامر كما يقول أزهقت نفسه، وأنفذ في الوقت باحضار علي بن يقطين فلما مثل بين يديه، قال له: ما فعلت بالدراعة التي كسوتك بها؟ قال: هي يا أمير المؤمنين عندي في سفط مختوم ، فيه طيب، وقد احتفظت بها، وقلما أصبحت إلا وفتحت السفط، فنظرت إليها تبركا بها، وقبلتها، ورددتها إلى موضعها، و كلما أمسيت صنعت مثل ذلك.
فقال: أحضرها الساعة! قال: نعم يا أمير المؤمنين، واستدعى بعض خدمه وقال له: امض إلى البيت الفلاني من الدار، فخذ مفتاحه من خازنتي، فافتحه وافتح الصندوق الفلاني، وجئني بالسفط الذي فيه بختمه، فلم يلبث الغلام أن جاءه بالسفط مختوما فوضع بين يدي الرشيد، فأمر بكسر ختمه وفتحه.
فلما فتح نظر إلى الدراعة فيه بحالها، مطوية مدفونة في الطيب، فسكن الرشيد من غضبه ثم قال لعلي بن يقطين: ارددها إلى مكانها، وانصرف راشدا فلن أصدق عليك بعدها ساعيا، وأمر أن يتبع بجائزة سنية، وتقدم بضرب الساعي ألف سوط، فضرب نحوا من خمسمائة سوط فمات في ذلك.
13 - تفسير العياشي: عن محمد بن سابق بن طلحة الأنصاري قال: كان مما قال هارون لأبي الحسن موسى عليه السلام حين ادخل عليه: ما هذه الدار؟ قال: هذه دار الفاسقين قال: وقرأ " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا " فقال له هارون: فدار من هي؟ قال: هي لشيعتنا فترة، ولغيرهم فتنة قال: فما بال صاحب الدار لا يأخذها؟ قال: اخذت منه عامرة، ولا يأخذها
إلا معمورة.
بيان: لعل المعنى أنه لا يأخذها إلا في وقت يمكنه عمارتها، وهذا ليس أوانه.
14 - مناقب ابن شهرآشوب: ابن عبد ربه في العقد أن المهدي رأى في منامه شريكا القاضي مصروفا وجهه عنه، فلما انتبه قص رؤياه على الربيع فقال: إن شريكا مخالف لك، فإنه فاطمي محض، قال المهدي: علي بشريك، فاتي به، فلما دخل عليه قال: بلغني أنك فاطمي قال: أعيذك بالله أن تكون غير فاطمي إلا أن تعني فاطمة بنت كسرى قال: لا ولكن أعني فاطمة بنت محمد قال: فتلعنها؟ قال: لا معاذ الله قال:
فما تقول فيمن يلعنها قال: عليه لعنة الله قال: فالعن هذا - يعني الربيع - قال: لا والله ما ألعنها يا أمير المؤمنين.
قال له شريك: يا ماجن فما ذكرك لسيدة نساء العالمين، وابنة سيد المرسلين في مجالس الرجال، قال المهدي: فما وجه المنام؟ قال: إن رؤياك ليست برؤيا يوسف عليه السلام وإن الدماء لا تستحل بالأحلام.
واتي برجل شتم فاطمة إلى الفضل بن الربيع فقال لابن غانم: انظر في أمره ما تقول؟ قال: يجب عليه الحد قال له الفضل: هي ذا أمك إن حددته فأمر بأن يضرب ألف سوط، ويصلب في الطريق.
15 - مناقب ابن شهرآشوب: لما بويع محمد المهدي دعا حميد بن قحطبة نصف الليل وقال:
إن إخلاص أبيك وأخيك فينا أظهر من الشمس، وحالك عندي موقوف فقال:
أفديك بالمال والنفس فقال: هذا لسائر الناس قال: أفديك بالروح والمال والأهل والولد، فلم يجبه المهدي فقال: أفديك بالمال والنفس والأهل والولد والدين فقال: لله درك، فعاهده على ذلك، وأمره أن يقتل الكاظم عليه السلام في السحرة بغتة
فنام فرأى في منامه عليا عليه السلام يشير إليه ويقرأ " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم " فانتبه مذعورا، ونهى حميدا عما أمره، وأكرم الكاظم ووصله.
بيان: السحرة بالضم السحر.
16 - مناقب ابن شهرآشوب: علي بن أبي حمزة قال: كان يتقدم الرشيد إلى خدمه إذا خرج موسى بن جعفر من عنده أن يقتلوه، فكانوا يهمون به فيتداخلهم من الهيبة والزمع فلما طال ذلك أمر بتمثال من خشب وجعل له وجها مثل وجه موسى بن جعفر وكانوا إذا سكروا أمرهم أن يذبحوها بالسكاكين، وكانوا يفعلون ذلك أبدا، فلما كان في بعض الأيام جمعهم في الموضع، وهم سكارى، وأخرج سيدي إليهم فلما بصروا به هموا به على رسم الصورة.
فلما علم منهم ما يريدون كلمهم بالخزرية والتركية، فرموا من أيديهم السكاكين، ووثبوا إلى قدميه فقبلوهما، وتضرعوا إليه، وتبعوه إلى أن شيعوه إلى المنزل الذي كان ينزل فيه فسألهم الترجمان عن حالهم فقالوا: إن هذا الرجل يصير إلينا في كل عام، فيقضي أحكامنا، ويرضي بعضا من بعض، ونستسقي به إذا قحط بلدنا، وإذا نزلت بنا نازلة فزعنا إليه، فعاهدهم أنه لا يأمرهم بذلك فرجعوا.
بيان: الزمع بالتحريك الدهش.
17 - مناقب ابن شهرآشوب: حكي أنه مغص بعض الخلفاء فعجز بختيشوع النصراني عن دوائه وأخذ جليدا فأذابه بدواء، ثم أخذ ماءا وعقده بدواء وقال: هذا الطب إلا أن يكون مستجاب دعاء ذا منزلة عند الله يدعو لك فقال الخليفة: علي بموسى بن جعفر فاتي به فسمع في الطريق أنينه، فدعا الله سبحانه، وزال مغص الخليفة فقال له:
بحق جدك المصطفى أن تقول بم دعوت لي؟ فقال عليه السلام قلت: اللهم كما رأيته ذل معصيته، فأره عز طاعتي، فشفاه الله من ساعته.
توضيح: المغص تقطيع في المعاء، ووجع، والجليد ما يسقط على الأرض من الندى فيجمد.
18 - مناقب ابن شهرآشوب: الفضل بن الربيع ورجل آخر قالا: حج هارون الرشيد وابتدأ بالطواف، ومنعت العامة من ذلك، لينفرد وحده، فبينما هو في ذلك إذ ابتدر أعرابي البيت، وجعل يطوف معه.
فقال الحاجب: تنح يا هذا عن وجه الخليفة، فانتهرهم الأعرابي وقال:
إن الله ساوى بين الناس في هذا الموضع فقال " سواءا العاكف فيه والباد " فأمر الحاجب بالكف عنه، فكلما طاف الرشيد طاف الأعرابي أمامه، فنهض إلى الحجر الأسود ليقبله فسبقه الأعرابي إليه والتثمه، ثم صار الرشيد إلى المقام ليصلي فيه فصلى الأعرابي أمامه.
فلما فرغ هارون من صلاته، استدعى الأعرابي فقال الحجاب: أجب أمير المؤمنين فقال: مالي إليه حاجة فأقوم إليه بل إن كانت الحاجة له فهو بالقيام إلي أولى قال: صدق فمشى إليه وسلم عليه فرد عليه السلام فقال هارون: أجلس يا أعرابي؟ فقال: ما الموضع لي فتستأذنني فيه بالجلوس، إنما هو بيت الله نصبه لعباده، فان أحببت أن تجلس فاجلس، وإن أحببت أن تنصرف فانصرف.
فجلس هارون وقال: ويحك يا أعرابي مثلك من يزاحم الملوك؟ قال: نعم وفي مستمع قال: فاني سائلك فان عجزت آذيتك قال: سؤالك هذا سؤال متعلم أو سؤال متعنت؟ قال: بل سؤال متعلم قال: اجلس مكان السائل من المسؤول وسل وأنت مسؤول.
فقال هارون: أخبرني ما فرضك؟ قال: إن الفرض رحمك الله واحد وخمسة وسبعة عشر، وأربع وثلاثون، وأربع وتسعون، ومائة وثلاثة وخمسون، على سبعة عشر، ومن اثني عشر واحد، ومن أربعين واحد، ومن مأتين خمس، ومن الدهر كله واحد، وواحد بواحد.
قال: فضحك الرشيد وقال: ويحك أسألك عن فرضك، وأنت تعد علي الحساب!؟ قال: أما علمت أن الدين كله حساب، ولو لم يكن الدين حسابا لما اتخذ الله للخلائق حسابا، ثم قرأ " وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها و كفى بنا حاسبين " قال: فبين لي ما قلت؟ وإلا أمرت بقتلك بين الصفا والمروة.
فقال الحاجب: تهبه لله ولهذا المقام قال: فضحك الأعرابي من قوله، فقال الرشيد: مما ضحكت يا أعرابي؟ قال: تعجبا منكما، إذ لا أدري من الأجهل منكما، الذي يستوهب أجلا قد حضر، أو الذي استعجل أجلا لم يحضر.
فقال الرشيد: فسر ما قلت؟ قال: أما قولي الفرض واحد: فدين الاسلام كله واحد، وعليه خمس صلوات، وهي سبع عشر ركعة وأربع وثلاثون سجدة وأربع وتسعون تكبيرة، ومائة وثلاث وخمسون تسبيحة، وأما قولي من اثني عشر واحد:
فصيام شهر رمضان من اثني عشر شهرا، وأما قولي: من الأربعين واحد فمن ملك أربعين دينار أوجب الله عليه دينارا، وأما قولي: من مائتين خمسة فمن ملك مائتي درهم أوجب الله عليه خمسة دراهم.
وأما قولي فمن الدهر كله واحد فحجة الاسلام، وأما قولي واحد من واحد فمن أهرق دما من غير حق وجب إهراق دمه قال الله تعالى: " النفس بالنفس " فقال الرشيد: لله درك، وأعطاه بدرة فقال: فبم استوجبت منك هذه البدرة يا هارون بالكلام؟ أو بالمسألة؟ قال: بالكلام قال: فإني سائلك عن مسألة فان أتيت بها
كانت البدرة لك تصدق بها في هذا الموضع الشريف، وإن لم تجبني عنها أضفت إلى البدرة بدرة أخرى لأتصدق بها على فقراء الحي من قومي، فأمر بإيراد أخرى وقال: سل عما بدا لك.
فقال: أخبرني عن الخنفساء تزق؟ أم ترضع ولدها؟ فحرد هارون و قال: ويحك يا أعرابي مثلي من يسأل عن هذه المسألة؟! فقال: سمعت ممن سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من ولي أقواما وهب له من العقل كعقولهم، وأنت إمام هذه الأمة يجب أن لا تسأل عن شئ من أمر دينك، ومن الفرايض، إلا أجبت عنها، فهل عندك له الجواب؟.
قال هارون: رحمك الله لا فبين لي ما قلته، وخذ البدرتين فقال: إن الله تعالى لما خلق الأرض خلق دبابات الأرض الذي من غير فرث، ولا دم، خلقها من التراب، وجعل رزقها وعيشها منه، فإذا فارق الجنين أمه لم تزقه ولم ترضعه وكان عيشها من التراب.
فقال هارون: والله ما ابتلى أحد بمثل هذه المسألة، وأخذ الأعرابي البدرتين وخرج، فتبعه بعض الناس، وسأله عن اسمه فإذا هو موسى بن جعفر بن محمد عليهما السلام فأخبر هارون بذلك فقال: والله لقد كان ينبغي أن تكون هذه الورقة من تلك الشجرة.
قوله عليه السلام: وفي مستمع أي علم يجب أن يستمع إليه.
19 - الشريف المرتضى في الغرر والديلمي في أعلام الدين عن أبي عبد الله بإسناده عن أيوب الهاشمي أنه حضر باب الرشيد رجل يقال له: نفيع الأنصاري وحضر موسى بن جعفر عليه السلام على حمار له، فتلقاه الحاجب بالإكرام، وعجل له
بالاذن فسأل نفيع عبد العزيز بن عمر من هذا الشيخ؟ قال: شيخ آل أبي طالب شيخ آل محمد، هذا موسى بن جعفر قال: ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم يفعلون هذا برجل يقدر أن يزيلهم عن السرير أما إن خرج لأسوءنه.
فقال له عبد العزيز: لا تفعل، فإن هؤلاء أهل بيت قل ما تعرض لهم أحد في الخطاب إلا وسموه في الجواب سمة يبقي عارها عليه مدى الدهر قال: وخرج موسى وأخذ نفيع بلجام حماره وقال: من أنت يا هذا؟.
قال: يا هذا إن كنت تريد النسب أنا ابن محمد حبيب الله ابن إسماعيل ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، وإن كنت تريد البلد فهو الذي فرض الله على المسلمين، و عليك إن كنت منهم الحج إليه، وإن كنت تريد المفاخرة فوالله ما رضوا مشركوا قومي مسلمي قومك أكفاءا لهم حتى قالوا: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش، و إن كنت تريد الصيت والاسم فنحن الذين أمر الله بالصلاة علينا في الصلوات المفروضة تقول: اللهم صل على محمد وآل محمد، فنحن آل محمد، خل عن الحمار فخلى عنه ويده ترعد، وانصرف مخزيا فقال له عبد العزيز: ألم أقل لك؟!.
20 - مناقب ابن شهرآشوب: في كتاب أخبار الخلفاء أن هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر: خذ فدكا حتى أردها إليك، فيأبى حتى ألح عليه فقال عليه السلام لا آخذها إلا بحدودها قال: وما حدودها؟ قال: إن حددتها لم تردها قال: بحق جدك إلا فعلت؟ قال: أما الحد الأول فعدن، فتغير وجه الرشيد وقال: أيها، قال:
والحد الثاني سمرقند، فأربد وجهه قال: والحد الثالث إفريقية فاسود وجهه وقال: هيه قال: والرابع سيف البحر مما يلي الجزر وأرمينية قال الرشيد:
فلم يبق لنا شئ، فتحول إلى مجلسي، قال موسى: قد أعلمتك أنني إن حددتها لم تردها فعند ذلك عزم على قتله.
وفي رواية ابن أسباط أنه قال: أما الحد الأول: فعريش مصر، والثاني دومة الجندل، والثالث: أحد والرابع: سيف البحر، فقال هذا كله، هذه الدنيا
فقال عليه السلام هذا كان في أيدي اليهود بعد موت أبي هالة فأفاءه الله على رسوله، بلا خيل ولا ركاب، فأمره الله أن يدفعه إلى فاطمة عليها السلام.
بيان: قال الفيروزآبادي إيه بكسر الهمزة والهاء وفتحها، وتنون المكسورة، كلمة استزادة واستنطاق، وقال: هيه بالكسر كلمة استزادة وقال: الربدة بالضم لون إلى الغبرة وقد أربد وارباد.
21 - كتاب النجوم: من كتاب نزهة الكرام وبستان العوام تأليف محمد بن الحسين ابن الحسن الرازي وهذا الكتاب خطه بالعجمية تكلفنا من نقله إلى العربية فذكر في أواخر المجلد الثاني منه ما هذا لفظ من أعربه.
وروي أن هارون الرشيد أنفذ إلى موسى بن جعفر عليه السلام فأحضره، فلما حضر عنده قال: إن الناس ينسبونكم يا بني فاطمة إلى علم النجوم، وإن معرفتكم بها معرفة جيدة، وفقهاء العامة يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا ذكرني أصحابي فاسكتوا، وإذا ذكروا القدر فاسكتوا، وإذا ذكروا النجوم فاسكتوا وأمير المؤمنين عليه السلام كان أعلم الخلائق بعلم النجوم وأولاده وذريته الذين يقول الشيعة بإمامتهم كانوا عارفين بها.
فقال له الكاظم صلوات الله عليه: هذا حديث ضعيف، وأسناده مطعون فيه والله تبارك وتعالى قد مدح النجوم، ولولا أن النجوم صحيحة ما مدحها الله عز وجل والأنبياء عليهم السلام كانوا عالمين بها، وقد قال الله تعالى في حق إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ".
وقال في موضع آخر " فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم " فلو لم يكن عالما بعلم النجوم ما نظر فيها، وما قال إني سقيم، وإدريس عليه السلام كان أعلم أهل زمانه بالنجوم، والله تعالى قد أقسم بمواقع النجوم " وإنه لقسم لو تعلمون عظيم " وقال في موضع " والنازغات غرقا " إلى قوله " فالمدبرات أمرا " يعني بذلك اثني عشر برجا، وسبعة سيارات، والذي يظهر بالليل والنهار بأمر الله عز وجل، و بعد علم القرآن ما يكون أشرف من علم النجوم، وهو علم الأنبياء والأوصياء، و ورثة الأنبياء الذين قال الله عز وجل " وعلامات وبالنجم هم يهتدون " ونحن نعرف هذا العلم وما نذكره.
فقال له هارون: بالله عليك يا موسى هذا العلم لا تظهره عند الجهال وعوام الناس، حتى لا يشنعوا عليك وأنفس عن العوام به، وغط هذا العلم، وارجع إلى حرم جدك.
ثم قال له هارون وقد بقي مسألة أخرى بالله عليك أخبرني بها قال له: سل فقال: بحق القبر والمنبر، وبحق قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني أنت تموت قبلي؟ أو أنا أموت قبلك؟ لأنك تعرف هذا من علم النجوم فقال له موسى عليه السلام:
آمني حتى أخبرك فقال: لك الأمان فقال: أنا أموت قبلك، وما كذبت ولا أكذب، ووفاتي قريب، فقال له هارون: قد بقي مسألة تخبرني بها ولا تضجر فقال له: سل فقال: خبروني أنكم تقولون إن جميع المسلمين عبيدنا، و جوارينا، وأنكم تقولون من يكون لنا عليه حق ولا يوصله إلينا فليس بمسلم؟
فقال له موسى عليه السلام؟ كذب الذين زعموا أننا نقول ذلك، وإذا كان الامر كذلك، فكيف يصح البيع والشراء عليهم، ونحن نشتري عبيدا وجواري ونعتقهم
ونقعد معهم، ونأكل معهم، ونشتري المملوك، ونقول له: يا بني وللجارية يا بنتي، ونقعدهم يأكلون معنا تقربا إلى الله سبحانه فلو أنهم عبيدنا وجوارينا، ما صح البيع والشراء وقد قال النبي صلى الله عليه وآله لما حضرته الوفاة: الله الله في الصلاة وما ملكت أيمانكم، يعني: صلوا وأكرموا مماليككم، وجواريكم، ونحن نعتقهم وهذا الذي سمعته غلط من قائله، ودعوى باطلة، ولكن نحن ندعي أن ولاء جميع الخلائق لنا، يعني ولاء الدين، وهؤلاء الجهال يظنونه ولاء الملك، حملوا دعواهم على ذلك، ونحن ندعي ذلك لقول النبي صلى الله عليه وآله يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه، وما كان يطلب بذلك إلا ولاء الدين، والذي يوصلونه إلينا من الزكاة والصدقة، فهو حرام علينا مثل الميتة والدم ولحم الخنزير.
وأما الغنائم والخمس من بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله فقد منعونا ذلك ونحن محتاجون إلى ما في يد بني آدم، الذين لنا ولاؤهم بولاء الدين ليس بولاء الملك فإن نفذ إلينا أحد هدية ولا يقول إنها صدقة نقبلها لقول النبي صلى الله عليه وآله لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي لي كراع لقبلت - والكراع اسم القرية، والكراع يد الشاة - وذلك سنة إلى يوم القيامة، ولو حملوا إلينا زكاة وعلمنا أنها زكاة رددناها، وإن كانت هدية قبلناها، ثم إن هارون أذن له في الانصراف فتوجه إلى الرقة ثم تقولوا عليه أشياء فاستعاده هارون وأطعمه السم فتوفي صلى الله عليه.
بيان: إذا ذكرني أصحابي فاسكنوا بالنون أي فاسكنوا إلى قولهم وفي الآخرين فاسكتوا بالتاء إما على بناء المجرد أو على بناء الأفعال، قوله: وأنفس العوام به أي لا تعلمهم، من قولهم نفست عليه الشئ نفاسة إذا لم تره له أهلا، قوله فكيف يصح البيع والشراء عليهم أي كيف يصح بيع الناس العبيد لنا، وشراؤنا منهم.
22 - كشف الغمة: قال محمد بن طلحة: نقل عن الفضل بن الربيع أنه أخبر عن أبيه أن المهدي لما حبس موسى بن جعفر ففي بعض الليالي رأى المهدي في منامه علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يقول له: يا محمد " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم " قال الربيع: فأرسل إلي ليلا فراعني وخفت من ذلك وجئت إليه، وإذا هو يقرأ هذه الآية وكان أحسن الناس صوتا فقال: علي الآن بموسى بن جعفر! فجئته به فعانقه وأجلسه إلى جانبه وقال: يا أبا الحسن رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في النوم فقرأ علي كذا فتؤمنني أن تخرج علي أو على أحد من ولدي، فقال: والله لا فعلت ذلك ولا هو من شأني، قال: صدقت يا ربيع أعطه ثلاثة آلاف دينار وزوده إلى أهله إلى المدينة.
قال الربيع: فأحكمت أمره ليلا فما أصبح إلا وهو في الطريق خوف العوايق، ورواه الجنابذي وذكر أنه وصله بعشرة آلاف دينار.
وقال الحافظ عبد العزيز: حدث أحمد بن إسماعيل قال: بعث موسى بن جعفر عليهما السلام إلى الرشيد من الحبس برسالة كانت: إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء، حتى نقضي جميعا إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون.
23 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن محمد بن يحيى عن حماد بن عثمان قال: بينا موسى بن عيسى في داره التي في المسعى تشرف على المسعى إذ رأى أبا الحسن موسى عليه السلام مقبلا من المروة على بغلة، فأمر ابن هياج - رجلا من همدان منقطعا إليه - أن يتعلق بلجامه ويدعي البغلة، فأتاه فتعلق باللجام وادعى البغلة، فثنى أبو الحسن عليه السلام رجله فنزل عنها وقال لغلمانه: خذوا
سرجها وادفعوها إليه، فقال: والسرج أيضا لي، فقال له أبو الحسن عليه السلام: كذبت عندنا البينة بأنه سرج محمد بن علي، وأما البغلة فأنا اشتريتها منذ قريب وأنت أعلم وما قلت.
24 - الكافي: أبو علي الأشعري، عن بعض أصحابنا وعلي، عن أبيه جميعا، عن ابن البطائني، عن أبيه، عن علي بن يقطين قال: سأل المهدي أبا الحسن عليه السلام عن الخمر هل هي محرمة في كتاب الله عز وجل؟ فان الناس إنما يعرفون النهي عنها ولا يعرفون التحريم لها، فقال له أبو الحسن عليه السلام: بل هي محرمة في كتاب الله عز وجل يا أمير المؤمنين، فقال له: في أي موضع هي محرمة في كتاب الله عز وجل يا أبا الحسن؟ فقال: قول الله عز وجل " إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق ".
فأما قوله ما ظهر منها يعني الزنا المعلن، ونصب الرايات التي كانت ترفعها الفواجر للفواحش في الجاهلية، وأما قوله عز وجل " وما بطن " يعني ما نكح الآباء لان الناس كانوا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله إذا كان للرجل زوجة ومات عنها تزوجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمه، فحرم الله عز وجل ذلك.
وأما الاثم فإنها الخمرة بعينها، وقد قال الله تبارك وتعالى في موضع آخر " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " فأما الاثم في كتاب الله فهي الخمر والميسر وإثمهما كبير كما قال الله عز وجل قال: فقال المهدي يا علي بن يقطين هذه والله فتوى هاشمية قال: فقلت له: صدقت والله يا أمير المؤمنين الحمد لله الذي لم يخرج هذا العلم منكم أهل البيت، قال: فوالله ما صبر المهدي أن قال لي: صدقت يا رافضي.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.