بحارالانوار · المجلد العاشر
27 باب احتجاجه صلوات ms14746 الله عليه على معاوية، وأوليائه لعنهم
ج ۴۴، ص ۲۰۴–۲۱۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
فصعد الحسين عليه السلام المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي صلى الله عليه وآله فسمع رجلا يقول: من هذا الذي يخطب؟ فقال الحسين عليه السلام:
نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله الأقربون، وأهل بيته الطيبون وأحد الثقلين الذين جعلنا رسول الله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى الذي فيه تفصيل كل شئ لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره ولا يبطئنا تأويله، بل نتبع حقائقه.
فأطيعونا فان طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله عز وجل: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول " وقال: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ".
وأحذركم الاصغاء إلى هتوف الشيطان بكم، فإنه لكم عدو مبين فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم: " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم
فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم " فتلقون للسيوف ضربا، وللرماح وردا، وللعمد حطما، وللسهام غرضا، ثم لا يقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، قال معاوية: حسبك يا با عبد الله فقد أبلغت.
بيان: الضرب بالتحريك: المضروب والورد بالتحريك أي ما ترد عليه الرماح، وقد مر مثله في خطبة الحسن عليه السلام.
2 - مناقب ابن شهرآشوب، الإحتجاج: عن محمد بن السائب أنه قال: قال مروان بن الحكم يوما للحسين بن علي عليهما السلام: لولا فخركم بفاطمة بما كنتم تفتخرون علينا؟ فوثب الحسين عليه السلام وكان عليه السلام شديد القبضة، فقبض على حلقه فعصره ولوى عمامته على عنقه، حتى غشي عليه ثم تركه، وأقبل الحسين عليه السلام على جماعة من قريش فقال:
أنشدكم بالله إلا صدقتموني إن صدقت، أتعلمون أن في الأرض حبيبين كانا أحب إلى رسول الله مني ومن أخي؟ أو على ظهر الأرض ابن بنت نبي غيري وغير أخي؟ قالوا: لا، قال: وإني لا أعلم أن في الأرض ملعون بن ملعون غير هذا وأبيه طريد رسول الله صلى الله عليه وآله.
والله ما بين جابرس وجابلق أحدهما بباب المشرق، والآخر بباب المغرب رجلان ممن ينتحل الاسلام أعدى لله ولرسوله ولأهل بيته منك ومن أبيك إذ كان وعلامة قولي فيك أنك إذا غضبت سقط رداؤك عن منكبك، قال: فوالله ما قام مروان من مجلسه حتى غضب فانتقض، وسقط رداؤه عن عاتقه.
3 - تفسير العياشي: عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل مروان الحكم المدينة قال: فاستلقى على السرير، وثم مولى للحسين عليه السلام، فقال: " ردوا إلى الله موليهم الحق [ألا له الحكم] وهو أسرع الحاسبين " فقال: فقال الحسين لمولاه:
ماذا قال هذا حين دخل؟ قال: استلقى على السرير، فقرأ " ردوا إلى الله [موليهم] - إلى قوله - الحاسبين ".
قال: فقال الحسين عليه السلام: نعم والله رددت أنا وأصحابي إلى الجنة، ورد هو وأصحابه إلى النار.
4 - مناقب ابن شهرآشوب: عبد الملك بن عمير، والحاكم، والعباس قالوا: خطب الحسن عليه السلام عائشة بنت عثمان فقال مروان: أزوجها عبد الله بن الزبير.
ثم إن معاوية كتب إلى مروان، وهو عامله على الحجاز يأمره أن يخطب أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد، فأتى عبد الله بن جعفر فأخبره بذلك فقال عبد الله: إن أمرها ليس إلي إنما هو إلى سيدنا الحسين عليه السلام وهو خالها، فأخبر الحسين بذلك فقال: أستخير الله تعالى اللهم وفق لهذه الجارية رضاك من آل محمد.
فلما اجتمع الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله أقبل مروان حتى جلس إلى الحسين عليه السلام وعنده من الجلة، وقال: إن أمير المؤمنين أمرني بذلك وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ مع صلح ما بين هذين الحيين، مع قضاء دينه وأعلم أن من يغبطكم بيزيد أكثر ممن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد؟ وهو كفو من لا كفو له، وبوجهه يستسقي الغمام، فرد خيرا يا أبا عبد الله!
فقال الحسين عليه السلام: الحمد لله الذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه إلى آخر كلامه - ثم قال: يا مروان قد قلت فسمعنا.
أما قولك: مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله في بناته ونسائه وأهل بيته، وهو ثنتا عشرة أوقية يكون أربعمائة وثمانين درهما.
وأما قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كن نساؤنا يقضين عنا ديوننا وأما صلح ما بين هذين الحيين، فانا قوم عاديناكم في الله، ولم نكن نصالحكم للدنيا، فلعمري فلقد أعيا النسب فكيف السبب.
وأما قولك العجب ليزيد كيف يستمهر؟ فقد استمهر من هو خير من يزيد، ومن أبي يزيد ومن جد يزيد، وأما قولك: إن يزيد كفو من لا كفو له، فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم، ما زادته إمارته في الكفاءة شيئا.
وأما قولك: بوجهه يستسقي الغمام، فإنما كان ذلك بوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وأما قولك: من يغبطنا به أكثر ممن يغبطه بنا، فإنما يغبطنا به أهل الجهل، ويغبطه بنا أهل العقل.
ثم قال بعد كلام: فاشهدوا جميعا أني قد زوجت أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر على أربعمائة وثمانين درهما وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة أو قال أرضي بالعقيق، وإن غلتها في السنة ثمانية آلاف دينار، ففيها لهما غني إنشاء الله.
قال: فتغير وجه مروان وقال: غدرا يا بني هاشم؟ تأبون إلا العداوة فذكره الحسين عليه السلام خطبة الحسن عائشة وفعله، ثم قال: فأين موضع الغدر يا مروان فقال مروان:
أردنا صهركم لنجد ودا * قد أخلقه به حدث الزمان فلما جئتكم فجبهتموني * وبحتم بالضمير من الشنان فأجابه ذكوان مولى بني هاشم:
أماط الله منهم كل رجس * وطهرهم بذلك في المثاني فمالهم سواهم من نظير * ولا كفو هناك ولا مداني أتجعل كل جبار عنيد * إلى الأخيار من أهل الجنان ثم إنه كان الحسين عليه السلام تزوج بعائشة بنت عثمان.
بيان: قال الجوهري: مشيخة جلة أي مسان، وقال: باح بسره أظهره والشنآن بفتح النون وسكونها العداوة.
5 - مناقب ابن شهرآشوب: محاسن البرقي: قال عمرو بن العاص للحسين عليه السلام: ما بال أولادنا أكثر من أولادكم؟ فقال عليه السلام:
بغاث الطير أكثرها فراخا * وأم الصقر مقلات نزور فقال: ما بال الشيب إلى شواربنا أسرع منه إلى شواربكم؟ فقال عليه السلام:
إن نساءكم نساء بخرة، فإذا دنا أحدكم من امرأته نهكنه في وجهه، فشاب منه شاربه، فقال: ما بال لحائكم أوفر من لحائنا؟ فقال عليه السلام: " والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا " فقال معاوية: بحقي عليك إلا سكت فإنه ابن علي بن أبي طالب، فقال عليه السلام:
إن عادت العقرب عدنا لها * وكانت النعل لها حاضرة قد علم العقرب واستيقنت * أن لا لها دنيا ولا آخرة ايضاح: قال الجوهري: ابن السكيت: البغاث طائر أبغث إلى الغبرة دوين الرخمة بطئ الطيران وقال الفراء: بغاث الطير شرارها ومالا يصيد منها وبغاث وبغاث وبغاث ثلاث لغات.
قوله: مقلات لعله من القلى بمعنى البغض أي لا تحب الولد، ولا تحب زوجها لتكثر الولد، أو من قولهم: قلا العير أتنه يقولها قلوا إذا طردها، والصواب أنه من قلت قال الجوهري: المقلات من النوق التي تضع واحدا ثم لا تحمل بعدها والمقلات من النساء التي لا يعيش لها ولد.
وقال: النزور: المرأة القليلة الولد ثم استشهد بهذا الشعر.
ويقال نهكته الحمى إذا جهدته وأضنته ونهكه أي بالغ في عقوبته والأصوب نكهته قال الجوهري: استنكهت الرجل فنكه في وجهي ينكه وينكه نكها إذا
أمرته بأن ينكه لتعلم أشارب هو أم غير شارب.
6 - مناقب ابن شهرآشوب: يقال: دخل الحسين عليه السلام على معاوية وعنده أعرابي يسأله حاجة فأمسك وتشاغل بالحسين عليه السلام، فقال الأعرابي لبعض من حضر: من هذا الذي دخل؟ قالوا: الحسين بن علي فقال الأعرابي للحسين عليه السلام: أسألك يا ابن بنت رسول الله لما كلمته في حاجتي، فكلمه الحسين عليه السلام في ذلك فقضى حاجته، فقال الأعرابي:
أتيت العبشمي فلم يجد لي * إلى أن هزه ابن الرسول هو ابن المصطفى كرما وجودا * ومن بطن المطهرة البتول وإن لهاشم فضلا عليكم * كما فضل الربيع على المحول فقال معاوية: يا أعرابي أعطيك وتمدحه؟ فقال الأعرابي : يا معاوية أعطيتني من حقه، وقضيت حاجتي بقوله.
العقد عن الأندلسي دعا معاوية مروان بن الحكم فقال له: أشر علي في الحسين فقال: أرى أن تخرجه معك إلى الشام، وتقطعه عن أهل العراق، وتقطعهم عنه فقال: أردت والله أن تستريح منه، وتبتليني به، فان صبرت عليه صبرت على ما أكره، وإن أسأت إليه قطعت رحمه، فأقامه وبعث إلى سعيد بن العاص فقال له: يا أبا عثمان أشر علي في الحسين، فقال: إنك والله ما تخاف الحسين إلا على من بعدك وإنك لتخلف له قرنا إن صارعه ليصرعنه، وإن سابقه ليسبقنه، فذر الحسين بمنبت النخلة، يشرب الماء، ويصعد في الهواء، ولا يبلغ إلى السماء.
بيان: قوله: " يشرب الماء " الظاهر أنه صفة النخلة، أي كما أن النخلة في تلك البلاد تشرب الماء وتصعد في الهواء وكلما صعدت لا تبلغ السماء، فكذلك هو كلما تمنى وطلب الرفعة، لا يصل إلى شئ، ويحتمل أن يكون الضمائر راجعة إليه صلوات الله عليه.
7 - تفسير فرات بن إبراهيم: علي بن حمدون معنعنا، عن أبي الجارية والأصبغ بن نباتة الحنظلي
قالا: لما كان مروان على المدينة خطب الناس فوقع في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: فلما نزل عن المنبر أتى الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام فقيل له: إن مروان قد وقع في علي قال: فما كان في المسجد الحسن؟ قالوا: بلى، قال:
فما قال له شيئا؟ قالوا: لا.
قال: فقام الحسين مغضبا حتى دخل على مروان فقال له: يا ابن الزرقاء ويا ابن آكلة القمل أنت الواقع في علي؟ قال له مروان: إنك صبي لا عقل لك، قال: فقال له الحسين: ألا أخبرك بما فيك وفي أصحابك وفي علي فان الله تعالى يقول:
" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " فذلك لعلي وشيعته، " فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين " فبشر بذلك النبي العربي لعلي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام.
8 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن عبد الرحمن ابن محمد العرزمي قال: استعمل معاوية مروان بن الحكم على المدينة وأمره أن يفرض لشباب قريش، ففرض لهم، فقال علي بن الحسين عليهما السلام فأتيته فقال: ما اسمك؟
فقلت: علي بن الحسين، فقال: ما اسم أخيك؟ فقلت: علي، فقال علي وعلي؟ ما يريد أبوك أن يدع أحدا من ولده إلا سماه عليا.
ثم فرض لي فرجعت إلى أبي عليه السلام فأخبرته، فقال: ويلي على ابن الزرقاء دباغة الأدم، لو ولد لي مائة لأحببت أن لا اسمي أحدا منهم إلا عليا.
بيان: " ويلي على ابن الزرقاء " أي ويل وعذاب وشدة مني عليه، قال الجوهري: ويل كلمة مثل ويح إلا أنها كلمة عذاب يقال: ويله وويلك وويلي وفي الندبة ويلاه قال الأعشى:
ويلي عليك وويلي منك يا رجل
9 - رجال الكشي: روي أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية وهو عامله على المدينة:
أما بعد فان عمرو بن عثمان ذكر أن رجالا من أهل العراق، ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي، وذكر أنه لا يأمن وثوبه، وقد بحثت عن ذلك فبلغني أنه لا يريد الخلاف يومه هذا، ولست آمن أن يكون هذا أيضا لما بعده فاكتب إلي برأيك في هذا والسلام.
فكتب إليه معاوية: أما بعد فقد بلغني وفهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين فإياك أن تعرض للحسين في شئ، واترك حسينا ما تركك، فانا لا نريد أن نعرض له في شئ ما وفى بيعتنا، ولم ينازعنا سلطاننا، فاكمن عنه ما لم يبد لك صفحته والسلام.
وكتب معاوية إلى الحسين بن علي عليهما السلام: أما بعد فقد انتهت إلي أمور عنك إن كانت حقا فقد أظنك تركتها رغبة فدعها، ولعمر الله إن من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء، فإن كان الذي بلغني باطلا فإنك أنت أعزل الناس لذلك، وعظ نفسك، فاذكر، وبعهد الله أوف فإنك متى ما تنكرني أنكرك، ومتى ما تكدني أكدك، فاتق شق عصا هذه الأمة وأن يردهم الله على يديك في فتنة ، فقد عرفت الناس وبلوتهم، فانظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد، ولا يستخفنك السفهاء والذين لا يعلمون.
فلما وصل الكتاب إلى الحسين صلوات الله عليه كتب إليه: أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أنه قد بلغك عني أمور أنت لي عنها راغب، وأنا بغيرها عندك جدير فان الحسنات لا يهدي لها، ولا يسدد إليها إلا الله.
وأما ما ذكرت أنه انتهى إليك عني، فإنه إنما رقاه إليك الملاقون المشاؤن بالنميم، وما أريد لك حربا ولا عليك خلافا، وأيم الله إني لخائف لله في ترك ذلك وما أظن الله راضيا بترك ذلك، ولا عاذرا بدون الاعذار فيه إليك، وفي أولئك القاسطين الملحدين حزب الظلمة، وأولياء الشياطين.
ألست القاتل حجرا أخا كندة والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم
ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثم قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بإحنة تجدها في نفسك.
أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله العبد الصالح الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، وصفرت لونه، بعد ما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربك واستخفافا بذلك العهد.
أو لست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله " الولد للفراش وللعاهر الحجر " فتركت سنة رسول الله تعمدا وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثم سلطته على العراقين:
يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمل أعينهم ويصلبهم على جذوع النخل، كأنك لست من هذه الأمة، وليسوا منك.
أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية أنهم كانوا على دين علي صلوات الله عليه فكتبت إليه أن: اقتل كل من كان على دين علي، فقتلهم ومثل بهم بأمرك، ودين علي عليه السلام والله الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، به جلست مجلسك الذي جلست، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين.
وقلت فيما قلت: " انظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد، واتق شق عصا هذه الأمة وأن تردهم إلى فتنة " وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها، ولا أعلم نظرا لنفسي ولديني ولأمة محمد صلى الله عليه وآله علينا أفضل من أن أجاهدك فان فعلت فإنه قربة إلى الله، وإن تركته فاني أستغفر الله لذنبي، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري.
وقلت فيما قلت " إني إن أنكرتك تنكرني وإن أكدك تكدني " فكدني ما بدا لك، فاني أرجو أن لا يضرني كيدك في، وأن لا يكون على أحد أضر منه
على نفسك، لأنك قد ركبت جهلك، وتحرصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقتلوا ولم تفعل ذلك بهم إلا لذكرهم فضلنا، وتعظيمهم حقنا، فقتلتهم مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوا أو ماتوا قبل أن يدركوا.
فأبشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أن لله تعالى كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وليس الله بناس لأخذك بالظنة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك الناس ببيعة ابنك غلام حدث: يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب لا أعلمك إلا وقد خسرت نفسك وبترت دينك وغششت رعيتك وأخزيت أمانتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل وأخفت الورع التقي لأجلهم والسلام.
فلما قرأ معاوية الكتاب قال: لقد كان في نفسه ضب ما أشعر به فقال يزيد:
يا أمير المؤمنين أجبه جوابا يصغر إليه نفسه وتذكر فيه أباه بشر فعله، قال: ودخل عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له معاوية: أما رأيت ما كتب به الحسين؟ قال: وما هو؟ قال: فأقرأه الكتاب، فقال: وما يمنعك أن تجيبه بما يصغر إليه نفسه، وإنما قال ذلك في هوى معاوية، فقال يزيد: كيف رأيت يا أمير المؤمنين رأيي؟ فضحك معاوية فقال: أما يزيد فقد أشار علي بمثل رأيك، قال عبد الله: فقد أصاب يزيد فقال معاوية:
أخطأتما أرأيتما لوأني ذهبت لعيب علي محقا ما عسيت أن أقول فيه، ومثلي لا يحسن أن يعيب بالباطل، وما لا يعرف، ومتى ما عبت رجلا بما لا يعرفه الناس لم يحفل بصاحبه، ولا يراه الناس شيئا وكذبوه، وما عسيت أن أعيب حسينا ووالله ما أرى للعيب فيه موضعا وقد رأيت أن أكتب إليه أتوعده أتهدده، ثم رأيت أن لا أفعل ولا أمحكه.
10 - الإحتجاج: أما بعد فقد بلغني كتابك أنه قد بلغك عني أمور أن بي عنها غنى وزعمت أني راغب فيها، وأنا بغيرها عنك جدير، وساق الحديث نحوا مما مر إلى قوله: وما أرى فيه للعيب موضعا إلا أني قد أردت أن أكتب إليه وأتوعده وأتهدده وأسفهه واجهله، ثم رأيت أن لا أفعل.
قال: فما كتب إليه بشئ يسوؤه ولا قطع عنه شيئا كان يصله به كان يبعث إليه في كل سنة ألف ألف درهم، سوى عروض وهدايا من كل ضرب.
بيان: قوله " فقد أظنك تركتها " أي الظن بك أن تتركها رغبة في ثواب الله أو في بقاء المودة، أو أظنك تركتها لرغبتي عن فعلك ذلك، وعدم رضائي بذلك شفقة عليك، ويمكن أن يكون تركبها بالباء الموحدة أي أظنك ركبت هذه الأمور للرغبة في الدنيا وملكها ورئاستها، ويؤيد الأخير ما في نسخة الاحتجاج في جواب ذلك، ويؤيد الوسط ما في رواية الكشي " أنت لي عنها راغب ".
وشق العصا: كناية عن تفريق الجمع، قوله عليه السلام: وما أظن الله راضيا بترك ذلك، أي بعد حصول شرائطه، والإحنة بالكسر الحقد والعداوة.
قوله عليه السلام الرحلتين أي رحلة الشتاء والصيف وفي الاحتجاج " ولولا ذلك لكان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشم الرحلتين اللتين بنا من الله عليكم فوضعهما عنكم، وفيه بعد قوله " وإن أكدك تكدني " وهل رأيك إلا كيد الصالحين منذ خلقت، فكدني ما بدا لك إن شئت فاني أرجو أن لا يضرني كيدك، وأن لا يكون على أحد أضر منه على نفسك، على أنك تكيد فتوقظ عدوك، وتوبق نفسك كفعلك بهؤلاء الذين قتلتهم ومثلت بهم بعد الصلح والعهد والميثاق. وفيه " غلام من الغلمان يشرب الشراب ويلعب بالكعاب ".
قوله لعنه الله " لقد كان في نفسه صب " في أكثر النسخ بالصاد المهملة ولعله بالضم، قال الجزري: وفيه لتعودن فيها أساود صبا: الأساود الحيات
والصب جمع صبوب على أن أصله صبب كرسول ورسل، ثم خفف كرسل فأدغم وهو غريب من حيث الادغام قال النضر: إن الأسود إذا أراد أن ينهش ارتفع ثم انصب على الملدوغ انتهى.
أقول: الأظهر أنه بالضاد المعجمة، قال الجوهري: الضب الحقد تقول:
أضب فلان على غل في قلبه أي أضمره انتهى. ويقال: لم يحفل بكذا: أي لم يبال به، وفي الاحتجاج لم يحفل به صاحبه ولعله أظهر، قوله " ولا أمحكه " من المحك اللجاج والمماحكة الملاجة، وفي بعض النسخ باللام ولعله من المحل بمعنى الكيد والأول أظهر.
28.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.