بحارالانوار · المجلد العاشر
16 - باب مكارم أخلاقه وعمله وعلمه وفضله وشرفه وجلالته ونوادر
ج ۴۳، ص ۳۳۰–۳۵۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
وكان (عليه السلام) لا يقرء من كتاب الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا) إلا قال:
لبيك اللهم لبيك، ولم ير في شئ من أحواله إلا ذاكرا لله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجة، وأفصحهم منطقا، ولقد قيل لمعاوية ذات يوم: لو أمرت الحسن بن علي بن أبي طالب فصعد المنبر فخطب ليتبين للناس نقصه، فدعاه فقال له:
اصعد المنبر وتكلم بكلمات تعظنا بها، فقام (عليه السلام) فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب، وابن سيدة النساء فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنا ابن خير خلق الله أنا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أنا ابن صاحب الفضائل، أنا ابن صاحب المعجزات والدلائل، أنا ابن أمير المؤمنين، أنا المدفوع عن حقي، أنا وأخي الحسين سيدا شباب أهل الجنة أنا ابن الركن والمقام أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن المشعر وعرفات.
فقال له معاوية: يا با محمد خذ في نعت الرطب ودع هذا فقال (عليه السلام): الريح
تنفخه والحرور ينضجه، والبرد يطيبه ، ثم عاد (عليه السلام) في كلامه فقال:
أنا إمام خلق الله، وابن محمد رسول الله. فخشي معاوية أن يتكلم بعد ذلك بما يفتتن به الناس، فقال: يا با محمد انزل فقد كفى ما جرى، فنزل.
بيان: قال الجزري: الفريضة: اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها لا تزال ترعد، ومنه الحديث: فجئ بهما ترعد فرائصهما أي ترجف من الخوف انتهى والسليم من لدغته العقرب كأنهم تفاءلوا له بالسلامة قوله (عليه السلام): تنفخه لعل المعنى تعظمه و المنفوخ: البطين والسمين.
2 - أمالي الصدوق: الطالقاني، عن أبي سعيد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه (عليهم السلام) قال: لما حضرت الحسن بن علي بن أبي طالب الوفاة بكى فقيل له: يا ابن رسول الله أتبكي ومكانك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي أنت به؟ وقد قال فيك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قال؟ وقد حججت عشرين حجة ماشيا؟
وقد قاسمت ربك مالك ثلاث مرات حتى النعل والنعل؟ فقال (عليه السلام): إنما أبكي لخصلتين: لهول المطلع وفراق الأحبة ايضاح: قال الجزري: هول المطلع، يريد به الموقف يوم القيامة [أو] ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت فشبهه بالمطلع الذي يشرف عليه من موضع عال.
3 - قرب الإسناد: محمد بن الوليد، عن ابن بكير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): بلغنا أن الحسن بن علي (عليهما السلام) حج عشرين حجة ماشيا؟ قال: إن الحسن بن علي (عليهما السلام) حج ويساق معه المحامل والرحال، الخبر.
علل الشرائع: ابن موسى، عن الأسدي، عن النخعي، عن الحسن بن سعيد، عن المفضل بن يحيى، عن سليمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله.
4 - الخصال: أبي، عن سعد، عن ابن هاشم وسهل، عن ابن مرار وعبد الجبار ابن المبارك، عن يونس، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رجلا مر بعثمان بن عفان وهو قاعد على باب المسجد فسأله فأمر له بخمسة دراهم فقال له
الرجل: أرشدني فقال له عثمان: دونك الفتية الذين ترى وأومأ بيده إلى ناحية من المسجد فيها الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر (عليهم السلام).
فمضى الرجل نحوهم حتى سلم عليهم وسألهم فقال له الحسن (عليه السلام): يا هذا إن المسألة لا تحل إلا في إحدى ثلاث: دم مفجع، أو دين مقرح، أو فقر مدقع ففي أيها تسأل؟ فقال: في وجه من هذه الثلاث، فأمر له الحسن (عليه السلام) بخمسين دينارا وأمر له الحسين (عليه السلام) بتسعة وأربعين دينارا، وأمر له عبد الله بن جعفر بثمانية وأربعين دينارا.
فانصرف الرجل فمر بعثمان فقال له: ما صنعت؟ فقال مررت بك فسألتك فأمرت لي بما أمرت، ولم تسألني فيما أسأل، وإن صاحب الوفرة لما سألته قال لي: يا هذا فيما تسأل، فإن المسألة لا تحل إلا في إحدى ثلاث فأخبرته بالوجه الذي أسأله من الثلاثة، فأعطاني خمسين دينارا وأعطاني الثاني تسعة وأربعين دينارا وأعطاني الثالث ثمانية وأربعين دينارا فقال عثمان: ومن لك بمثل هؤلاء الفتية أولئك فطموا العلم فطما وحازوا الخير والحكمة قال الصدوق - رحمه الله - معنى قوله: فطموا العلم فطما أي قطعوه عن غيرهم قطعا وجمعوه لأنفسهم جمعا.
بيان: الوفرة الشعرة إلى شحمة الأذن، ويكمن أن يقرأ فطموا على بناء المجهول أي فطموا بالعلم على الحذف والايصال.
5 - العدد: حدث أبو يعقوب يوسف بن الجراح، عن رجاله، عن حذيفة بن اليمان قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جبل أظنه حرى أو غيره ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (عليه السلام) وجماعة من المهاجرين والأنصار وأنس حاضر لهذا الحديث وحذيفة يحدث به إذ أقبل الحسن بن علي (عليهما السلام) يمشي على هدوء ووقار فنظر إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: إن جبرئيل يهديه وميكائيل يسدده، وهو ولدي والطاهر من نفسي وضلع من أضلاعي هذا سبطي وقرة عيني بأبي هو.
فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقمنا معه وهو يقول له: أنت تفاحتي وأنت حبيبي ومهجة
قلبي وأخذ بيده فمشى معه ونحن نمشي حتى جلس وجلسنا حوله ننظر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو لا يرفع بصره عنه، ثم قال: [أما] إنه سيكون بعدي هاديا مهديا هذا هدية من رب العالمين لي ينبئ عني ويعرف الناس آثاري ويحيي سنتي، ويتولى أموري في فعله، ينظر الله إليه فيرحمه، رحم الله من عرف له ذلك وبرني فيه وأكرمني فيه.
فما قطع رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلامه حتى أقبل إلينا أعرابي يجر هراوة له فلما نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليه قال: قد جاءكم رجل يكلمكم بكلام غليظ تقشعر منه جلودكم، وإنه يسألكم من أمور، إن لكلامه جفوة. فجاء الأعرابي فلم يسلم وقال: أيكم محمد؟ قلنا: وما تريد؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مهلا، فقال:
يا محمد لقد كنت أبغضك ولم أرك والآن فقد ازددت لك بغضا.
قال: فتبسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغضبنا لذلك وأردنا بالأعرابي إرادة فأومأ إلينا رسول الله أن: اسكتوا! فقال الأعرابي: يا محمد إنك تزعم أنك نبي وإنك قد كذبت على الأنبياء وما معك من برهانك شئ قال له: يا أعرابي وما يدريك؟
قال: فخبرني ببرهانك قال: إن أحببت أخبرك عضو من أعضائي فيكون ذلك أوكد لبرهاني قال: أو يتكلم العضو؟ قال: نعم، يا حسن قم! فازدرى الأعرابي نفسه وقال: هو ما يأتي ويقيم صبيا ليكلمني قال: إنك ستجده عالما بما تريد فابتدره الحسن (عليه السلام) وقال: مهلا يا أعرابي.
ما غبيا سألت وابن غبي بل فقيها إذن وأنت الجهول فإن تك قد جهلت فان عندي * شفاء الجهل ما سأل السؤل وبحرا لا تقسمه الدوالي تراثا كان أورثه الرسول لقد بسطت لسانك، وعدوت طورك، وخادعت نفسك، غير أنك لا تبرح حتى تؤمن إنشاء الله، فتبسم الأعرابي وقال: هيه فقال له الحسن (عليه السلام): نعم
اجتمعتم في نادي قومك، وتذاكرتم ما جرى بينكم على جهل وخرق منكم، فزعمتم أن محمدا صنبور والعرب قاطبة تبغضه، ولا طالب له بثاره، وزعمت أنك قاتله وكان في قومك مؤنته، فحملت نفسك على ذلك، وقد أخذت قناتك بيدك تؤمه تريد قتله، فعسر عليك مسلكك، وعمي عليك بصرك، وأبيت إلا ذلك فأتيتنا خوفا من أن يشتهر وإنك إنما جئت بخير يراد بك.
أنبئك عن سفرك: خرجت في ليلة ضحياء إذ عصفت ريح شديدة اشتد منها ظلماؤها وأطلت سماؤها، وأعصر سحابها، فبقيت محر نجما كالأشقر إن تقدم نحر وإن تأخر عقر، لا تسمع لواطئ حسا ولا لنافخ نار جرسا، تراكمت عليك غيومها، وتوارت عنك نجومها. فلا تهتدي بنجم طالع، ولا بعلم لامع، تقطع محجة وتهبط لجة في ديمومة قفر بعيدة القعر، مجحفة بالسفر إذا علوت مصعدا ازددت بعدا، الريح تخطفك، والشوك تخبطك، في ريح عاصف، وبرق خاطف، قد أوحشتك آكامها، وقطعتك سلامها، فأبصرت فإذا أنت عندنا فقرت عينك، وظهر رينك، وذهب أنينك.
قال: من أين قلت يا غلام هذا؟ كأنك كشفت عن سويد قلبي، ولقد كنت كأنك شاهدتني، وما خفي عليك شئ من أمري وكأنه علم الغيب [ف] قال له: ما الاسلام؟ فقال الحسن (عليه السلام): الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فأسلم وحسن إسلامه، وعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله شيئا من القرآن فقال: يا رسول الله أرجع إلى قومي فأعرفهم ذلك)؟ فأذن له، فانصرف ورجع ومعه جماعة من قومه، فدخلوا في الاسلام فكان الناس إذا نظروا إلى
الحسن (عليه السلام) قالوا: لقد أعطي ما لم يعط أحد من الناس.
6 - أمالي الطوسي: المفيد، عن محمد بن محمد بن طاهر، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يوسف عن الحسن بن محمد، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كتب إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) قوم من أصحابه يعزونه عن ابنة له، فكتب إليهم: أما بعد فقد بلغني كتابكم تعزوني بفلانة، فعند الله أحتسبها تسليما لقضائه، وصبرا على بلائه، فإن أوجعتنا المصائب: وفجعتنا النوائب بالأحبة المألوفة التي كانت بنا حفية، والاخوان المحبين الذين كان يسر بهم الناظرون، وتقر بهم العيون.
أضحوا قد اخترمتهم الأيام ونزل بهم الحمام، فخلفوا الخلوف، وأودت بهم الحتوف، فهم صرعى في عساكر الموتى، متجاورون في غير محلة التجاور، ولا صلاة بينهم ولا تزاور، ولا يتلاقون عن قرب جوارهم، أجسامهم نائية من أهلها خالية من أربابها، قد أخشعها إخوانها، فلم أر مثل دارها دارا، ولا مثل قرارها قرارا في بيوت موحشة، وحلول مضجعة، قد صارت في تلك الديار الموحشة، وخرجت عن دار المؤنسة، ففارقتها من غير قلى، فاستودعتها للبلى، وكانت أمة مملوكة، سلكت سبيلا مسلوكة صار إليها الأولون، وسيصير إليها الآخرون والسلام.
بيان: قال الجزري فيه: من صام رمضان إيمانا واحتسابا أي طلبا لوجه الله وثوابه، والاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه، لان له حينئذ أن يعتد عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به، ومنه الحديث: من مات له ولد فاحتسبه أي احتسب الاجر بصبره على مصيبته انتهى.
وفجعته المصيبة أي أوجعته، وكذلك التفجيع، والحفاوة المبالغة في السؤال عن الرجل والعناية في أمره، واخترمهم الدهر أي اقتطعهم واستأصلهم، والحمام بالكسر قدر الموت.
وقال الجزري: الخلف بالتحريك والسكون كل من يجئ بعد من
مضى إلا أنه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر، وفي حديث ابن مسعود ثم إنه تخلف من بعده خلوف هي جمع خلف، انتهى.
وأودى به الموت: ذهب، والحتوف بالضم جمع الحتف، وهو الموت و (عن) في قوله (عن قرب جوارهم) لعلها للتعليل أي لا يقع منهم الملاقاة الناشية عن قرب الجوار، بل أرواحهم يتزاورون بحسب درجاتهم وكمالاتهم.
قوله (عليه السلام) (قد أخشعها) كذا في أكثر النسخ ولا يناسب المقام وفي بعضها بالجيم قال في النهاية: الجشع: الجزع لفراق الألف، ومنه الحديث: فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يبعد أن يكون تصحيف اجتنبها، والحلول بالضم جمع حال من قولهم حل بالمكان أي نزل فيه، ومضجعة، بفتح الجيم من قولهم أضجعه أي وصع جنبه على الأرض، والقلي بالكسر: البغض.
7 - بصائر الدرجات: ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) يرفع الحديث إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) أنه قال: إن لله مدينتين إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب عليهما سوران من حديد، وعلى كل مدينة ألف ألف مصراع من ذهب، وفيها سبعون ألف ألف لغة، يتكلم كل لغة بخلاف لغة صاحبه وأنا أعرف جميع اللغات، وما فيهما وما بينهما وما عليهما حجة غيري والحسين أخي.
بصائر الدرجات: أحمد بن الحسين عن أبيه بهذا الاسناد مثله.
مناقب ابن شهرآشوب: عن ابن أبي عمير مثله.
8 - الخرائج: روي أن الحسن (عليه السلام) وعبد الله بن العباس كانا على مائدة فجاءت جرادة ووقعت على المائدة فقال عبد الله للحسن: أي شئ مكتوب على جناح الجرادة؟ فقال (عليه السلام): مكتوب عليه: أنا الله لا إله إلا أنا ربما أبعث الجراد لقوم جياع ليأكلوه، وربما أبعثها نقمة على قوم فتأكل أطعمتهم، فقام عبد الله وقبل رأس الحسن، وقال: هذا من مكنون العلم.
9 - المحاسن: ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: جئتك مستشيرا إن الحسن والحسين وعبد الله ابن جعفر (عليهم السلام) خطبوا إلي فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): المستشار مؤتمن، أما الحسن فإنه مطلاق للنساء، ولكن زوجها الحسين، فإنه خير لابنتك.
١٠ - الإرشاد: روى جماعة منهم معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال:
لم يكن أحد أشبه برسول الله (صلى الله عليه وآله) من الحسن بن علي (عليهما السلام).
١١ - مناقب ابن شهرآشوب: محمد بن إسحاق في كتابه قال: ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما بلغ الحسن، كان يبسط له على باب داره فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما مر أحد من خلق الله إجلالا له، فإذا علم قام ودخل بيته، فمر الناس ولقد رأيته في طريق مكة ماشيا فما من خلق الله أحد رآه إلا نزل ومشى حتى رأيت سعد بن أبي وقاص يمشي.
أبو السعادات في الفضائل أنه أملا الشيخ أبو الفتوح في مدرسة الناجية: إن الحسن بن علي (عليهما السلام) كان يحضر مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ابن سبع سنين فيسمع الوحي فيحفظه فيأتي أمه فيلقي إليها ما حفظه كلما دخل علي (عليه السلام) وجد عندها علما بالتنزيل فيسألها عن ذلك فقالت: من ولدك الحسن، فتخفى يوما في الدار، وقد دخل الحسن وقد سمع الوحي فأراد أن يلقيه إليها فارتج عليه، فعجبت أمه من ذلك فقال:
لا تعجبين يا أماه فإن كبيرا يسمعني، فاستماعه قد أوقفني، فخرج علي (عليه السلام) فقبله، وفي رواية: يا أماه قل بياني وكل لساني لعل سيدا يرعاني.
بيان: قال الجوهري: ارتج على القارئ على ما لم يسم فاعله إذا لم يقدر على القراءة كأنه أطبق عليه كما يرتج الباب وكذلك ارتتج عليه، ولا تقل ارتج عليه بالتشديد.
١٢ - مناقب ابن شهرآشوب: قيل للحسن بن علي (عليهما السلام) إن فيك عظمة، قال: بل في عزة قال الله تعالى ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ وقال واصل بن عطاء: كان الحسن بن علي (عليهما السلام) عليه سيماء الأنبياء
وبهاء الملوك.
13 - مناقب ابن شهرآشوب: أما زهده (عليه السلام) فقد جاء في روضة الواعظين أن الحسن بن علي (عليهما السلام) كان إذا توضأ ارتعدت مفاصله، واصفر لونه، فقيل له في ذلك فقال: حق على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفر لونه، وترتعد مفاصله.
وكان (عليه السلام) إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه ويقول: إلهي ضيفك ببابك يا محسن قد أتاك المسيئ، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك، يا كريم.
الفائق إن الحسن (عليه السلام) كان إذا فرغ من الفجر لم يتكلم حتى تطلع الشمس وإن زحزح، أي وإن أريد تنحيه من ذلك باستنطاق ما يهم.
قال الصادق (عليه السلام): إن الحسن بن علي (عليهما السلام) حج خمسة وعشرين حجة ماشيا وقاسم الله تعالى ماله مرتين، وفي خبر: قاسم ربه ثلاث مرات وحج عشرين حجة على قدميه.
أبو نعيم في حلية الأولياء بالاسناد عن القاسم بن عبد الرحمن، عن محمد بن علي (عليهما السلام) قال الحسن (عليه السلام): إني لأستحيي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته فمشى عشرين مرة من المدينة على رجليه، وفي كتابه بالاسناد عن شهاب بن عامر أن الحسن بن علي (عليهما السلام) قاسم الله تعالى ماله مرتين حتى تصدق بفرد نعله وفي كتابه بالاسناد عن ابن نجيح أن الحسن بن علي (عليهما السلام) حج ماشيا وقسم ماله نصفين، وفي كتابه بالاسناد عن علي بن جذعان قال: خرج الحسن بن علي (عليهما السلام) من ماله مرتين وقاسم الله ماله ثلاث مرات حتى أن كان ليعطي نعلا ويمسك نعلا ويعطي خفا ويمسك خفا.
وروى عبد الله بن عمر ابن عباس قال: لما أصيب معاوية قال: ما آسى على شئ إلا على أن أحج ماشيا ولقد حج الحسن بن علي (عليهما السلام) خمسا وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد معه، وقد قاسم الله مرتين حتى أن كان ليعطي النعل ويمسك النعل، ويعطى الخف ويمسك الخف.
بيان: أسي على مصيبته بالكسر يأسى أسى أي حزن.
14 - مناقب ابن شهرآشوب: وروي أنه دخلت عليه امرأة جميلة وهو في صلاته فأوجز في صلاته ثم قال لها: ألك حاجة؟ قالت: نعم، قال: وما هي؟ قالت: قم فأصب مني فإني وفدت ولا بعل لي قال: إليك عني لا تحرقيني بالنار ونفسك، فجعلت تراوده عن نفسه وهو يبكي ويقول: ويحك إليك عني واشتد بكاؤه فلما رأت ذلك بكت لبكائه، فدخل الحسين (عليه السلام) ورآهما يبكيان، فجلس يبكي وجعل أصحابه يأتون ويجلسون ويبكون حتى كثر البكاء وعلت الأصوات فخرجت الاعرابية، و قام القوم وترحلوا، ولبث الحسين (عليه السلام) بعد ذلك دهرا لا يسأل أخاه عن ذلك إجلالا له.
فبينما الحسن ذات ليلة نائما إذا استيقظ وهو يبكي فقال له الحسين (عليه السلام):
ما شأنك؟ قال: رؤيا رأيتها الليلة، قال: وما هي قال: لا تخبر أحدا ما دمت حيا قال: نعم، قال: رأيت يوسف فجئت أنظر إليه فيمن نظر فلما رأيت حسنه بكيت فنظر إلي في الناس فقال: ما يبكيك يا أخي بأبي أنت وأمي فقلت: ذكرت يوسف و امرأة العزيز، وما ابتليت به من أمرها وما لقيت من السجن وحرقة الشيخ يعقوب فبكيت من ذلك وكنت أتعجب منه فقال يوسف: فهلا تعجبت مما فيه المرأة البدوية بالأبواء.
عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: دخل الحسن بن علي (عليهما السلام) الفرات في بردة كانت عليه، قال: فقلت له: لو نزعت ثوبك فقال لي: يا أبا عبد الرحمن إن للماء سكانا.
وللحسن بن علي (عليه السلام):
ذري كدر الأيام إن صفاءها * تولى بأيام السرور الذواهب وكيف يغر الدهر من كان بينه * وبين الليالي محكمات التجارب وله (عليه السلام):
قل للمقيم بغير دار إقامة * حان الرحيل فودع الا حبابا
إن الذين لقيتهم وصحبتهم * صاروا جميعا في القبور ترابا وله (عليه السلام):
يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها * إن المقام بظل زائل حمق وله (عليه السلام):
لكسرة من خسيس الخبز تشبعني * وشربة من قراح الماء تكفيني وطمرة من رقيق الثوب تسترني * حيا وإن مت تكفيني لتكفيني ومن سخائه (عليه السلام) ما روي أنه سأل الحسن بن علي (عليهما السلام) رجل فأعطاه خمسين ألف درهم وخمس مائة دينار، وقال: ائت بحمال يحمل لك فأتى بحمال فأعطى طيلسانه فقال: هذا كرى الحمال.
وجاءه بعض الاعراب فقال: أعطوه ما في الخزانة فوجد فيها عشرون ألف دينار فدفعها إلى الأعرابي فقال الأعرابي: يا مولاي ألا تركتني أبوح بحاجتي وأنشر مدحتي. فأنشأ الحسن (عليه السلام):
نحن أناس نوالنا خضل * يرتع فيه الرجاء والأمل تجود قبل السؤال أنفسنا * خوفا على ماء وجه من يسل لو علم البحر فضل نائلنا * لغاض من بعد فيضه خجل بيان: قال الفيروزآبادي: الخضل ككتف وصاحب: كل شئ ند يترشف نداه وقال الجوهري : الخضل: النبات الناعم، وقوله (عليه السلام) (خجل) خبر مبتدأ محذوف.
15 - مناقب ابن شهرآشوب: أبو جعفر المدائني في حديث طويل: خرج الحسن والحسين و عبد الله بن جعفر حجاجا ففاتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا فرأوا في بعض الشعوب خباء رثا وعجوزا فاستسقوها فقالت: اطلبوا هذه الشويهة، ففعلوا واستطعموها فقالت: ليس إلا هي فليقم أحدكم فليذبحها حتى أصنع لكم طعاما فذبحها أحدهم ثم شوت لهم من لحمها فأكلوا وقيلوا عندها فلما نهضوا قالوا لها: نحن نفر
من قريش نريد هذا الوجه، فإذا انصرفنا وعدنا فالممي بنا فإنا صانعون بك خيرا ثم رحلوا.
فلما جاء زوجها وعرف الحال أوجعها ضربا ثم مضت الأيام فأضرت بها الحال فرحلت حتى اجتازت بالمدينة فبصر بها الحسن (عليه السلام) فأمر لها بألف شاة وأعطاها ألف دينار، وبعث معها رسولا إلى الحسين (عليه السلام) فأعطاها مثل ذلك ثم بعثها إلى عبد الله ابن جعفر فأعطاها مثل ذلك.
البخاري: وهب الحسن بن علي (عليه السلام) لرجل ديته وسأله (عليه السلام) رجل شيئا فأمر له بأربعمائة درهم فكتب له بأربعمائة دينار فقيل له في ذلك فأخذه، وقال:
هذا سخاؤه، وكتب عليه بأربعة آلاف درهم.
وسمع (عليه السلام) رجلا إلى جنبه في المسجد الحرام يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف إلى بيته وبعث إليه بعشرة آلاف درهم.
ودخل عليه جماعة وهو يأكل فسلموا وقعدوا فقال (عليه السلام): هلموا فإنما وضع الطعام ليؤكل.
ودخل الغاضري عليه (عليه السلام) فقال: إني عصيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: بئس ما عملت كيف؟ قال: قال (صلى الله عليه وآله): لا يفلح قوم ملكت عليهم امرأة وقد ملكت علي امرأتي وأمرتني أن أشتري عبدا فاشتريته فأبق مني فقال (عليه السلام): اختر أحد ثلاثة إن شئت فثمن عبد فقال: ههنا ولا تتجاوز! قد اخترت، فأعطاه ذلك.
فضائل العكبري بالاسناد، عن أبي إسحاق أن الحسن بن علي (عليه السلام) تزوج جعدة بنت الأشعث بن قيس على سنة النبي (صلى الله عليه وآله) وأرسل إليها ألف دينار.
تفسير الثعلبي وحلية أبي نعيم قال محمد بن سيرين: إن الحسن بن علي (عليه السلام) تزوج امرأة فبعث إليها مائة جارية مع كل جارية ألف درهم.
الحسن بن سعيد، عن أبيه قال: كان تحت الحسن بن علي (عليه السلام) امرأتان تميمية وجعفية فطلقهما جميعا وبعثني إليهما، وقال: أخبرهما فليعتدا وأخبرني بما تقولان، ومتعهما العشرة الآلاف وكل واحدة منهما بكذا وكذا من العسل
والسمن، فأتيت الجعفية فقلت: اعتدي، فتنفست الصعداء ثم قالت: متاع قليل من حبيب مفارق، وأما التميمية فلم تدر ما (اعتدي) حتى قال لها النساء فسكتت، فأخبرته (عليه السلام) بقوله الجعفية فنكت في الأرض ثم قال: لو كنت مراجعا لامرأة لراجعتها.
وقال أنس: حيت جارية للحسن بن علي (عليه السلام) بطاقة ريحان فقال لها: أنت حرة لوجه الله فقلت له في ذلك فقال: أدبنا الله تعالى: فقال: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها﴾ الآية وكان أحسن منها إعتاقها.
وللحسن بن علي (عليه السلام):
إن السخاء على العباد فريضة * لله يقرأ في كتاب محكم وعد العباد الأسخياء جنانه * وأعد للبخلاء نار جهنم من كان لا تندى يداه بنائل * للراغبين فليس ذاك بمسلم ومن همته (عليه السلام) ما روي أنه قدم الشام إلى عند معاوية فأحضر بارنامجا بحمل عظيم ووضع قبله ثم إن الحسن (عليه السلام) لما أراد الخروج خصف خادم نعله فأعطاه البارنامج.
بيان: (بارنامج) معرب بارنامة أي تفصيل الأمتعة.
16 - مناقب ابن شهرآشوب: وقدم معاوية المدينة فجلس في أول يوم يجيز من يدخل عليه من خمسة آلاف إلى مائة ألف، فدخل عليه الحسن بن علي (عليه السلام في آخر الناس فقال: أبطأت يا أبا محمد فلعلك أردت تبخلني عند قريش، فانتظرت يفنى ما عندنا، يا غلام أعط الحسن مثل جميع ما أعطينا في يومنا هذا، يا أبا محمد وأنا ابن هند فقال الحسن (عليه السلام): لا حاجة لي فيها يا أبا عبد الرحمان ورددتها وأنا ابن فاطمة بنت محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله ).
المبرد في الكامل: قال مروان بن الحكم: إني مشغوف ببغلة الحسن بن علي (عليهما السلام) فقال له ابن أبي عتيق: إن دفعتها إليك تقضي لي ثلاثين حاجة؟ قال:
نعم، قال: إذا اجتمع القوم فإني آخذ في مآثر قريش وأمسك عن مآثر الحسن فلمني على ذلك.
فلما حضر القوم أخذ في أولية قريش، فقال مروان: ألا تذكر أولية أبي محمد وله في هذا ما ليس لأحد، قال: إنما كنا في ذكر الاشراف، ولو كنا في ذكر الأنبياء لقدمنا ذكره.
فلما خرج الحسن (عليه السلام) ليركب، اتبعه ابن أبي عتيق، فقال له الحسن و تبسم: ألك حاجة؟ قال: نعم ركوب البغلة، فنزل الحسن (عليه السلام) ودفعها إليه.
إن الكريم إذا خادعته انخدعا.
ومن حلمه ما روى المبرد وابن عائشة أن شاميا رآه راكبا فجعل يلعنه و الحسن لا يرد فلما فرغ أقبل الحسن (عليه السلام) فسلم عليه وضحك فقال: أيها الشيخ أظنك غريبا، ولعلك شبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعا أشبعناك، وإن كنت عريانا كسوناك، وإن كنت محتاجا أغنيناك، وإن كنت طريدا آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك إلينا، وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لان لنا موضعا رحبا وجاها عريضا ومالا كثيرا.
فلما سمع الرجل كلامه، بكى ثم قال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إلي والآن أنت أحب خلق الله إلي وحول رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقدا لمحبتهم.
بيان: تقول: استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني.
17 - مناقب ابن شهرآشوب: المناقب عن أبي إسحاق العدل في خبر أن مروان بن الحكم خطب يوما فذكر علي بن أبي طالب (عليه السلام) فنال منه والحسن بن علي (عليه السلام) جالس فبلغ ذلك الحسين (عليه السلام) فجاء إلى مروان فقال: يا بن الزرقاء! أنت الواقع في علي - في كلام له - ثم دخل على الحسن (عليه السلام) فقال: تسمع هذا يسب أباك فلا تقول
له شيئا فقال: وما عسيت أن أقول لرجل مسلط، يقول ما شاء، ويفعل ما شاء.
وروى أن الحسن (عليه السلام) لم يسمع قط منه كلمة فيها مكروه إلا مرة واحدة فإنه كان بينه وبين عمرو بن عثمان، خصومة في أرض، فقال له الحسن (عليه السلام): ليس لعمرو عندنا إلا ما يرغم أنفه.
دعا أمير المؤمنين (عليه السلام) محمد بن الحنفية يوم الجمل فأعطاه رمحه وقال له:
اقصد بهذا الرمح قصد الجمل، فذهب فمنعوه بنو ضبة فلما رجع إلى والده انتزع الحسن رمحه من يده، وقصد قصد الجمل، وطعنه برمحه، ورجع إلى والده، و على رمحه أثر الدم، فتمغر وجه محمد من ذلك فقال أمير المؤمنين: لا تأنف فإنه ابن النبي وأنت ابن علي.
بيان: تمغر وجهه: احمر مع كدورة، وأنف منه: استنكف.
١٨ - مناقب ابن شهرآشوب: طاف الحسن بن علي (عليه السلام) بالبيت فسمع رجلا يقول: هذا ابن فاطمة الزهراء، فالتفت إليه فقال: قل علي بن أبي طالب فأبي خير من أمي.
ونادى عبد الله بن عمر الحسن بن علي (عليه السلام) في أيام صفين وقال: إن لي نصيحة، فلما برز إليه، قال: إن أباك بغضة لعنة وقد خاض في دم عثمان فهل لك أن تخلعه نبايعك، فأسمعه الحسن (عليه السلام) ما كرهه فقال معاوية: إنه ابن أبيه.
١٩ - كشف الغمة: قال كمال الدين ابن طلحة: روى أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي في تفسيره الوسيط ما يرفعه بسنده أن رجلا قال: دخلت مسجد المدينة فإذا أنا برجل يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والناس حوله، فقلت له: أخبرني عن ﴿شاهد ومشهود﴾ فقال: نعم، أما الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم عرفة فجزته إلى آخر يحدث فقلت: أخبرني عن (شاهد ومشهود) فقال: نعم أما الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم النحر فجزتهما إلى غلام كأن وجهه الدينار، وهو يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: أخبرني عن (شاهد ومشهود) فقال: نعم أما الشاهد فمحمد (صلى الله عليه وآله) وأما المشهود فيوم القيامة أما سمعته يقول: (يا أيها النبي
إنا أرسلناك شاهدا) 1 وقال تعالى: ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود﴾.
فسألت عن الأول فقالوا: ابن عباس، وسألت عن الثاني فقالوا: ابن عمر وسألت عن الثالث فقالوا: الحسن بن علي بن أبي طالب وكان قول الحسن أحسن.
ونقل أنه (عليه السلام) اغتسل وخرج من داره في حلة فاخرة، وبزة طاهرة، و محاسن سافرة، وقسمات ظاهرة، ونفخات ناشرة، ووجهه يشرق حسنا، وشكله قد كمل صورة ومعنى، والاقبال يلوح من أعطافه، ونضرة النعيم تعرف في أطرافه وقاضي القدر قد حكم أن السعادة من أوصافه، ثم ركب بغلة فارهة غير قطوف، وسار مكتنفا من حاشيته وغاشيته بصفوف، فلو شاهده عبد مناف لأرغم بمفاخرته به معاطس أنوف، وعده وآباءه وجده في إحراز خصل الفخار يوم التفاخر بألوف.
فعرض له في طريقه من محاويج اليهود هم في هدم قد أنهكته العلة، وارتكبته الذلة، وأهلكته القلة، وجلده يستر عظامه وضعفه يقيد أقدامه، وضره قد ملك زمامه، وسوء حاله قد حبب إليه حمامه، وشمس الظهيرة تشوي شواه، وأخمصه يصافح ثرى ممشاه، وعذاب عر عريه قد عراه، وطول طواه قد أضعف بطنه وطواه وهو حامل جر مملوء ماء على مطاه، وحاله تعطف عليه القلوب القاسية عند مرآه.
فاستوقف الحسن (عليه السلام) وقال: يا ابن رسول الله: أنصفني، فقال (عليه السلام): في أي شئ؟ فقال: جدك يقول: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) وأنت مؤمن وأنا كافر فما أرى الدنيا إلا جنة تتنعم بها، وتستلذ بها، وما أراها إلا سجنا لي قد أهلكني ضرها، وأتلفني فقرها.
فلما سمع الحسن عليه السلام كلامه أشرق عليه نور التأييد، واستخرج الجواب بفهمه من خزانة علمه، وأوضح لليهودي خطأ ظنه وخطل زعمه، وقال: يا شيخ لو نظرت إلى ما أعد الله لي وللمؤمنين في الدار الآخرة مما لا عين رأت، ولا
أذن سمعت، لعلمت أني قبل انتقالي إليه في هذه الدنيا في سجن ضنك، ولو نظرت إلى ما أعد الله لك ولكل كافر في الدار الآخرة من سعير نار الجحيم، ونكال العذاب المقيم، لرأيت أنك قبل مصيرك إليه الآن في جنة واسعة، ونعمة جامعة.
بيان: سفر الصبح: أضاء وأشرق كأسفر، والمرأة كشفت عن وجهها فهي سافر، والقسمة بكسر السين وفتحها: الحسن، والأعطاف: الجوانب، والغاشية: السؤال يأتونك والزوار والأصدقاء ينتابونك، والهم بالكسر الشيخ الفاني، والهدم بالكسر: الثوب البالي أو المرقع أو خاص بكساء الصوف، والجمع أهدام وهدم والشوى: اليدان والرجلان والرأس من الآدميين: والعر بالضم: قروح مثل القوباء تخرج بالإبل متفرقة في مشافرها وقوائمها، يسيل منها مثل الماء الأصفر وبالفتح: الجرب، ويحتمل أن يكون (عرعرته) وعرعرة الجبل والسنام وكل شئ - بضم العينين - رأسه. الطوى بالفتح: الجوع، ولعل المراد بالطوى ثانيا ما انطوى عليه بطنه من الأحشاء والأمعاء، والمطا. الظهر.
20 - كشف الغمة: روى صاحب كتاب صفة الصفوة بسنده عن علي بن زيد بن جذعان أنه قال: حج الحسن (عليه السلام) خمس عشرة حجة ماشيا وإن الجنائب لتقاد معه.
ومن كرمه وجوده (عليه السلام) ما رواه سعيد بن عبد العزيز قال: إن الحسن سمع رجلا يسأل ربه تعالى أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف الحسن إلى منزله فبعث بها إليه.
ومنها أن رجلا جاء إليه (عليه السلام) وسأله حاجة فقال له: يا هذا حق سؤالك يعظم لدي، ومعرفتي بما يجب لك يكبر لدي، ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله، والكثير في ذات الله عز وجل قليل، وما في ملكي وفاء لشكرك، فإن قبلت الميسور، ورفعت عني مؤنة الاحتفال والاهتمام بما أتكلفه من واجبك فعلت.
فقال: يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أقبل القليل، وأشكر العطية، وأعذر على المنع، فدعا الحسن (عليه السلام) بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها [ف] قال:
هات الفاضل من الثلاثمائة ألف درهم، فأحضر خمسين ألفا قال: فما فعل الخمسمائة دينار؟
قال: [هي] عندي قال: أحضرها فأحضرها فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل وقال: هات من يحملها لك فأتاه بحمالين، فدفع الحسن (عليه السلام) إليه رداءه لكرى الحمالين، فقال مواليه: والله ما عندنا درهم فقال (عليه السلام): لكني أرجو أن يكون لي عند الله أجر عظيم.
ومنها ما رواه أبو الحسن المدائني قال: خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر (عليهم السلام) حجاجا ففاتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا فمروا بعجوز في خباء لها فقالوا: هل من شراب؟ فقالت: نعم، فأناخوا بها وليس لها إلا شويهة في كسر الخيمة، فقالت: احلبوها، وامتذقوا لبنها، ففعلوا ذلك وقالوا لها: هل من طعام؟
قالت: لا إلا هذه الشاة، فليذبحنها أحدكم حتى أهيئ لكم شيئا تأكلون.
فقام إليها أحدهم فذبحها وكشطها ثم هيأت لهم طعاما فأكلوا ثم أقاموا حتى أبردوا فلما ارتحلوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فإذا رجعنا سالمين فألمي بنا فإنا صانعون إليك خيرا، ثم ارتحلوا. وأقبل زوجها وأخبرته عن القوم والشاة فغضب الرجل، وقال: ويحك تذبحين شاتي لأقوام لا تعرفينهم ثم تقولين: نفر من قريش، ثم بعد مدة ألجأتهم الحاجة إلى دخول المدينة، فدخلاها وجعلا ينقلان البعير إليها ويبيعانه ويعيشان منه، فمرت العجوز في بعض سكك المدينة فإذا الحسن (عليه السلام) على باب داره جالس فعرف العجوز وهي له منكرة.
فبعث غلامه فردها فقال لها: يا أمة الله تعرفيني؟ قالت: لا، قال: أنا ضيفك يوم كذا، فقالت العجوز بأبي أنت وأمي، فأمر الحسن (عليه السلام) فاشترى لها من شاء الصدقة ألف شاة وأمر لها بألف دينار وبعث بها مع غلامه إلى أخيه الحسين (عليه السلام) فقال:
بكم وصلك أخي الحسن فقالت: بألف شاة وألف دينار، فأمر لها بمثل ذلك، ثم بعث بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر (عليه السلام) فقال: بكم وصلك الحسن والحسين (عليهما السلام)؟ فقالت: بألفي دينار وألفي شاة فأمر لها عبد الله بألفي شاة وألفي دينار، وقال: لو بدأت بي لأتعبتهما، فرجعت العجوز إلى زوجها بذلك.
مناقب ابن شهرآشوب: أبو جعفر المدائني مثله ، إلا أن فيه: فأعطاها عبد الله بن جعفر مثل ذلك.
21 - كشف الغمة: قلت: هذه القصة مشهورة وفي دواوين جودهم مسطورة وعنهم (عليهم السلام) مأثورة، وكنت نقلتها على غير هذه الرواية، وأنه كان معهم رجل آخر من أهل المدينة وأنها أتت عبد الله بن جعفر فقال: ابدئي بسيدي الحسن والحسين فأتت الحسن فأمر لها بمائة بعير وأعطاها الحسين ألف شاة، فعادت إلى عبد الله فسألها فأخبرته فقال: كفاني سيداي أمر الإبل والشاة، وأمر لها بمائة ألف درهم، وقصدت المدني الذي كان معهم فقال لها: أنا لا أجاري أولئك الأجواد في مدى، ولا أبلغ عشر عشيرهم في الندى، ولكن أعطيك شيئا من دقيق وزبيب فأخذت وانصرفت.
رجع الكلام إلى ابن طلحة رحمه الله قال: وروى عن ابن سيرين قال: تزوج الحسن (عليه السلام) امرأة فأرسل إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم وروى الحافظ في الحلية عن أبي نجيح أن الحسن بن علي (عليهما السلام) حج ماشيا وقسم ماله نصفين.
وعن شهاب بن أبي عامر أن الحسن بن علي (عليهما السلام) قاسم الله ماله مرتين حتى تصدق بفرد نعله.
وعن علي بن زيد بن جذعان، قال: خرج الحسن بن علي من ماله مرتين وقاسم الله ثلاث مرات حتى أنه كان يعطي من ماله نعلا ويمسك نعلا، ويعطي خفا ويمسك خفا.
وعن قرة بن خالد قال: أكلت في بيت محمد بن سيرين طعاما فلما أن شبعت أخذت المنديل، ورفعت يدي فقال محمد إن الحسن بن علي (عليهما السلام) قال: إن الطعام أهون من أن يقسم فيه.
وعن الحسن بن سعيد، عن أبيه قال: متع الحسن بن علي (عليهما السلام) امرأتين بعشرين ألفا وزقاق من عسل فقالت إحداهما وأراها الحنفية: متاع قليل من حبيب مفارق.
وأتاه رجل فقال: إن فلانا يقع فيك فقال: ألقيتني في تعب أريد الآن أن أستغفر الله لي وله.
٢٢ - العدد: قيل: وقف رجل على الحسن بن علي (عليهما السلام) فقال: يا ابن أمير المؤمنين بالذي أنعم عليك بهذه النعمة التي ما تليها منه بشفيع منك إليه، بل إنعاما منه عليك، إلا ما أنصفتني من خصمي فإنه غشوم ظلوم، لا يوقر الشيخ الكبير، ولا يرحم الطفل الصغير، وكان متكئا فاستوى جالسا وقال له: من خصمك حتى أنتصف لك منه؟ فقال له: الفقر، فأطرق (عليه السلام) ساعة ثم رفع رأسه إلى خادمه وقال له: أحضر ما عندك من موجود، فأحضر خمسة آلاف درهم فقال: ادفعها إليه، ثم قال له:
بحق هذه الأقسام التي أقسمت بها علي متى أتاك خصمك جائرا إلا ما أتيتني منه متظلما.
٢٣ - تفسير فرات بن إبراهيم: أحمد بن القاسم معنعنا عن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) للحسن: قم اليوم خطيبا وقال لأمهات أولاده:
قمن فاسمعن خطبة ابني، قال: فحمد الله تعالى وصلى على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم قال ما شاء الله أن يقول ثم قال: إن أمير المؤمنين في باب ومنزل من دخله كان آمنا، ومن خرج منه كان كافرا، أقول قولي وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ونزل فقام علي فقبل رأسه وقال: بأبي أنت وأمي ثم قرأ: ﴿ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم﴾ 24 - تفسير فرات بن إبراهيم: أبو جعفر الحسني والحسن بن حباش معنعنا عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) للحسن: يا بني قم فاخطب حتى أسمع كلامك، قال: يا أبتاه كيف أخطب وأنا أنظر إلى وجهك أستحيي منك، قال:
فجمع علي بن أبي طالب (عليه السلام) أمهات أولاده ثم توارى عنه، حيث يسمع كلامه.
فقام الحسن (عليه السلام) فقال: الحمد لله الواحد بغير تشبيه، الدائم بغير تكوين القائم بغير كلفة، الخالق بغير منصبة، الموصوف بغير غاية، المعروف بغير محدودية العزيز لم يزل قديما في القدم، ردعت القلوب لهيبته، وذهلت العقول لعزته وخضعت الرقاب لقدرته، فليس يخطر على قلب بشر مبلغ جبروته، ولا يبلغ الناس كنه جلاله، ولا يفصح الواصفون منهم لكنه عظمته، ولا تبلغه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكر بتدبير أمورها، أعلم خلقه به الذي بالحد لا يصفه، يدرك الابصار ولا يدركه الابصار، وهو اللطيف الخبير أما بعد فإن عليا باب من دخله كان مؤمنا، ومن خرج منه كان كافرا أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
فقام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقبل بين عينيه ثم قال: (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم).
25 - الكافي: العدة، عن البرقي، عن محمد بن علي، عن علي بن أسباط عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لقي الحسن بن علي (عليهما السلام) عبد الله بن جعفر فقال: يا عبد الله كيف يكون المؤمن مؤمنا وهو يسخط قسمه، ويحقر منزلته والحاكم عليه الله، وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو الله فيستجاب له.
26 - الكافي: العدة، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال وابن محبوب، عن يونس ابن يعقوب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن ناسا بالمدينة قالوا:
ليس للحسن مال فبعث الحسن إلى رجل بالمدينة فاستقرض منه ألف درهم فأرسل بها إلى المصدق وقال: هذه صدقة مالنا فقالوا: ما بعث الحسن هذه من تلقاء نفسه إلا وعنده مال.
27 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان الحسن بن علي (عليهما السلام) يحج ماشيا وتساق معه المحامل والرحال.
28 - مناقب ابن شهرآشوب: كتاب الفنون عن أحمد المؤدب، ونزهة الابصار عن ابن مهدي
أنه مر الحسن بن علي (عليهما السلام) على فقراء وقد وضعوا كسيرات على الأرض وهم قعود يلتقطونها ويأكلونها فقالوا له: هلم يا ابن بنت رسول الله إلى الغداء قال: فنزل وقال: إن الله لا يحب المستكبرين، وجعل يأكل معهم حتى اكتفوا والزاد على حاله ببركته (عليه السلام) ثم دعاهم إلى ضيافته وأطعمهم وكساهم.
وروى الحاكم في أماليه للحسن (عليه السلام): من كان يباء بجد فإن جدي الرسول (صلى الله عليه وآله) أو كان يباء بأم فإن أمي البتول، أو كان يباء بزور فزورنا جبرئيل.
بيان: (يباء) بالباء فيما عندنا من النسخ ولعلة يباء من (البأو) بمعنى الكبر والفخر، يقال: بأوت على القوم أبأى بأوا، أو بالنون من نأى بمعنى بعد كناية عن الرفعة، أو من النوء بمعنى العطاء، أو من المناواة بمعنى المفاخرة، ويحتمل أن يكون نباء من النباء بمعنى الخبر على صيغة المبالغة أو نثاء كذلك من النثاء.
29 - من بعض كتب المناقب المعتبرة بإسناده عن نجيح قال: رأيت الحسن ابن علي (عليهما السلام) يأكل وبين يديه كلب كلما أكل لقمة طرح للكلب مثلها فقلت له:
يا ابن رسول الله ألا أرجم هذا الكلب عن طعامك؟ قال: دعه إني لأستحيي من الله عز وجل أن يكون ذو روح ينظر في وجهي وأنا آكل ثم لا أطعمه.
وذكر الثقة: أن مروان بن الحكم عليه اللعنة شتم الحسن بن علي (عليهما السلام) فلما فرغ قال الحسن: إني والله لا أمحو عنك شيئا ولكن مهدك الله فلئن كنت صادقا فجزاك الله بصدقك، ولئن كنت كاذبا فجزاك الله بكذبك والله أشد نقمة مني.
وروي أن غلاما له (عليه السلام) جنى جناية توجب العقاب فأمر به أن يضرب فقال:
يا مولاي (والعافين عن الناس) قال: عفوت عنك، قال: يا مولاي (والله يحب المحسنين) قال: أنت حر لوجه الله، ولك ضعف ما كنت أعطيك.
30 - الكافي: العدة، عن البرقي، عن أبيه وعمرو بن عثمان جميعا، عن هارون
ابن الهجم، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله (عليهما السلام) يقولان: بينا الحسن بن علي (عليهما السلام) في مجلس أمير المؤمنين صلوات الله عليه إذ أقبل قوم فقالوا:
يا با محمد أردنا أمير المؤمنين قال: وما حاجتكم؟ قالوا: أردنا أن نسأله عن مسألة قال:
وما هي تخبرونا بها، فقالوا: امرأة جامعها زوجها، فلما قام عنها قامت بحموتها فوقعت على جارية بكر فساحقتها فألقت النطفة فيها فحملت، فما تقول في هذا؟ فقال الحسن (عليه السلام): معضلة وأبو الحسن لها وأقول فإن أصبت فمن الله ثم من أمير المؤمنين وإن أخطأت فمن نفسي فأرجو أن لا أخطئ إن شاء الله.
يعمد إلى المرأة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أول وهلة لان الولد لا يخرج منها حتى يشق فتذهب عذرتها، ثم ترجم المرأة لأنها محصنة وينتظر بالجارية حتى تضع ما في بطنها، ويرد إلى أبيه صاحب النطفة ثم تجلد الجارية الحد.
قال: فانصرف القوم من عند الحسن فلقوا أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: ما قلتم لأبي محمد وما قال لكم؟ فأخبروه فقال: لو أنني المسؤول ما كان عندي فيها أكثر مما قال ابني.
31 - الإحتجاج: روي أن عمرو بن العاص قال لمعاوية: ابعث إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) فمره أن يصعد المنبر يخطب الناس لعله يحصر، فيكون ذلك مما نعيره به في كل محفل، فبعث إليه معاوية فأصعده المنبر، وقد جمع له الناس ورؤساء أهل الشام فحمد الله الحسن بن علي صلوات الله عليه وأثنى عليه، ثم قال:
أيها الناس من عرفني فأنا الذي يعرف، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله أول المسلمين إسلاما، وأمي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجدي محمد بن عبد الله نبي الرحمة أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين، أنا ابن من بعث إلى الجن و الانس أجمعين.
فقال معاوية: يا با محمد خذ بنا في نعت الرطب - أراد تخجيله - فقال الحسن:
الريح تنفخه، والحر ينضجه، والليل يبرده ويطيبه، ثم أقبل الحسن (عليه السلام) فرجع في كلامه الأول فقال:
أنا ابن مستجاب الدعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أول من ينفض عن الرأس التراب، أنا ابن من يقرع باب الجنة: فيفتح له، أنا ابن من قاتل معه الملائكة وأحل له المغنم، ونصر بالرعب من مسيرة شهر.
فأكثر في هذا النوع من الكلام، ولم يزل به حتى أظلمت الدنيا على معاوية وعرف الحسن (عليه السلام) من لم يكن يعرفه من أهل الشام وغيرهم، ثم نزل فقال له معاوية: أما إنك يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة ولست هناك، فقال الحسن (عليه السلام): أما الخليفة فمن سار بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعمل بطاعة الله عز وجل ليس الخليفة من سار بالجور وعطل السنن واتخذ الدنيا أما وأبا، ولكن ذلك ملك أصاب ملكا فتمتع منه قليلا وكان قد انقطع عنه فاتخم لذته وبقيت عليه تبعته، وكان كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ فأومأ بيده إلى معاوية ثم قام فانصرف، فقال معاوية لعمرو: والله ما أردت إلا شيني حين أمرتني بما أمرتني، والله ما كان يرى أهل الشام أن أحدا مثلي في حسب ولا غيره، حتى قال الحسن ما قال، قال عمرو: هذا شئ لا يستطاع دفنه ولا تغييره لشهرته في الناس واتضاحه، فسكت معاوية لعنه الله.
بيان: الاتخام: الثقل الحاصل من كثرة أكل الطعام أي اتخم من لذته.
32 - مناقب ابن شهرآشوب: القاضي النعمان في شرح الاخبار بالاسناد، عن عبادة بن الصامت ورواه جماعة، عن غيره أنه سأل أعرابي أبا بكر فقال: إني أصبت بيض نعام فشويته وأكلته وأنا محرم فما يجب علي؟ فقال له: يا أعرابي أشكلت علي في قضيتك، فدله على عمر، ودله عمر على عبد الرحمان فلما عجزوا قالوا: عليك بالأصلع فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): سل أي الغلامين شئت، فقال الحسن: يا أعرابي ألك إبل؟ قال: نعم، قال: فاعمد إلى عدد ما أكلت من البيض نوقا فاضربهن بالفحول
فما فضل منها فاهده إلى بيت الله العتيق الذي حججت إليه، فقال أمير المؤمنين: إن من النوق السلوب، ومنها ما يزلق، فقال: إن يكن من النوق السلوب وما يزلق فإن من البيض ما يمرق، قال: فسمع صوت معاشر الناس: إن الذي فهم هذا الغلام هو الذي فهمها سليمان بن داود .
بيان: السلوب من النوق التي ألقت ولدها بغير تمام، وأزلقت الناقة: أسقطت والمراد هنا ما تسقط النطفة، ومرقت البيضة: فسدت.
أقول: قد أورد كثير من قضاياه (عليه السلام) في الفقيه والكافي في كتاب الحدود وكتاب القضايا وكتاب الديات، تركناها لوضوح الامر وخوف الاطناب.
33 - مناقب ابن شهرآشوب: ابن سنان، عن رجل من أهل الكوفة أن الحسن بن علي (عليهما السلام) كلم رجلا فقال: من أي بلد أنت؟ قال: من الكوفة قال: لو كنت بالمدينة لأريتك منازل جبرئيل (عليه السلام) من ديارنا.
محمد بن سيرين أن عليا (عليه السلام) قال لابنه الحسن: أجمع الناس فاجتمعوا فأقبل فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال: أيها الناس إن الله اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه، وأنزل علينا كتابه ووحيه، وأيم الله لا ينقصنا أحد من حقنا شيئا إلا انتقصه الله من حقه في عاجل دنياه وآخرته، ولا يكون علينا دولة إلا كانت لنا العاقبة، ولتعلمن نبأه بعد حين.
ثم نزل فجمع بالناس، وبلغ أباه، فقبل بين عينيه ثم قال: بأبي وأمي ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.
العقد عن ابن عبد ربه والأندلسي وكتاب المدائني أيضا أنه قال عمرو بن العاص لمعاوية: لو أمرت الحسن بن علي يخطب على المنبر، فلعله حصر فيكون ذلك وضعا له عند الناس فأمر الحسن بذلك، فلما صعد المنبر تكلم وأحسن ثم قال:
أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب أنا ابن أول المسلمين إسلاما، وأمي فاطمة بنت رسول الله، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين.. وفي رواية ابن
عبد ربه - لو طلبتم ابنا لنبيكم ما بين لابتيها لم تجدوا غيري وغير أخي، فناداه معاوية يا أبا محمد حدثنا بنعت الرطب أراد بذلك يخجله، ويقطع بذلك كلامه فقال: نعم تلقحه الشمال، وتخرجه الجنوب، وتنضجه الشمس ويطيبه القمر - وفي رواية المدائني:
الريح تنفخه، والحر تنضجه والليل يبرده ويطيبه - وفي رواية المدائني فقال عمرو:
أبا محمد! هل تنعت الخرأة قال: نعم، تبعد الممشى في الأرض الصحصح حتى تتوارى من القوم، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولا تمسح باللقمة، والرمة، يريد العظم والروث - ولا تبل في الماء الراكد.
توضيح: الخرء بالفتح دفع الخروء بالضم، والصحصح المكان المستوي ولا يخفى ما في إدخال الروث في تفسير الرمة من الاشتباه.
34 - مناقب ابن شهرآشوب: المنهال بن عمرو أن معاوية سأل الحسن (عليه السلام) أن يصعد المنبر وينتسب، فصعد فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها ا لناس من عرفني فقد عرفني: ومن لم يعرفني فسأبين له نفسي، بلدي مكة ومنى، وأنا ابن المروة والصفا، وأنا ابن النبي المصطفى، وأنا ابن من علا الجبال الرواسي، وأنا ابن من كسا محاسن وجهه الحيا، أنا ابن فاطمة سيدة النساء، أنا ابن قليلات العيوب، نقيات الجيوب - وأذن المؤذن، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله - فقال: يا معاوية محمد أبي أم أبوك؟ فإن قلت: ليس بأبي فقد كفرت، وإن قلت: نعم، فقد أقررت ثم قال: أصبحت قريش تفتخر على العرب بأن محمدا منها، وأصبحت العرب تفتخر على العجم بأن محمدا منها، وأصبحت العجم تعرف حق العرب بأن محمدا منها يطلبون حقنا ولا يردون إلينا حقنا.
بيان: قال الجوهري: رجل ناصح الجيب أي أمين انتهى، فقوله (عليه السلام):
(نقيات الجيوب) كناية عن عفتهن كما أن طهارة الذيل في عرف العجم كناية عنها
35 - مناقب ابن شهرآشوب: كتب ملك الروم إلى معاوية يسأله عن ثلاث: عن مكان بمقدار السماء، وعن أول قطرة دم وقعت على الأرض، وعن مكان طلعت فيه الشمس مرة، فلم يعلم ذلك، فاستغاث بالحسن بن علي (عليهما السلام) فقال: ظهر الكعبة، ودم حوا، وأرض البحر حين ضربه موسى.
وعنه (عليه السلام) في جواب ملك الروم: مالا قبلة له فهي الكعبة، ومالا قرابة له فهو الرب تعالى.
وسأل شامي الحسن بن علي (عليه السلام) فقال: كم بين الحق والباطل؟ فقال:
أربع أصابع: فما رأيت بعينك فهو الحق وقد تسمع بأذنيك باطلا كثيرا، وقال:
كم بين الايمان واليقين؟ فقال: أربع أصابع: الايمان ما سمعناه واليقين ما رأيناه قال: وكم بين السماء والأرض؟ قال: دعوة المظلوم، ومد البصر، قال: كم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس.
أبو المفضل الشيباني في أماليه وابن الوليد في كتابه بالاسناد عن جابر بن عبد الله قال: كان الحسن بن علي قد ثقل لسانه، وأبطأ كلامه، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عيد من الأعياد وخرج معه بالحسن بن علي فقال النبي (صلى الله عليه وآله): الله أكبر يفتتح الصلاة قال الحسن: الله أكبر قال: فسر بذلك رسول الله فلم يزل رسول الله يكبر والحسن معه يكبر حتى كبر سبعا فوقف الحسن عند السابعة فوقف رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندها، ثم قام رسول الله إلى الركعة الثانية فكبر الحسن حتى إذا بلغ رسول الله خمس تكبيرات فوقف الحسن عند الخامسة، ووقف رسول الله عند الخامسة، فصار ذلك سنة في تكبير العيدين، وفي رواية أنه كان الحسين (عليه السلام).
كتاب إبراهيم: قال بعض أصحاب الحسن (عليه السلام) مرفوعا: الطلق للنساء إنما يكون سرة المولود متصلة بسرة أمه فتقطع فيؤلمها.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.