بحارالانوار · كتاب التوحيد
باب 5 نفي الرؤية وتأويل الآيات فيها
ج ۴، ص ۵۱–۶۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
النفي في المستقبل - كما صرح به الزمخشري في انموزجه - فيكون نصافي أن موسى عليه السلام لا يراه أبدا، أو تأكيده - على ما صرح به في الكشاف - فيكون ظاهرا في ذلك لان المتبادر في مثله عموم الأوقات، وإذا لم يره موسى لم يره غيره إجماعا، وإن نوقش في كونها للتأكيد أو للتأبيد فكفاك شاهدا استدلال أئمتنا عليهم السلام بها على نفي الرؤية مطلقا، لأنهم أفصح الفصحاء طرا باتفاق الفريقين، مع أنا لكثرة براهيننا لا نحتاج إلى الاكثار في دلالة هذه الآية على المطلوب
28 - التوحيد: الدقاق: عن الأسدي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن عبد الله بن زاهر، عن الحسين بن يحيى الكوفي، عن قثم بن قتادة، عن عبد الله بن يونس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له: ذعلب ذرب اللسان بليغ في الخطاب شجاع القلب فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك؟ فقال: ويلك يا ذعلب ما كنت أعبد ربا لم أره. قال: يا أمير المؤمنين كيف رأيته؟ قال يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الابصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان. أقول: تمامه في باب جوامع التوحيد.
29 - نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام - وقد سأله ذعلب اليماني - فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: أفأعبد مالا أرى؟ قال: وكيف تراه؟ قال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان، قريب من الأشياء غير
ملامس، بعيد منها غير مبائن، متكلم لا بروية، ومريد بلا همة، صانع لا بجارحة، لطيف لا يوصف بالخفاء، كبير لا يوصف بالجفاء، بصير لا يوصف بالحاسة، رحيم لا يوصف بالرقة، تعنو الوجوه لعظمته، وتجب القلوب من مخافته.
30 - المحاسن: البزنطي، عن رجل من أهل الجزيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام إن رجلا من اليهود أتى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا علي هل رأيت ربك؟ فقال: ما كنت بالذي أعبد إلها لم أره، ثم قال: لم تره العيون في مشاهدة الابصار، غير أن الايمان بالغيب من عقد القلوب.
31 - تفسير العياشي: عن الأشعث بن حاتم قال: قال ذو الرياستين: قلت لأبي الحسن الرضا علي السلام: جعلت فداك أخبرني عما اختلف فيه الناس من الرؤية، فقال بعضهم لا يرى. فقال: يا أبا العباس من وصف الله بخلاف ما وصف به نفسه فقد أعظم الفرية على
الله، قال الله: " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير " هذه الابصار ليست هي الأعين إنما هي الابصار التي في القلوب لا تقع عليه الا وهام ولا يدرك كيف هو.
32 - روضة الواعظين: سأل محمد الحلبي الصادق عليه السلام فقال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ربه؟
قال: نعم رآه بقلبه، فأما ربنا جل جلاله فلا تدركه أبصار حدق الناظرين ولا يحيط به أسماع السامعين
33 - وسئل الصادق عليه السلام هل يرى الله في المعاد؟ فقال: سبحانه تبارك وتعالي عن ذلك علوا كبيرا إن الابصار لا تدرك إلا ماله لون وكيفية، والله خالق الألوان و الكيفية.
34 - الكفاية: الحسين بن علي، عن هارون بن موسى، عن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام قال: كنت عند الصادق جعفر بن محمد عليه السلام إذ دخل عليه معاوية بن وهب وعبد الملك بن أعين، فقال له معاوية ابن وهب: يا ابن رسول الله ما تقول في الخبر الذي روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله رأي ربه على أي صورة رآه؟ وعن الحديث الذي رووه أن المؤمنين يرون ربهم في الجنة؟
على أي صورة يرونه؟.
فتبسم عليه السلام ثم قال: يا معاوية ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة يعيش في ملك الله ويأكل من ونعمه ثم لا يعرف الله حق معرفته.
ثم قال عليه السلام: يا معاوية إن محمدا صلى الله عليه وآله لم ير الرب تبارك وتعالى بمشاهدة العيان وإن الرؤية على وجهين: رؤية القلب، ورؤية البصر، فمن عنى برؤية القلب فهو مصيب ومن عنى برؤية البصر فقد كفر بالله وبآياته، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: من شبه الله بخلقه فقد كفر. ولقد حدثني أبي، عن أبيه، عن الحسين بن علي قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام فقيل: يا أخا رسول الله هل رأيت ربك؟ فقال: وكيف أعبد من لم أره؟ لم تره العيون بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان فإذا كان المؤمن يرى ربه بمشاهدة البصر فإن كل من جاز عليه البصر والرؤية فهو مخلوق، ولابد للمخلوق من الخالق، فقد جعلته إذا محدثا مخلوقا، ومن شبهه بخلقه فقد اتخذ مع الله شريكا
ويلهم أولم يسمعوا يقول الله تعالى: " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير " وقوله: " لن تراني ولكن انظر إلي الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا "؟ وإنما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سم الخياط فدكدكت الأرض وصعقت الجبال " فخر موسى صعقا " أي ميتا " فلما أفاق " ورد عليه روحه " قال سبحانك تبت إليك " من قول من زعم أنك ترى، ورجعت إلى معرفتي بك أن الابصار لا تدركك " وأنا أول المؤمنين " وأول المقرين بأنك ترى ولا ترى، وأنت بالمنظر الاعلى.
ثم قال عليه السلام: إن أفضل الفرائض وأوجبها على الانسان معرفة الرب والاقرار له بالعبودية، وحد المعرفة أن يعرف أنه لا إله غيره، ولا شبيه له ولا نظير، وأن يعرف أنه قديم مثبت موجود غير فقيد. موصوف من غير شبيه ولا مبطل ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، وبعده معرفة الرسول والشهادة بالنبوة، وأدنى معرفة الرسول الاقرار بنبوته، وإن ما أتى به من كتاب أو أمر أو نهي فذلك من الله عز وجل، وبعده معرفة الامام الذي به تأتم بنعته وصفته واسمه في حال العسر واليسر، وأدنى معرفة الامام أنه عدل النبي إلا درجة النبوة، ووارثه، وأن طاعته طاعة الله وطاعة رسول الله، والتسليم له في كل أمر، والرد إليه، والاخذ بقوله، ويعلم أن الامام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله علي ابن أبي طالب، وبعده الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم أنا، ثم بعدي موسى ابني، وبعده علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد علي ابنه وبعد علي الحسن ابنه، والحجة من ولد الحسن. ثم قال: يا معاوية جعلت لك أصلا في هذا فاعمل عليه، فلو كنت تموت علي ما كنت عليه لكان حالك أسوأ الأحوال فلا يغرنك قول من زعم أن الله تعالى يرى بالبصر، قال: وقد قالوا أعجب من هذا، أولم ينسبوا آدم عليه السلام إلى المكروه؟ أولم ينسبوا إبراهيم عليه السلام إلى ما نسبوه؟ أولم ينسبوا داود عليه السلام إلى ما نسبوه من حديث الطير؟ أولم ينسبوا يوسف الصديق إلى ما نسبوه من حديث زليخا؟ أولم ينسبوا موسى عليه السلام إلى ما نسبوه من القتل؟ أولم ينسبوا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ما نسبوه من حديث زيد؟ أولم ينسبوا علي بن أبي طالب عليه السلام إلى
ما نسبوه من حديث القطيفة؟ إنهم أرادوا بذلك توبيخ الاسلام ليرجعوا على أعقابهم، أعمى الله أبصارهم سما أعمى قلوبهم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
34 - التوحيد: الدقاق، عن الكليني، عن أحمد بن إدريس، عن ابن عيسى، عن علي ابن سيف، عن محمد بن عبيدة قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام أسأله عن الرؤية وما ترويه العامة والخاصة، وسألته أن يشرح لي ذلك.
فكتب عليه السلام بخطه: اتفق الجميع لا تمانع بينهم أن المعرفة من جهة الرؤية ضرورة، فإذا جاز أن يرى الله عز وجل بالعين وقعت المعرفة ضرورة، ثم لم تخل تلك المعرفة من أن تكون إيمانا أو ليست بإيمان فإن كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية إيمانا فالمعرفة التي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بإيمان، لأنها ضده فلا يكون في الدنيا أحد مؤمنا، لأنهم لم يروا الله عز وجل، وإن لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية إيمانا لم تخل هذه المعرفة التي من جهة الاكتساب أن تزول أولا تزال في المعاد، فهذا دليل على أن الله عز وجل لا يرى بالعين إذ العين يؤدي إلى ما وصفناه.
ايضاح: اعلم أن الناظرين في هذا الخبر قد سلكوا مسالك شتى في حلها و لنذكر بعضها:
الأول - وهو الأقرب إلى الافهام وإن كان أبعد من سياق الكلام، وكان الوالد العلامة قدس الله روحه يرويه عن المشايخ الاعلام وتقريره على ما حرره بعض الأفاضل الكرام - هو أن المراد أنه اتفق الجميع أي جميع العقلاء من مجوزي الرؤية ومحيليها - لا تمانع ولا تنازع بينهم - على أن المعرفة من جهة الرؤية ضرورة أي كل ما يرى يعرف بأنه على ما يرى، وأنه متصف بالصفات التي يرى عليها ضرورة، فحصول معرفة المرئي بالصفات التي يرى عليها ضروري، وهذا الكلام يحتمل وجهين: أحدهما كون قوله: من جهة الرؤية خبرا أي أن المعرفة بالمرئي يحصل من جهة الرؤية ضرورة. وثانيهما تعلق الظرف بالمعرفة وكون قوله: ضرورة خبرا أي المعرفة الناشئة من جهة الرؤية ضرورة أي ضرورية، والضرورة على الاحتمالين تحتمل الوجوب والبداهة، وتقرير الدليل: أن
حصول المعرفة من جهة الرؤية ضروري، فلو جاز أن يرى الله سبحانه بالعين وقعت المعرفة من جهة الرؤية ضرورة، فتلك المعرفة لا يخلو من أن يكون إيمانا أولا يكون إيمانا، وهما باطلان لأنه إن كانت إيمانا لم تكن المعرفة الحاصلة في الدنيا من جهة الاكتساب إيمانا لأنهما متضاد ان، فإن المعرفة الحاصلة بالاكتساب أنه ليس بجسم، وليس في مكان، وليس بمتكمم، ولا متكيف، والرؤية بالعين لا يكون إلا بإدراك صورة متحيزة من شأنها الانطباع في مادة جسمانية، والمعرفة الحاصلة من جهتها معرفة بالمرئي بأنه متصف بالصفات المدركة في الصورة فهما متضادتان لا تجتمعان في المطابقة للواقع، فإن كانت هذه إيمانا لم تكن تلك إيمانا فلا يكون في الدنيا مؤمن لأنهم لم يروا الله عز ذكره، وليس لهم إلا المعرفة من جهة الاكتساب، فلو لم يكن إيمانا لم يكن في الدنيا مؤمن، وإن لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية إيمانا أي اعتقادا مطابقا للواقع، وكانت المعرفة الاكتسابية إيمانا لم تخل هذه المعرفة التي من جهة الاكتساب من أن تزول عند المعرفة من جهة الرؤية لتضاد هما أولا تزول لامتناع زوال الايمان في الآخرة.
وهذه العبارة تحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: لم تخل هذه المعرفة من الزوال عند الرؤية، والمعرفة من جهتها لتضادهما، والزوال مستحيل لا يقع لامتناع زوال الايمان في الآخرة.
وثانيها: لم تخل هذه المعرفة من الزوال وعدم الزوال ويكون متصفا بكليهما في المعاد عند وقوع الرؤية والمعرفة من جهتها لامتناع اجتماع الضدين، وامتناع زوال الايمان في المعاد، والمستلزم لاجتماع النقيضين مستحيل، وثالثها: لم تخل هذه المعرفة من الزوال وعدم الزوال ولابد من أحدهما وكل منهما محال.
وأما بيان أن الايمان لا يزول في المعاد بعد الاتفاق والاجتماع عليه أن الاعتقاد الثابت المطابق للواقع الحاصل بالبرهان مع معارضة الوساوس الحاصلة في الدنيا يمتنع زوالها عند ارتفاع الوساوس والموانع على أن الرؤية عند مجوزيها إنما تقع للخواص من المؤمنين والكمل منهم في الجنة فلو زال إيمانهم لزم كون غير المؤمن أعلى درجة من المؤمن، وكون الأحط مرتبة أكمل من الأعلى درجة، وفساده ظاهر.
أقول: الاحتمالات الثلاثة إنما هي علي ما في الكافي من " الواو " وأما علي ما في التوحيد من كلمة " أو " فالأخير متعين.
ثم اعلم أنه يرد على هذا الحل أن من لم يسلم امتناع الرؤية كيف بسلم كون الايمان المكتسب منافيا لها، وإن ادعى الضرورة في كون الرؤية مستلزمة لما اتفقوا على امتناعه فهو كاف في إثبات المطلوب، إلا أن يقال: إنما أورد هكذا بيانا لكثرة الفساد وإيضاحا للمراد، أو يقال: لعله عليه السلام كان بين للسائل امتناع الرؤية بالدلائل فلما ذكر السائل ما ترويه العامة في ذلك بين امتناع وقوع ما ثبت لنا بالبراهين امتناعه، وآمنا به بهذا الوجه الثاني: أن حاصل الدليل أن المعرفة من جهة الرؤية غير متوقفة علي الكسب و النظر، والمعرفة في دار الدنيا، متوقفة عليه ضعيفة بالنسبة إلى الأولى فتخالفتا مثل الحرارة القوية والحرارة الضعيفة، فإن كانت المعرفة من جهة الرؤية إيمانا لم تكن المعرفة من جهة الكسب إيمانا كاملا لان المعرفة من جهة الرؤية أكمل منها، وإن لم يكن إيمانا يلزم سلب الايمان عن الرأيين، لامتناع اجتماع المعرفتين في زمان واحد في قلب واحد يعني قيام تصديقين أحدهما أقوى من الآخر بذهن واحد، وأحدهما حاصل من جهة الرؤية، والآخر من جهة الدليل، كما يمتنع قيام حرارتين بماء واحد في زمان واحد، ويرد عليه النقض بكثير من المعارف التي تعرف في الدنيا بالدليل وتصير في الآخرة بالمعاينة ضرورية، ويمكن بيان الفرق بتكلف.
الثالث: ما حققه بعض الأفاضل بعد ما مهد من أن نور العلم والايمان يشتد حتى ينتهي إلى المشاهدة والعيان لكن العلم إذا صار عينا لم يصر عينا محسوسا، والمعرفة إذا انقلبت مشاهدة لم تنقلب مشاهدة بصرية حسية لان الحس والمحسوس نوع مضاد للعقل والمعقول ليس نسبة أحدهما إلى الآخر نسبة النقص إلى الكمال والضعف إلى الشدة، بل لكل منهما في حدود نوعه مراتب في الكمال والنقص لا يمكن لشئ من أفراد أحد النوعين المتضادين أن ينتهي في مراتب استكمالاته واشتداده إلي شئ من أفراد النوع الآخر فالابصار إذا اشتد لا يصير تخيلا مثلا، ولا التخيل إذا اشتد يصير تعقلا ولا بالعكس، نعم إذا اشتد التخيل تصير مشاهدة ورؤية بعين الخيال لا بعين الحس، و كثيرا ما يقع الغلط من صاحبه أنه رأى بعين الخيال أم بعين الحس الظاهر، كما يقع
للمبرسمين والمجانين، وكذا التعقل إذا اشتد يصير مشاهدة قلبية ورؤية عقلية، لا خيالية ولا حسية، وبالجملة الاحساس والتخيل والتعقل أنواع متقابلة من المدارك كل منها في عالم آخر من العوالم الثلاثة، ويكون تأكد كل منها حجابا مانعا عن الوصول إلى الآخر، فإذا تمهد هذا فنقول: اتفق الجميع أن المعرفة من جهة الرؤية أمر ضروري، وأن رؤية الشئ متضمنة لمعرفته بالضرورة، بل الرؤية بالحس نوع من المعرفة، فإن من رأي شيئا فقد عرفه بالضرورة، فإن كان الايمان بعينه هو هذه المعرفة التي مرجعها الادراك البصري والرؤية الحسية فلم تكن المعرفة العلمية التي حصلت للانسان من جهة الاكتساب بطريق الفكر والنظر إيمانا لأنها ضده، لأنك قد علمت أن الاحساس ضد التخيل، وأن الصورة الحسية ضد الصورة العقلية فإذا لم يكن الايمان بالحقيقة مشتركا بينهما، ولا أمرا جامعا لهما لثبوت التضاد وغاية الخلاف بينهما، ولا جنسا مبهما بينهما غير تام الحقيقة المتحصلة كجنس المتضادين مثل اللونية بين نوعي السواد و البياض لان الايمان أمر محصل وحقيقة معينة، فهو إما هذا وإما ذاك فإذا كان ذاك لم يكن هذا، وإن كان هذا لم يكن ذاك ثم ساق الدليل إلى آخره كما مر، ولا يخفى أن شيئا من الوجوه لا يخلو من تكلفات إما لفظية وإما معنوية، ولعله عليه السلام بنى ذلك على بعض المقدمات المقررة بين الخصوم في ذلك الزمان إلزاما عليهم كما صدر عنهم كثير من الاخبار كذلك، والله تعالى يعلم وحججه حقائق كلامهم عليهم السلام.
تذييل: اعلم أن الأمة اختلفوا في رؤية الله تعالى على أقوال فذهبت الإمامية والمعتزلة
إلي امتناعها مطلقا، وذهبت المشبهة والكرامية إلى جواز رؤيته تعالى في الجهة والمكان لكونه تعالى عندهم جسما، وذهبت الأشاعرة إلى جواز رؤيته تعالى منزها عن المقابلة والجهة والمكان.
قال الآبي في كتاب إكمال الاكمال ناقلا عن بعض علمائهم: إن رؤية الله تعالى جائزة في الدنيا عقلا، واختلف في وقوعها وفي أنه هل رآه النبي صلى الله عليه وآله ليلة الاسرى أم لا
فأنكرته عائشة وجماعة من الصحابة والتابعين والمتكلمين، وأثبت ذلك ابن عباس وقال: إن الله اختصه بالرؤية، وموسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة، وأخذ به جماعة من السلف، والأشعري في جماعة من أصحابه وابن جنبل، وكان الحسن يقسم لقد رآه، وتوقف فيه جماعة، هذا حال رؤيته في الدنيا. وأما رؤيته في الآخرة فجائزة عقلا و أجمع على وقوعها أهل السنة، وأحالها المعتزلة والمرجئة والخوارج، والفرق بين الدنيا والآخرة أن القوى والادراكات ضعيفة في الدنيا حتى إذا كانوا في الآخرة، وخلقهم للبقاء قوي إدراكهم فأطاقوا رؤيته. انتهى كلامه.
وقد عرفت مما مر أن استحالة ذلك مطلقا هو المعلوم من مذهب أهل البيت عليهم السلام وعليه إجماع الشيعة باتفاق المخالف والمؤالف، وقد دلت عليه الآيات الكريمة وأقيمت عليه البراهين الجلية، وقد أشرنا إلى بعضها وتمام الكلام في ذلك موكول إلى الكتب الكلامية.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.