بحارالانوار · كتاب التوحيد
باب 1 نفى التركيب واختلاف المعاني والصفات، وأنه ليس
ج ۴، ص ۶۱–۷۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
1 - عيون أخبار الرضا (ع)، التوحيد، أمالي الصدوق: الدقاق، عن الأسدي، عن البرمكي، عن الفضل بن سليمان الكوفي، عن الحسين بن خالد قال: سمعت الرضا علي بن موسى عليه السلام يقول: لم يزل الله تبارك وتعالى عالما قادرا حيا قديما سميعا بصيرا، فقلت له: يا ابن رسول الله إن قوما يقولون: إنه عز وجل لم يزل عالما بعلم ، وقادرا بقدرة، وحيا بحياة، وقديما بقدم، وسميعا بسمع، وبصيرا ببصر. فقال عليه السلام: من قال: بذلك ودان به فقد اتخذ مع الله آلهة أخرى، وليس من ولايتنا على شئ ثم قال عليه السلام: لم يزل الله عز وجل عالما قادرا حيا قديما سميعا بصيرا لذاته، تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علوا كبيرا.
الإحتجاج: مرسلا مثله.
بيان: اعلم أن أكثر أخبار هذا الباب تدل على نفي زيادة الصفات أي على نفي صفات موجودة زائدة على ذاته تعالى، وأما كونها عين ذاته تعالى بمعنى أنها تصدق عليها، أو أنها قائمة مقام الصفات الحاصلة في غيره تعالى، أو أنها أمور اعتبارية غير موجودة في الخارج واجبة الثبوت لذاته تعالى، فلا نص فيها على شئ منها، وإن
كان الظاهر من بعضها أحد المعنيين الأولين، ولتحقيق الكلام في ذلك مقام آخر.
قال المحقق الدواني: لا خلاف بين المتكلمين كلهم والحكماء في كونه تعالى عالما قديرا مريدا متكلما، وهكذا في سائر الصفات، ولكنهم يخالفوا في أن الصفات عين ذاته، أو غير ذاته، أولا هو ولاغيره، فذهبت المعتزلة والفلاسفة إلى الأول، وجمهور المتكلمين إلى الثاني، والأشعري إلى الثالث، والفلاسفة حققوا عينية الصفات بأن ذاته تعالى من حيث إنه مبدء لانكشاف الأشياء عليه علم، ولما كان مبدء الانكشاف عين ذاته كان عالما بذاته، وكذا الحال في القدرة والإرادة وغيرهما من الصفات، قالوا:
وهذه المرتبة أعلى من أن تكون تلك الصفات زائدة عليه فإنا نحتاج في انكشاف الأشياء علينا إلى صفة مغائرة لنا قائمة بنا. والله تعالى لا يحتاج إليه بل بذاته ينكشف الأشياء عليه، ولذلك قيل: محصول كلامهم نفي الصفات وإثبات نتائجها وغاياتها. وأما المعتزلة فظاهر كلامهم أنها عندهم من الاعتبارات العقلية التي لا وجود لها في الخارج. انتهى
2 - التوحيد، أمالي الصدوق: ابن ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن محمد بن سنان، عن أبان الأحمر قال: قلت للصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: أخبرني عن الله تبارك وتعالى لم يزل سميعا بصيرا عليما قادرا؟ قال: نعم.
فقلت له : إن رجلا ينتحل موالاتكم أهل البيت يقول: إن الله تبارك وتعالى لم يزل سميعا بسمع، وبصيرا ببصر، وعليما بعلم، وقادرا بقدرة قال: فغضب عليه السلام ثم قال: من قال ذلك ودان به فهو مشرك، وليس من ولايتنا على شئ إن الله تبارك وتعالى ذات علامة سميعة بصيرة قادرة
3 - التوحيد، أمالي الصدوق: القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن محمد بن عمارة، عن أبيه قال: سألت الصادق جعفر بن محمد عليه السلام فقلت له: يا ابن رسول الله أخبرني عن الله هل له رضى وسخط؟ فقال: نعم، وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، ولكن غضب الله عقابه، ورضاه ثوابه.
4 - التوحيد، عيون أخبار الرضا (ع): ابن عصام، عن الكليني، عن العلان، عن عمران بن موسى، عن
الحسن بن القاسم، عن القاسم بن مسلم، عن أخيه عبد العزيز قال: سألت الرضا علي ابن موسى عليهما السلام عن قول الله عز وجل " نسوا الله فنسيهم " فقال: إن الله تبارك وتعالى لا ينسى ولا يسهو، وإنما ينسى ويسهو المخلوق المحدث ألا تسمعه عز وجل يقول: " وما كان ربك نسيا "؟ وإنما يجازي من نسيه ونسي لقاء يومه بأن ينسيهم أنفسهم، كما قال الله تعالى: " لا تكونوا كالذين نسوا الله فأنسيهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون " وقال تعالى فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا " أي نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا.
قال الصدوق رحمه الله: قوله: نتركهم أي لا نجعل لهم ثواب من كان يرجو لقاء يومه لان الترك لا يجوز على الله تعالى عز وجل: وأما قول الله عز وجل: " وتركهم في ظلمات لا يبصرون " أي لم يعاجلهم بالعقوبة وأمهلهم ليتوبوا.
بيان: أراد الصدوق رحمه الله أن ينبه على أن الترك لا يعني به الاهمال فإن ترك التكليف في الدنيا أو ترك الجزاء في الآخرة لا يجوز على الله تعالى، بل المراد ترك الإثابة والرحمة وتشديد العذاب عليهم.
ثم إنه عليه السلام أشار إلى الوجهين الذين يمكن أن يؤول بهما أمثال تلك الآيات، الأول: أن يكون الله تعالى عبر عن جزاء النسيان بالنسيان على مجاز المشاكلة. والثاني:
أن يكون المراد بالنسيان الترك قال الجوهري: النسيان: الترك، قال الله تعالى: " نسوا الله فنسيهم " وقوله تعالى: ولا تنسوا الفضل بينكم ".
وقال البيضاوي: نسوا الله: أغفلوا ذكر الله وتركوا طاعته. فنسيهم: فتركهم من لطفه وفضله، وقال: ولا تكونوا كالذين نسوا الله: نسوا حقة فأنساهم أنفسهم فجعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها ولم يفعلوا ما يخلصها، أو أراهم يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم.
5 - التوحيد، معاني الأخبار: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن البرقي، عن اليقطيني، عن حمزة بن الربيع، عمن ذكره قال: كنت في مجلس أبي جعفر عليه السلام إذ دخل عليه
عمرو بن عبيد فقال له: جعلت فداك قول الله عز وجل: " ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى " ما ذلك الغضب؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: هو العقاب يا عمرو. إنه من زعم أن الله عز وجل قد زال من شئ إلي شئ فقد وصفه صفة مخلوق، إن الله عز وجل لا يستفزه شئ ولا يغيره.
6 - التوحيد، معاني الأخبار: بهذا الاسناد عن البرقي، عن أبيه يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: " فلما آسفونا انتقمنا منهم " قال: إن الله تبارك وتعالى لا يأسف كأسفنا ولكنه خلق أولياءا لنفسه يأسفون ويرضون، وهم مخلوقون مدبرون، فجعل رضاهم لنفسه رضى، وسخطهم لنفسه سخطا، وذلك لأنه جعلهم الدعاة إليه والا دلاء عليه ولذلك صاروا كذلك وليس أن ذلك يصل إلى الله عز وجل كما يصل إلى خلقه، ولكن هذا معنى ما قال من ذلك، وقد قال أيضا: من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها، وقال أيضا: " من يطع الرسول فقد أطاع الله " وقال أيضا: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " وكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك، وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك، ولو كان يصل إلى المكون الأسف والضجر وهو الذي أحدثهما وأنشأهما لجاز لقائل أن يقول : إن المكون يبيد يوما لأنه إذا دخله الضجر
والغضب دخله التغيير، وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة، ولو كان ذلك كذلك لم يعرف المكون من المكون، ولا القادر من المقدور، ولا الخالق من المخلوق، تعالى الله عن هذا القول علوا كبيرا. هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فإذا كان لا لحاجة استحال الحد والكيف فيه، فافهم ذلك إن شاء الله.
بيان: قال الطبرسي رحمه الله: " فلما آسفونا " أي أغضبونا عن ابن عباس ومجاهد وغضب الله سبحانه على العصاة إرادة عقابهم، ورضاه عن المطيعين إرادة ثوابهم، وقيل:
معناه آسفوا رسلنا لان الأسف بمعنى الحزن لا يجوز على الله تعالى. انتهى.
وقوله عليه السلام: وهو الذي أحدثهما إشارة إلى وجه آخر لاستحالة ذلك كما مر في بعض الأخبار: أن الله لا يوصف بخلقه، وأشار عليه السلام آخرا إلى أن الاحتياج إلى الغير ينافي الخالقية ووجوب الوجود كما هو المشهور.
7 - التوحيد، معاني الأخبار: ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه، عن العباس بن عمرو الفقيمي، عن هشام بن الحكم أن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الله تبارك وتعالى له رضى وسخط؟ قال: نعم وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين وذلك لان الرضا والغضب دخال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال، معتمل مركب للأشياء فيه مدخل، وخالقنا لا مدخل للأشياء فيه، واحد أحدي الذات وأحدي المعنى، فرضاه ثوابه، وسخطه عقابه، من غير شئ يتداخله فيهيجه وينقله من حال إلى حال فإن ذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين، وهو تبارك وتعالى القوي العزيز، لا حاجة به إلى شئ مما خلق، وخلقه جميعا محتاجون إليه، إنما خلق الأشياء لامن حاجة ولا سبب اختراعا وابتداعا.
بيان: في الكافي هكذا: فينقله من حال إلى حال لان المخلوق أجوف معتمل.
وهو الظاهر.
والحاصل أن عروض تلك الأحوال والتغيرات إنما يكون لمخلوق أجوف له قابلية ما يحصل فيه ويدخله، معتمل يعمل بأعمال صفاته وآلاته، مركب من أمور مختلفة وجهات مختلفة للأشياء من الصفات والجهات والآلات فيه مدخل ، وخالقنا تبارك
اسمه لا مدخل للأشياء فيه لاستحالة التركيب في ذاته، فإنه أحدي الذات وأحدي المعنى فإذن لا كثرة فيه لا في ذاته ولا في صفاته الحقيقية، وإنما الاختلاف في الفعل فيثيب عند الرضا ويعاقب عند السخط. قال السيد الداماد رحمه الله: المخلوق أجوف لما قد برهن واستبان في حكمة ما فوق الطبيعة أن كل ممكن زوج تركيبي، وكل مركب مروج الحقيقة فإنه أجوف الذات لا محالة، فما لا جوف لذاته على الحقيقة هو الأحد الحق سبحانه لاغير فإذن الصمد الحق ليس هو إلا الذات الأحدية الحقة من كل جهة، فقد تصحح من هذا الحديث الشريف تأويل الصمد بما لا جوف له وما لا مدخل لمفهوم من المفهومات وشئ من الأشياء في ذاته أصلا.
8 - الإحتجاج: عن هشام بن الحكم أنه سأل الزنديق عن الصادق عليه السلام فقال: فلم يزل صانع العالم عالما بالاحداث التي أحدثها قبل أن يحدثها؟ قال: لم يزل يعلم فخلق قال: أمختلف هو أم مؤتلف؟ قال: لا يليق به الاختلاف ولا الايتلاف، إنما يختلف المتجزي ويأتلف المتبعض، فلا يقال له: مؤتلف ولا مختلف. قال: فكيف هو الله الواحد؟
قال: واحد في ذاته فلا واحد كو أحد لان ما سواه من الواحد متجزئ وهو تبارك و تعالى واحد لا متجزئ ولا يقع عليه العد.
9 - الإحتجاج: روى بعض أصحابنا أن عمرو بن عبيد دخل على الباقر عليه السلام فقال له:
جعلت فداك قال الله عز وجل: " ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى " ما ذلك الغضب؟
قال: العذاب يا عمر وإنما يغضب المخلوق الذي يأتيه الشئ فيستفزه ويغيره عن الحال التي هو بها إلى غيرها فمن زعم أن الله يغيره الغضب والرضا ويزول عنه من هذا فقد وصفه بصفة المخلوق.
10 - الإحتجاج: روي أن عمرو بن عبيد وفد على محمد بن علي الباقر عليهما السلام لامتحانه بالسؤال عنه، فقال له: جعلت فداك ما معنى قوله تعالى: " أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما " ما هذا الرتق والفتق؟ فقال أبو جعفر عليه السلام:
كانت السماء رتقا لا تنزل القطر، وكانت الأرض رتقا لا تخرج النبات ففتق الله السماء بالقطر، وفتق الأرض بالنبات، فانطلق عمرو ولم يجد اعتراضا ومضى ثم عاد إليه فقال:
أخبرني جعلت فداك عن قوله تعالى: " ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى " ما غضب الله؟ فقال له أبو جعفر عليه السلام: غضب الله تعالى عقابه، يا عمرو من ظن أن الله يغيره شئ فقد كفر.
11 - أمالي الطوسي: شيخ الطائفة، عن المفيد، عن ابن قولويه، عن الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن الطيالسي، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: لم يزل الله جل اسمه عالما بذاته ولا معلوم، ولم يزل قادرا بذاته ولا مقدور. قلت له: جعلت فداك فلم يزل متكلما؟ قال: الكلام محدث كان الله عز وجل وليس بمتكلم ثم أحدث الكلام.
12 - التوحيد: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هارون بن عبد الملك قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن التوحيد، فقال: هو عز وجل مثبت موجود، لا مبطل ولا معدود، ولا في شئ من صفة المخلوقين، وله عز وجل نعوت وصفات، فالصفات له، وأسماؤها جارية على المخلوقين، مثل السميع والبصير والرؤوف والرحيم وأشباه ذلك والنعوت نعوت الذات لا يليق إلا بالله تبارك وتعالى، والله نور لا ظلام فيه، وحي لأموت فيه، وعالم لا جهل فيه، وصمد لا مدخل فيه، ربنا نوري الذات، حي الذات، عالم الذات، صمدي الذات.
بيان: قوله عليه السلام: فالصفات له أي لا تجري صفاته بالمعنى الذي يطلق عليه تعالى على المخلوقين بل إنما يطلق عليهم السلام هذا الاسم بمعنى آخر وإن اشترك المعنيان بوجه من الوجوه، والنور هو الوجود لأنه منشأ الظهور، والظلام: الامكان، وقال الحكماء:
الحي في حقه تعالى هو الدراك الفعال. وعند المتكلمين من المعتزلة والشيعة هي كونه تعالى منشأ للعلم والإرادة، وبعبارة أخرى كونه تعالى بحيث يصح أن يعلم ويقدر، وذهبت الأشاعرة المثبتون للصفات الزائدة أنها صفة توجب صحة العلم والقدرة، وقد عرفت بطلانها.
13 - التوحيد: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى كان ولا شئ غيره، نورا لا ظلام فيه، وصادقا لا كذب فيه، وعالما لا جهل فيه، وحيا لا موت فيه، وكذلك هو اليوم، وكذلك لا يزال أبدا.
المحاسن: أبي مثله.
14 - التوحيد: حمزة بن محمد العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني، عن حماد، عن حريز، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال في صفة القديم: إنه واحد أحد صمد أحدي المعنى، ليس بمعان كثيرة مختلفة. قال: قلت: جعلت فداك يزعم قوم من أهل العراق أنه يسمع بغير الذي يبصر، ويبصر بغير الذي يسمع. قال: فقال: كذبوا وألحدوا وشبهوا، تعالى الله عن ذلك إنه سميع بصير يسمع بما يبصر ويبصر بما يسمع. قال: قلت:
يزعمون أنه بصير على ما يعقلونه. قال: فقال: تعالى الله إنما يعقل ما كان بصفة المخلوق وليس الله كذلك.
الإحتجاج: عن محمد بن مسلم مثله.
بيان: قوله عليه السلام: على ما يعقلونه أي من الابصار بآلة البصر فيكون نقلا لكلام المجسمة، أو باعتبار صفة زائدة قائمة بالذات فيكون نقلا لكلام الأشاعرة، والجواب أنه إنما يعقل بهذا الوجه من كان بصفة المخلوق، أو المراد: تعالى الله أن يتصف بما يحصل ويرتسم في العقول والأذهان، والحاصل أنهم يثبتون لله تعالى ما يعقلون من صفاتهم والله منزه عن مشابهتهم ومشاركتهم في تلك الصفات الامكانية
15 - التوحيد: ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه، عن العباس بن عمرو، عن هشام بن الحكم قال: في حديث الزنديق الذي سأل أبا عبد الله عليه السلام أنه قال له: أتقول إنه
سميع بصير؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: هو سميع بصير، سميع بغير جارحة، وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه، ويبصر بنفسه، وليس قولي: إنه يسمع بنفسه أنه شئ والنفس شئ آخر، ولكني أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولا، وإفهاما لك إذ كنت سائلا فأقول: يسمع بكله لا أن كله له بعض، ولكني أردت إفهامك والتعبير عن نفسي، وليس مرجعي في ذلك إلا إلى أنه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف معنى.
16 - التوحيد: ابن الوليد، عن الصفار وسعد معا، عن ابن عيسى، عن أبيه، والحسين ابن سعيد، ومحمد البرقي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي: أتنعت الله؟ قلت: نعم، قال: هات. فقلت: هو السميع البصير. قال:
هذه صفة يشترك فيها المخلوقون. قلت: فكيف ننعته؟ فقال: هو نور لا ظلمة فيه، وحياة لأموت فيه، وعلم لا جهل فيه، وحق لا باطل فيه، فخرجت من عنده وأنا أعلم الناس بالتوحيد.
قال الصدوق رحمه الله: إذا وصفنا الله تبارك وتعالى بصفات الذات فإنما ننفي عنه بكل صفة منها ضدها، فمتى قلنا: إنه حي نفينا عنه ضد الحياة وهو الموت، ومتى قلنا:
عليم نفينا عنه ضد العلم وهو الجهل، ومتى قلنا: سميع نفينا عنه ضد السمع وهو الصمم، ومتى قلنا: بصير نفينا عنه ضد البصر وهو العمى، ومتى قلنا: عزيز نفينا عنه ضد العزة و هو الذلة، ومتى قلنا: حكيم نفينا عنه ضد الحكمة وهو الخطاء، ومتى قلنا: غني نفينا عنه ضد الغنى وهو الفقر، ومتى قلنا: عدل نفينا عنه الجور وهو الظلم، ومتى قلنا: حليم نفينا عنه العجلة، ومتى قلنا: قادر نفينا عنه العجز، ولو لم نفعل ذلك أثبتنا معه أشياء لم تزل معه، ومتى قلنا: لم يزل حيا سميعا بصيرا عزيزا حكيما غنيا ملكا فلما جعلنا معنى كل صفة من هذه الصفات التي هي صفات ذاته نفي ضدها أثبتنا أن الله لم يزل واحدا لا شئ معه. وليست الإرادة والمشيئة والرضا والغضب وما يشبه ذلك من صفات الافعال بمثابة صفات الذات فإنه لا يجوز أن يقال: لم يزل الله مريدا شائيا كما
يجوز أن يقال: لم يزل الله قادرا عالما.
بيان: حاصل كلامه أن كل ما يكون اتصاف ذاته تعالى به بنفي ضده عنه مطلقا فهي من صفات الذات، ويمكن أن يكون عين ذاته، ولا يلزم من قدمها تعدد في ذاته ولا في صفاته، وأما الصفات التي قد يتصف بها بالنسبة إلى شئ وقد يتصف بنقيضها بالنسبة إلي شئ آخر فلا يمكن أن يكون النقيضان عين ذاته فلابد من زيادتها فلا يكون من صفات الذات، وأيضا يلزم من كونها من صفات الذات قدمها مع زيادتها فيلزم تعدد القدماء وأيضا لو كانت من صفات الذات يلزم زوالها عند طرو نقيضها فيلزم التغير في الصفات الذاتية. وقد أشار الكليني إلى هذا الوجه الأخير بعد ما ذكر في وجه الفرق ما تقدم ذكره وسيأتي تحقيق الإرادة في بابها.
وقال الصدوق رحمه الله في موضع آخر من التوحيد: والدليل على أن الله عز وجل عالم قادر حي بنفسه لا بعلم وقدرة وحياة هو غيره أنه لو كان عالما بعلم لم يخل علمه من أحد أمرين: إما أن يكون قديما أو حادثا، فإن كان حادثا فهو جل ثناؤه قبل حدوث العلم غير عالم وهذا من صفات النقص وكل منقوص محدث بما قدمناه، وإن كان قديما وجب أن يكون غير الله عز وجل قديما وهذا كفر بالاجماع، وكذلك القول في القادر و قدرته والحي وحياته، والدليل على أنه عز وجل لم يزل قادرا عالما حيا أنه قد ثبت أنه عالم قادر حي بنفسه وصح بالدلائل أنه عز وجل قديم، وإذا كان كذلك كان عالما لم يزل إذ نفسه التي لها علم لم تزل، ونفس هذا يدل على أنه قادر حي لم يزل.
17 - أمالي الطوسي: بإسناد المجاشعي، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال:
الله تعالى كل يوم هو في شأن، فإن من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين.
18 - التوحيد: ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم، عن الطيالسي، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لم يزل الله عز وجل ربنا و العلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور، فلما أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم والسمع
على المسموع، والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور.
قال: قلت: فلم يزل الله متكلما؟ قال: إن الكلام صفة محدثة ليست بأزلية، كان الله عز وجل ولا متكلم. بيان: قوله عليه السلام: وقع العلم منه على المعلوم أي وقع على ما كان معلوما في الأزل وانطبق عليه وتحقق مصداقه، وليس المقصود تعلقه به تعلقا لم يكن قبل الايجاد.
أو المراد بوقوع العلم على المعلوم العلم به على أنه حاضر موجود، وكان قد تعلق العلم به قبل ذلك على وجه الغيبة وأنه سيوجد، والتغير يرجع إلى المعلوم لا إلى العلم.
وتحقيق المقام أن علمه تعالى بأن شيئا وجد هو عين العلم الذي كان له تعالى بأنه سيوجد فإن العلم بالقضية إنما يتغير بتغيرها وهو إما بتغير موضوعها أو محمولها، والمعلوم ههنا هي القضية القائلة بأن زيدا موجود في الوقت الفلاني، ولا يخفي أن زيدا لا يتغير معناه بحضوره وغيبته، نعم يمكن أن يشار إليه إشارة خاصة بالموجود حين وجوده ولا يمكن في غيره، وتفاوت الإشارة إلى الموضوع لا يؤثر في تفاوت العلم بالقضية، ونفس تفاوت الإشارة راجع إلى تغير المعلوم لا العلم. وأما الحكماء فذهب محققوهم إلى أن الزمان والزمانيات كلها حاضرة عنده تعالى لخروجه عن الزمان كالخيط الممتد من غير غيبة لبعضها دون بعض وعلى هذا فلا إشكال، لكن فيه إشكالات لا يسع المقام إيرادها.
19 - التوحيد: أبي، عن سعد، عن محمد بن عيسى، عن إسماعيل بن سهل، عن حماد ابن عيسى قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام فقلت: لم يزل الله يعلم؟ قال: أنى يكون يعلم ولا معلوم؟ قال: قلت: فلم يزل الله يسمع؟ قال: أنى يكون ذلك ولا مسموع؟ قال:
قلت: فلم يزل يبصر؟ قال: أنى يكون ذلك ولا مبصر؟ قال: ثم قال: لم يزل الله عليما سميعا بصيرا ذات علامة سميعة بصيرة.
بيان: لعل السائل إنما سأل عن العلم على وجه الحضور بأن يكون المعلوم حاضرا موجودا فنفى عليه السلام ذلك ثم أثبت كونه تعالى أزلا متصفا بالعلم لكن لامع وجود المعلوم وحضوره، وكذا السمع والبصر، ثم اعلم أن السمع والبصر قد يظن أنهما نوعان من الادراك لا يتعلقان إلا بالموجود العيني فهما من توابع الفعل فيكونان حادثين بعد الوجود، ومع قطع النظر عن المفاسد التي ترد عليه لا يوافق الأخبار الكثيرة الدالة صريحا على قدمهما، وكونهما من صفات الذات فهما إما راجعان إلى العلم بالمسموع والمبصر وإنما يمتازان عن سائر العلوم بالمتعلق، أو أنهما ممتازان عن غيرهما من العلوم لا بمجرد المتعلق المعلوم بل بنفسهما لكنهما قديمان يمكن تعلقهما لمعدوم كسائر العلوم، وبعد وجود المسموع والمبصر يتعلقان بهما من حيث الوجود والحضور.
ولا تفاوت بين حضورهما باعتبار الوجود وعدمه فيما يرجع إلى هاتين الصفتين كما مر في العلم بالحوادث آنفا، نعم لما كان هذان النوعان من الادراك في الانسان مشروطين بشرائط لا يتصور في المعدوم كالمقابلة وتوسط الشفاف في البصر لم يمكن تعلقه بالمعدوم، ولا يشترط شئ من ذلك في إبصاره تعالى فلا يستحيل تعلقه بالمعدوم وكذا السمع. وقيل:
يحتمل أن يكون المراد بكون السمع والبصر قديما أن إمكان إبصار المبصرات الموجودة وسماع المسموعات الموجودة وما يساوق هذا المعنى قديم فإذا تحقق المبصر صار مبصرا بالفعل بخلاف العلم فإن تعلقه بجميع المعلومات قديم، ويرد عليه أن الفرق بين العلم والسمع والبصر على هذا الوجه بعيد عن تلك الأخبار الكثيرة المتقدمة. والله تعالى يعلم وحججه عليهم السلام أقول: سيأتي خبر سليمان المروزي في أبواب الاحتجاجات وهو يناسب هذا الباب.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.