پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب التوحيد

باب 5 نفي الرؤية وتأويل الآيات فيها

ج ۴، ص ۲۵–۵۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۴

1 - أمالي الصدوق: أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن علي بن معبد، عن واصل، عن عبد الله بن سنان، عن أبيه قال: حضرت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام ودخل عليه رجل من الخوارج فقال: يا أبا جعفر أي شئ تعبد؟ قال الله، قال: رأيته؟ قال: لم تره العيون بمشاهدة العيان، ورأته القلوب بحقائق الايمان، لا يعرف بالقياس، ولا يدرك بالحواس، ولا يشبه بالناس، موصوف بالآيات، معروف بالعلامات، لا يجوز في حكمه ذلك الله لا إله إلا هو. قال: فخرج الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته. التوحيد: أبي، عن علي، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن عبد الله بن سنان، عن أبيه مثله الإحتجاج: مرسلا عن عبد الله بن سنان، عن أبيه مثله.

بيان: قوله عليه السلام: بحقائق الايمان أي بالعقائد التي هي حقائق أي عقائد عقلية ثابتة يقينية لا يتطرق إليها الزوال والتغير، هي أركان الايمان، أو بالأنوار والآثار التي حصلت في القلب من الايمان، أو بالتصديقات والإذعانات التي تحق أن تسمى إيمانا، أو المراد بحقائق الايمان ما ينتمي إليه تلك العقائد من البراهين العقلية فإن الحقيقة ما يصير إليه حق الامر ووجوبه ذكره المطرزي في الغريبين. لا يعرف بالقياس أي بالمقايسة بغيره. وقوله عليه السلام: ولا يشبه بالناس كالتعليل لقوله: لا يدرك بالحواس.

موصوف بالآيات أي إذا أريد أن يذكر ويوصف يوصف بأن له الآيات الصادرة عنه المنتمية إليه، أو أنما يوصف بالصفات الكمالية بما يشاهد من آيات قدرته وعظمته، وينزه

عن مشابهتها لما يرى من العجز والنقص فيها. معروف بالعلامات أي يعرف وجوده و صفاته العينية الكمالية بالعلامات الدالة عليه لا بالكنه.

2 - التوحيد، أمالي الصدوق: القطان والدقاق والسناني، عن ابن زكريا القطان، عن محمد ابن العباس، عن محمد بن أبي السري، عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن ابن طريف، عن الأصبغ - في حديث - قال: قام إليه رجل يقال له: ذعلب، فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك؟ فقال: ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي أعبد ربا لم أره قال: فكيف رأيته؟ صفه لنا. قال: ويلك لم تره العيون بمشاهدة الابصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان. ويلك يا ذعلب إن ربي لا يوصف بالبعد ولا بالحركة ولا بالسكون ولا بالقيام قيام انتصاب ولا بجيئة ولا بذهاب، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقة، مؤمن لا بعبادة ، مدرك لا بمجسة، قائل لا بلفظ، هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كل شئ ولا يقال شئ فوقه، أمام كل شئ ولا يقال له أمام، داخل في الأشياء لا كشئ في شئ داخل، وخارج منها لا كشئ من شئ خارج. فخر ذعلب مغشيا عليه. الخبر.

بيان: ذعلب بكسر الذال المعجمة وسكون العين المهملة وكسر اللام كما ضبطه الشهيد رحمه الله. والابصار بفتح الهمزة ويحتمل كسرها. قوله عليه السلام: لطيف اللطافة أي لطافته لطيفة عن أن تدرك بالعقول والافهام، ولا يوصف باللطف المدرك لعباده في دقائق الأشياء ولطائفها، وعظمته أعظم من أن يحيط به الأذهان، وهو لا يوصف بالعظم الذي يدركه مدارك الخلق من عظائم الأشياء وجلائلها، وكبر ياؤه أكبر من أن يوصف ويعبر عنه بالعبادة والبيان، وهو لا يوصف بالكبر الذي يتصف به خلقه، وجلالته أجل من أن يصل إليه أفهام الخلق، وهو لا يوصف بالغلظ كما يوصف الجلائل من الخلق به والمراد بالغلظ إما الغلظ في الخلق أو الخشونة في الخلق. قوله عليه السلام: لا يوصف بالرقة أي رقة القلب لأنه من صفات الخلق بل المراد فيه تعالى غايته. قوله عليه السلام: مؤمن لا بعبادة أي يؤمن عباده من عذابه، من غير أن يستحقوا ذلك بعبادة، أو يطلق عليه المؤمن

لا كما يطلق بمعنى الايمان والاذعان والتعبد. قوله عليه السلام: لا بلفظ أي من غير تلفظ بلسان أو من غير احتياج إلى إظهار لفظ بل يلقي في قلوب من يشاء من خلقه ما يشاء.

3 - أمالي الصدوق: علي بن أحمد بن موسى، عن الصوفي، عن الروياني، عن عبد العظيم الحسني، عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قال علي بن موسى الرضا عليه السلام في قول الله عز وجل: " وجوه يومئذ ناضرة إلي ربها ناظرة " قال: يعني مشرقة تنتظر ثواب ربها.

التوحيد، عيون أخبار الرضا (ع): الدقاق، عن الصوفي مثله.

الإحتجاج: مرسلا مثله.

بيان: اعلم أن للفرقة المحقة في الجواب عن الاستدلال بتلك الآية على جواز الرؤية وجوها:

الأول: ما ذكره عليه السلام في هذا الخبر من أن المراد بالناظرة المنتظرة كقوله تعالى: " فناظرة بم يرجع المرسلون " روي ذلك عن مجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير والضحاك، وهو المروي عن علي عليه السلام. واعترض عليه بأن النظر بمعنى الانتظار لا يتعدى بإلي. وأجيب بأن تعديته بهذا المعنى بإلى كثيرة، كما قال الشاعر:

إني إليك لما وعدت لناظر * * نظر الفقير إلى الغني الموسر وقال آخر:

ويوم بذي قار رأيت وجوههم * * إلي الموت من وقع السيوف نواظر والشواهد عليه كثيرة مذكورة في مظانه، ويحكى عن الخليل أنه قال: يقال:

* نظرت إلي فلان بمعنى انتظرته. وعن ابن عباس أنه قال: العرب تقول: إنما أنظر إلي الله ثم إلي فلان، وهذا يعم الأعمى والبصير، فيقولون: عيني شاخصة إلى فلان وطامحة إليك، ونظري إلي الله وإليك. وقال الرازي: وتحقيق الكلام فيه أن قولهم في الانتظار: " نظرته " بغير صلة فإنما ذلك في الانتظار لمجيئ الانسان بنفسه، فأما إذا كان منتظرا لرفده ومعونته فقد يقال فيه: نظرت إليه انتهى. وأجيب أيضا بأنا لا نسلم أن لفظة إلي صلة للنظر، بل هو واحد الآلاء، ومفعول به للنظر بمعنى الانتظار، ومنه قول الشاعر:

أبيض لا يرهب الهزال ولا * * يقطع رحما ولا يخون إلى أي لا يخون نعمة.

الثاني: أن يكون فيه حذف مضاف أي إلى ثواب ربها أي هي ناظرة إلى نعيم الجنة حالا بعد حال فيزداد بذلك سرورها، وذكر الوجوه والمراد به أصحاب الوجوه.

روي ذلك عن جماعة من علماء المفسرين من الصحابة والتابعين وغيرهم.

الثالث: أن يكون إلى بمعنى عند وهو معنى معروف عند النحاة وله شواهد، كقول الشاعر:

فهل لكم فيما إلي فإنني * * طبيب بما أعيى النطاسي حذيما أي فيما عندي، وعلى هذا يحتمل تعلق الظرف بناضرة وبناظرة. والأول أظهر.

الرابع: أن يكون النظر إلى الرب كناية عن حصول غاية المعرفة بكشف العلائق الجسمانية فكأنها ناظرة إليه تعالى كقوله صلى الله عليه وآله: ا عبد الله كأنك تراه.

4 - أمالي الصدوق: المكتب، عن محمد الأسدي، عن ابن بزيع، عن الرضا عليه السلام في قول الله عز وجل: " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار " قال: لا تدركه أوهام القلوب فكيف تدركه أبصار العيون؟.

بيان: هذه الآية إحدى الدلالات التي استدل بها النافون للرؤية وقرروها بوجهين: أحدهما أن إدراك البصر عبارة شائعة في الادراك بالبصر إسنادا للفعل إلى الآلة، والادراك بالبصر هو الرؤية بمعني اتحاد المفهومين أو تلازمهما، والجمع المعرف باللام عند عدم قرينة العهدية والبعضية للعموم والاستغراق بإجماع أهل العربية و الأصول وأئمة التفسير، وبشهادة استعمال الفصحاء، وصحة الاستثناء، فالله سبحانه قد أخبر بأنه لا يراه أحد في المستقبل، فلو رآه المؤمنون في الجنة لزم كذبه تعالى وهو محال.

واعترض عليه بأن اللام في الجمع لو كان للعموم والاستغراق كما ذكرتم كان قوله:

تدركه الابصار موجبة كلية، وقد دخل عليها النفي، فرفعها هو رفع الايجاب الكلي،

ورفع الايجاب الكلي سلب جزئي، ولو لم يكن للعموم كان قوله: لا تدركه الابصار سالبة مهملة في قوة الجزئية، فكان المعني لا تدركه بعض الابصار، ونحن نقول بموجبة حيث لا يراه الكافرون، ولو سلم فلا نسلم عمومه في الأحوال والأوقات فيحمل على نفي الرؤية في الدنيا جمعا بين الأدلة.

والجواب أنه قد تقرر في موضعه أن الجمع المحلى باللام عام نفيا وإثباتا في المنفي والمثبت كقوله تعالى: " وما الله يريد ظلما للعباد " و " ما علي المحسنين من سبيل " حتى أنه لم يرد في سياق النفي في شئ من الكتاب الكريم إلا بمعنى عموم النفي، ولم يرد لنفي العموم أصلا، نعم قد اختلف في النفي الداخل علي لفظة كل لكنه في القرآن المجيد أيضا بالمعنى الذي ذكرنا كقوله تعالي: " والله لا يحب كل مختال فخور " إلي غير ذلك، وقد اعترف بما ذكرنا في شرح المقاصد وبالغ فيه، وأما منع عموم الأحوال والأوقات فلا يخفى فساده فإن النفي المطلق الغير المقيد لاوجه لتخصيصه ببعض الأوقات إذ لا ترجيح لبعضها على بعض، وهو أحد الأدلة على العموم عند علماء الأصول، وأيضا صحة الاستثناء دليل عليه، وهل يمنع أحد صحة قولنا: ما كلمت زيدا إلا يوم الجمعة، ولا أكلمه إلا يوم العيد؟ وقال تعالى: " ولا تعضلوهن " إلى قوله: " إلا أن يأتين " وقال: " ولا تخرجوهن " إلي قوله " إلا أن يأتين " وأيضا كل نفي ورد في القرآن بالنسبة إلى ذاته تعالى فهو للتأبيد وعموم الأوقات لا سيما فيما قبل هذه الآية، وأيضا عدم إدراك الابصار جميعا لشئ لا يختص بشئ من الموجودات خصوصا مع اعتبار شمول الأحوال والأوقات فلا يختص به تعالى فتعين أن يكون التمدح بعدم إدراك شئ من الابصار له في شئ من الأوقات.

وثانيهما: أنه تعالى تمدح بكونه لا يرى فإنه ذكره في أثناء المدائح، وما كان من الصفات عدمه مدحا كان وجوده نقصا يجب تنزيه الله تعالى عنه، وإنما قلنا من الصفات احترازا عن الافعال كالعفو والانتقام فإن الأول تفضل، والثاني عدل، وكلاهما كمال.

5 - أمالي الصدوق: الطالقاني، عن ابن عقدة، عن المنذر بن محمد، عن علي بن إسماعيل الميثمي، عن إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام عن الله تبارك وتعالى هل يري في المعاد؟ فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا يا ابن الفضل إن الابصار لا تدرك إلا ماله لون وكيفية، والله خالق الألوان والكيفية.

6 - التوحيد، عيون أخبار الرضا (ع)، أمالي الصدوق: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن الهروي قال: قلت لعلي ابن موسى الرضا عليهما السلام: يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث أن المؤمنين يزورون ربهم من منازلهم في الجنة؟ فقال عليه السلام: يا أبا الصلت إن الله تبارك وتعالى فضل نبيه محمدا صلى الله عليه وآله علي جميع خلقه من النبيين والملائكة وجعل طاعته طاعته ومبايعته مبايعته، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته فقال الله عز وجل: " من يطع الرسول فقد أطاع الله " وقال: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم " وقال: النبي صلى الله عليه وآله من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله جل جلاله. ودرجة النبي صلى الله عليه وآله في الجنة أرفع الدرجات، فمن زاره إلي درجته في الجنة من منزله فقد زار الله تبارك وتعالى. قال: فقلت له: يا ابن رسول الله فما معنى الخبر الذي رووه أن ثواب لا إله إلا الله النظر إلي وجه الله؟ فقال عليه السلام: يا أبا الصلت من وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه الله أنبياؤه ورسله وحججه صلوات الله عليهم هم الذين بهم يتوجه إلي الله وإلى دينه ومعرفته وقال الله عز وجل: " كل من عليها فإن ويبقى وجه ربك " وقال عز وجل: " كل شئ هالك إلا وجهه " فالنظر إلي أنبياء الله ورسله

وحججه عليهم السلام في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: من أبغض أهل بيتي وعترتي لم يرني ولم أره يوم القيامة. وقال صلى الله عليه وآله: إن فيكم من لا يراني بعد أن يفارقني يا أبا الصلت إن الله تبارك وتعالي لا يوصف بمكان ولا يدرك بالابصار والأوهام الخبر الإحتجاج: مرسلا مثله

7 - أمالي الصدوق: ابن ناتانة، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم الكرخي قال: قلت للصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: إن رجلا رأى ربه عز وجل في منامه فما يكون ذلك؟ فقال: ذلك رجل لادين له إن الله تبارك وتعالى لا يرى في اليقظة ولا في المنام ولا في الدنيا ولا في الآخرة.

بيان: لعل المراد أنه كذب في تلك الرؤيا، أو أنه لما كان مجسما تخيل له ذلك، أو أن هذه الرؤيا من الشيطان، وذكرها يدل على كونه معتقدا للتجسم.

8 - الإرشاد، الإحتجاج: روى أهل السير أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الله أرأيته حين عبدت الله؟ فقال له أمير المؤمنين: لم أك بالذي أعبد من لم أره فقال: كيف رأيته يا أمير المؤمنين؟ فقال له: ويحك لم تره العيون بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان، معروف بالدلالات، منعوت بالعلامات، لا يقاس بالناس، ولا يدرك بالحواس. فانصرف الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالاته.

9 - الإحتجاج: في خبر الزنديق الذي سأل أمير المؤمنين عليه السلام عما توهمه من التناقض في القرآن قال عليه السلام: وأما قوله تعالي: " وجوه يومئذ ناضرة إلي ربها ناظرة " ذلك في موضع ينتهي فيه أولياء الله عز وجل بعد ما يفرغ من الحساب إلي نهر يسمى الحيوان فيغتسلون فيه ويشربون من آخر فتبيض وجوههم فيذهب عنهم كل قذى ووعث ثم يؤمرون بدخول الجنة فمن هذا المقام ينظرون إلي ربهم كيف يثيبهم، ومنه يدخلون الجنة فذلك قوله عز وجل في تسليم الملائكة عليهم: " سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين "

فعند ذلك أثيبوا بدخول الجنة والنظر إلي ما وعدهم الله عز وجل، فذلك قوله: " إلى ربها ناظرة " والناظرة في بعض اللغة هي المنتظرة، ألم تسمع إلى قوله تعالى: " فناظرة بم يرجع المرسلون " أي منتظرة بم يرجع المرسلون وأما قوله: " ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى " يعني محمدا صلى الله عليه وآله حين كان عند سدرة المنتهى، حيث لا يجاوزها خلق من خلق الله عز وجل. وقوله في آخر الآية:

" ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى " رأي جبرئيل عليه السلام في صورته مرتين: هذه المرة ومرة أخرى، وذلك أن خلق جبرئيل عظيم فهو من الروحانيين الذين لا يدرك خلقهم وصورتهم إلا رب العالمين. الخبر.

بيان: الوعث والوعثاء: المشقة. قوله صلوات الله عليه: والنظر إلى ما وعدهم الله يحتمل أن يكون المراد بالنظر الانتظار، فيكون قوله: والناظرة في بعض اللغة تتمة وتأييدا للتوجيه الأول، والأظهر أنه عليه السلام أشار إلي تأويلين: الأول تقدير مصاف في الكلام أي ناظرة إلي ثواب ربها فيكون النظر بمعنى الابصار. والثاني أن يكون النظر بمعنى الانتظار، ويؤيده ما في التوحيد في تتمة التوجيه الأول: فذلك قوله: " إلى ربها ناظرة " وإنما يعني بالنظر إليه النظر إلى ثوابه تبارك وتعالى، وأرجع عليه السلام الضمير في قوله تعالى: " ولقد رآه نزلة أخرى " إلى جبرئيل عليه السلام سيأتي القول فيه.

10 - الإحتجاج: يونس بن ظبيان قال: دخل رجل على أبي عبد الله عليه السلام قال: أرأيت الله حين عبدته؟ قال له: ما كنت أعبد شيئا لم أره. قال: وكيف رأيته؟ قال: لم تره الابصار بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروف بغير تشبيه

11 - الإحتجاج: عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " لا تدركه الابصار " قال: إحاطة الوهم، ألا ترى إلى قوله: " قد جائكم بصائر من ربكم " ليس يعني بصر العيون " فمن أبصر فلنفسه " ليس يعني من البصر بعينه " ومن عمي فعليها " ليس يعني عمى العيون، إنما عني إحاطة الوهم، كما يقال: فلان بصير بالشعر، وفلان بصير بالفقه،

وفلان بصير بالدراهم، وفلان بصير بالثياب، الله أعظم من أن يرى بالعين.

التوحيد: أبي، عن محمد العطار، عن ابن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن عبد الله بن سنان مثله.

بيان: قوله عليه السلام: الله أعظم من أن يرى بالعين هذا تفريع على ما سبق أي إذا لم يكن مدركا بالأوهام فيكون أعظم من أن يدرك بالعين، ويحتمل أن يكون المعنى أنه أعظم من أن يشك، أو يتوهم فيه أنه مدرك بالعين حتى يتعرض لنفيه فيكون دليلا على أن المراد بالابصار الأوهام.

12 - الإحتجاج: أحمد بن إسحاق قال: كتبت إلي أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام أسأله عن الرؤية وما فيه الخلق فكتب عليه السلام: لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فمتى انقطع الهواء وعدم الضياء لم تصح الرؤية، وفي وجوب اتصال الضياء بين الرائي والمرئي وجوب الاشتباه - وتعالى الله عن الاشتباه - فثبت أنه لا تجوز عليه سبحانه الرؤية بالابصار لان الأسباب لابد من اتصالها بالمسببات.

13 - التوحيد: ابن إدريس، عن أبيه، عن أحمد بن إسحاق قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام أسأله عن الرؤية وما فيه الناس . فكتب: لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر فإذا انقطع الهواء وعدم الضياء عن الرائي والمرئي لم تصح الرؤية، وكان في ذلك الاشتباه لان الرائي متي ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه، وكان في ذلك التشبيه، لان الأسباب لابد من اتصالها بالمسببات.

بيان: استدل عليه السلام على عدم جواز الرؤية بأنها تستلزم كون المرئي جسمانيا ذا جهة وحيز وبين ذلك بأنه لابد أن يكون بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر،

وظاهره كون الرؤية بخروج الشعاع، وإن أمكن أن يكون كناية عن تحقق الابصار بذلك وتوقفه عليه، فإذا لم يكن بينهما هواء وانقطع الهواء وعدم الضياء الذي هو أيضا من شرائط الرؤية عن الرائي والمرئي لم تصح الرؤية بالبصر، وكان في ذلك أي في كون الهواء بين الرائي والمرئي الاشتباه يعني شبه كل منهما بالآخر يقال: اشتبها: إذا أشبه كل منها الآخر لان الرائي متى ساوى المرئي وماثله في النسبة إلى السبب الذي أوجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه، ومشابهة أحدهما الآخر في توسط الهواء بينهما، وكان في ذلك التشبيه أي كون الرائي والمرئي في طرفي الهواء الواقع بينهما يستلزم الحكم بمشابهة المرئي بالرائي من الوقوع في جهة ليصح كون الهواء بينهما فيكون متحيزا ذا صورة وضعية فإن كون الشئ في طرف مخصوص من طرفي الهواء وتوسط الهواء بينه وبين شئ آخر سبب عقلي للحكم بكونه في جهة ومتحيزا وذا وضع، وهو المراد بقوله:

لان الأسباب لابد من اتصالها بالمسببات، ويحتمل أن يكون ذلك تعليلا لجميع ما ذكر من كون الرؤية متوقفة على الهواء إلى آخر ما ذكر وحاصله يرجع إلي ما ادعاه جماعة من أهل الحق من العلم الضروري بأن الادراك المخصوص المعلوم بالوجه الممتاز عن غيره لا يمكن أن يتعلق بما ليس في جهة وإلا لم يكن للبصر مدخل فيه، ولاكسب لرؤيته بل المدخل في ذلك للعقل فلاوجه حينئذ لتسميته إبصارا، والحاصل أن الابصار بهذه الحاسة يستحيل أن يتعلق بما ليس في جهة بديهة، وإلا لم يكن لها مدخل فيه، وهم قد جو زوا الادراك بهذه الجارحة الحساسة، وأيضا هذا النوع من الادراك يستحيل ضرورة أن يتعلق بما ليس في جهة، مع قطع النظر عن أن تعلق هذه الحاسة يستدعي الجهة والمقابلة. وما ذكره الفخر الرازي من أن الضروري لا يصير محلا للخلاف، وأن الحكم المذكور مما يقتضيه الوهم ويعين عليه، وهو ليس مأمونا لظهور خطائه في الحكم بتجسم الباري تعالى وتحيزه، وما ظهر خطؤه مرة فلا يؤمن بل يتهم ففاسد لان خلاف بعض العقلاء في الضروريات جائز كالسوفسطائية والمعتزلة في قولهم بانفكاك الشيئية والوجود وثبوت الحال، وأما قوله: بأنه حكم الوهم الغير المأمون فطريف جدا لأنه منقوض بجميع أحكام العقل، لأنه أيضا مما ظهر خطؤه مرارا، وجميع

الهندسيات والحسابيات، وأيضا مدخلية الوهم في الحكم المذكور ممنوع، وإنما هو عقلي صرف عندنا، وكذلك ليس كون الباري تعالى متحيزا مما يحكم به ويجزم بل هو تخيل يجري مجرى سائر الأكاذيب في أن الوهم وإن صوره وخيله إلينا لكن العقل لا يكاد يجوزه بل يحيله ويجزم ببطلانه، وكون ظهور الخطأ مرة سببا لعدم إيتمان المخطي واتهامه ممنوع أيضا، وإلا قدح في الحسيات وسائر الضروريات. وقد تقرر بطلانه في موضعه في رد شبه القادحين في الضروريات

14 - التوحيد: الدقاق، عن الكليني، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن أدخله إلي أبى الحسن الرضا عليه السلام فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه، فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى بلغ سؤاله التوحيد، فقال أبو قرة: إنا روينا أن الله عز وجل قسم الرؤية والكلام بين اثنين، فقسم لموسى عليه السلام الكلام ولمحمد صلى الله عليه وآله الرؤية، فقال أبو الحسن عليه السلام: فمن المبلغ عن الله عز وجل إلى الثقلين الجن والإنس: لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شئ أليس محمد صلى الله عليه وآله؟ قال: بلى ، قال: فكيف يجيئ رجل إلي الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله ويقول:

لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شئ، ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علما، وهو على صورة البشر! أما يستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن الله بشئ، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر. قال أبو قرة: فإنه يقول: " ولقد رآه نزلة أخرى " فقال أبو الحسن عليه السلام: إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال: " ما كذب الفؤاد ما رأي " يقول: ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وآله ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى فقال: " لقد رأي من آيات ربه الكبرى " فآيات الله غير الله، وقد قال: ولا يحيطون به علما، فإذا رأته الابصار فقد أحاطت به العلم، ووقعت المعرفة. فقال أبو قرة فتكذب الروايات؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: إذا كانت الروايات مخالفه للقرآن كذبت بها، وما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحيط به علم ولا تدركه الابصار وليس كمثله شئ.

بيان: اعلم أن المفسرين اختلفوا في تفسير تلك الآيات قوله تعالي: " ما كذب الفؤاد ما رأي " يحتمل كون ضمير الفاعل في رأي راجعا إلى النبي صلى الله عليه وآله، وإلي الفؤاد.

قال البيضاوي: ما كذب الفؤاد ما رأي ببصره من صورة جبرئيل، أو الله أي ما كذب الفؤاد بصره بما حكاه له، فإن الأمور القدسية تدرك أولا بالقلب، ثم ينتقل منه إلي البصر، أوما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك كان كاذبا لأنه عرفه بقلبه كما رآه بصره، أو ما رآه بقلبه، والمعنى لم يكن تخيلا كاذبا، ويدل عليه أنه سئل عليه السلام هل رأيت ربك؟ فقال: رأيته بفؤادي، وقرئ ما كذب أي صدقه ولم يشك فيه. " أفتمارونه على ما يرى " أفتجادلونه عليه من المراء وهو المجادلة. انتهى قوله تعالى: " ولقد رآه نزلة أخرى " قال الرازي: يحتمل الكلام وجوها ثلاثة: الأول الرب تعالى والثاني جبرئيل عليه السلام، والثالث الآيات العجيبة الإلهية. انتهى. أي ولقد رآه نازلا نزلة أخرى فيحتمل نزوله صلى الله عليه وآله ونزول مرئية.

فإذا عرفت محتملات تلك الآيات عرفت سخافة استدلالهم بها على جواز الرؤية ووقوعها بوجوه: الأول أنه يحتمل أن يكون المرئي جبرئيل، إذا المرئي غير مذكور في اللفظ، وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلي هذا الوجه في الخبر السابق. وروى مسلم في صحيحه بإسناده عن زرعة، عن عبد الله " ما كذب الفؤاد ما رأى " قال: رأي جبرئيل عليه السلام له ستمائة جناح. وروى أيضا بإسناده عن أبي هريرة " ولقد رآه نزلة أخرى " قال:

رأي جبرئيل عليه السلام بصورته التي له في الخلقة الأصلية. الثاني: ما ذكره عليه السلام في هذا الخبر وهو قريب من الأول لكنه أعم منه. الثالث: أن يكون ضمير الرؤية راجعا إلى الفؤاد، فعلى تقدير إرجاع الضمير إلى الله تعالى أيضا لافساد فيه. الرابع: أن يكون على تقدير إرجاع الضمير إليه عليه السلام وكون المرئي هو الله تعالى المراد بالرؤية غاية مرتبة المعرفة ونهاية الانكشاف وأما استدلاله عليه السلام بقوله تعالى: " ليس كمثله شئ " فهو إما لان الرؤية تستلزم الجهة والمكان وكونه جسما أو جسمانيا، أو لان الصورة التي تحصل منه في المدركة تشبهه. قوله عليه السلام: حيث قال أي أولا قبل هذه الآية، وإنما ذكر عليه السلام ذلك لبيان أن المرئي قبل هذه الآية غير مفسر أيضا، بل إنما يفسره ما سيأتي بعدها. قوله عليه السلام:

وما أجمع المسلمون عليه أي اتفق المسلمون على حقية مدلول ما في الكتاب مجملا، و الحاصل أن الكتاب قطعي السند متفق عليه بين جميع الفرق فلا يعارضه الاخبار المختلفة المتخالفة التي تفردتم بروايتها.

ثم اعلم أنه عليه السلام أشار في هذا الخبر إلي دقيقة غفل عنها الأكثر، وهي أن الأشاعرة وافقونا في أن كنهه تعالى يستحيل أن يتمثل في قوة عقلية حتى أن المحقق الدواني نسبه إلي الأشاعرة موهما اتفاقهم عليه، وجو زوا ارتسامه وتمثله في قوة جسمانية، وتجويز إدراك القوة الجسمانية لها دون العقلية بعيد عن العقل مستغرب فأشار عليه السلام إلى أن كل ما ينفي العلم بكنهه تعالى من السمع ينفي الرؤية أيضا فإن الكلام ليس في رؤية عرض من أعراضه تعالى بل في رؤية ذاته وهو نوع من العلم بكنهه تعالى.

15 - التوحيد: أبي، عن محمد العطار، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما أسري بي إلى السماء بلغ بي جبرئيل عليه السلام مكانا لم يطأه

جبرئيل قط فكشف لي فأراني الله عز وجل من نور عظمته ما أحب.

16 - التوحيد: ابن الوليد، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن أبي هاشم الجعفري، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن الله عز وجل هل يوصف؟ فقال: أما تقرأ القرآن قلت: بلى، قال: أما تقرأ قوله عز وجل: " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار "؟ قلت بلى، قال: فتعرفون الابصار؟ قلت: بلى، قال: وما هي؟ قلت: أبصار العيون فقال:

إن أوهام القلوب أكثر من أبصار العيون فهو لا تدركه الأوهام، وهو يدرك الأوهام.

بيان: أكثر أي أعم إدراكا فهو أولى بالتعرض لنفيه.

17 - التوحيد: الدقاق، عن الأسدي، عمن ذكره، عن محمد بن عيسى، عن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي جعفر علي بن الرضا عليه السلام: " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار " فقال: يا أبا هاشم أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها ولم تدركها ببصرك فأوهام القلوب لا تدركه، فكيف أبصار العيون؟

الإحتجاج: عن الجعفري مثله.

18 - التوحيد: الدقاق، عن الأسدي، عن البرمكي، عن ابن أبان، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن سعيد، عن إبراهيم بن محمد الخزاز ومحمد بن الحسين قالا:

دخلنا علي أبي الحسن الرضا عليه السلام فحكينا له ما روي أن محمدا صلى الله عليه وآله رأى ربه في هيئة الشاب الموفق في سن أبناء ثلاثين سنة، رجلاه في خضرة وقلنا: إن هشام بن سالم

وصاحب الطاق والميثمي يقولون: إنه أجوف إلى السرة والباقي صمد، فخر ساجدا ثم قال: سبحانك ما عرفوك ولا وحدوك فمن أجل ذلك وصفوك، سبحانك لو عرفوك لو صفوك بما وصفت به نفسك، سبحانك كيف طاوعتهم أنفسهم أن شبهوك بغيرك إلهي لا أصفك إلا بما وصفت به نفسك، ولا أشبهك بخلقك، أنت أهل لكل خير، فلا تجعلني من القوم الظالمين. ثم التفت إلينا فقال: ما توهمتم من شئ فتوهموا الله غيره. ثم قال: نحن آل محمد النمط الوسطى الذي لا يدركنا الغالي ولا يسبقنا التالي، يا محمد إن رسول الله صلى الله عليه وآله حين نظر إلى عظمة ربه كان في هيئة الشاب الموفق وسن أبناء ثلاثين سنة، يا محمد عظم ربي وجل أن يكون في صفة المخلوقين.

قال: قلت: جعلت فداك من كانت رجلاه في خضرة؟ قال: ذاك محمد صلى الله عليه وآله كان إذا نظر إلى ربه بقلبه جعله في نور مثل نور الحجب حتى يستبين له ما في الحجب، إن نور الله

منه اخضر ما اخضر، ومنه احمر ما احمر، ومنه ابيض ما ابيض، ومنه غير ذلك، يا محمد ما شهد به الكتاب والسنة فنحن القائلون به.

بيان: قوله عليه السلام: النمط الوسطى - وفي الكافي الأوسط - قال الجزري: في حديث علي عليه السلام: خير هذه الأمة النمط الأوسط، النمط: الطريقة من الطرائق والضروب، يقال: ليس هذا من ذلك النمط أي من ذلك الضرب، والنمط: الجماعة من الناس أمرهم واحد. انتهى قوله عليه السلام: لا يدركنا الغالي في أكثر النسخ بالغين المعجمة، وفي بعضها بالعين المهملة، وعلى التقديرين المراد به من يتجاوز الحد في الأمور أي لا يدركنا ولا يلحقنا في سلوك طريق النجاة من يغلو فينا أو في كل شئ، والتالي أي التابع لنا لا يصل إلي النجاة إلا بالاخذ عنا فلا يسبقنا بأن يصل إلى المطلوب لا بالتوصل بنا. و في الكافي: إن نور الله منه أخضر، ومنه أحمر، ومنه أبيض ومنه غير ذلك. وسيأتي في باب العرش في خبر أبي الطفيل إن الله خلق العرش من أنوار مختلفة فمن ذلك النور نور أخضر اخضرت منه الخضرة، ونور أصفر اصفرت منه الصفرة، ونور أحمر احمرت منه الحمرة، و نور أبيض وهو نور الأنوار ومنه ضوء النهار ثم اعلم أنه يمكن إبقاء الحجب والأنوار علي ظواهرها بأن يكون المراد بالحجب أجساما لطيفة مثل العرش والكرسي يسكنها الملائكة الروحانيون كما يظهر من بعض الدعوات والاخبار أي أفاض عليه شبيه نور الحجب ليمكن له رؤية الحجب كنور الشمس بالنسبة إلى عالمنا، ويحتمل التأويل أيضا بأن يكون المراد بها الوجوه التي يمكن الوصول إليها في معرفة ذاته تعالى وصفاته إذ لا سبيل لاحد إلى الكنه، وهي تختلف باختلاف درجات العارفين قربا وبعدا فالمراد بنور الحجب قابلية تلك المعارف وتسميتها بالحجب إما لأنها وسائط بين العارف والرب تعالى كالحجاب، وأولانها موانع عن أن يسند إليه تعالى مالا يليق به، أو لأنها لما لم تكن موصلة إلى الكنه فكأنها حجب إذ الناظر خلف الحجاب لا تتبين له حقيقة الشئ كما هي.

وقيل: إن المراد بها العقول فإنها حجب نور الأنوار ووسائط النفوس الكاملة،

والنفس إذا استكملت ناسبت نوريتها نورية تلك الأنوار فاستحقت الاتصال بها و الاستفادة منها فالمراد بجعله في نور الحجب جعله في نور العلم والكمال مثل نور الحجب حتى يناسب جوهر ذاته جوهر ذاتهم فيستبين له ما في ذواتهم، ولا يخفى فساده على أصولنا بوجوه شتى.

وأما تأويل ألوان الأنوار فقد قيل فيه وجوه:

الأول: أنها كناية عن تفاوت مراتب تلك الأنوار بحسب القرب والبعد من نور الأنوار، فالأبيض هو الأقرب، والأخضر هو الابعد كأنه ممزج بضرب من الظلمة والأحمر هو المتوسط بينهما ثم ما بين كل اثنين ألوان أخرى كألوان الصبح والشفق المختلفة في الألوان لقربها وبعدها من نور الشمس.

الثاني: أنها كناية عن صفاته المقدسة فالأخضر قدرته على إيجاد الممكنات وإفاضته الأرواح التي هي عيون الحياة ومنابع الخضرة، والأحمر غضبه وقهره على الجميع بالاعدام والتعذيب، والأبيض رحمته ولطفه على عباده كما قال تعالي: " وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله ".

الثالث: ما استفدته من الوالد العلامة قدس الله روحه وذكر أنه مما أفيض عليه من أنوار الكشف واليقين، وبيانه يتوقف على تمهيد مقدمة وهي أن لكل شئ مثالا في عالم الرؤيا والمكاشفة، وتظهر تلك الصور والأمثال على النفوس مختلفة باختلاف مراتبها في النقص والكمال، فبعضها أقرب إلى ذي الصورة، وبعضها أبعد، وشأن المعبر أن ينتقل منها إلى ذواتها فإذا عرفت هذا فالنور الأصفر عبارة عن العبادة ونورها كما هو المجرب في الرؤيا فإنه كثيرا ما يرى الرائي الصفرة في المنام فيتيسر له بعد ذلك عبادة يفرح بها وكما هو المعاين في جباه المتهجدين، وقد ورد في الخبر في شأنهم أنه ألبسهم الله من نوره لما خلوا به. والنور الأبيض: العلم لأنه منشأ للظهور وقد جرب في المنام أيضا والنور الأحمر: المحبة كما هو المشاهد في وجوه المحبين عند طغيان المحبة وقد جرب في الأحلام أيضا. والنور الأخضر: المعرفة، كما تشهد به الرؤيا ويناسبه هذا الخبر،

لأنه عليه السلام في مقام غاية العرفان كانت رجلاه في خضرة، ولعلهم عليهم السلام إنما عبروا عن تلك المعاني على تقدير كونها مرادة بهذه التعبيرات لقصور أفهامنا عن محض الحقيقة كما تعرض على النفوس الناقصة في الرؤيا هذه الصور، ولأنا في منام طويل من الغفلة عن الحقائق كما قال عليه السلام: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. وهذه التأويلات غاية ما يصل إليه أفهامنا القاصرة، والله أعلم بمراد حججه وأوليائه عليهم السلام.

19 - التوحيد: ابن الوليد، عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن مرازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ربه عز وجل - يعني بقلبه - وتصديق ذلك ما حدثنا به ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن عليه السلام هل رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ربه عز وجل؟ فقال:

نعم بقلبه رآه أما سمعت الله عز وجل يقول: " ما كذب الفؤاد ما رآى " لم يره بالبصر ولكن رآه بالفؤاد.

20 - التوحيد: أبي، عن سعد، عن الاصفهاني، عن المنقري، عن حفص أو غيره قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: " لقدر آي من آيات ربه الكبرى " قال: رأي جبرئيل على ساقه الدر مثل القطر على البقل له ستمائة جناح قد ملا ما بين السماء والأرض.

21 - التوحيد: الدقاق، عن الأسدي، عن علي بن أبي القاسم، عن يعقوب بن إسحاق قال: كتبت إلي أبي محمد عليه السلام أسأله كيف يعبد العبد ربه وهو لا يراه؟ فوقع عليه السلام:

يا أبا يوسف جل سيدي ومولاي والمنعم علي وعلى آبائي أن يرى. قال: وسألته هل رأي رسول الله صلى الله عليه وآله ربه؟ فوقع عليه السلام: أن الله تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحب.

22 - التوحيد: ابن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن ابن حميد قال: ذاكرت أبا عبد الله عليه السلام فيما يروون من الرؤية، فقال: الشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزءا من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزءا من نور السر، فإن كانوا صادقين فليملؤوا أعينهم من الشمس ليس دونها سحاب.

بيان: لعله تمثيل وتنبيه على عجز القوى الجسمانية، وبيان لان لادراكها حدا لا تتجاوزه، ويحتمل أن يكون تنبيها بضعف القوي الظاهرة على ضعف القوي الباطنة، أي كما لا يقدر بصرك في رأسك على تحديق النظر إلي الشمس فكذلك لا يقدر عين قلبك على مطالعة شمس ذاته وأنوار جلاله، والأول أظهر.

23 - التوحيد: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن أبي الحسن الموصلي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء حبر إلي أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته؟ فقال: ويلك ما كنت أعبد ربا لم أره. قال: وكيف رأيته قال: ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الابصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان.

24 - التوحيد: الدقاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن البطائني، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أخبرني عن الله عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة. فقلت: متى؟ قال: حين قال لهم: " ألست بربكم قالوا بلى " ثم سكت ساعة ثم قال: وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة، ألست تراه في وقتك هذا؟.

قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك فأحدث بهذا عنك؟ فقال: لا فإنك إذا حدثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقوله ثم قدر أن ذلك تشبيه وكفر، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين تعالي الله عما يصفه المشبهون والملحدون.

25 - أمالي الصدوق، التوحيد: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد ابن النضر، عن محمد بن مروان، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن عبد الله بن عباس في قوله عز وجل: " فلما أفاق قال سبحانك إني تبت إليك وأنا أول المؤمنين " قال: يقول:

سبحانك تبت إليك من أن أسألك رؤية، وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى.

قال الصدوق رحمه الله: إن موسى عليه السلام علم أن الله عز وجل لا يجوز عليه الرؤية وإنما سأل الله عز وجل أن يريه ينظر إليه عن قومه حن ألحوا عليه في ذلك، فسأل موسى ربه ذلك من غير أن يستأذنه، فقال: " رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلي الجبل فإن استقر مكانه " في حال تدكدكه " فسوف تراني " ومعناه أنك لا تراني أبدا، لان الحبل لا يكون ساكنا متحركا في حال أبدا، وهذا مثل قوله عز وجل: " ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " ومعناه أنهم لا يدخلون الجنة أبدا كما لا يلج الجمل في سم الخياط أبدا " فلما تجلى ربه للجبل " أي ظهر بآية من آياته وتلك الآية نور من الأنوار التي خلقها ألقى منها على ذلك الجبل " فجعله دكا وخر موسى صعقا " من هول تدكدك ذلك الجبل على عظمه وكبره، فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك أي رجعت إلى معرفتي بك عادلا عما حملني عليه قومي من سؤالك الرؤية، ولم تكن هذه التوبة من ذنبه لان الأنبياء لا يذنبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا، ولم يكن الاستيذان

قبل السؤال بواجب عليه لكنه كان أدبا أن يستعمله ويأخذ به نفسه متى أراد أن يسأله، على أنه قد روى قوم أنه قد استأذن في ذلك فأذن له ليعلم قومه بذلك أن الرؤية لا تجوز على الله عز وجل. وقوله: وأنا أول المؤمنين يقول: أنا أول المؤمنين - من القوم الذين كانوا معه وسألوه أن يسأل ربه أن يريه ينظر إليه - بأنك لا ترى.

والاخبار التي رويت في هذا المعنى وأخرجها مشايخنا - رضي الله عنهم - في مصنفاتهم عندي صحيحة، وإنما تركت إيرادها في هذا الباب خشية أن يقرأها جاهل بمعانيها فيكذب بها فيكفر بالله عز وجل وهو لا يعلم.

والاخبار التي ذكرها أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره والتي أوردها محمد بن أحمد ابن يحيى في جامعه في معنى الرؤية صحيحة لا يردها إلا مكذب بالحق أو جاهل به، و ألفاظها ألفاظ القرآن، ولكل خبر معنى ينفي التشبيه والتعطيل، ويثبت التوحيد، وقد أمرنا الأئمة صلوات الله عليهم أن لا نكلم الناس إلا على قدر عقولهم، ومعنى الرؤية هنا الواردة في الاخبار: العلم، وذلك أن الدنيا دار شكوك وارتياب وخطرات، فإذا كان يوم القيامة كشف للعباد من آيات الله وأموره في ثوابه وعقابه ما تزول به الشكوك و يعلم حقيقة قدرة الله عز وجل وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: " لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد " فمعنى ما روي في الحديث أنه عز وجل يرى أي يعلم علما يقينيا، كقوله عز وجل: " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل " وقوله: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه " وقوله " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت " وقوله: " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " وأشباه ذلك من رؤية القلب و ليست من رؤية العين، وأما قول الله عز وجل: " فلما تجلى ربه للجبل " فمعناه: لما

ظهر عز وجل للجبل بآية من آيات الآخرة التي يكون بها الجبال سرابا، والذي ينسف بها الجبال نسفا، تدكدك الجبل فصار ترابا لأنه لم يطق حمل تلك الآية. وقد قيل: إنه بداله نور العرش وتصديق ما ذكرته ما حدثنا به تميم القرشي، عن أبيه، عن حمدان بن سليمان، عن علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى عليهما السلام فقال له المأمون: يا ابن رسول الله أليس من قولك: إن الأنبياء معصومون؟ قال:

بلى، فسأله عن آيات من القرآن فكان فيما سأل أن قال له: فما معنى قول الله عز وجل:

" ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني " الآية؟

كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران عليه السلام لا يعلم أن الله تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله عن هذا السؤال؟.

فقال الرضا عليه السلام: إن كليم الله موسى بن عمران عليه السلام علم أن الله تعالى عن أن يرى بالابصار، ولكنه لما كلمه الله عز وجل وقربه نجيا رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله عز وجل كلمه وقربه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت وكان القوم سبعمائة ألف رجل فاختار منهم سبعين ألفا، ثم اختار منهم سبعة آلاف، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه فخرج بهم إلي طور سيناء فأقامهم في سفح الجبل، وصعد موسى عليه السلام إلي الطور، وسأل الله تبارك وتعالى أن يكلمه ويسمعهم كلامه، فكلمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام، لان الله عز وجل أحدثه في الشجرة، ثم جعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه فقالوا: لن نؤمن لك بأن هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة، فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عز و جل عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقا فيما ادعيت من مناجاة الله إياك؟ فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا: إنك لو سألت الله أن يريك

تنظر إليه لأجابك، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته! فقال موسى عليه السلام: يا قوم إن الله لا يري بالابصار ولا كيفية له، وإنما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه. فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله فقال موسى عليه السلام: يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم فأوحي الله جل جلاله إليه: يا موسى اسألني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم فعند ذلك قال موسى عليه السلام: " رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلي الجبل فإن استقر مكانه " وهو يهوي " فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل " بآياته " جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك " يقول: رجعت إلي معرفتي بك عن جهل قومي " وأنا أول المؤمنين " منهم بأنك لا ترى. فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن. الخبر.

عيون أخبار الرضا (ع): تميم القرشي مثله.

بيان: اعلم أن المنكرين للرؤية والمثبتين لها كليهما استدلوا بما ورد في تلك القصة على مطلوبهم فأما المثبتون فاحتجوا بها بوجهين:

الأول: أن موسى عليه السلام سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل، لأنه حينئذ إما أن يعلم امتناعه أو يجهله فإن علمه فالعاقل لا يطلب المحال لأنه عبث، و إن جهله فالجاهل بما لا يجوز على الله تعالى ويمتنع لا يكون نبيا كليما.

وأجيب عنه بوجوه:

الأول: ما ورد في هذا الخبر من أن السؤال إنما كان بسبب قومه لا لنفسه لأنه كان عالما بامتناعها، وهذا أظهر الوجوه واختاره السيد الأجل المرتضى في كتابي تنزيه الأنبياء وغرر الفوائد، وأيده بوجوه: منها حكاية طلب الرؤية من بني إسرائيل في مواضع كقوله تعالى: " فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم " وقوله تعالى: " وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ". ومنها: أن موسى عليه السلام أضاف ذلك إلى السفهاء، قال الله تعالى: " فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا " وإضافة ذلك إلى السفهاء تدل على أنه كان بسببهم ومن أجلهم حيث سألوا ما لا يجوز عليه تعالى.

فإن قيل: فلم أضاف السؤال إلى نفسه ووقع الجواب مختصا به؟ قلنا: لا يمتنع وقوع الإضافة على هذا الوجه، مع أن السؤال كان لأجل الغير إذا كانت هناك دلالة تؤمن من اللبس، فلهذا يقول أحدنا - إذا شفع في حاجة غيره - للمشفوع إليه: أسألك أن تفعل بي كذا وتجيبني إلى ذلك، ويحسن أن يقول المشفوع إليه: قد أجبتك وشفعتك، وما جرى مجرى ذلك، على أنه قد ذكر في الخبر ما يغني عن هذا الجواب.

وأما ما يورد في هذا المقام من أن السؤال إذا كان للغير فأي جرم كان لموسى حتى تاب منه؟ فأجاب عليه السلام بحمل التوبة على معناه اللغوي أي الرجوع أي كنت قطعت النظر عما كنت أعرفه من عدم جواز رؤيتك، وسألت ذلك للقوم فلما انقضت المصلحة في ذلك تركت هذا السؤال ورجعت إلى معرفتي بعدم جواز رؤيتك وما تقتضيه من عدم السؤال.

وأجاب السيد قدس الله روحه عنه بأنه يجوز أن يكون التوبة لأمر آخر غير هذا الطلب، أو يكون ما أظهره من التوبة على سبيل الرجوع إلى الله تعالى، وإظهار الانقطاع إليه، والتقرب منه، وإن لم يكن هناك ذنب. والحاصل أن الغرض من ذلك إنشاء التذلل والخضوع، ويجوز أن يضاف إلى ذلك تنبيه القوم المخطئين على التوبة مما التمسوه من الرؤية المستحيلة عليه، بل أقول: يحتمل أن تكون التوبة من قبلهم كما كان السؤال كذلك.

الثاني: أنه عليه السلام لم يسأل الرؤية بل تجوز بها عن العلم الضروري لأنه لازمها، وإطلاق اسم الملزوم على اللازم شائع سيما استعمال رأى بمعنى علم وأرى بمعنى أعلم والحاصل أنه سأله أن يعلمه نفسه ضرورة بإظهار بعض أعلام الآخرة التي تضطره إلى المعرفة، فتزول عنه الدواعي والشكوك، ويستغني عن الاستدلال كما سأل إبراهيم عليه السلام: " رب أرني كيف تحيي الموتى " الثالث: أن في الكلام مضافا محذوفا أي أرني آية من آياتك أنظر إلى آيتك، و حاصلة يرجع إلى الثاني.

الرابع: أنه عليه السلام سأل الرؤية مع علمه بامتناعها لزيادة الطمأنينة بتعاضد دليل

العقل والسمع، كما في طلب إبراهيم عليه السلام، وحاصله يرجع إلى منع أن العاقل لا يطلب المحال الذي علم استحالته إذ يمكن أن يكون الطلب لغرض آخر غير حصول المطلوب فلا يلزم العبث لجواز ترتب غرض آخر عليه، والعبث مالا فائدة فيه أصلا، ولعل في هذا السؤال فوائد عظيمة سوى ما ذكر أيضا ولا يلزمنا تعيين الفائدة بل على المستدل أن يدل على انتفائها مطلقا، ونحن من وراء المنع، ومما يستغرب من الأشاعرة أنهم أجمعوا على أن الطلب غير الإرادة، واحتجوا عليه بأن الآمر ربما أمر عبده بأمر وهو لا يريده، بل يريد نقيضه، ثم يقولون ههنا: بأن طلب ما علم استحالته لا يتأتى من العاقل.

الثاني من وجهي احتجاجهم: هو أنه تعالي علق الرؤية على استقرار الجبل وهو أمر ممكن في نفسه، والمعلق على الممكن ممكن لان معنى التعليق أن المعلق يقع على تقدير وقوع المعلق عليه، والمحال لا يقع على شئ من التقادير ويمكن الجواب عنه بوجوه أوجهها أن يقال: التعليق إما أن يكون الغرض منه بيان وقت المعلق وتحديد وقوعه بزمان وشرط ومن البين أن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، وإما أن يكون المطلوب فيه مجرد بيان تحقق الملازمة وعلاقة الاستلزام بأن يكون لإفادة النسبة التي بين الشرط والجزاء مع قطع النظر عن وقوع شئ من الطرفين وعدم وقوعه، ولا يخفى على ذي لب أن لا علاقة بين استقرار الجبل ورؤيته تعالى في نفس الامر ولا ملازمة، على أن إفادة مثل هذا الحكم وهو تحقق علاقة اللزوم بين هاتين القضيتين لا يليق بسياق مقاصد القرآن الحكيم مع ما فيه من بعده عن مقام سؤال الكليم فإن المناسب لما طلب من الرؤية بيان وقوعه ولا وقوعه، لا مجرد إفادة العلاقة بين الامرين فالصواب حينئذ أن يقال: المقصود من هذا التعليق بيان أن الجزاء لا يقع أصلا بتعليقه على ما لا يقع، ثم هذا التعليق إن كان مستلزما للعلاقة بين الشرط والجزاء فواجب أن يكون إمكان الجزاء مستتبعا لامكان الشرط لان ماله هذه العلاقة مع المحال لا يكون ممكنا على ما هو المشهور من أن مستلزم المحال محال، وإلا فلاوجه لوجوب إمكان الجزاء والأول وإن كان شائع الإرادة من اللفظ إلا أن الثاني أيضا مذهب معروف للعرب كثير الدوران بينهم، وهو عمدة البلاغة ودعامتها، ومن ذلك قول الشاعر:

إذا شاب الغراب أتيت أهلي * وصار القار كاللبن الحليب ومعلوم أن مشيب الغراب وصيرورة القار كالحليب لا ملازمة بينهما وبين إتيان الشاعر أهله.

ونظيره في الكتاب الكريم كثير كتعليق خروج أهل النار منها على ولوج الجمل في سم الخياط وبعيد من العاقل أن يدعي علاقة بينهما، وإذا كان ذلك التعليق أمرا شائعا كثير الوقوع في كلامهم فلا ترجيح للاحتمال الأول بل الترجيح معنا، فإن البلاغة في ذلك، وأما إذا تحقق العلاقة في الواقع بينهما وعلق عليه لمكان تلك العلاقة فليس له ذلك الموقع من حسن القبول ألا ترى أن المتمني لوصال حبيبه الميت لو قال: إذا رجع الموتى إلى الدنيا أمكن لي زيارة الحبيب لم يكن كقول الصب المتحسر على مفارقة الأحباء: متى أقبل الأمس الدابر وحيي الميت الغابر طمعت في اللقاء. وأيضا لا يخفي على ذي فطرة أن التزام تحقق علاقة لزوم بين استقرار الجبل في تلك الحال وبين رؤيته تعالي بحيث لو فرض وقوع ذلك الاستقرار امتنع أن لا يقع رؤيته تعالي مستبعد جدا يكاد يجزم العقل ببطلانه فإذن المقصود من ذلك الكلام مجرد بيان انتفائه بتعليقه على أمر غير واقع، ويكفي في ذلك عدم وقوع المعلق عليه، ولا يستدعى امتناع المعلق امتناعه، ولو سلم فنقول: إن المعلق عليه هو الاستقرار لا مطلقا بل في المستقبل وعقيب النظر، بدلالة الفاء وإن، وذلك لأنه إذا دخل الفاء على إن يفيد اشتراط التعقيب لا تعقيب الاشتراط فالشرط ههنا وقوع الاستقرار عقيب النظر، والنظر ملزوم لوقوع حركة الجبل عقيبه، فوقوع السكون عقيبه محال لاستحالة وقوع الشئ عقيب ما يستعقب منافي ذلك الشئ ويستلزم وقوعه عقيبه. وأما أن النظر لا يستلزم اندكاك الجبل وتزلزله ولا علاقة بينه وبينه وإنما هو مصاحبة اتفاقية فممنوع، ولعل النظر ملزوم للحركة كما أن استقرار الجبل ملزوم لرؤيته تعالى، وتحقق العلاقة بين النظر والحركة ليس بأبعد من تحقق العلاقة بين الاستقرار والرؤية. ولنقتصر على ذلك فإن إطناب الكلام في كل من الدلائل والأجوبة يوجب الخروج عما هو المقصود من الكتاب.

وأما المنكرون فاحتجوا بقوله تعالى: " لن تراني " فإن كلمة لن تفيد إما تأبيد

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.