بحارالانوار · المجلد التاسع
107 باب جوامع مكارم أخلاقه وآدابه وسننه وعدله وحسن سياسته
ج ۴۱، ص ۱۳۳–۱۶۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
ذلك، فترك الناس عليا والتحقوا بمعاوية، فشكا علي عليه السلام إلى الأشتر تخاذل أصحابه وفرار بعضهم إلى معاوية، فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين إنا قاتلنا أهل البصرة بأهل الكوفة وأهل الشام بأهل البصرة وأهل الكوفة ورأي الناس واحد وقد اختلفوا بعد وتعادوا، وضعفت النية وقل العدد، أنت تأخذهم بالعدل وتعمل فيهم بالحق، وتنصف الوضيع من الشريف، فليس للشريف عندك فضل منزلة، فضجت طائفة ممن معك من الحق إذ عموا به، واغتموا من العدل إذ صاروا فيه، و رأوا صنائع معاوية عند أهل الغناء والشرف، فتاقت أنفس الناس إلى الدنيا، وقل من ليس للدنيا بصاحب، وأكثرهم يجتوي الحق ويشتري الباطل، ويؤثر الدنيا، فإن تبذل المال يا أمير المؤمنين تمل إليك أعناق الرجال، وتصفوا نصيحتهم، و يستخلص ودهم، صنع الله لك يا أمير المؤمنين وكبت أعداءك وفض جمعهم وأوهن كيدهم وشتت أمورهم " إنه بما يعملون خبير " فقال علي عليه السلام: أما ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل فإن الله عز وجل يقول: " من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد " وأنا من أن أكون مقصرا فيما ذكرت أخوف، وأما ما ذكرت من أن الحق ثقيل عليهم ففارقونا بذلك فقد علم الله أنهم لم يفارقونا من جور، ولا لجؤوا إذ فارقونا إلى عدل، ولم يلتمسوا إلا دنيا زائلة عنهم كان قد فارقوها، وليسألن يوم القيامة: للدنيا أرادوا أم لله عملوا، وأما ما ذكرت من بذل الأموال واصطناع الرجال فإنه لا يسعنا أن نوفي أحدا من الفئ أكثر من حقه، وقد قال الله سبحانه وقوله الحق:
" كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وحده وكثره بعد القلة وأعز فئته بعد الذلة، وإن يرد الله أن يولينا هذا الامر يذلل لنا صعبه، ويسهل لنا حزنه، وأنا قابل من رأيك ما كان لله عز وجل رضى وأنت من آمن الناس عندي وأنصحهم لي وأوثقهم في نفسي إن شاء الله.
وذكر الشعبي قال: دخلت الرحبة بالكوفة وأنا غلام في غلمان، فإذا أنا بعلي عليه السلام قائما على صرتين من ذهب وفضة، ومعه مخفقة وهو يطرد الناس بمخفقته، ثم يرجع إلى المال فيقسمه بين الناس، حتى لم يبق منه شئ، ثم انصرف ولم يحمل إلى بيته قليلا ولا كثيرا، فرجعت إلى أبي فقلت: لقد رأيت اليوم خير الناس أو أحمق الناس، قال: من هو يا بني؟ قلت: علي بن أبي الطالب أمير المؤمنين رأيته يصنع كذا فقصصت عليه، فبكى وقال: يا بني بل رأيت خير الناس.
وروى محمد بن فضيل، عن هارون بن عنترة، عن زاذان قال: انطلقت مع قنبر غلام علي عليه السلام إليه، فإذا هو يقول: قم يا أمير المؤمنين فقد خبأت لك خبيئا، قال: وما هو ويحك؟ قال: قم معي، فقام فانطلق به إلى بيته فإذا بغرارة مملوءة من جامات ذهبا وفضة، فقال: يا أمير المؤمنين رأيتك لا تترك شيئا إلا قسمته فادخرت لك هذا من بيت المال! فقال علي عليه السلام: ويحك يا قنبر لقد أحببت أن تدخل بيتي نارا عظيمة، ثم سل سيفه وضربها ضربات كثيرة، فانتثرت من بين إناء مقطوع نصفه وآخر ثلثه ونحو ذلك، ثم دعا بالناس فقال: أقسموه بالحصص، ثم قام إلى بيت المال فقسم ما وجد فيه، ثم رأى في البيت أبزار سمل فقال:
وليقسموا هذا، فقالوا: لا حاجة لنا فيه - وقد كان عليه السلام يأخذ من كل عامل مما يعمل -
فضحك وقال : لتأخذن شره مع خيره.
وروى عبد الرحمن بن عجلان قال: كان علي عليه السلام يقسم بين الناس الابزار والخرق والكمون وكذا وكذا.
وروى مجمع التيمي قال: كان علي عليه السلام يكنس بيت المال كل جمعة ويصلي فيه ركعتين ويقول: تشهدان يوم القيامة.
وروى بكر بن عيسى، عن عاصم بن كليب الحربي، عن أبيه قال:
شهدت عليا عليه السلام وقد جاءه مال من الجبل، فقام وقمنا معه، وجاء الناس يزدحمون، فأخذ حبالا فوصلها بيده وعقد بعضها إلى بعض، ثم أدارها حول المال وقال: لا أحل لاحد أن يجاوز هذا الحبل، قال: فقعد الناس كلهم من وراء الحبل، ودخل هو فقال: أين رؤوس الأسباع؟ وكانت الكوفة يومئذ أسباعا، فجعلوا يحملون هذا الجوالق إلى هذا وهذا إلى هذا حتى استوت القمسة سبعة أجزاء، ووجد مع المتاع رغيف فقال: أكسروه سبع كسر وضعوا على كل جزء كسرة، ثم قال:
هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه ثم أفرغ عليها ودفعها إلى رؤوس الأسباع، فجعل كل واحد منهم يدعو قومه فيحملون الجوالق.
وروى مجمع عن أبي رجاء قال: أخرج علي عليه السلام سيفا إلى السوق، فقال:
من يشتري مني هذا؟ فوالذي نفس علي بيده لو كان عندي ثمن إزار ما بعته، فقلت له: أنا أبيعك إزارا وأنسئك ثمنه إلى عطائك، فدفعت إليه إزارا إلى عطائه، فلما قبض عطاءه دفع إلي ثمن الإزار.
وروى هارون بن سعد قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لعلي عليه السلام:
يا أمير المؤمنين لو أمرت لي بمعونة أو نفقة فوالله مالي نفقة إلا أن أبيع دابتي، فقال: لا والله ما أجد لك شيئا إلا أن تأمر عمك أن يسرق فيعطيك.
وروى بكر بن عيسى قال: كان علي عليه السلام يقول: يا أهل الكوفة إذا أنا خرجت من عندكم بغير راحلتي ورحلي وغلامي فلان فأنا خائن، وكانت نفقته تأتيه من غلته بالمدينة بينبع، وكان يطعم الناس الخبز واللحم ويأكل هو الثريد بالزيت.
وروى أبو إسحاق الهمداني أن امرأتين أتتا عليا عليه السلام إحداهما من العرب والأخرى من الموالي فسألتاه، فدفع إليها دراهم وطعاما بالسوء، فقالت إحداهما:
إني امرأة من العرب وهذه من العجم، فقال: إني والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفئ فضلا على بني إسحاق.
وروى معاوية بن عمار عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: ما اعتلج على علي عليه السلام أمران في ذات الله تعالى إلا أخذ بأشدهما، ولقد علمتم أنه كان يأكل يا أهل الكوفة عندكم من ماله بالمدينة، وأن كان ليأخذ السويق فيجعله في جراب ويختم عليه مخافة أن يزاد عليه من غيره، ومن كان أزهد في الدنيا من علي عليه السلام؟.
وروى النضر بن المنصور عن عقبة بن علقمة قال: دخلت على علي عليه السلام فإذا بين يديه لبن حامض آذاني حموضته، وكسر يابسة، فقلت: يا أمير المؤمنين أتأكل مثل هذا؟ فقال لي: يا أبا الجنوب كان رسول الله يأكل أيبس من هذا ويلبس أخشن من هذا - وأشار إلى ثيابه - فإن أنا لم آخذ به خفت أن لا ألحق به.
وروى عمران بن غفلة قال: دخلت على علي عليه السلام بالكوفة، فإذا بين يديه قعب لبن أجد ريحه من شدة حموضته، وفي يده رغيف يرى قشار الشعير على وجهه، وهو يكسره ويستعين أحيانا بركبتيه، وإذا جاريته فضة قائمة على رأسه فقلت: يا فضة أما تتقون الله في هذا الشيخ؟ ألا نخلتم دقيقه؟ فقالت: إنا نكره أن تؤجر ونأثم نحن: قد أخذ علينا أن لا ننخل له دقيقا فأصلحناه قال: وعلي عليه السلام لا يسمع ما تقول، فالتفت إليها فقال: ما تقول (3)؟ قالت: سله: فقال لي: ما قلت لها؟ [قال] فقلت: إني قلت لها: لو نخلتم دقيقه، فبكى ثم قال: بأبي وأمي من لم يشبع ثلاثا متوالية من خبز بر حتى فارق الدنيا، ولم ينخل دقيقه - قال:
يعني رسول الله صلى الله عليه وآله.
وروى يوسف بن يعقوب عن صالح بياع الأكسية أن جدته لقيت عليا عليه السلام بالكوفة ومعه تمر يحمله، فسلمت عليه وقالت له: أعطني يا أمير المؤمنين أحمل عنك إلى بيتك، فقال: أبو العيال أحق بحمله، قالت: ثم قال لي: ألا تأكلين منه؟
فقلت: لا أريده، قالت: فانطلق به إلى منزله ثم رجع مرتدئا بتلك الشملة وفيها قشور التمر، فصلى بالناس فيها الجمعة.
وروى محمد بن فضيل بن غزوان قال: قيل لعلي عليه السلام: كم تتصدق؟ كم تخرج مالك؟ ألا تمسك؟ قال: إني والله لو أعلم أن الله تعالى قبل مني وفرضا واحدا لأمسكت، ولكني والله لا أدري أقبل سبحانه مني شيئا أم لا.
وروى عنبسة العابد عن عبد الله بن الحسن بن الحسين قال: أعتق علي.
عليه السلام في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ألف مملوك مما مجلت يداه وعرق جبينه ولقد ولى الخلافة وأتته الأموال، فما كان حلواه إلا التمر ولا ثيابه إلا الكرابيس.
وروى العوام بن حوشب عن أبي صادق قال: تزوج علي عليه السلام ليلى بنت مسعود النهشلية، فضربت له في داره حجلة، فجاء فهتكها وقال: حسب أهل علي ما هم فيه.
وروى حاتم بن إسماعيل المدائني عن جعفر بن محمد عليهم السلام قال: ابتاع علي عليه السلام في خلافته قميصا سملا بأربعة دراهم، ثم دعا الخياط فمد كم القميص وأمره بقطع ما جاوز الأصابع.
وقال في موضع آخر من شرح نهج البلاغة: وأما فضائله فإنها قد بلغت من العظم والانتشار مبلغا يسمج معه التعرض لذكرها والتصدي لتفصيلها، فصارت كما قال أبو العيناء لعبد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل والمعتمد: رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر الذي لا يخفى على الناظر، فأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الاخبار عنك إلى علم الناس بك.
وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جهل مناقبه ولا كتمان فضائله فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الاسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره والتحريف عليه و وضع المعائب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر وتوعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكرا، حتى
حظروا أن يسمى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلا رفعة وسموا، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، وكلما كتم تضع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح وكضوء النهار إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة أخرى، وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها وسابق مضمارها ومجلي حلبتها، كل من برع فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى وعلى مثاله احتذي.
وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الإلهي، لان شرف العلم بشرف المعلوم ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم، ومن كلامه عليه السلام اقتبس وعنه نقل، وإليه انتهى ومنه ابتدئ، فإن المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر ومنهم تعلم الناس هذا الفن تلامذته وأصحابه، لان كبيرهم واصل ابن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه عليه السلام، وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن أبي بشير الأشعري، وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي أحد مشائخ المعتزلة فالأشعرية ينتهون بالآخرة إلى أستاد المعتزلة ومعلمهم، وهو علي بن أبي طالب عليه السلام، وأما الامامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر.
ومن العلوم علم الفقه وهو أصله وأساسه، وكل فقيه في الاسلام فهو عيال
عليه ومستفيد من فقهه، أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة، وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن، فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد عليهما السلام وجعفر قرأ على أبيه، وينتهي الامر إلى علي عليه السلام وأما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي، قرأ ربيعة على عكرمة، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس، وقرأ عبد الله بن عباس على علي بن أبي طالب عليه السلام، وإن شئت رددت إلى فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك فهؤلاء الفقهاء الأربعة. وأما فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر.
وأيضا فان فقهاء الصحابة كانوا عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس، وكلاهما أخذا عن علي عليه السلام، أما ابن عباس فظاهر، وأما عمر فقد عرف كل أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة، وقوله: غير مرة " لولا علي لهلك عمر " وقوله: " لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو حسن " وقوله:
" لا يفتين أحد في المسجد وعلي حاضر " فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه، وقد روت العامة والخاصة قوله صلى الله عليه وآله: " أقضاكم علي " والقضاء هو الفقه، فهو إذن أفقهم!
وروى الكل أيضا أنه قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضيا: " اللهم اهد قلبه وثبت لسانه " قال: فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين. وهو عليه السلام الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستة أشهر، وهو الذي أفتى به في الحامل الزانية، وهو الذي قال في المنبرية: صار ثمنها تسعا، وهذه المسألة لو أفكر الفرضي فيها فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب، فما ظنك بمن قاله بديهة.
واقتضبه ارتجالا.
ومن العلوم علم تفسير القرآن وعنه أخذ ومنه فرع، وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك، لان أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته وانقطاعه إليه، وإنه تلميذه وخريجه وقيل له: أين علمك من علم ابن عمك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.
ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الاسلام إليه ينتهون وعنده يقفون، وقد صرح بذلك الشبلي والجنيد والسري وأبو يزيد البسطامي وأبو محفوظ معروف الكرخي، و يكفيك دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم، وكونهم يسندونها بإسناد متصل إليه عليه السلام.
ومن العلوم علم النحو والعربية، وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وأنشأه وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه وأصوله، من جملتها: الكلمة ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف، ومن جملتها تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة وتقسيم وجوه الاعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم، وهذا يكاد يلحق بالمعجزات لان القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر ولا تنهض بهذا الاستنباط.
وإن رجعت إلى الخصائص الخلقية والفضائل النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلاع ثناياها، أما الشجاعة فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان
قبله ومحا اسم من يأتي بعده، ومقاماته في الحرب مشهورة يضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة، وهو الشجاع الذي ما فر قط، ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحدا إلا قتله، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى الثانية، وفي الحديث: كانت ضرباته وترا، ولما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما قال له عمرو: لقد أنصفك، فقال معاوية: ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم أتأمرني بمبارزة أبي حسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق؟ أراك طمعت في إمارة الشام بعدي، وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته، فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه عليه السلام قتلهم أظهر وأكثر، قالت أخت عمرو بن عبد ود ترثيه.
لو كان قاتل عمرو غير قاتله * بكيته أبدا ما دمت في الأبد - لكن قاتله من لا نظير له * وكان يدعى أبوه بيضة البلد وانتبه معاوية يوما فرأى عبد الله بن زبير جالسا تحت رجليه على سريره، فقال له عبد الله يداعبه: يا أمير المؤمنين لو شئت أن أفتك بك لفعلت، فقال:
لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر قال: وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصف إزاء علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لا جرم إنه قتلك وأباك بيسرى يديه وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها، وجملة الامر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتهي، وباسمه ينادي في مشارق الأرض ومغاربها.
وأما القوة والأيد فبه يضرب المثل فيهما، قال ابن قتيبة في المعارف: ما صارع أحدا قط إلا صرعه، وهو الذي قلع باب خيبر، واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه، وهو الذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة وكان عظيما جدا،
فألقاه إلى الأرض، وهو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته بعد عجز الجيش كله عنها، فأنبط الماء من تحتها.
وأما السخاء والجود فحاله فيه ظاهرة، كان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده، و فيه انزل " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية، فأنزل فيه " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية " وروي عنه أنه كان يستقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة حتى مجلت يده، ويتصدق بالأجرة و يشد على بطنه حجرا، وقال الشعبي وقد ذكره عليه السلام: كان أسخى الناس، كان على الخلق الذي يحب الله السخاء والجود؟ ما قال " لا " لسائل قط، وقال عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن أبي سفيان لمحفن بن أبي محفن الضبي لما قال: جئتك من عند أبخل الناس: ويحك كيف تقول إنه أبخل الناس ولو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن لأنفد تبره قبل تبنه؟ وهو الذي كان يكنس بيوت الأموال ويصلي فيها، وهو الذي قال: يا صفراء ويا بيضاء غري غيري، و هو الذي لم يخلف ميراثا وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام.
وأما الحلم والصفح فكان أحلم الناس من ذنب وأصفحهم عن مسئ، و قد ظهرت صحة ما قلناه يوم الجمل حيث ظفر بمروان بن الحكم، وكان أعدى الناس له وأشدهم بغضا، فصفح عنه، وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس
الاشهاد، وخطب يوم البصرة فقال: قد أتاكم الوغب اللئيم علي بن أبي طالب وكان علي عليه السلام يقول: ما زال الزبير رجلا منا أهل البيت، حتى شب عبد الله فظفر به يوم الجمل، فأخذه أسيرا، فصفح عنه وقال: اذهب فلا أرينك، لم يزده على ذلك. وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة وكان له عدوا فأعرض عنه ولم يقل له شيئا.
وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره، فلما ظفر بها أكرمها وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس، عممهن بالعمائم وقلدهن بالسيوف، فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به وتأنفت، و قالت: هتك سري برجاله وجنده الذين وكلهم بي، فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهن وقلن لها: إنما نحن نسوة. وحاربه أهل البصرة وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيف، وشتموه ولعنوه فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم، ونادى مناديه في أقطار العسكر: ألا لا يتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولا يقتل مستأثر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن تحيز إلى عسكر الامام فهو آمن، ولم يأخذ أثقالهم ولا سبي ذراريهم ولا غنم شيئا من أموالهم، ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل، ولكنه أبى إلا الصفح والعفو، وتقبل سنة رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة، فإنه عفا والأحقاد لم تبرد والإساءة لم تنس، ولما ملك عسكر معاوية عليه الماء و أحاطوا بشريعة الفرات وقالت رؤساء الشام له: اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا سألهم علي عليه السلام وأصحابه أن يسوغوا لهم شرب الماء، فقالوا: لا والله ولا قطرة حتى تموت ظمئا كما مات ابن عفان، فلما رأى عليه السلام أنه الموت لا محالة تقدم بأصحابه وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة، حتى أزالهم عن مراكزهم بعد
قتل ذريع سقطت منه الرؤوس والأيدي، وملكوا عليهم الماء، وصار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم، فقال له أصحابه وشيعته: أمنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك، ولا تسقهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش، وخذهم قبضا بالأيدي، فلا حاجة لك إلى الحرب، فقال: لا والله لا أكافيهم بمثل فعلهم، افسحوا لهم عن بعض الشريعة، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك، فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالا وحسنا، وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله عليه السلام.
أما الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين، و هل الجهاد لاحد من الناس إلا له؟ وقد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وآله وأشدها نكاية في المشركين بدر الكبرى، قتل فيها سبعون من المشركين، قتل علي عليه السلام نصفهم وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر، وإذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي وتاريخ الاشراف ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك، دع من قتله في غيرها كأحد والخندق وغيرهما، وهذا الفصل لا معنى للاطناب فيه لأنه من المعلومات الضرورية كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما.
أما الفصاحة فهو عليه السلام إمام الفصحاء وسيد البلغاء، وعن كلامه قيل: دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين، ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة، وقال عبد الحميد بن يحيى: حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثم فاضت.
وقال نباتة: حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الانفاق إلا سعة وكثرة. حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب عليه السلام. ولما قال محفن بن أبي محفن لمعاوية:
جئتك من عند أعيى الناس قال له: ويحك كيف يكون أعيى الناس فوالله ما سن الفصاحة لقريش غيره؟ ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجازى في الفصاحة ولا يبارى في البلاغة، وحسبك أنه لم يدون لاحد من
فصحاء الصحابة العشر ولا نصف العشر مما دون له، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب البيان والتبيين وفي غيره من كتبه.
وأما سجاحة الأخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيا والتبسم فهو المضروب به المثل فيه، حتى عابه بذلك أعداؤه، وقال عمرو بن العاص لأهل الشام: إنه ذو دعابة شديدة، وقال علي عليه السلام في ذاك: عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة وأني امرؤ تلعابة أعافس وأمارس، وعمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر لقوله لما عزم على استخلافه: لله أبوك لولا دعابة فيك، إلا أن عمر اقتصر عليها وعمرو زاد فيها ونسجها، قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه: كان فينا كأحدنا، لين جانب وشدة تواضع وسهولة قياد، وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه، وقال معاوية لقيس بن سعد: رحم الله أبا حسن فلقد كان هشا بشارة المصطفى ذا فكاهة، قال قيس: نعم كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح ويبسم إلى أصحابه، وأراك تسر حسوا في ارتغاء رفعه، وتعيبه بذلك، أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى، تلك هيبة التقوى، ليس كما يهابك طغام أهل الشام، وقد بقي هذا الخلق متوارثا متناقلا في محبيه وأوليائه إلى الآن، كما بقي الجفاء والخشونة و الوعورة في الجانب الآخر، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك.
وأما الزهد في الدنيا فهو سيد الزهاد، وبدل الابدال، وإليه يشد الرحال، وعنده تنفض الأحلاس، ما شبع من طعام قط، وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا، قال عبد الله بن أبي رافع: دخلت إليه يوم عيد، فقدم جرابا مختوما، فوجدنا فيه
خبز شعير يابسا مرصوصا، فقدم فأكل، فقلت: يا أمير المؤمنين فكيف تختمه؟
قال: خفت هذين الولدين أن يلتاه بسمن أو زيت، وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة وبليف أخرى، ونعلاه من ليف، وكان يلبس الكرابيس الغليظ فإذا وجد كمه طويلا قطعه بشفرة فلم يخطه، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمة له، وكان يأتدم إذا ائتدم بخل أو بملح، فإن ترقى عن ذلك فببعض نبات الأرض، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل، ولا يأكل اللحم إلا قليلا ويقول: لا تجعلوا قلوبكم مقابر الحيوان، وكان مع ذلك أشد الناس قوة وأعظمهم أيدا، لم ينقص الجوع قوته ولا يخور الاقلال منته وهو الذي طلق الدنيا وكانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الاسلام إلا من الشام و كان يفرقها ويمزقها ثم يقول:
هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه وأما العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوما، ومنه تعلم الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد وقيام النافلة، وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له قطع ما بين الصفين ليلة الهرير فيصلي عليه ورده والسهام تقع بين يديه تمر على صماخيه يمينا وشمالا فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته، وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده، وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله وما
يتضمنه من الخضوع لهيبته والخشوع لعزته والاستخذاء له عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص، وفهمت من أي قلب خرجت وعلى أي لسان جرت، وقيل لعلي بن الحسين عليهما السلام وكان الغاية في العبادة: أين عبادتك من عبادة جدك؟ قال:
عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله صلى الله عليه وآله.
وأما قراءة القرآن والاشتغال به فهو المنظور إليه في هذا الباب، اتفق الكل على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يكن غيره يحفظه، ثم هو أول من جمعه، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة أبي بكر، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة بل يقولون: تشاغل بجمع القرآن، فهذا يدل على أنه أول من جمع القرآن، لأنه لو كان مجموعا في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله لما احتاج إلى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته، وإذا رجعت إلى كتب القراءة وجدت أئمة القراءة كلهم يرجعون إليه، كأبي عمرو بن أبي العلاء وعاصم بن أبي النجود وغيرهما لأنهم يرجعون إلى عبد الرحمن السلمي الفارسي، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه وعنه أخذ القرآن فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضا مثل كثير مما سبق.
وأما الرأي والتدبير فكان من أشد الناس رأيا وأصحهم تدبيرا، وهو الذي أشار إلى عمر لما عزم على أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما أشار، وهو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها، ولو قبلها لم يحدث عليه ما
حدث، وإنما قال أعداؤه لا رأي له لأنه كان متقيدا بالشريعة لا يرى خلافها ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه، وقد قال عليه السلام: لولا التقى لكنت أدهى العرب، وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه ويستوفقه، سواء كان مطابقا للشرع أولم يكن، ولا ريب أن من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لأجلها مما يرى الصلاح فيه تكون أحواله الدنياوية إلى الانتظام أقرب، ومن كان بخلاف ذلك يكون أحواله الدنياوية إلى الانتشار أقرب.
وأما السياسة فإنه كان شديد السياسة، خشنا في ذات الله، لم يراقب ابن عمه في عمل كان ولاه إياه، ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به، وأحرق قوما بالنار، ونقض دار مصقلة بن هبيرة ودار جرير بن عبد الله البجلي، وقطع جماعة صلب آخرين، ومن جملة سياسته حروبه في أيام خلافته بالجمل وصفين والنهروان، وفي أقل القليل منها مقنع، فإن كل سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه وانتقامه مبلغ العشر مما فعل عليه السلام في هذه الحروب بيده وأعوانه، فهذه هي خصائص البشر ومزاياهم، قد أوضحنا أنه فيها الامام المتبع فعله والرئيس المقتفى أثره، وما أقول في رجل يحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة، وتصور ملكوك الفرنج والروم صورته في بيعها وبيوت عباداتها حاملا سيفه مشمرا لحربه، وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها، كان على سيف عضد الدولة بن بويه وسيف أبيه ركن الدولة وكان على سيف الأرسلان وابنه ملكشاه صورته، كأنهم يتفاءلون به النصر و الظفر، وما أقول في رجل أحب كل أحد أن يتكثر به، وود كل أحد يتجمل ويتحسن بالانتساب إليه، حتى الفتوة التي أحسن ما قيل في حدها: أن لا تستحسن
من نفسك من تستقبحه من غيرك، فإن أربابها نسبوا أنفسهم إليه، وصنفوا في ذلك كتبا، وجعلوا لذلك إسنادا أنهوه إليه وقصروه عليه، وسموه سيد الفتيان، وعضدوا مذاهبهم بالبيت المشهور المروي أنه سمع من السماء يوم أحد: " لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي " وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء، وشيخ قريش ورئيس مكة، قالوا: قل أن يسود فقير وساد أبو طالب وهو فقير لا مال له، وكانت قريش تسميه الشيخ، وفي حديث عفيف الكندي: لما رأى النبي صلى الله عليه وآله يصلي في مبدء الدعوة ومعه غلام وامرأة قال: فقلت للعباس: أي شئ هذا؟ قال: هذا ابن أخي يزعم أنه رسول من الله إلى الناس، ولم يتبعه على قوله إلا هذا الغلام وهو ابن أخي أيضا، وهذه الامرأة وهي زوجته قال: فقلت:
فما الذي تقولونه أنتم؟ قال: ننتظر ما يفعل الشيخ - قال: يعني أبا طالب - وهو الذي كفل الرسول الله صلى الله عليه وآله صغيرا، وحماه وحاطه كبيرا، ومنعه من مشركي قريش، ولقي لأجله عناء عظيما، وقاسى بلاء شديدا، وصبر على نصره والقيام بأمره، وجاء في الخبر أنه لما توفي أبو طالب أوحي إليه وقيل له: اخرج منها فقد مات ناصرك، وله مع شرف هذه الأبوة أن ابن عمه محمد صلى الله عليه وآله سيد الأولين والآخرين، وأخاه جعفر ذو الجناحين الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أشبهت خلقي وخلقي، وزوجته سيدة نساء العالمين، وابنيه سيدا شباب أهل الجنة، فآباؤه آباء رسول الله وأمهاته أمهات رسول الله صلى الله عليه وآله وهو مسوط بلحمه ودمه، لم يفارقه منذ خلق الله آدم إلى أن ماز عبد المطلب، بين الأخوين عبد الله وأبي طالب
وأمهما واحدة، فكان منهما سيد الناس هذا الأول وهذا الثاني وهذا المنذر وهذا الهادي.
وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى وآمن بالله وعبده، وكل من في الأرض يعبد الحجر ويجحد الخالق، لم يسبقه أحد إلى التوحيد إلا السابق إلى كل خير محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه أول الناس اتباعا لرسول الله وإيمانا به، ولم يختلف في ذلك إلا الأقلون، وقد قال هو عليه السلام:
أنا الصديق الأكبر وأنا الفاروق الأول، أسلمت قبل إسلام الناس، وصليت قبل صلاتهم، ومن وقف على كتب أصحاب الأحاديث تحقق وعلمه واضحا، وإليه ذهب الواقدي وابن جرير الطبري، وهو القول الذي رجحه ونصره صاحب كتاب الاستيعاب وبالله التوفيق.
46 - نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام خطبها بصفين: أما بعد فقد جعل الله سبحانه لي عليكم حقا بولاية أمركم، ولكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم، فالحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف، لا يجري لاحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له، ولو كان لاحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه وتوسعا بما هو من المزيد أهله، ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافى في وجوهها ويوجب بعضها بعضا، ولا يستوجب بعضها إلا ببعض.
وأعظم اما افترض [الله] سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية، وحق
الرعية على الوالي، فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل، فجعلها نظاما لإلفتهم وعزا لدينهم، فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدى الوالي إليها حقها عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على أدلالها السنن، فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء، وإذا غلبت الرعية واليها أو أجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الأدغال في الدين، وتركت محاج السنن، فعمل بالهوى و عطلت الاحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حق عطل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذل الأبرار وتعز الأشرار، وتعظم تبعات الله سبحانه عند العباد، فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه، فليس أحد وإن اشتد على رضا الله حرصه وطال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما الله سبحانه أهله من الطاعة له، ولكن من واجب حقوق الله سبحانه على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم، والتعاون على إقامة الحق بينهم، وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فضيلته بفوق أن يعان على ما حمله الله من حقه، ولا امرؤ وإن صغرته النفوس واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه.
فأجابه رجل من أصحاب بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه و طاعته له فقال عليه السلام: إن من حق من عظم جلال الله سبحانه في نفسه وجل موضعه من قلبه أن يصغر عنده - لعظم ذلك - كل ما سواه، وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله سبحانه عليه ولطف إحسانه إليه، فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظما، وإن من أسخف حالات الولاة عند صالحي الناس أن يظن بهم حب الفخر ويوضع أمرهم على الكبر، وقد كرهت أن يكون جال
في ظنكم أني أحب الاطراء واستماع الثناء، ولست بحمد الله كذلك، ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء، وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء، فلا تثنوا علي بجميل ثناء لاخراجي نفسي إلى الله سبحانه وإليكم من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها، وفرائض لا بد من إمضائها، فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذاك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا مالا نملك من أنفسنا، وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى، وأعطانا البصيرة بعد العمى.
تبيين: قوله عليه السلام: (أوسع الأشياء في التواصف) أي كل أحد يصف الحق والعدل ويقول: لو وليت لعدلت، ولكن إذا تيسر له لم يعمل بقوله ولم ينصف الناس من نفسه ومعالم الشئ: مظانه وما يستدل به عليه، والاذلال: المجاري والطرق. واختلاف الكلمة: اختلاف الآراء والأهواء. وقال الجزري: أصل الدغل الشجر الملتف الذي يكون أهل الفساد فيه، وأدغلت في هذا الامر إذا أدخلت فيه ما يخالفه، والمحاج جمع محجة وهي جادة الطريق، واقتحمته عيني: احتقرته، والاطراء: المبالغة في المدح، قوله: (من البقية) في أكثر النسخ بالباء الموحدة، أي لا تثنوا علي لأجل ما ترون مني في طاعة الله، فإنما هو اخراج لنفسي إلى الله من حقوقه الباقية علي لم أفرغ من أدائها، وكذلك إليكم من
الحقوق التي أوجبها الله علي لكم من النصيحة والهداية والارشاد، وقيل: المعنى:
لاعترافي بين يدي الله وبمحضر منكم أن علي حقوقا في رئاستي عليكم لم أقم بها بعد، وأرجو من الله القيام بها، وفي بعض النسخ المصححة القديمة بالتاء المثناة الفوقانية، أي من خوف الله في حقوق لم أفرغ من أدائها بعد، قوله عليه السلام: (ولا تتحفظوا مني) أي لا تمتنعوا من إظهار ما تريدون إظهاره لدي خوفا من سطوتي كما هو شأن الملوك، والبادرة: الحدة وما يبدر عند الغضب، والمصانعة: المداراة والرشوة.
أقول: سيأتي تمام الخطبة في باب خطبه عليه السلام.
47 - نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام كلم به عبد الله بن زمعة وهو من شيعته و ذلك أنه قدم عليه في خلافته فطلب منه مالا فقال عليه السلام: إن هذا المال ليس لي ولا لك، وإنما هو فيئ المسلمين وجلب أسيافهم، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم، وإلا فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم.
48 - نهج البلاغة: روي أن شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين عليه السلام اشترى على عهده دارا بثمانين دينارا، فبلغه ذلك واستدعاه وقال له: بلغني أنك ابتعت دارا بثمانين دينارا وكتبت كتابا وأشهدت فيه شهودا، فقال له شريح: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فنظر إليه نظر مغضب ثم قال: يا شريح أما إنه سيأتيك من لا ينظر في كتابك، ولا يسألك عن بينتك حتى يخرجك منها شاخصا، ويسلمك إلى قبرك خالصا، فانظر يا شريح لا تكون ابتعت هذه الدار من غير مالك أو نقدت
الثمن من غير حلالك، فإذا أنت قد خسرت دار الدنيا ودار الآخرة، أما إنك لو كنت أتيتني عند شرائك ما اشتريت لكتبت لك كتابا على هذه النسخة فلم ترغب في شراء هذه الدار بدرهم فما فوقه، والنسخة هذه: هذا ما اشترى عبد ذليل من ميت قد أزعج للرحيل، اشترى منه دارا من دار الغرور من جانب الفانين وخطة الهالكين، وتجمع هذه الدار حدود أربعة: الحد الأول ينتهي إلى دواعي الآفات، والحد الثاني ينتهي إلى دواعي المصيبات، والحد الثالث ينتهي إلى الهوى المردي، والحد الرابع ينتهي إلى الشيطان المغوي وفيه يشرع باب هذه الدار، اشترى هذا المغتر بالأمل من هذا المزعج بالأجل هذه الدار بالخروج من عز القناعة والدخول في ذل الطلب والضراعة، فما أدرك هذا المشتري فيما اشترى من درك، فعلى مبلبل أجسام الملوك وسالب نفوس الجبابرة ومزيل ملك الفراعنة مثل كسرى وقيصر وتبع وحمير ومن جمع المال على المال فأكثر ومن بنى وشيد وزخرف ونجد وادخر واعتقد ونظر بزعمه للولد، إشخاصهم جميعا إلى موقف العرض والحساب وموضع الثواب والعقاب إذا وقع الامر بفصل القضاء " وخسر هنالك المبطلون " شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى وسلم من علائق الدنيا.
أمالي الصدوق: صالح بن عيسى العجلي، عن محمد بن محمد بن علي، عن محمد بن الفرج عن عبد الله بن محمد العجلي، عن عبد العظيم الحسني، عن أبيه، عن أبان مولى زيد ابن علي، عن عاصم بن بهدلة، عن شريح مثله مع زيادة سيأتي في أبواب مواعظه عليه السلام.
بيان: يقال: شخص بصره بالفتح فهو شاخص: إذا فتح عينيه وصار لا يطرف وهو كناية عن الموت، ويجوز أن يكون من شخص من البلد يعني ذهب وسار، أو من شخص السهم إذا ارتفع عن الهدف، والمراد: يخرجك منها مرفوعا محمولا على أكتاف الرجال، وسلمه إليه: أعطاه فتناوله منه، قوله عليه السلام: (خالصا) أي من الدنيا وحطامها ليس معك شئ منها، قوله عليه السلام: (فإذا أنت) في أكثر النسخ بالتنوين فهو جزاء شرط محذوف، أي لو ابتعتها كذلك فقد خسرت الدارين، وفي بعضها بالألف غير منون فتكون إذا الفجائية، كقول الله تعالى: " فإذا هم خامدون " وأزعجه: أقلقه وقلعه عن مكانه، والخطة بالكسر هي الأرض يخطها الانسان أي يعلم عليها علامة بالخط ليعمرها، ومنه خطط الكوفة والبصرة، ولعل فيه إشعارا بأن ملكهم لها ليس ملكا تاما بل من قبيل العلامة التي يعلم الانسان على أرض يريد التصرف فيها، قوله عليه السلام: (وتجمع هذه الدار) أي تحيط بها، ويقال:
أرداه أي أهلكه، قوله: (وفيه يشرع) على البناء للمجهول أي يفتح، ولعله كناية عن أن سبب شراء هذه الدار هو الشيطان وإغواؤه، أو عن أن هذه الدار تفتح باب وساوس الشيطان على الانسان، قوله عليه السلام: (بالخروج) الباء للعوض، فالخروج هو الثمن، قوله عليه السلام: (فما أدرك) ما شرطية وأدرك بمعنى لحق، واسم الإشارة مفعوله، والدرك بالتحريك التبعة، والبلبلة: الاضطراب والاختلاط وإفساد الشئ بحيث يخرج عن حد الانتفاع به، والمراد به الموت أو ملكه أو الرب تعالى شأنه، وقوله: (إشخاص) مبتدء و (على مبلبل) خبره، ويقال: نجد أي فرش المنزل بالوسائد، والتنجيد التزيين، ويجوز أن يكون المراد به هنا الرفع من النجد وهو المرتفع من الأرض، ويقال: اعتقد ضيعة ومالا أي اقتناهما.
ثم اعلم أنه يكفي لمناسبة ما يكتب في سجلات البيوع لفظ الدرك، ولا يلزم مطابقته لما هو المعهود فيها من كون الدرك لكون المبيع أو الثمن معيبا أو مستحقا للغير، فالمراد بالدرك التبعة والاثم أي ما لحق هذا المشتري من وزر وحط مرتبة
ونقص عن حظوظ الآخرة فسيجزي بها في القيامة.
أقول ويحتمل أيضا عندي أن يكون المشتري هذا الشخص من حيث كونه تابعا للهوى، ولذا وصفه تارة بالعبد الذليل أي الأسير في قيد الهوى، وبين ذلك آخرا حيث عبر عنه بالمغتر بالأمل، والبائع هذا الشخص أيضا حيث أعطاه الله العقل ونبه عقله وآذنه بالرحيل وأعلمه أنه ميت ولا بد من أن يموت، والمدرك لتلك الأمور والمخاطب بها هو النفس من حيث اشتماله على العقل، و لما كان هذا العقل شأنه تحصيل السعادات الدائمة والمثوبات الأخروية والدار الباقية وهذا المأسور في قيد الهوى استعمله في تحصيل الدار الفانية المحفوفة بالآفات والبليات وأعطاه عوضا من كسبه الخروج من عز القناعة والدخول في ذل الطلب فعلى البائع عليه دعوى الدرك في القيامة بأنك ضيعت كسبي ونقصت حظي وأبدلتني من سعيي ذلا ونقصا وهوانا، فعند ذلك يخسر المبطلون، فهذا ما خطر بالبال فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين.
49 -: العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أيوب بن الحر عن محمد بن علي الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الطعام فقال: عليك بالخل و الزيت فإنه مرئ، وإن عليا عليه السلام كان يكثر أكله، إني أكثر أكله وإنه مرئ.
50 - الكافي: العدة، عن سهل، عن علي بن أسباط، عن يعقوب بن سالم قال:
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان أمير المؤمنين عليه السلام يأكل الخل والزيت ويجعل نفقته تحت طنفسته.
51 - الكافي: محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن فاطمة بنت علي، عن أمامة بنت أبي العاص بن الربيع وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: أتاني أمير المؤمنين عليه السلام
في شهر رمضان فأتي بعشاء وتمر وكمأة، فأكل عليه السلام وكان يحب الكمأة.
52 - الكافي: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عليا كان عندكم فأتى بني ديوان فاشترى ثلاثة أثواب بدينار، القميص إلى فوق الكعب والإزار إلى نصف الساق والرداء من بين يديه إلى ثدييه ومن خلفه إلى ألييه ثم رفع يده إلى السماء فلم يزل يحمد الله على ما كساه حتى دخل منزله، ثم قال:
هذا اللباس الذي ينبغي للمسلمين أن يلبسوه، قال أبو عبد الله عليه السلام: ولكن لا يقدرون أن يلبسوا هذا اليوم، ولو فعلنا لقالوا: مجنون، ولقالوا: مراء! والله عز وجل يقول: " وثيابك فطهر " قال: وثيابك ارفعها لا تجرها، فإذا قام قائمنا كان هذا اللباس.
53 - الكافي: العدة، عن سهل، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا لبس القميص مد يده، فإذا طلع على أطراف الأصابع قطعه.
54 - الكافي: العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن الحسن الصيقل قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: تريد أريك قميص علي الذي ضرب فيه
وأريك دمه؟ قال: قلت: نعم، فدعا به وهو في سفط فأخرجه ونشره، فإذا هو قميص كرابيس يشبه السنبلاني، وإذا موضع الجيب إلى الأرض، وإذا أثر دم أبيض شبه اللبن شبه شطيب السيف، قال: هذا قميص [كرابيس] علي الذي ضرب فيه، وهذا أثر دمه، فشبرت بدنه فإذا هو ثلاثة أشبار، وشبرت أسفله فإذا هو اثنا عشر شبرا.
بيان: شطيب السيف: طرائقه التي في متنه.
55 - الكافي: أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، جميعا عن الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة بن أعين قال:
رأيت قميص علي عليه السلام الذي قتل فيه عند أبي جعفر عليه السلام فإذا أسفله اثنا عشر شبرا وبدنه ثلاثة أشبار، ورأيت فيه نضج دم.
56 - نهج البلاغة: والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها عنك؟ فقلت: أعزب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى.
ايضاح: السرى كالهدى: السير عامة الليل، وهذا مثل يضرب لمحتمل المشقة العاجلة للراحة الآجلة.
وقال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح هذا الكلام: جاء في أخبار علي عليه السلام التي ذكرها أبو عبد الله أحمد بن حنبل في كتاب فضائله وهو روايتي عن قريش بن السبيع بن المهنا العلوي، عن أبي عبد الله أحمد بن علي بن المعمر، عن المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم الصيرفي المعروف بابن الطيوري، عن محمد بن علي بن محمد بن يوسف العلاف المزني، عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه أبي عبد الله أحمد قال: قيل لعلي عليه السلام: يا أمير المؤمنين لم ترقع قميصك؟ قال: يخشع القلب و يقتدي به المؤمنون.
وروى أحمد أن عليا عليه السلام كان يطوف الأسواق مؤتزرا بإزار مرتديا برداء معه الدرة كأنه أعرابي بدوي، فطاف مرة حتى بلغ سوق الكرابيس، فقال لواحد: يا شيخ بعني قميصا بثلاثة دراهم فلما جاء أبو الغلام أخبروه، فأخذ درهما ثم جاء إلى علي عليه السلام ليدفعه إليه، فقال: ما هذا - أو قال: ما شأنه هذا - (4)؟ فقال: يا مولاي إن القميص الذي باعك ابني كان يساوي درهمين، فلم يأخذ الدرهم وقال: باعني برضاي وأخذ برضاه.
وروى أحمد عن أبي البوار بائع الخام بالكوفة قال: جاء علي بن أبي طالب عليه السلام إلى السوق ومعه غلام له، وهو خليفة، فاشترى مني قميصين وقال لغلامه: اختر أيهما شئت، فأخذ أحدهما وأخذ علي الآخر، [قال] ثم لبسه ومد يده فوجد كمه فاضلة، فقال: اقطع الفاضل، فقطعته ثم كفه وذهب.
وروى أحمد عن الصمال بن عمير قال: رأيت قميص علي عليه السلام الذي أصيب
فيه، وهو كرابيس سنبلاني، ورأيت دمه قد سال عليه كالدردي.
وروى أحمد قال: لما أرسل عثمان إلى علي وجدوه مدثرا بعباءة محتجزا، وهو يذود بعيرا له. والاخبار في هذا المعنى كثيرة وفيما ذكرناه كفاية.
57 - نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام والله لان أبيت على حسك السعدان مسهدا واجر في الأغلال مصفدا أحب إلي من [أن] ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد وغاصبا لشئ من الحطام، وكيف أظلم أحدا لنفس يسرع إلى البلى قفولها ويطول في الثرى حلولها، والله لقد رأيت عقيلا وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعا، ورأيت صبيانه شعث الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا وكرر علي القول مرددا، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقا طريقتي، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه؟ أتئن من الأذى ولا أئن من لظى؟ وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ومعجونة شنئتها كأنها عجنت بريق حية أو قيئها، فقلت: أصلة أم زكاة أم صدقة؟ فذلك كله محرم علينا أهل البيت، فقال: لا ذا ولا ذلك ولكنها هدية، فقلت: هبلتك الهبول أعن دين الله أتيتني لتخدعني أمختبط أم ذو جنة أم تهجر؟ والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيره ما فعلته، وإن دنياكم عندي لاهون من ورقة
في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ونعيم يفنى ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين.
بيان: السعدان: نبت وهو أفضل مراعي الإبل، ولهذا النبت شوك يقال له: حسك السعدان. والمسهد: الممنوع من النوم. وصفده يصفده: شده وأوثقه، وكذلك التصفيد. والحطام: ما تكسر من اليبس، شبه به متاع لفنائه.
والقفول: الرجوع من السفر، وهو إما كناية عن الشيب فإن الشباب إقبال إلى الدنيا والشيب إدبار عنها. أو الموت فإن الآخرة هي الموطن الأصلي ، فبالموت يرجع إليها أو إلى ما كان قبل تعلق الروح به، والاسناد إلى النفس مجازي أو المراد بالنفس البدن، والأظهر عندي أن القفول جمع القفل استعيرت لأوصال البدن ومفاصلها والاملاق: الفقر. قوله عليه السلام: " شعث الألوان " أي مغبر الألوان ويوصف الجوع بالغبرة. والعظلم بالكسر: النيل، وقيل: هو الوسمة. قوله عليه السلام:
" ذي دنف " أي ذي سقم مؤلم. والثكل فقدان المرأة ولدها. قوله: " شنئتها " أي أبغضتها ونفرت منها، ولعل المراد بالصلة ما يتوصل به إلى تحصيل المطلوب من المصانعة والرشوة، وبالصدقة الزكاة المستحبة. ولا يبعد حرمتها على الامام، ويحتمل أن يكون المراد بالحرمة ما يشمل الكراهة الشديدة، ويقال: هبلته أي ثكلته والهبول بفتح الهاء من النساء التي لا يبقى لها ولد، والمختبط: المصروع، وذو الجنة من به مس من الشيطان، والذي يهجر هو الذي يهذي في مرض ليس بصرع كالمحموم والمبرسم. والجلب بالضم: القشر. والقضم: الأكل بأطراف الأسنان.
السبات بالضم: النوم.
أقول: قد مضت الخطبة وشرحها، وإنما كررت لما فيهما من الاختلاف.
58 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن غياث بن مصعب، عن محمد بن حماد
عن حاتم الأصم، عن شقيق البلخي، عمن أخبره من أهل العلم قال: قال جابر بن عبد الله الأنصاري: لقيت علي بن أبي طالب عليه السلام ذات يوم صباحا فقلت: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال: بنعمة من الله وفضل من رجل لم يزر أخا ولم يدخل على مؤمن سرورا، قلت: وما ذلك (1)؟ قال: يفرج عنه كربا أو يقضي عنه دينا أو يكشف عنه فاقته، قال جابر: ولقيت عليا يوما فقلت: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال:
أصبحنا وبنا من نعم الله وفضله مالا نحصيه مع كثير ما نحصيه، فما ندري أي نعمة نشكر، أجميل ما ينشر أم قبيح ما يستر؟ قال: وقال عبد الله بن جعفر: دخلت على عمي علي عليه السلام صباحا وكان مريضا، فقلت: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال:
يا بني كيف أصبح من يفنى ببقائه ويسقم بدوائه ويؤتى من مأمنه (2)؟.
أقول : سيأتي بعض أخبار مكارمه صلوات الله عليه في خطبة الحسن عليه السلام بعد وفاته، وفي أبواب خطبه ومواعظه وسائر أبواب هذا الكتاب، وقد مر كثير منها في الأبواب السابقة.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.