بحارالانوار · أحوال الأئمة
باب جامع في
ج ۲۵، ص ۱۱۵–۱۴۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
على اشتراط الأعلمية والأشجعية في الامام ظاهر.
قال البيضاوي في تفسير الآية الأولى: لما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه رد عليهم ذلك أولا بأن العمدة فيه اصطفاء الله وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، وثانيا بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية وجسامة البدن ليكون أعظم خطرا في القلوب وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب وقد زاده فيهما.
وثالثا بأنه تعالى مالك الملك على الاطلاق، فله أن يؤتيه من يشاء.
ورابعا بأنه واسع الفضل يوسع على الفقير ويغنيه، عليم بمن يليق الملك انتهى. أقول: إذا تأملت في كلامه يظهر لك وجوه من الحجة عليه كما أومأنا إليه وقد مر سائر الآيات في أوائل هذا المجلد، وستأتي في المجلدات الآتية لا سيما المجلد التاسع فلم نوردها ههنا حذرا من التكرار.
1 - معاني الأخبار، الخصال، عيون أخبار الرضا (ع): الطالقاني عن أحمد الهمداني عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام قال: للامام علامات: يكون أعلم الناس وأحكم الناس وأتقى الناس وأحلم الناس وأشجع الناس وأسخى الناس وأعبد الناس، ويلد مختونا ويكون مطهرا، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظل.
وإذا وقع إلى الأرض من بطن أمه وقع على راحتيه رافعا صوته بالشهادتين ولا يحتلم، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ويكون محدثا، ويستوي عليه درع رسول الله صلى الله عليه وآله ولا يرى له بول ولا غائط لان الله عز وجل قد وكل الأرض بابتلاع ما يخرج منه وتكون رائحته أطيب من رائحة المسك.
ويكون أولى بالناس منهم بأنفسهم، وأشفق عليهم من آبائهم وأمهاتهم ويكون أشد الناس تواضعا لله عز وجل، ويكون آخذ الناس بما يأمر به، وأكف الناس عما ينهى عنه، ويكون دعاؤه مستجابا حتى أنه لو دعا على صخرة لانشقت بنصفين.
ويكون عنده سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسيفه: ذو الفقار، وتكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعتهم إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعدائهم إلى يوم القيامة.
وتكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعا فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصفر إهاب ماعز وإهاب كبش فيهما جميع العلوم حتى أرش الخدش، وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة عليها السلام.
الإحتجاج: الحسن بن علي بن فضال عنه عليه السلام مثله.
2 - الخصال، عيون أخبار الرضا (ع): وفي حديث آخر: إن الامام مؤيد بروح القدس، وبينه وبين الله عز وجل عمود من نور يرى فيه أعمال العباد، وكل ما احتاج إليه لدلالة اطلع عليه ويبسط له فيعلم ويقبض عنه فلا يعلم.
والامام يولد ويلد ويصح ويمرض، ويأكل ويشرب، ويبول ويتغوط، وينكح وينام، وينسى ويسهو " ويفرح ويحزن ويضحك ويبكي،
ويحيى ويموت ويقبر فيزار (ويحشر ويوقف ويعرض ويسأل، ويثاب ويكرم ويشفع.
ودلالته في العلم واستجابة الدعوة، وكل ما أخبر به من الحوادث التي تحدث قبل كونها فذلك بعهد معهود إليه من رسول الله صلى الله عليه وآله توارثه عن آبائه عنه عليهم السلام، ويكون ذلك مما عهده إليه جبرئيل عن علام الغيوب عز وجل.
وجميع الأئمة الأحد عشر بعد النبي صلى الله عليه وآله قتلوا، منهم بالسيف وهو أمير المؤمنين بعد النبي صلى الله عليه وآله، والحسين عليهما السلام والباقون قتلوا بالسم، قتل كل واحد منهم طاغوت زمانه، وجرى ذلك عليهم على الحقيقة والصحة، لا كما تقوله الغلاة والمفوضة لعنهم الله.
فإنهم يقولون: إنهم عليهم السلام لم يقتلوا على الحقيقة وإنه شبه للناس أمرهم وكذبوا، عليهم غضب الله، فإنه ما شبه أمر أحد من أنبياء الله وحججه عليهم السلام للناس إلا أمر عيسى بن مريم عليه السلام وحده لأنه رفع من الأرض حيا وقبض روحه بين السماء والأرض ثم رفع إلى السماء ورد عليه روحه وذلك قول الله عز وجل: " إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي " وقال الله عز وجل حكاية لقول عيسى يوم القيامة: " وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد ".
ويقول المتجاوزون للحد في أمر الأئمة عليهم السلام: إنه إن جاز أن يشبه أمر عيسى للناس فلم لا يجوز أن يشبه أمرهم أيضا؟ والذي يجب أن يقال لهم: إن عيسى
عليه السلام هو مولود من غير أب، فلم لا يجوز أن يكونوا مولودين من غير آباء؟ فإنهم لا يجسرون على إظهار مذهبهم لعنهم الله في ذلك، ومتى جاز أن يكون جميع أنبياء الله ورسله وحججه بعد آدم عليه السلام مولودين من الاباء والأمهات وكان عيسى من بينهم مولودا من غير أب جاز أن يشبه للناس أمره دون أمر غيره من الأنبياء والحجج عليهم السلام كما جاز أن يولد من غير أب دونهم، وإنما أراد الله عز وجل إن يجعل أمره عليه السلام آية وعلامة ليعلم بذلك أنه على كل شئ قدير.
بيان: " ويلد مختونا " كذا في أكثر نسخ " ل ون " والظاهر يولد كما في " ج " وغيره ويكون مطهرا، أي من الدم وسائر الكثافات، أو مقطوع السرة، أو مختونا فيكون، تأكيدا.
" ويرى من خلفه " يمكن أن يقرأ في الموضعين بالكسر حرف جر، وبالفتح اسم موصول، وعلى الأول مفعول " يرى " محذوف، أي الأشياء، والظاهر أن الرؤية في الأول بمعنى العلم، فإن الرؤية الحقيقية لا تكون إلا بشرائطها.
وما يقال: من أن الرؤية بمعنى العلم يتعدى إلى مفعولين، وبالعين إلى مفعول واحد فهو إذا استعمل في العلم حقيقة، وأما إذا استعمل في الرؤية بالعين ثم استعير للعلم للدلالة على غاية الانكشاف فيتعدى إلى مفعول واحد كما مر من قول أمير المؤمنين عليه السلام: " لم أكن لأعبد ربا لم أره ".
ثم قال عليه السلام: " لم تره العيون بمشاهدة الابصار ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان " وأمثال ذلك كثيرة.
وما قيل: من أن الله تعالى خلق لهم إدراكا في القفا كما يخلق النطق في اليد والرجل في الآخرة، أو أنه كان ينعكس شعاع أبصارهم إذا وقع على ما يقابله كما في المرآة، فهما تكلفان مستغنى عنهما.
والقول بأن يدركوا بالعين ما ليس بمقابل لها من باب خرق العادة بناء على أن شروط الابصار إنما هي بحسب العادة فيجوز أن تنخرق فيخلق الله الابصار في غير العين من الأعضاء فيرى المرئي، أو يرى بالعين ما لا يقابله فهي إنما يستقيم على أصول الأشاعرة المجوزين للرؤية على الله سبحانه، وأما على أصول المعتزلة والامامية فلا يجري هذا الاحتمال والله أعلم بحقيقة الحال.
ويستوي عليه درع رسول الله، كأن هذه غير الدرع ذات الفضول التي استواؤها من علامات القائم عليه السلام، كما سيأتي في محله أو المعنى أن هذه من علامات الأئمة عليهم السلام، وإن كان بعضها مختصا ببعضهم، والأول أظهر.
ويكون أولى بالناس، يحتمل أن يكون هذا أيضا من معجزاته وصفاته لا من أحكامه كسائر ما في الخبر، أي يسخر الله له قلوب شيعته بحيث يكون عندهم اضطرارا أولى من أنفسهم، ويفدون أنفسهم دونه، ولعله أنسب بسياق الخبر.
3 - الإرشاد: ابن قولويه عن الكليني عن أحمد بن محمد بن مهران عن محمد بن علي عن الحسن بن الجهم قال: كنت مع أبي الحسن عليه السلام جالسا فدعا بابنه وهو صغير فأجلسه في حجري وقال لي: جرده وانزع قميصه: فنزعته فقال لي: انظر بين كتفيه قال: فنظرت فإذا في أحد كتفيه شبه الخاتم داخل اللحم، ثم قال لي: أترى هذا؟ مثله في هذا الموضع كان من أبي عليه السلام.
بيان: ظاهره أن للامام أيضا علامة في جسده تدل على إمامته عليه السلام كخاتم النبوة، ويحتمل اختصاصها بالامامين عليهم السلام.
4 - إكمال الدين، معاني الأخبار، أمالي الصدوق، عيون أخبار الرضا (ع): الطالقاني عن القاسم بن محمد الهاروني عن عمران بن موسى عن الحسن بن قاسم الرقام عن القاسم بن مسلم عن أخيه عبد العزيز بن مسلم قال: كنا في أيام علي بن موسى الرضا عليه السلام بمرو فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم جمعة في بدء مقدمنا
فأدار الناس أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيدي ومولاي الرضا عليه السلام فأعلمته ما خاض الناس فيه، فتبسم ثم قال: يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن أديانهم، إن الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيه صلى الله عليه وآله حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شئ بين فيه الحلال والحرام والحدود والاحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا، فقال عز وجل: " ما فرطنا في الكتاب من شئ " وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره صلى الله عليه وآله: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " فأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض عليه السلام حتى بين لامته معالم دينه وأوضح لهم سبله وتركهم على قصد الحق وأقام لهم عليا عليه السلام علما وأماما وما ترك شيئا تحتاج إليه الأمة إلا بينه.
فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله عز وجل، ومن رد كتاب الله فهو كافر، هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة؟ فيجوز فيها اختيارهم إن الإمامة أجل قدرا وأعظم شأنا وأعلى مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماما باختيارهم.
إن الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة وفضيلة شرفه بها وأشاد بها ذكره فقال عز وجل: " إني جاعلك للناس
إماما " فقال الخليل عليه السلام سرورا بها: " ومن ذريتي " قال الله عز وجل: " لا ينال عهدي الظالمين " فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة.
ثم أكرمه الله بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال عز وجل:
" ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ".
فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها النبي صلى الله عليه وآله فقال الله جل جلاله: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " فكانت له خاصة فقلدها صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام بأمر الله عز وجل على رسم ما فرضها الله، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والايمان بقوله عز وجل: " وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث " فهي في ولد علي عليه السلام خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله، فمن أين يختار هؤلاء الجهال (7)؟
إن الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء، إن الإمامة خلافة الله عز وجل وخلافة الرسول ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين عليها السلام، إن الإمامة رمام
الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، إن الإمامة أس الاسلام النامي، وفرعه السامي، بالامام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفئ والصدقات وإمضاء الحدود والاحكام ومنع الثغور والأطراف.
والامام يحلل حلال الله ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة، الامام كالشمس الطالعة للعام وهي في الأفق بحيث لا تناله الأيدي والابصار، الامام البدر المنير والسراج الزهر والنور الساطع والنجم الهادي في غياهب الدجى والبلد القفار ولجج البحار.
الامام الماء العذب على الظمأ والدال على الهدى والمنجي من الردى الامام النار على اليفاع، الحار لمن اصطلى به، والدليل في المهالك من فارقه فهالك.
الامام السحاب الماطر والغيث الهاطل والشمس المضيئة والسماء الظليلة والأرض البسيطة والعين الغزيرة والغدير والروضة، الامام الأمين الرفيق والأخ الشفيق
ومفزع العباد في الداهية.
الامام أمين الله في أرضه وحجته على عباده وخليفته في بلاده الداعي إلى الله والذاب عن حرم الله، الامام المطهر من الذنوب المبرأ من العيوب مخصوص بالعلم موسوم بالحلم نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين.
الامام واحد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب، فمن ذا الذي يبلغ معرفة الامام ويمكنه اختياره؟
هيهات هيهات ضلت العقول وتاهت الحلوم وحارت الألباب وحسرت العيون وتصاغرت العظماء وتحيرت الحكماء وتقاصرت الحلماء وحصرت الخطباء وجهلت الألباء وكلت الشعراء وعجزت الأدباء وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فصائله فأقرت بالعجز والتقصير.
وكيف يوصف أو ينعت بكنهه أو يفهم شئ من أمره أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناءه، لا كيف وأنى وهو بحيث النجم من أيدي المتناولين ووصف الواصفين؟ فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ أو أين يوجد مثل هذا؟
ظنوا أن ذلك يوجد في غير آل الرسول صلى الله عليهم كذبتهم والله أنفسهم ومنتهم الباطل فارتقوا مرتقا صعبا دحضا تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الامام بعقول حائرة بائرة ناقصة وآراء مضلة فلم يزدادوا منه إلا بعدا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، لقد راموا صعبا، وقالوا إفكا وضلوا ضلالا بعيدا، ووقعوا في الحيرة إذا تركوا الامام عن بصيرة، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل و كانوا مستبصرين.
رغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله إلى اختيارهم والقرآن يناديهم: " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون " وقال عز وجل: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " وقال عز وجل: " ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون أو لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون سلهم أيهم بذلك زعيم أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ".
وقال عز وجل: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " أم طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون: أم قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون وقالوا سمعنا وعصينا بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
فكيف لهم باختيار الامام؟ والامام عالم لا يجهل، داعي لا ينكل، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة الرسول عليه السلام وهو نسل المطهرة البتول لا مغمز فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حسب، في البيت من قريش والذروة من هاشم، والعترة من آل الرسول، والرضا من الله، شرف الاشراف، والفرع من عبد مناف.
نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة قائم بأمر الله، ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله.
إن الأنبياء والأئمة يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه مالا يؤتيه غيرهم فيكون علمهم فوق كل علم أهل زمانهم في قوله تبارك وتعالى: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون " وقوله عز وجل: " ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " وقوله عز وجل في طالوت: " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم " وقال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله: " وكان فضل الله عليك عظيما " وقال عز وجل في الأئمة من أهل بيته وعترته وذريته: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ".
وإن العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاما، فلم يعي بعده بجواب، ولا يحير فيه عن الصواب، وهو معصوم مؤيد موفق مسدد قد أمن الخطايا والزلل والعثار، يخصه الله عز وجل بذلك ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه.
من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فهل يقدرون على مثل هذا فيختاره؟ أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدموه (1)؟ تعدوا وبيت الله الحق، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، وفي كتاب الله الهدى والشفاء، فنبذوه واتبعوا أهواءهم فذمهم الله ومقتهم وأتعسهم فقال عز وجل: " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين " وقال عز وجل: " فتعسا لهم وأضل أعمالهم " وقال عز وجل: " كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار " قال: وحدثني بهذا الحديث ابن عصام والدقاق والوراق والمكتب والحسن بن أحمد المؤدب جميعا عن الكليني عن أبي محمد القاسم بن العلاء عن القاسم بن مسلم عن أخيه عنه عليه السلام. أمالي الصدوق: ابن المتوكل عن الكليني مثله.
الإحتجاج: القاسم بن مسلم عن أخيه عنه عليه السلام مثله. تحف العقول: عبد العزيز مثله.
الغيبة للنعماني: الكليني عن القاسم بن العلاء عن عبد العزيز بن مسلم عنه عليه السلام مثله. الكافي: أبو محمد عن القاسم بن العلاء عن عبد العزيز بن مسلم مثله. بيان: قوله عليه السلام: وخدعوا عن أديانهم، أي خدعهم الشيطان صارفا لهم عن أديانهم، وفي الكافي: عن آرائهم، فعن تعليلية. قوله تعالى: " ما فرطنا " الاستشهاد بالآية على وجهين: الأول أن الإمامة أعظم الأشياء فيجب أن يكون مبينا فيه.
الثاني أنه تعالى أخبر ببيان كل شئ في القرآن، ولا خلاف في أن غير الامام لا يعرف كل شئ من القرآن، فلا بد من وجود الامام المنصوص، وعلى التقديرين مبنى الاستدلال على كون المراد بالكتاب القرآن كما هو الظاهر: وقيل: هو اللوح.
قوله عليه السلام: من تمام الدين، أي لا شك أنه من أمور الدين بل أعظمها كيف لا وقد قدموه على تجهيز الرسول صلى الله عليه وآله الذي كان من أوجب الأمور، فلابد أن يكون داخلا فيما بلغه صلى الله عليه وآله وسلم. والقصد: الطريق الوسط. والإضافة بيانية.
إلا بينه، لعلي عليه السلام أو للناس بالنص عليه. قوله عليه السلام: هل يعرفون، الغرض أن نصب الإمام موقوف على العلم بصفاته وشرايط الإمامة، وهم جاهلون بها، فكيف يتيسر لهم نصبه وتعيينه.
قوله: وأمنع جانبا، أي جانبه أشد منعا من أن يصل إليه يد أحد. والإشادة رفع الصوت بالشئ، يقال: أشاده وأشاد به: إذا أشاعه ورفع ذكره.
وصارت في الصفوة مثلثة، أي أهل الطهارة والعصمة، أو أهل الاصطفاء والاختيار والنافلة: العطية الزائدة، أو ولد الولد. يهدون بأمرنا، إي لا بتعيين الخلق. قرنا فقرنا منصوبان على الظرفية. قوله تعالى: " إن أولى الناس بإبراهيم " أي أخصهم وأقربهم، من الولي بمعنى القرب، أو أحقهم بمقامه، والاستدلال بالآية مبني على أن المراد بالمؤمنين فيها الأئمة عليهم السلام، أو على أن تلك الإمامة انتهت إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو لم يستخلف غير علي عليه السلام بالاتفاق.
قوله: وقال الذين أوتوا العلم، أقول: قبل هذه الآية قوله تعالى: " ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون " فالظاهر أن هذا جواب قول المجرمين: والقائل هم الذين أوتوا العلم والايمان، ومصداقهم الأكمل النبي والأئمة صلوات الله عليهم، أو هم المقصودون لا غيرهم.
وربما يوهم ظاهر الخبر أن المخاطب هم الأئمة عليهم السلام، والمراد لبثهم في علم الكتاب لكن لا يساعده سابقه ولاحقه.
نعم قال علي بن إبراهيم: هذه الآية مقدمة ومؤخرة، وإنما هو: " وقال الذين أوتوا العلم والايمان في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث " وهو لا ينافي ما ذكرنا قوله عليه السلام: إذ لا نبي، إما تعليل لكون الخلافة فيهم، والتقريب أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله حتى يجعل الإمامة في غيرهم بعد جعل النبي صلى الله عليه وآله فيهم، أو لكونهم أئمة لا أنبياء، أو لامتداد ذلك إلى يوم القيامة، والتقريب ظاهر، وهو قريب من الأول.
منزلة الأنبياء، أي منزلة لهم ولمن هو في مثلهم أو كانت لهم فيجب أن ينتقل إلى من هو مثلهم.
والزمام: الخيط الذي يشد في طرفه المقود، وقد يطلق علي المقود. والأس:
أصل البناء. والسامي: العالي، والثغور: حدود بلاد الاسلام المتصلة ببلاد الكفر.
والذب المنع والدفع، والفعل كنصر.
قوله عليه السلام: لا تناله الأيدي أي أيدي الأوهام والعقول. والساطع: المرتفع.
والغيهب: الظلمة وشدة السواد. والدجى بضم الدال: الظلمة، والإضافة للمبالغة واستعير لظلمات الفتن والشكوك والشبهة، وفي الكافي: " وأجواز البلدان القفار " وجوز كل شئ: وسطه. والقفار جمع القفر وهو مفازة لا نبات فيها ولا ماء، وفي الاحتجاج: " والبيد القفار " جمع البيداء وهو أظهر، واللجة بالضم: معظم الماء.
والظمأ بالتحريك: شدة العطش. والردى: الهلاك. والبقاع: ما ارتفع من الأرض.
والاصطلاء افتعال من الصلي بالنار وهو التسخن بها والهطل بالسكون والتحريك:
تتابع المطر وسيلانه. والغزيرة: الكثيرة.
قوله عليه السلام: الأمين، في الكافي: " الأنيس الرفيق والوالد الشفيق والأخ الشقيق " وإنما وصف الأخ بالشقيق لأنه شق نسبه من نسبه، وبعده: " والام البرة بالولد الصغير ومفزع العباد في الداهية الناد " يقال: ند أي شرد ونفر، والأظهر أنه مهموز كسحاب أو كحبالى، في القاموس: نأد الداهية فلانا: دهته، والنآد كسحاب والنآدى كحبالى: الداهية، وفي الصحاح: النآد والنأدى: الداهية. قال الكميت:
فإياكم وداهية نآدى * أظلتكم بعارضها المخيل.
قوله عليه السلام: الذاب عن حرم الله، الحرم بضم الحاء وفتح الراء جمع الحرمة وهي ما لا يحل انتهاكه وتضييعه، أي يدفع الضرر والفساد عن حرمات الله، وهي ما عظمها وأمر بتعظيمها من بيته وكتابه وخلفائه وفرائضه وأوامره ونواهيه. والبوار:
الهلاك. والحلوم أيضا: العقول كالألباب.
وضلت وتاهت وحارت متقاربة المعاني، وحسر بصره كضرب أي كل وانقطع نظره من طول مدى وما أشبه ذلك. وفي الكافي: " خسئت " كمنعت بمعناه. ويقال:
تصاغرت إليه نفسه، أي صغرت. والتقاصر مبالغة في القصر أو إظهاره كالتطاول.
وحصر كعلم: عيي في المنطق، ويقال: ما يغني عنك هذا، أي ما ينفعك ويجديك.
والغناء بالفتح: النفع.
" لا " تصريح بالانكار المفهوم من الاستفهام حذفت الجملة لدلالة ما قبلها على المراد، أي لا يوصف إلى آخر الجمل " كيف " تكرار للاستفهام الانكاري الأول تأكيدا. و " أنى " مبالغة أخرى بالاستفهام الانكاري عن إمكان الوصف وما بعده.
وهو بحيث النجم، الواو للحال، والباء بمعنى " في " والخبر محذوف، أي مرئى، لان حيث لا يضاف إلا إلى الجمل. من أيدي المتناولين متعلق بحيث.
قوله عليه السلام: كذبتهم، أي قال لهم كذبا ، أو بالتشديد، أي إذا رجعوا إلى أنفسهم شهدت أنفسهم بكذب مقالهم. قوله: ومنتهم الباطل، وفي كا وغيره: " الأباطيل "
أي ألقت في أنفسهم الأماني، ويقال: منه السير أي أضعفه وأعياه.
ويقال: مكان دحض ودحض بالتحريك، أي زلق، وفي القاموس: رجل حائر بائر، أي لم يتجه لشئ ولا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا. قوله عليه السلام: " أم طبع الله على قلوبهم " هذا من كلامه عليه السلام اقتبسه من الآيات، وليس في القرآن بهذا اللفظ، وكذا قوله: " أم قالوا سمعنا " وفى القرآن هكذا: " ولا تكونوا كالذين قالوا " وكذا قوله: " وقالوا سمعنا وعصينا " وإن كان موافقا للفظ الآية كما لا يخفى وكذا قوله: " بل هو فضل الله " لعدم الموافقة ووجه الاستدلال بالآيات ظاهر وتفسيرها موكول إلى مظانها.
وأما قوله تعالى: " ولو أسمعهم لتولوا " فلم يرد به العموم بأن يكون المراد ولو أسمعهم علي أي وجه كان لتولوا حتى ينتج ولو علم الله فيهم خيرا لتولوا، بل المراد أنه لو أسمعهم وهم على تلك الحال التي لا يعلم الله فيهم خيرا لتولوا، فهو كالتأكيد والتعليل للسابق. وقد أجيب عنه بوجوه لا يسمن ولا يغني من جوع ولا نطيل الكلام بايرادها.
قوله: لا ينكل بالضم أي لا يجبن. والنسك بالضم: العبادة والجمع بضمتين . قوله عليه السلام: بدعوة الرسول، أي بدعوة الخلق نيابة عن الرسول، كما قال النبي صلى الله عليه وآله: " لا يبلغه إلا أنا أو رجل مني " وكما قال تعالى: " أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني " أو بدعاء الرسول صلى الله عليه وآله إياه للإمامة، أو بدعاء الرسول له في قوله: " اللهم وال من والاه " وقوله: " اللهم أذهب عنهم الرجس " وقوله:
" اللهم ارزقهم فهمي وعلمي " وغيرها.
قوله: لا مغمز، أي لا مطعن. ويقال: فلان مضطلع بهذا الامر، أي قوي عليه.
قوله: قائم بأمر الله، أي لا باختيار الأمة، أو باجراء أمر الله. قوله: في قوله تعالى متعلق بمقدر، أي ذلك مذكور في قوله تعالى، ويحتمل أن يكون تعليلية.
قوله: وقال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله في الكافي بعد ذلك: " أنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما " والغرض من ايراد هذه الآية أن الله تعالى أمتن على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بانزال الكتاب والحكمة وإيتاء نهاية العلم، وعد ذلك فضلا عظيما، وأثبت ذلك الفضل لجماعة من تلك الأمة بأنهم المحسودون على ما آتاهم الله من فضله، ثم بين أنهم من آل إبراهيم، فهم الأئمة عليهم السلام، والفضل العلم والحكمة والخلافة، مع أنه يظهر من الآيتين أن الفضل والشرف بالعلم والحكمة، ولا ريب في أنهم عليهم السلام أعلم من غيرهم من المدعين للخلافة، ومنه يظهر وجه الاستشهاد بقوله تعالى: " ومن يؤتى الحكمة " والتعس:
الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد والانحطاط.
5 - قرب الإسناد: محمد بن خالد الطيالسي عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: دخلت عليه فقلت: جعلت فداك بم يعرف الامام؟ فقال:
بخصال: أما أولهن فشئ تقدم من أبيه فيه وعرفه الناس ونصبه لهم علما حتى يكون حجة عليهم، لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصب عليا وعرفه الناس، وكذلك الأئمة يعرفونهم الناس وينصبونهم لهم حتى يعرفوه، ويسأل فيجيب، ويسكت عنه فيبتدئ ويخبر الناس بما في غد، ويكلم الناس بكل لسان، فقال لي: يا أبا محمد الساعة قبل أن تقوم أعطيك علامة تطمئن إليها.
فوالله ما لبثت أن دخل علينا رجل من أهل خراسان فتكلم الخراساني بالعربية فأجابه هو بالفارسية، فقال له الخراساني: أصلحك الله ما منعني أن أكلمك بكلامي إلا أني ظننت أنك لا تحسن، فقال: سبحان الله إذا كنت لا أحسن أجيبك فما فضلي عليك؟ ثم قال: يا أبا محمد إن الامام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شئ فيه روح، بهذا يعرف الامام، فإن لم تكن فيه هذه الخصال فليس هو بامام.
6 - عيون أخبار الرضا (ع): تميم القرشي عن أبيه عن أحمد بن علي الأنصاري عن الحسن بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون يوما وعنده علي بن موسى الرضا عليه السلام وقد اجتمع الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة فسأله بعضهم فقال له: يا بن رسول الله بأي شئ تصح الإمامة لمدعيها؟ قال: بالنص والدلائل. قال له: فدلالة الامام فيما هي؟ قال: في العلم واستجابة الدعوة، قال: فما وجه إخباركم بما يكون؟ قال: ذلك بعهد معهود إلينا من رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فما وجه إخباركم بما في قلوب الناس؟
قال عليه السلام: أما بلغك قول الرسول صلى الله عليه وآله: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله "؟ قال: بلى، قال: فما من مؤمن إلا وله فراسة ينظر بنور الله على قدر إيمانه ومبلغ استبصاره وعلمه وقد جمع الله للأئمة منا ما فرقه في جميع المؤمنين، وقال عز وجل في كتابه: " إن في ذلك لايات للمتوسمين ".
فأول المتوسمين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أمير المؤمنين عليه السلام من بعده، ثم الحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين إلى يوم القيامة، قال: فنظر إليه المأمون فقال له:
يا أبا الحسن زدنا مما جعل الله لكم أهل البيت.
فقال الرضا عليه السلام: إن الله عز وجل قد أيدنا بروح منه مقدسة مطهرة ليست بملك لم تكن مع أحد ممن مضى إلا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهي مع الأئمة منا تسددهم وتوفقهم، وهو عمود من نور بيننا وبين الله عز وجل، قال له المأمون: يا أبا الحسن بلغني أن قوما يغلون فيكم ويتجاوزون فيكم الحد.
فقال له الرضا عليه السلام: حدثني أبي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا ترفعوني فوق حقي فإن الله تبارك
وتعالى اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا " قال الله تبارك وتعالى: " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون " وقال علي عليه السلام: " يهلك في اثنان ولا ذنب لي: محب مفرط، ومبغض مفرط ".
وإنا لنبرأ إلى الله عز وجل ممن يغلو فينا فيرفعنا فوق حدنا كبراءة عيسى بن مريم عليه السلام من النصارى، قال الله عز وجل: " وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد ".
وقال عز وجل: " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون " " وقال عز وجل: " ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمة صديقة كانا يأكلان الطعام " ومعناه أنهما كانا يتغوطان، فمن ادعى للأنبياء ربوبية أو ادعى للأئمة ربوبية أو نبوة أو لغير الأئمة إمامة فنحن منه براء في الدنيا والآخرة.
فقال المأمون: يا أبا الحسن فما تقول في الرجعة؟ فقال الرضا عليه السلام: إنها الحق وقد كانت في الأمم السالفة ونطق بها القرآن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يكون في هذه الأمة كل ما كان في الأمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة " وقال
عليه السلام: " إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسى بن مريم عليه السلام فصلى خلفه " وقال عليه السلام: " بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء، قيل: يا رسول الله ثم يكون ماذا؟ قال ثم يرجع الحق إلى أهله ".
فقال المأمون: يا أبا الحسن فما تقول في القائلين بالتناسخ؟ فقال الرضا عليه السلام:
من قال بالتناسخ فهو كافر بالله العظيم يكذب بالجنة والنار، فقال المأمون: فما تقول في المسوخ؟ قال الرضا عليه السلام: أولئك قوم غضب الله عليهم فمسخهم فعاشوا ثلاثة أيام ثم ماتوا ولم يتناسلوا فما يوجد في الدنيا من القردة والخنازير وغير ذلك مما أوقع عليه اسم المسوخية فهي مثلها لا يحل أكلها والانتفاع بها.
قال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن، والله ما يوجد العلم الصحيح إلا عند أهل هذا البيت، وإليك انتهى علوم آبائك، فجزاك الله عن الاسلام و أهله خيرا.
قال الحسن بن جهم: فلما قام الرضا عليه السلام تبعته فانصرف إلى منزله فدخلت عليه وقلت له: يا بن رسول الله الحمد لله الذي وهب لك من جميل رأي أمير المؤمنين ما حمله على ما أرى من إكرامه لك وقبوله لقولك، فقال عليه السلام: يا بن الجهم لا يغرنك ما ألفيته عليه من إكرامي والاستماع مني فإنه سيقتلني بالسم وهو ظالم لي، أعرف ذلك بعهد معهود إلي من آبائي عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فاكتم هذا علي ما دمت حيا.
قال الحسن بن الجهم: فما حدثت أحدا بهذا الحديث إلى أن مضى الرضا عليه السلام
بطوس مقتولا بالسم، ودفن في دار حميد بن قحطبة الطائي في القبة التي فيها قبر هارون إلى جانبه.
بيان: القذة بالضم: ريش السهم بدأ الاسلام غريبا، أي في زمان شاع الكفر ويعد مستغربا ويقل أهله ومن يقبله، وسيعود كذلك في زمان القائم عليه السلام عند انقطاع الاسلام والايمان فطوبى للتابعين للحق في ذلك الزمان أو في الزمانين، قال في النهاية فيه إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء.
أي إنه كان في أول أمره كالغريب الوحيد الذي لا أهل له عنده لقلة المسلمين يومئذ. وسيعود غريبا كما كان، أي يقل المسلمون في آخر الزمان فيصيرون كالغرباء فطوبى للغرباء، أي الجنة لأولئك المسلمين الذين كانوا في أول الاسلام ويكونون في آخره وإنما خصهم بها لصبرهم على أذى الكفار أولا وآخرا، ولزومهم دين الاسلام.
6 - الخصال: أبي عن محمد العطار عن الأشعري عن عبد الصمد بن محمد عن حنان بن سدير عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه، قال: إن الإمامة لا تصلح إلا لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن المحارم، وحلم يملك به غضبه، وحسن الخلافة على من ولى عليه حتى يكون له كالوالد الرحيم.
7 - الخصال: أبي عن محمد العطار عن ابن أبي الخطاب عن البزنطي قال: سئل أبو الحسن عليه السلام الامام بأي شئ يعرف بعد الامام؟ قال: إن للامام علامات: أن يكون أكبر ولد أبيه بعده، ويكون فيه الفضل، وإذا قدم الراكب المدينة قال:
إلى من أوصى فلان؟ قالوا: إلى فلان، والسلاح فينا بمنزلة التابوت في بني إسرائيل يدور مع السلاح حيث كان.
الكافي: محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن البزنطي مثله.
8 - الخصال: أبي عن محمد العطار عن الأشعري عن الخشاب عن يزيد بن إسحاق شعر عن الغنوي عن عبد الاعلى قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما الحجة على المدعي لهذا الامر بغير حق؟ قال: ثلاثة من الحجة لم يجتمعن في رجل إلا كان صاحب هذا الامر: أن يكون أولى الناس بمن قبله، ويكون عنده سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله، ويكون صاحب الوصية الظاهرة الذي إذا قدمت المدينة سألت العامة والصبيان: إلى من أوصى فلان؟ فيقولون: إلى فلان.
الكافي: محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن يزيد شعر مثله بيان: أولى الناس بمن قبله، أي في النسب أو في الخلطة والعلم والاخلاص، والأول أظهر كما مر.
9 - الخصال: أبي عن محمد العطار عن الأشعري عن محمد بن الوليد عن حماد بن عثمان عن الحارث بن المغيرة النضري قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بما يعرف صاحب هذا الامر؟ قال: بالسكينة والوقار والعلم والوصية.
بصائر الدرجات: الحسين بن محمد عن المعلى عن محمد بن جمهور عن موسى عن حنان عن الحارث مثله.
10 - الخصال: أبي عن أحمد بن إدريس عن ابن عيسى عن محمد بن سنان عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك إذا مضى عالمكم أهل البيت فبأي شئ يعرفون من يجيئ بعده؟ قال: بالهدي والاطراق وإقرار آل محمد له بالفضل ولا يسئل عن شئ مما بين صدفيها إلا أجاب فيه.
بصائر الدرجات: الحسين بن محمد عن أبي جعفر محمد بن الربيع عن رجل من أصحابنا عن الجارود مثله.
بيان: الهدي: السيرة الحسنة، ويحتمل الهدى بالضم، والاطراق لعله أراد به السكوت في حال التقية، أو كناية عن السكينة والوقار، قال الفيروزآبادي: أطرق سكت ولم يكلم وأرخى عينيه ينظر إلى الأرض. وقوله: بين صدفيها، إي جميع الأرض، فإن الجبل محيط بالدنيا، وصدف الجبل هو ما قابلك من جانبه، وفي البصائر " بين دفتين " ودافتا المصحف ضامتاه كناية عن الكل.
11 - بصائر الدرجات: عمران بن موسى عن محمد بن الحسين عن عبيس بن هشام عن الحسين بن يونس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أراد الله أن يخلق إماما أخذ الله بيده شربة من تحت عرشه فدفعه إلى ملك من ملائكته فأوصلها إلى الامام فكان الامام من
بعده منها، فإذا مضت عليه أربعون يوما سمع الصوت وهو في بطن أمه فإذا ولد أوتي الحكمة، وكتب على عضده الأيمن: " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ".
فإذا كان الامر يصل إليه أعانه الله بثلاثمائة وثلاثة عشر ملكا بعدد أهل بدر وكانوا معه ومعهم سبعون رجلا واثنا عشر نقيبا، فأما السبعون فيبعثهم إلى الآفاق يدعون الناس إلى ما دعوا إليه أولا، ويجعل الله له في كل موضع مصباحا يبصر به أعمالهم.
الخرائج: عن يونس مثله.
12 - الخصال: العجلي عن ابن زكريا القطان عن ابن حبيب عن ابن بهلول عن أبي معاوية عن سليمان بن مهران عن أبي عبد الله عليه السلام قال: عشر خصال من صفات الامام: العصمة، والنصوص وأن يكون أعلم الناس، وأتقاهم لله، وأعلمهم بكتاب الله، وأن يكون صاحب الوصية الظاهرة، ويكون له المعجز والدليل، و تنام عينه ولا ينام قلبه، ولا يكون له فئ، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه.
قال الصدوق رحمة الله عليه: معجز الامام ودليله في العلم واستجابة الدعوة فأما إخباره بالحوادث التي تحدث قبل حدوثها فذلك بعهد معهود إليه من رسول الله
صلى الله عليه وآله، وإنما لا يكون له فئ لأنه مخلوق من نور الله عز وجل، وأما رؤيته من خلفه كما يرى من بين يديه فذلك بما أوتي من التوسم والتفرس في الأشياء قال الله عز وجل: إن في ذلك لآيات للمتوسمين.
13 - معاني الأخبار: إبراهيم بن هارون العبسي عن ابن عقدة عن جعفر بن عبد الله عن كثير بن عياش عن أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر الباقر عليه السلام بم يعرف الامام؟
قال: بخصال: أولها نص من الله تبارك وتعالى عليه، ونصبه علما للناس حتى يكون عليهم حجة، لان رسول الله صلى الله عليه وآله نصب عليا وعرفه الناس باسمه وعينه، و كذلك الأئمة عليهم السلام ينصب الأول الثاني، وأن يسأل فيجيب، وأن يسكت عنه فيبتدئ، ويخبر الناس بما يكون في غد، ويكلم الناس بكل لسان ولغة.
قال الصدوق رحمه الله: إن الامام إنما يخبر بما يكون في غد بعهد واصل إليه من رسول الله صلى الله عليه وآله، وذلك مما نزل به عليه جبرئيل من أخبار الحوادث الكائنة إلى يوم القيامة.
بيان: الأخبار المتواترة الدالة على كون الامام محدثا وأنه مؤيد بروح القدس وأن الملائكة والروح تنزل عليه في ليلة القدر وغيرها تغني عن هذا التكلف وإن كان له وجه صحة، وسيأتي تمام القول في ذلك في أبواب العلم 14 - التوحيد: أبي عن سعد عن ابن عيسى عن ابن أبي عمير عن محمد بن حمران عن الفضل بن السكن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: اعرفوا لله بالله والرسول بالرسالة، وأولي الأمر بالمعروف والعدل والاحسان.
15 - بصائر الدرجات: محمد بن عبد الجبار عن أبي عبد الله البرقي عن فضالة عن عبد الحميد
بن نصر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ينكرون الامام المفترض الطاعة ويجحدون به والله ما في الأرض منزلة أعظم عند الله من مفترض الطاعة، فقد كان إبراهيم دهرا ينزل عليه الامر من الله وما كان مفترض الطاعة حتى بدا لله أن يكرمه ويعظمه فقال:
" إني جاعلك للناس إماما " فعرف إبراهيم ما فيها من الفضل فقال: " ومن ذريتي فقال لا ينال عهدي الظالمين " قال أبو عبد الله عليه السلام: أي إنما هي ذريتك لا يكون في غيرهم.
بيان: قوله: عليه السلام: وما كان مفترض الطاعة أي كان نبيا ولم يكن مرسلا أو كان رسولا ولم تعم رسالته لجميع أهل الأرض، أو لم يكن إماما مفترض الطاعة لكل من يأتي بعده من الأنبياء، وأما قوله عليه السلام أي إنما هي في ذريتك، فلعل المراد به أن الله تعالى لما علم أنه لا يكون المعصوم إلا في ذرية إبراهيم عليه السلام قال:
" لا ينال عهدي الظالمين " أي لا تكون الإمامة إلا في المعصومين فلا ينالها غير ذريتك وعلى هذا التأويل الجواب أشد مطابقة للسؤال، والله أعلم بحقيقة الحال.
16 - علل الشرائع: ابن المتوكل عن السعد آبادي عن البرقي عن أبيه عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه قال: سأل ضرار هشام ابن الحكم عن الدليل على الامام بعد النبي صلى الله عليه وآله فقال هشام: الدلالة عليه ثمان دلالات، أربعة منها في نعت نسبه وأربعة في نعت نفسه، أما الأربعة التي في نعت نسبه فأن يكون معروف القبيلة، معروف الجنس، معروف النسب، معروف البيت.
وذلك أنه إذا لم يكن معروف القبيلة معروف الجنس معروف النسب معروف البيت جاز أن يكون في أطراف الأرض وفي كل جنس من الناس، فلما لم يجز أن
يكون إلا هكذا ولم نجد جنسا في العالم أشهر من جنس محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو جنس العرب الذي منه صاحب الملة والدعوة الذي ينادى باسمه في كل يوم وليلة خمس مرات على الصوامع في المساجد في جميع الأماكن: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله " ووصل دعوته إلى كل بر وفاجر من عالم وجاهل معروف غير منكر في كل يوم وليلة فلم يجز أن يكون الدليل إلا في أشهر الأجناس.
ولما لم يجز أن يكون إلا في هذا الجنس لشهرته لم يجز إلا أن يكون في هذه القبيلة التي منها صاحب الملة دون سائر القبائل من العرب، ولما لم يجز إلا أن يكون في هذه القبيلة التي منها صاحب الدعوة لاتصالها بالملة لم يجز إلا أن يكون في هذا البيت الذي هو بيت النبي صلى الله عليه وآله لقرب نسبه من النبي صلى الله عليه وآله إشارة إليه دون غيره من أهل بيته.
ثم إن لم يكن إشارة إليه اشترك أهل هذا البيت وادعيت فيه، فإذا وقعت الدعوة فيه وقع الاختلاف والفساد بينهم، ولا يجوز إلا أن يكون من النبي صلى الله عليه وآله إشارة إلى رجل من أهل بيته دون غيره لئلا يختلف فيه أهل هذا البيت أنه أفضلهم وأعلمهم وأصلحهم لذلك الامر.
وأما الأربعة التي في نعت نفسه فأن يكون أعلم الخلق، وأسخى الخلق وأشجع الخلق، وأعف الخلق وأعصمهم من الذنوب صغيرها وكبيرها لم تصبه فترة ولا جاهلية، ولابد من أن يكون في كل زمان قائم بهذه الصفة إلى أن تقوم الساعة.
فقال عبد الله بن يزيد الأباضي وكان حاضرا: من أين زعمت يا هشام أنه لابد أن يكون أعلم الخلق؟ قال: إن لم يكن عالما يؤمن أن ينقلب شرائعه وأحكامه فيقطع من يجب عليه الحد، ويحد من يجب عليه القطع، وتصديق ذلك قول الله عز وجل:
" أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف
تحكمون " قال: فمن أين زعمت أنه لابد أن يكون معصوما من جميع الذنوب؟ قال: إن لم يكن معصوما لم يؤمن أن يدخل فيما دخل فيه غيره من الذنوب فيحتاج إلى من يقيم عليه الحد كما يقيمه على غيره، وإذا دخل في الذنوب لم يؤمن أن يكتم على جاره وحبيبه وقريبه وصديقه، وتصديق ذلك قول الله عز وجل: " إني جاعلك للناس إماما قال: ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ".
قال: فمن أين زعمت أنه أشجع الخلق؟ قال: لأنه قيمهم الذي يرجعون إليه في الحرب، فإن هرب فقد باء بغضب من الله، ولا يجوز أن يبوء الامام بغضب من الله وذلك قوله عز وجل: " إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيرا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ".
قال: فمن أين زعمت أنه لابد أن يكون أسخى الخلق؟ قال: لأنه إن لم يكن سخيا لم يصلح للإمامة لحاجة الناس إلى نواله وفضله، والقسمة بينهم بالسوية ليجعل الحق في موضعه، لأنه إذا كان سخيا لم تتق نفسه إلى أخذ شئ من حقوق الناس والمسلمين، ولا يفضل نصيبه في القسمة على أحد من رعيته وقد قلنا: إنه معصوم فإذا لم يكن أشجع الخلق وأعلم الخلق وأسخى الخلق وأعف الخلق لم يجز أن يكون إماما. بيان: قوله فترة أي ضعف ولين في إجراء أحكام الله تعالى، قوله: لم تتق، مضارع من تاق إليه، أي اشتاق
17 - علل الشرائع، عيون أخبار الرضا (ع): في علل الفضل عن الرضا عليه السلام فإن قال: فلم لا يجوز أن يكون الامام من غير جنس الرسول؟ قيل: لعلل منها: أنه لما كان الامام مفترض الطاعة لم يكن بد من دلالة تدل عليه ويتميز بها من غيره، وهي القرابة المشهورة والوصية الظاهرة ليعرف من غيره ويهتدى إليه بعينه.
ومنها: أنه لو جاز في غير جنس الرسول لكان قد فضل من ليس برسول على الرسل، إذ جعل أولاد الرسل أتباعا لأولاد أعدائه كأبي جهل وابن أبي معيط، لأنه قد يجوز بزعمه أن ينتقل ذلك في أولادهم إذا كانوا مؤمنين فيصير أولاد الرسول تابعين، وأولاد أعداء الله وأعداء رسوله متبوعين، وكان الرسول أولى بهذه الفضيلة من غيره وأحق.
ومنها: أن الخلق إذا أقروا للرسول بالرسالة وأذعنوا له بالطاعة لم يتكبر أحد منهم عن أن يتبع ولده ويطيع ذريته ولم يتعاظم ذلك في أنفس الناس، وإذا كان في غير جنس الرسول كان كل واحد منهم في نفسه أنه أولى به من غيره، ودخلهم من ذلك الكبر ولم تسخ أنفسهم بالطاعة لمن هو عندهم دونهم، فكان يكون ذلك داعية لهم إلى الفساد والنفاق والاختلاف.
18 - بصائر الدرجات: محمد بن الحسين عن أبي داود المسترق عن عيسى الفراء عن مالك الجهني قال: كنت بين يدي أبي عبد الله عليه السلام فوضعت يدي على خدي وقلت: لقد عصمك الله وشرفك، فقال: يا مالك! الامر أعظم مما تذهب إليه.
بيان: أي ليس محض العصمة والتشريف كما زعمت، بل هي الخلافة الكبرى وفرض الطاعة على كافة الورى وغير ذلك مما سيأتي ومضى.
19 - بصائر الدرجات: محمد بن عيسى ويعقوب بن يزيد وغيرهما عن ابن محبوب عن إسحاق بن غالب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وخلف في أمته كتاب الله ووصيه علي بن أبي طالب عليه السلام أمير المؤمنين وإمام المتقين وحبل الله المتين وعروته الوثقى التي لا انفصام لها وعهده المؤكد صاحبان مؤتلفان يشهد كل واحد لصاحبه بتصديق ينطق الامام عن الله عز وجل في الكتاب بما أوجب الله فيه على العباد من طاعة الله وطاعة الامام وولايته وأوجب حقه الذي أراه الله عز وجل من استكمال دينه وإظهار أمره والاحتجاج بحجته، والاستضاء بنوره في معادن أهل صفوته و مصطفى أهل خيرته.
فأوضح الله بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا عن دينه، وأبلج بهم عن سبيل مناهجه وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، فمن عرف من أمة محمد صلى الله عليه وآله واجب حق إمامه وجد طعم حلاوة إيمانه، وعلم فضل طلاوة إسلامه، لان الله نصب الامام علما لخلقه، وجعله حجة على أهل عالمه، ألبسه الله تاج الوقار، وغشاه من نور الجبار، يمد بسبب إلى السماء لا ينقطع عنه مواده، ولا ينال ما عند الله تبارك
وتعالى إلا بجهة أسباب سبيله، ولا يقبل الله أعمال العباد إلا بمعرفته.
فهو عالم بما يرد عليه من ملتبسات الوحي ومعميات السنن ومشتبهات الفتن ولم يكن الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، وتكون الحجة من الله على العباد بالغة.
توضيح: قوله عليه السلام: وأوجب حقه، في بعض النسخ: وواجب حقه، و هو عطف على الموصول، أو على طاعة الله، والضمير عائد إليه تعالى، أو على ولايته والضمير عائد إلى الامام.
وقوله: من استكمال، بيان للموصول، وقوله: في معادن، صفة للنور، أو حال عنه، والمراد بالصفوة هنا معناه المصدري، وإضافة المعادن إلى الأهل إما بيانية.
أو لامية، فالمراد بالأهل جميع قرابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وقوله: مصطفى، معطوف على المعادن أو الأهل، والامر في الإضافة والمصدرية كما مر، ويحتمل أن يراد بالصفوة والخيرة النبي صلى الله عليه وآله وقوله: من أهل بيت، حال عن الأئمة، أو بيان لها، وتعدية الايضاح وأخواتها بعن لتضمين معنى الكشف، و إضافة السبيل إلى المناهج إما بيانية، أو المراد بالسبيل العلوم وبالمناهج العبادات التي توجب الوصول إلى قربه تعالى، وفي بعض النسخ: منهاجه، والمنهاج: الطريق الواضح.
قوله: وفتح، وفي بعض النسخ " وميح " بتشديد الياء، والمايح الذي ينزل البرء فيملا الدلو، وهو أنسب، والتشديد للمبالغة والطلاوه مثلثة: الحسن والبهجة والقبول. والسبب: الحبل وما يتوصل به إلى الشئ ولعل المعنى أنه يعرج الله به في مدارج الكمال إلى سماء العظمة والجلال قوله: مواده، المادة: الزيادة المتصلة أي المواد المقررة له من الهدايات والالهامات، والضمير راجع إلى الامام، ويحتمل
رجوعه إلى الله وإلى السبب.
قوله: بجهة أسباب سبيله، في بعض النسخ أسبابه، وعلى التقديرين الضمير للامام والتباس الأمور: اختلاطها على وجه يعسر الفرق بينها، والدجى كما في بعض النسخ جمع الدجية وهي الظلمة الشديدة.
20 - بصائر الدرجات: سلمة بن الخطاب عن سليمان بن سماعة الحذاء وعبد الله بن محمد جميعا عن عبد الله بن القاسم عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر عليه السلام: الامام منا ينظر من خلفه كما ينظر من قدامه.
21 - بصائر الدرجات: أحمد بن موسى عن الحسن بن علي الخشاب عن علي بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير قال: قال أبو جعفر عليه السلام يوما ونحن عنده جماعة من الشيعة:
قوموا تفرقوا عني مثنى وثلاث، فإني أراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي فليسر عبد في نفسه ما شاء فإن الله يعرفنيه.
22 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد عن الأهوازي عن مقاتل عن الحسين بن أحمد عن يونس ظبيان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله إذا أراد خلق إمام أنزل قطرة من تحت عرشه على بقلة من بقل الأرض أو ثمرة من ثمارها فأكل منها الامام، فتكون نطفته من تلك القطرة، فإذا مكث في بطن أمه أربعين يوما سمع الصوت، فإذا تمت له أربعة أشهر كتب على عضده الأيمن " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم " فإذا وضعته أمه على الأرض زين بالحكمة وجعل له مصباح من نور يرى به أعمالهم.
بصائر الدرجات: محمد بن عبد الجبار عن ابن أبي نجران عن ابن محبوب عن مقاتل مثله.
23 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد عن عمر بن عبد العزيز عن الخيبري عن يونس بن ظبيان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته و هو السميع العليم " ثم قال: هذا حرف في الأئمة خاصة، ثم قال: يا يونس إن الامام يخلقه الله بيده لا يليه أحد غيره وهو جعله يسمع ويرى في بطن أمه حتى إذا صار إلى الأرض خط بين كتفيه: وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم.
بيان: الخلق باليد كناية عن غاية اللطف والاهتمام بشأنه، فإن من يهتم بأمر يليه بنفسه أو المراد أنه يخلقه بقدرته من غير ملك في تسبيب أسبابه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.