بحارالانوار · أحوال الأئمة
5 باب آخر في دلالة الإمامة وما يفرق به بين دعوى المحق
ج ۲۵، ص ۱۷۵–۱۹۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
درة يضرب بها بياعي الجري والمار ما هي والزمير والطافي ويقول لهم: يا بياعي مسوخ بني إسرائيل وجند بني مروان.
فقام إليه فرات بن أحنف فقال له: يا أمير المؤمنين وما جند بني مروان؟ فقال له: أقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب، فلم أر ناطقا أحسن نطقا منه ثم اتبعته فلم أزل أقفو أثره حتى قعد في رحبة المسجد فقلت له: يا أمير المؤمنين ما دلالة الإمامة رحمك الله؟ فقال:: ايتني بتلك الحصاة، أشار بيده إلى حصاة فأتيته بها فطبع فيها بخاتمه ثم قال لي: يا حبابة إذا ادعى مدع الإمامة فقدر أن يطبع كما رأيت
فاعلمي أنه امام مفترض الطاعة، والامام لا يعزب عنه شئ أراده. قالت: ثم انصرفت حتى قبض أمير المؤمنين عليه السلام فجئت إلى الحسن عليه السلام وهو في مجلس أمير المؤمنين عليه السلام والناس يسألونه فقال لي: يا حبابة الوالبية فقلت: نعم يا مولاي فقال: هات ما معك، قالت: فأعطيته الحصاة فطبع فيها كما طبع أمير المؤمنين عليه السلام.
قالت: ثم أتيت الحسين عليه السلام وهو في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله فقرب ورحب ثم قال لي: إن في الدلالة دليلا على ما تريدين، أفتريدين دلالة الإمامة؟ فقلت: نعم يا سيدي، فقال: هات ما معك، فناولته الحصاة فطبع لي فيها.
قالت: ثم أتيت علي بن الحسين عليه السلام وقد بلغ بي الكبر إلى أن أعييت فأنا أعد يومئذ مائة وثلاثة عشر سنة فرأيته راكعا وساجدا مشغولا بالعبادة فيئست من الدلالة فأومأ إلي بالسبابة فعاد إلي شبابي فقلت: يا سيدي كم مضى من الدنيا وكم بقي؟ قال: أما ما مضى فنعم، وأما ما بقي فلا، قالت: ثم قال لي: هات ما معك فأعطيته الحصاة فطبع لي فيها.
ثم لقيت أبا جعفر عليه السلام فطبع لي فيها، ثم أتيت أبا عبد الله عليه السلام فطبع لي فيها، ثم أتيت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام فطبع لي فيها، ثم أتيت الرضا عليه السلام فطبع لي فيها، ثم عاشت حبابة بعد ذلك تسعة أشهر على ما ذكره عبد الله بن همام. بيان: الجري والمار ما هي والزمير: أنواع من السمك لا فلوس لها والطافي الذي مات في الماء وطفا فوقه. ورحبة المكان بالفتح والتحريك: ساحته ومتسعه.
قولها: ورحب أي قال لها: مرحبا. أو وسع لها المكان لتجلس. والرحب: السعة وقولهم: مرحبا، أي لقيت رحبا وسعة.
قوله عليه السلام: إن في الدلالة، لعل المعنى أن ما رأيت من الدلالة من أبي وأخي تكفي لعلمك بإمامتي لنصهم علي، أو أن فيما جعله الله دليلا على إمامتي من المعجزات والبراهين ما يوجب علمك بإمامتي أو أن في دلالتي إياك على ما في ضميرك دلالة على الإمامة حيث أقول: إنك تريدين دلالة الإمامة، ويمكن أن يقرأ: في بالتشديد ليكون خبران، والدلالة اسمها، ودليلا بدله، وعلى ما تريدين صفته، كقوله تعالى: " بالناصية ناصية كاذبة " قوله عليه السلام: أما ما مضى فنعم، أي لنا علم به، وأما ما بقي فليس لنا به علم، أو أما ما مضى فنبينه، فعلى الثاني فسره عليه السلام لها ولم تنقل، وعلى الأول يحتمل البيان وعدمه للمصلحة.
أقول: على ما في الخبر لابد أن يكون عمرها مأتين وخمسة وثلاثين سنة، أو أكثر على ما تقتضيه تواريخ وفات الأئمة عليهم السلام ومدة أعمارهم إن كان مجيئها إلى علي بن الحسين في أوائل إمامته كما هو الظاهر ولو فرضنا كونه في آخر عمره عليه السلام ومجيئها إلى الرضا عليه السلام في أول إمامته فلابد أن يكون عمرها أزيد من مائتي سنة والله يعلم.
2 - إكمال الدين: ابن عصام عن الكليني عن علي بن محمد عن محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر قال: حدثني أبي عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد علي عليهم السلام أن حبابة الوالبية دعا لها علي بن الحسين عليه السلام فرد الله عليها شبابها وأشار إليها بإصبعه فحاضت لوقتها ولها يومئذ مائة سنة وثلاث عشرة سنة.
3 - إعلام الورى: ذكر أحمد بن محمد بن عياش في كتابه عن أحمد بن محمد العطار ومحمد بن أحمد بن مصقلة عن سعد عن داود بن القاسم قال: كنت عند أبي محمد عليه السلام فاستؤذن لرجل من أهل اليمن فدخل عليه رجل جميل طويل جسيم فسلم عليه بالولاية فرد عليه بالقبول، وأمره بالجلوس فجلس إلى جنبي فقلت في نفسي: ليت شعري من هذا؟
فقال أبو محمد: هذا من ولد الاعرابية صاحبة الحصاة التي طبع آبائي فيها بخواتيمهم فانطبعت ثم قال: هاتها فأخرج حصاة وفي جانب منها موضع أملس فأخذها وأخرج خاتمه فطبع فيها فانطبع وكأني أقرأ الخاتم الساعة: الحسن بن علي.
فقلت لليماني: رأيته قط قبل هذا؟ فقال: لا والله وأني منذ دهر لحريص على رؤيته حتى كان الساعة أتاني شاب لست أراه ، فقال: قم فادخل فدخلت ثم نهض وهو يقول: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ذرية بعضها من بعض، أشهد أن حقك لواجب كوجوب حق أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة من بعده صلوات الله عليهم أجمعين، واليك انتهت الحكمة والإمامة، وإنك ولي الله الذي لا عذر لاحد في الجهل به.
فسألت عن اسمه فقال: اسمي مهجع بن الصلت بن عقبة بن سمعان بن غانم بن
أم غانم وهي الاعرابية اليمانية صاحبة الحصاة التي ختم فيها أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، وقال أبو هاشم الجعفري في ذلك:
بدرب الحصى مولى لنا يختم الحصى * له الله أصفى بالدليل وأخلصا.
وأعطاه آيات الإمامة كلها * كموسى وفلق البحر واليد والعصا وما قمص الله النبيين حجة * ومعجزة إلا الوصيين قمصا فمن كان مرتابا بذاك فقصره * من الامر أن يبلو الدليل ويفحصا في أبيات. قال أبو عبد الله بن عياش: هذه أم غانم صاحبة الحصاة غير تلك صاحبة الحصاة وهي أم الندى حبابة بنت جعفر الوالبية الأسدية، وهي غير صاحبة الحصاة الأولى التي طبع فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام فإنها أم سليم، وكانت وارثه الكتب، فهن ثلاث ولكل واحدة منهن خبر قد رويته ولم أطل الكتاب بذكره. غيبة الشيخ الطوسي: سعد عن أبي هاشم الجعفري مثله إلى قوله: التي ختم فيها أمير المؤمنين عليه السلام.
الكافي: محمد بن أبي عبد الله وعلي بن محمد إسحاق بن محمد النخعي عن الجعفري مثله إلى قوله: صاحبة الحصاة التي طبع فيها أمير المؤمنين عليه السلام والسبط إلى وقت أبي الحسن عليه السلام.
بيان: قمصه أي ألبسه قميصا، استعير هنا لاعطاء الدليل والمعجزة، ويقال:
قصرك أن تفعل كذا أي جهدك وغايتك. والسبط: ولد الولد، أي أولاد أمير المؤمنين عليه السلام وأبو الحسن عليه السلام يحتمل الثاني والثالث، فالأول على أن يكون المراد الختم لها، والثاني أعم من أن يكون لها ولأولادها، والثاني أظهر إذ الظاهر مغايرتها لحبابة.
4 - الإحتجاج: عن سعد بن عبد الله الأشعري عن الشيخ الصدوق أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري رحمة الله عليه انه جاءه بعض أصحابنا يعلمه بأن جعفر بن علي كتب إليه كتابا يعرفه نفسه ويعلمه أنه القيم بعد أخيه وأن عنده من علم الحلال والحرام ما يحتاج إليه وغير ذلك من العلوم كلها، قال أحمد بن إسحاق: فلما قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزمان عليه السلام وصيرت كتاب جعفر في درجه فخرج إلي الجواب في ذلك:
بسم الله الرحمان الرحيم أتاني كتابك أبقاك الله، والكتاب الذي في درجه وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمنه على اختلاف ألفاظه وتكرر الخطاء فيه، ولو تدبرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه والحمد لله رب العالمين حمدا لا شريك له على إحسانه إلينا وفضله علينا، أبي الله عز وجل للحق إلا تماما وللباطل إلا زهوقا وهو شاهد علي بما أذكره ولي عليكم بما أقوله إذا اجتمعنا بيوم لا ريب فيه وسئلنا عما نحن فيه مختلفون وانه لم يجعل لصاحب الكتاب على المكتوب إليه ولا عليك ولا على أحد من الخلق جميعا امامة مفترضة ولا طاعة ولا ذمة، وسابين لكم جملة تكتفون بها انشاء الله.
يا هذا يرحمك الله إن الله تعالى لم يخلق الخلق عبثا ولا أهملهم سدى، بل
خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعا وأبصارا وقلوبا وألبابا، ثم بعث إليهم النبيين مبشرين ومنذرين يأمرونهم بطاعته وينهونهم عن معصيته، ويعرفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم، وأنزل عليهم كتابا وبعث إليهم ملائكة وباين بينهم وبين من بعثهم إليهم بالفضل الذي لهم عليهم، وما آتاهم من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة والآيات الغالبة.
فمنهم من جعل عليه النار بردا وسلاما واتخذه خليلا، ومنهم من كلمه تكليما وجعل عصاه ثعبانا مبينا، ومنهم من أحيى الموتى بإذن الله وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، ومنهم من علمه منطق الطير وأوتي من كل شئ، ثم بعث محمدا صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين وتم به نعمته وختم به أنبياءه وأرسله إلى الناس كافة، وأظهر من صدقه ما ظهر، وبين من آياته وعلاماته ما بين.
ثم قبضه صلى الله عليه وآله حميدا فقيدا سعيدا، وجعل الامر من بعده إلى أخيه وابن عمه ووصيه ووارثه علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم إلى الأوصياء من ولده واحد بعد واحد، أحيى بهم دينه وأتم بهم نوره وجعل بينهم وبين إخوتهم وبني عمهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقا بينا تعرف به الحجة من المحجوج، والامام من المأموم بأن عصمهم من الذنوب، وبرأهم من العيوب، وطهرهم من الدنس ونزههم من اللبس وجعلهم خزان علمه ومستودع حكمته وموضع سره، وأيدهم بالدلائل ولولا ذلك لكان الناس على سواء، ولا دعى أمر الله عز وجل كل واحد ولما عرف الحق من الباطل ولا العلم من الجهل، وقد ادعى هذا المبطل المدعي على الله الكذب بما ادعاه.
فلا أدري بأية حالة هي له رجاء أن يتم دعواه؟ أبفقه في دين الله؟ فوالله ما يعرف حلالا من حرام ولا يفرق بين خطأ وصواب، أم بعلم؟ فما يعلم حقا من باطل ولا محكما من متشابه ولا يعرف حد الصلاة ووقتها، أم بورع فالله شهد على تركه
لصلاة الفرض أربعين يوما، يزعم ذلك لطلب الشعبدة، ولعل خبره تأدى إليكم وهاتيك طرق منكرة منصوبة وآثار عصيانه لله عز وجل مشهورة قائمة.
أم بآية؟ فليأت بها، أم بحجة؟ فليقمها، أم بدلالة؟ فليذكرها، قال الله عز وجل في كتابه العزيز:
بسم الله الرحمن الرحيم، حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم، ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون، قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين، ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين. فالتمس تولى الله توفيقك من هذا الظالم ما ذكرت لك وامتحنه واسأله عن آية من كتاب الله يفسرها أو صلاة يبين حدودها وما يجب فيهما لتعلم حاله ومقداره، و يظهر لك عواره ونقصانه، والله حسيبه، حفظ الله الحق على أهله وأقره في مستقره وقد أبى الله عز وجل أن تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام، وإذا أذن الله لنا في القول الحق واضمحل الباطل وانحسر عنكم، وإلى الله أرغب في الكفاية وجميل الصنع والولاية وحسبنا الله ونعم الوكيل. ايضاح: السدى بالضم وقد يفتح المهملة من الإبل، وأسداه: أهمله. ولبست الامر لبسا كضرب: خلطته. واللبس بالضم: الاشكال والاشتباه، أي نزههم من أن
يلتبس عليهم الامر أو أمرهم على الناس أو من أن يلبسوا الأمور على الناس. والعوار مثلثة: العيب. وانحسر أي انكشف الباطل.
5 - مناقب ابن شهرآشوب: عبد الله بن كثير في خبر طويل إن رجلا دخل المدينة يسأل عن الامام فدلوه على عبد الله بن الحسن فسأله هنيئة ثم خرج فدلوه على جعفر بن محمد صلوات الله عليه فقصده فلما نظر إليه جعفر عليه السلام قال: يا هذا إنك كنت مغرى فدخلت مدينتنا هذه تسأل عن الامام فاستقبلك فتية من ولد الحسن عليه السلام فأرشدوك إلى عبد الله بن الحسن فسألته هنيئة ثم خرجت، فإن شئت أخبرتك عما سألته وما رد عليك، ثم استقبلك فتية من ولد الحسين فقالوا لك: يا هذا إن رأيت أن تلقى جعفر بن محمد فافعل.
فقال: صدقت قد كان كما ذكرت، فقال له: ارجع إلى عبد الله بن الحسن فاسأله عن درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعمامته، فذهب الرجل فسأله عن درع رسول الله صلى الله عليه وآله والعمامة فأخذ درعا من كندوج له فلبسها فإذا هي سابغة فقال: كذا كان رسول الله صلى الله عليه آله وسلم يلبس الدرع، فرجع إلى الصادق عليه السلام فأخبره.
فقال عليه السلام: ما صدق، ثم أخرج خاتما فضرب به الأرض فإذا الدرع والعمامة ساقطين من جوف الخاتم، فلبس أبو عبد الله عليه السلام الدرع فإذا هي إلى نصف ساقه ثم تعمم بالعمامة فإذا هي سابغة فنزعهما ثم ردهما في الفص، ثم قال: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله يلبسها، إن هذا ليس مما غزل في الأرض إن خزانة الله في كن، وإن خزانة الامام في خاتمه، وإن الله عنده الدنيا كسكرجة وإنها عند الامام كصحفة، ولو لم يكن الامر هكذا لم نكن أئمة وكنا كسائر الناس. بيان: قوله مغرى على بناء المفعول من الاغراء بمعنى التحريص أي أغراك
قوم على السؤال والطلب. والكندوج: شبه المخزن معرب كندو، قوله عليه السلام: في كن اي في لفظ كن كناية عن تعلق الإرادة الكاملة كما قال تعالى: " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ". وقال الجزري: السكرجة بضم السين والكاف والتشديد: إناء صغير يؤكل فيه الشئ القليل من الادام، وهي فارسية. وقال: الصحف: اناء كالقصعة المبسوطة ونحوها.
6 - كتاب مقتضب الأثر لأحمد بن محمد بن عياش عن سهل بن محمد الطرطوسي القاضي قال قدم علينا من الشام سنة أربعين وثلاثمائة عن زيد بن محمد الرهاوي عن عمار بن مطر عن أبي عوانة عن خالد بن علقمة عن عبيدة بن عمرو السلماني، عن عبد الله بن خباب بن الأرت عن سلمان الفارسي والبراء بن عازب قالا: قالت أم سليم.
قال: ومن طريق أصحابنا حدثني علي بن حبشي بن قوني عن جعفر بن محمد الفزاري عن الحسين المنقري عن الحسن بن محبوب عن الثمالي عن زر بن حبيش عن عبد الله بن خباب عن سلمان والبراء قالا: قالت أم سليم: كنت امرأة قد قرأت التوراة والإنجيل فعرفت أوصياء الأنبياء وأحببت أن أعلم وصي محمد صلى الله عليه وآله.
فلما قدمت ركابنا المدينة أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وخلفت الركاب مع الحي فقلت: يا رسول الله ما من نبي إلا وكان له خليفتان: خليفة يموت قبله، وخليفة يبقى بعده، وكان خليفة موسى في حياته هارون عليه السلام فقبض قبل موسى، ثم كان وصيه بعد موته يوشع بن نون، وكان وصي عيسى عليه السلام في حياته كالب بن يوفنا فتوفي كالب في حياة عيسى، ووصيه بعد وفاته شمعون بن حمون الصفا ابن عمة مريم، وقد نظرت في الكتب الأولى فما وجدت لك إلا وصيا واحدا في حياتك وبعد وفاتك فبين لي بنفسي أنت يا رسول الله من وصيك؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لي وصيا واحدا في حياتي وبعد وفاتي. قلت له:
من هو؟ فقال: إيتيني بحصاة فرفعت إليه حصاة من الأرض فوضعها بين كفيه ثم فركها بيده كسحيق الدقيق ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء ختمها بخاتمه فبدا النقش فيها للناظرين ثم أعطانيها وقال: يا أم سليم من استطاع مثل هذا فهو وصيي.
قالت: ثم قال لي: يا أم سليم وصيي من يستغنى بنفسه في جميع حالاته كما أنا مستغن، فنظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد ضرب بيده اليمنى إلى السقف وبيده اليسرى إلى الأرض قائما لا ينحني في حالة واحدة إلى الأرض، ولا يرفع نفسه بطرف قدميه.
قالت: فخرجت فرأيت سلمان يكنف عليا ويلوذ بعقوته دون من سواه من أسرة محمد وصحابته على حداثة من سنه، فقلت في نفسي: هذا سلمان صاحب الكتب الأولى قبلي، صاحب الأوصياء، وعنده من العلم ما لم يبلغني فيوشك أن يكون صاحبي.
فأتيت عليا عليه السلام فقلت: أنت وصي محمد صلى الله عليه وآله؟ قال: نعم، ما تريدين؟ قلت: وما علامة ذلك؟ فقال: إيتيني بحصاة قالت: فرفعت إليه حصاة من الأرض فوضعها بين كفيه ثم فركها بيده فجعلها كسحيق الدقيق ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء ثم ختمها
فبدا النقش فيها للناظرين ثم مشى نحو بيته فاتبعته لأسأله عن الذي صنع رسول الله صلى الله عليه وآله فالتفت إلي ففعل مثل الذي فعله، فقلت: من وصيك يا أبا الحسن؟
فقال: من يفعل مثل هذا.
قالت أم سليم: فلقيت الحسن بن علي عليه السلام فقلت: أنت وصي أبيك هذا؟
وأنا أعجب من صغره وسؤالي إياه مع أني كنت عرفت صفتهم الاثني عشر إماما و أبوهم سيدهم وأفضلهم، فوجدت ذلك في الكتب الأولى، فقال لي: نعم أنا وصي أبي فقلت: وما علامة ذلك؟ فقال: إيتيني بحصاة.
قالت: فرفعت إليه حصاة فوضعها بين كفيه ثم سحقها كسحيق الدقيق ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء ثم ختمها فبدا النقش فيها ثم دفعها إلي، فقلت له: فمن وصيك؟
قال: من يفعل مثل هذا الذي فعلت، ثم مد يده اليمنى حتى جازت سطوح المدينة وهو قائم ثم طأطأ يده اليسرى فضرب بها الأرض من غير أن ينحني أو يتصعد فقلت في نفسي: من يرى وصيه؟
فخرجت من عنده فلقيت الحسين عليه السلام وكنت عرفت نعته من الكتب السالفة بصفته وتسعة من ولده أوصياء بصفاتهم غير أني أنكرت حليته لصغر سنه، فدنوت منه وهو على كسرة رحبة المسجد فقلت له: من أنت يا سيدي؟ قال: أنا طلبتك يا أم سليم إنا وصي الأوصياء وأنا أبو التسعة الأئمة الهادية وأنا وصي أخي الحسن وأخي وصي أبي علي، وعلي وصي جدي رسول الله صلى الله عليه وآله.
فعجبت من قوله فقلت: ما علامة ذلك؟ فقال: إيتيني بحصاة فرفعت إليه حصاة من الأرض؟ قالت أم سليم: فلقد نظرت إليه وقد وضعها بين كفيه فجعلها كهيئة السحيق من الدقيق ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء فختمها بخاتمه فثبت النقش فيها ثم دفعها إلي وقال لي: انظري فيها يا أم سليم، فهل ترين فيها شيئا؟
قالت أم سليم: فنظرت فإذا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي والحسن والحسين وتسعة أئمة صلوات الله عليهم أوصياء من ولد الحسين عليه السلام قد تواطئت أسماؤهم إلا اثنين منهم، أحدهما جعفر والآخر موسى، وهكذا قرأت في الإنجيل.
فعجبت وقلت في نفسي: قد أعطاني الله الدلائل ولم يعطها من كان قبلي، فقلت:
يا سيدي أعد علي علامة أخرى، قال: فتبسم وهو قاعد ثم قام فمد يده اليمنى إلى السماء فوالله لكأنها عمود من نار تخرق الهواء حتى توارى عن عيني وهو قائم لا يعبأ بذلك ولا يتحفز، فأسقطت وصعقت فما أفقت إلا ورأيت في يده طاقة من آس يضرب بها منخري.
فقلت في نفسي: ماذا أقول له بعد هذا؟ وقمت وأنا والله أجد إلى ساعتي رائحة هذه الطاقة من الآس، وهي والله عندي لم تذو ولم تذبل ولا انتقص من ريحها شئ، وأوصيت أهلي أن يضعوها في كفني، فقلت: يا سيدي من وصيك؟
قال: من فعل مثل فعلي، قالت: فعشت إلى أيام علي بن الحسين عليه السلام.
قال زر بن حبيش خاصة دون غيره: وحدثني جماعة من التابعين سمعوا هذا الكلام من تمام حديثها، منهم مينا مولى عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن جبير مولى بني أسد سمعاها تقول هذا.
وحدثني سعيد بن المسيب المخزومي ببعضه عنها قالت: فجئت إلى علي بن الحسين عليهما السلام وهو في منزله قائما يصلي، وكان يطول فيها ولا يتحوز فيها، وكان يصلي ألف ركعة في اليوم والليلة فجلست مليا فلم ينصرف من صلاته فأردت القيام فلما هممت به حانت مني التفاتة إلى خاتم في إصبعه عليه فص حبشي، فإذا هو مكتوب: مكانك يا أم سليم آتيك بما جئت له.
قالت: فأسرع في صلاته فلما سلم قال لي: يا أم سليم إيتيني بحصاة، من غير أن أسأله عما جئت له، فدفعت إليه حصاة من الأرض فأخذها فجعلها بين كفيه فجعلها كهيئة الدقيق، ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء، ثم ختمها فثبت فيها النقش فنظرت والله إلى القوم بأعيانهم كما كنت رأيتهم يوم الحسين، فقلت له: فمن وصيك جعلني الله فداك قال: الذي يفعل مثل ما فعلت ولا تدركين من بعدي مثلي.
قالت أم سليم: فأنسيت أن أسأله أن يفعل مثل ما كان قبله من رسول الله وعلي والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فلما خرجت من البيت ومشيت شوطا ناداني:
يا أم سليم، قلت: لبيك، قال: ارجعي، فرجعت فإذا هو واقف في صرحة داره وسطا، ثم مشى فدخل البيت وهو يتبسم ثم قال: اجلسي يا أم سليم، فجلست فمد يده اليمنى فانخرقت الدور والحيطان وسكك المدينة وغابت يده عني، ثم قال: خذي يا أم سليم.
فناولني والله كيسا فيه دنانير وقرط من ذهب وفصوص كانت لي من جزع
في حق لي في منزلي، فقلت: يا سيدي أما الحق فأعرفه، وأما ما فيه فلا أدري ما فيه غير أني أجدها ثقيلا، قال: خذيها وامضي لسبيلك، قالت: فخرجت من عنده ودخلت منزلي وقصدت نحو الحق فلم أجد الحق في موضعه، فإذا الحق حقي قالت: فعرفتهم حق معرفتهم بالبصيرة والهداية فيهم من ذلك اليوم والحمد لله رب العالمين.
قال ابن عياش: سألت أبا بكر محمد بن عمر الجعابي عن هذه أم سليم وقرأت عليه إسناد الحديث للعامة واستحسن طريقها وطريق أصحابنا فيه فما عرفت أبا صالح الطرسوسي القاضي فقال: كان ثقة عدلا حافظا، وأما أم سليم فهي امرأة من النمر بن قاسط معروفة من النساء اللاتي روين عن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: وليست أم سليم الأنصارية أم أنس بن مالك، ولا أم سليم الدوسية فإنها لها صحبة ورواية، ولا أم سليم الخافضة التي كانت تخفض الجواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا أم سليم الثقفية وهي بنت مسعود أخت عروة بن مسعود الثقفي، فإنها أسلمت وحسن إسلامها وروت الحديث. بيان: قال الجوهري: العقوة: الساحة وما حول الدار يقال: ما يطور بعقوته أحد، أي ما يقربها. والكسر بالكسر والفتح جانب البيت. وكسور الأودية: معاطفها وشعابها. والحفز: الاستعجال وتحوز: تلوى وتنحى، ولعله كناية عن عدم الفصل بين الصلوات وكثرة التشاغل بها والشوط: الجري مرة إلى غاية كما ذكره الفيروزآبادي.
الحمد لله الذي وفقني لاتمام النصف الأول من المجلد السابع من كتاب بحار الأنوار وأسأله تعالى التوفيق لاتمام النصف الآخر وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وصلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم، وعلى مولانا علي حكيم وآلهما الطيبين الطاهرين.
بسم الله الرحمن الرحيم
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.