پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

20 - باب غزوة الحديبية وبيعة الرضوان وعمرة القضاء وسائر

ج ۲۰، ص ۳۱۶–۳۴۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۰

وقال سبحانه: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين * فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم * وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين * الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين.

إلى قوله تعالى:

وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محلة 190 - 196.

المائدة " 5 " يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم 94.

الأنفال " 8 ": وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعملون 34.

الحج " 22 ": إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم 25.

الفتح " 48 ": إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما * سيقول لك المخلفون من الاعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا * بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا * ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا اعتدنا للكافرين سعيرا * ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما * سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا * قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم اولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما * ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما * لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا * ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما * وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما.

إلى قوله تعالى:

ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الادبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا * سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا * وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا * هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل

الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما * إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شئ عليما * لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا 10 - 27.

الممتحنة " 60 ": يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم * وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون 10 و 11.

تفسير: قال الطبرسي رضي الله عنه في قوله تعالى: " ومن أظلم ممن منع مساجد الله ": اختلفوا في المعني بهذه الآية، فقال ابن عباس ومجاهد أنهم الروم غزوا بيت المقدس وسعوا في خرابه حتى كان أيام عمر فأظهر الله المسلمين عليهم، وصاروا لا يدخلونها إلا خائفين.

وقال الحسن وقتادة: هو بخت نصر خرب بيت المقدس وأعانه عليه النصارى وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنهم قريش حين منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله دخول مكة و المسجد الحرام، وبه قال البلخي والرماني والجبائي.

وقال في قوله تعالى: " وقاتلوا في سبيل الله ": عن ابن عباس نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرج هو وأصحابه في العام الذي

أرادوا فيه العمرة وكانوا ألفا وأربعمائة فساروا حتى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون عن البيت الحرام فنحروا الهدي بالحديبية، ثم صالحهم المشركون على أن يرجع في عامه ويعود العام القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء، فيرجع إلى المدينة من فوره، فلما كان العام المقبل تجهز النبي صلى الله عليه وآله و أصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم عن البيت الحرام ويقاتلوهم، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله هذه الآية، وعن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم هذه أولى آية نزلت في القتال، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقاتل من قاتله و يكف عمن كف عنه حتى نزلت: " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " فنسخت هذه الآية " ولا تعتدوا " أي لا تجاوزوا من قتال من هو أهل القتال إلى قتال من لم تؤمروا بقتاله، وقيل: معناه لا تعتدوا بقتال من لم يبدأكم بقتال " إن الله لا يحب المعتدين " واختلف في الآية فقال بعضهم: منسوخة كما ذكرنا، وروي عن ابن عباس ومجاهد أنها غير منسوخة بل هي خاصة في النساء والذراري، وقيل: امر بقتال أهل مكة، وروي عن أئمتنا عليهم السلام أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: " كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة " وكذلك قوله: " واقتلوهم حيث ثقفتموهم " ناسخ لقوله:

" ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم ".

" واقتلوهم " أي الكفار " حيث ثقفتموهم " أي وجدتموهم " وأخرجوهم من حيث أخرجوكم " يعني أخرجوهم من مكة كما أخرجوكم منها " والفتنة أشد من القتل " أي شركهم بالله وبرسوله أعظم من القتل في الشهر الحرام، وذلك أن رجلا

من الصحابة قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام فعابوا المؤمنين بذلك، فبين الله سبحانه أن الفتنة في الدين وهو الشرك أعظم من قتل المشركين في الشهر الحرام وإن كان غير جائز " ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه " نهي عن ابتدائهم بقتال أو قتل في الحرم حتى يبتدئ المشركون بذلك " فإن قاتلوكم " أي بدأوكم بذلك " فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين " أن يقتلوا حيث ما وجدوا " فإن انتهوا " أي امتنعوا من كفرهم بالتوبة " فإن الله غفور " لهم " رحيم " بهم " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة " أي شرك عن ابن عباس، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام " ويكون الدين لله " أي وحتى تكون الطاعة لله و الانقياد لامره، أو حتى يكون الاسلام لله " فإن انتهوا " عن الكفر " فلا عدوان إلا على الظالمين " أي فلا عقوبة عليهم، وإنما العقوبة بالقتل على الكافرين المقيمين على الكفر فسمى القتل عدوانا من حيث كان عقوبة على العدوان وهو الظلم " الشهر الحرام بالشهر الحرام " المراد به ههنا ذو القعدة وهو شهر الصد عام الحديبية، و الأشهر الحرم أربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، كانوا يحرمون فيها القتال، وأنما قيل: ذو القعدة لقعودهم فيه عن القتال، وقيل في تقديره:

وجهان: أحدهما: قتال الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام فحذف المضاف وقيل: إنه الشهر الحرام على جهة العوض لما فات في السنة الأولى، ومعناه الشهر الحرام ذو القعدة الذي دخلتم فيه مكة واعتمرتم وقضيتم منها وطركم في سنة سبع بالشهر الحرام ذي القعدة الذي صددتم فيه عن البيت ومنعتم من مرادكم سنة ست " والحرمات قصاص " فيه قولان: أحدهما: أن الحرمات قصاص بالمراغمة بدخول البيت في الشهر الحرام، قال مجاهد: لان قريشا فخرت بردها رسول الله عام الحديبية

محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام فأدخله الله تعالى مكة في العام المقبل في ذي القعدة وقضى عمرته، وروي ذلك عن أبي جعفر عليه السلام، والثاني أن الحرمات قصاص بالقتل في الشهر الحرام أي لا يجوز للمسلمين إلا قصاصا، قال الحسن : إن مشركي العرب قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله:: أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام؟ قال:

نعم، وإنما أراد المشركون أن يغيروه في الشهر الحرام فيقاتلوه، فأنزل الله سبحانه هذا أي إن استحلوا منكم في الشهر الحرام شيئا فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم، وإنما جمع الحرمات لأنه أراد حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة الاحرام، وقيل: أراد كل حرمة تستحل فلا تجوز إلا على وجه المجازاة " فمن اعتدى عليكم " أي ظلمكم " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " أي فجازوه باعتدائه و قابلوه بمثله " واتقوا الله " فيما أمركم به ونهاكم عنه " واعلموا أن الله مع المتقين " بالنصرة لهم " وأتموا الحج والعمرة لله " أي أتموهما بمناسكهما وحدودهما، واقصدوا بهما التقرب إلى الله " فإن أحصرتم " أي إن منعكم خوف أو عدو أو مرض فامتنعتم لذلك، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام " فما استيسر من الهدي " أي فعليكم ما سهل من الهدي، أو فاهدوا ما تيسر من الهدي إذا أردتم الاحلال " ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي، محله " أي لا تتحللوا من إحرامكم حتى يبلغ الهدي محله، وينحر أو يذبح، واختلف في محل الهدي فقيل: إنه الحرم، وقيل: إنه الموضع الذي يصد فيه، لان النبي صلى الله صلى الله عليه وآله نحر هديه بالحديبية وأمر أصحابه ففعلوا ذلك، وليست الحديبية من الحرم، وأما على مذهبنا فالأول حكم المحصر بالمرض، والثاني حكم المحصور بالعدو،

وإن كان الاحرام بالحج فمحله منى يوم النحر، وإن كان الاحرام بالعمرة فمحلة مكة.

قوله تعالى: " ليبلونكم الله بشئ من الصيد " قال البيضاوي: نزلت عام الحديبية ابتلاهم الله بالصيد، وكانت الوحوش تغشاهم في رحابهم بحيث يتمكنون من صيدها آخذا بأيديهم، وطعنا برماحهم وهم محرمون، والتقليل والتحقير في " بشئ " للتنبيه على أنه ليس من العظائم التي تدحض الاقدام كالابتلاء ببذل الأنفس والأموال، فمن لم يثبت عنده كيف يثبت عندما هو أشد منه " ليعلم الله من يخافه بالغيب " ليتميز الخائف من عفا به وهو غائب منتظر لقوة إيمانه ممن لا يخافه لضعف قلبه وقلة إيمانه، فذكر العلم وأراد وقوع المعلوم وظهوره، أو تعلق العلم " فمن اعتدى بعد ذلك " بعد ذلك الابتلاء بالصيد.

قوله تعالى " وما لهم أن لا يعذبهم الله " قال البيضاوي: أي وما لهم مما يمنع تعذيبهم متى ذلك؟ وكيف لا يعذبون " وهم يصدون عن المسجد الحرام " و حالهم ذلك، ومن صدهم عنه الجاء الرسول صلى الله عليه وآله والمؤمنين إلى الهجرة، وإحصارهم عام الحديبية " وما كانوا أولياءه " مستحقين ولاية أمره مع شركهم، وهو رد لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء " إن أولياؤه إلا المتقون " من الشرك الذين لا يعبدون فيه غيره، وقيل: الضميران لله " ولكن أكثرهم لا يعلمون " أن لا ولاية لهم عليه.

" إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله " لا يريد به حالا ولا استقبالا، وإنما يريد استمرار الصد منهم، ولذلك حسن عطفه على الماضي، والمسجد الحرام

عطف على اسم الله " الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد " أي المقيم والطارئ " ومن يرد فيه " مما ترك مفعوله ليتناول كل متناول " بإلحاد " عدول عن القصد " بظلم " بغير حق، وهما حالان مترادفان، أو الثاني بدل من الأول بإعادة الجار أو صلة له، أي ملحدا بسبب الظلم كالاشراك واقتراف الآثام " نذقه من عذاب اليم " جواب لمن.

وقال الطبرسي رحمه الله: قيل: إن الآية نزلت في الذين صدوا رسول الله صلى الله عليه وآله عام الحديبية.

وقال رحمه الله في قوله تعالى: " إن الذين يبايعونك ": المراد بالبيعة هنا بيعة الحديبية، وهي بيعة الرضوان بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله على الموت " إنما يبايعون الله " يعني أن المبايعة معك تكون مبايعة مع الله، لان طاعتك طاعة الله، وإنما سميت بيعة لأنها عقدت على بيع أنفسهم بالجنة للزومهم في الحرب النصرة " يد الله فوق أيديهم " أي عقد الله في هذه البيعة فوق عقدهم، لأنهم بايعوا الله ببيعة نبيه فكأنهم بايعوه من غير واسطة، وقيل: معناه قوة الله في نصرة نبيه فوق نصرتهم إياه، أي ثق بنصرة الله لك لا بنصرتهم وإن بايعوك، وقيل: نعمة الله عليهم بنبيه فوق أيديهم بالطاعة والمبايعة، وقيل: يد الله بالثواب وما وعدهم على بيعتهم من الجزاء فوق أيديهم بالصدق والوفاء " فمن نكث " أي نقض ما عقد من البيعة " فإنما ينكث على نفسه " أي يرجع ضرر ذلك النقض عليه، وليس له الجنة ولا كرامة " ومن أوفي " أي ثبت على الوفاء " بما عاهد عليه الله " من البيعة " فسيؤتيه أجرا عظيما " أي ثوابا جزيلا " سيقول لك المخلفون من الاعراب " أي الذين تخلفوا عن صحبتك في وجهتك وعمرتك، وذلك أنه صلى الله عليه وآله لما أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا وكان في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة استنفر من حول المدينة من الاعراب إلى الخروج معه، وهم غفار وأسلم ومزينة وجهينة و

أشجع والدئل، حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو بصد، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهدي ليعلم الناس أنه لا يريد حربا، فتثاقل عنه كثير من الاعراب فقالوا:

نذهب معه إلى قوم قد جاؤه وقتلوا أصحابه فتخلفوا عنه واعتلوا بالشغل، فقال سبحانه: إنهم يقولون لك إذا انصرفت إليهم فعاتبتهم على التخلف عنك: " شغلتنا أموالنا وأهلونا " عن الخروج معك " فاستغفر لنا " في قعودنا عنك فكذبهم الله تعالى فقال:

" يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم " أي لا يبالون استغفر لهم النبي أم لا " قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا " أي غنيمة، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي صلى الله عليه وآله يدفع عنهم الضر، أو يعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم سبحانه أنه إن أراد بهم شيئا من ذلك لم يقدر أحد على دفعه عنهم " بل كان الله بما تعملون خيبرا " أي عالما بما كنتم تعملون في تخلفكم " بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا " أي ظننتم أنهم لا يرجعون إلى من خلفوا بالمدينة من الأهل والأولاد، لان العدو يستأصلهم ويصطلمهم " وزين ذلك في قلوبكم " أي زين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم " و ظننتم ظن السوء " في هلاك النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين، وكل هذا من الغيب الذي لا يطلع عليه أحد إلا الله، فصار معجزا لنبينا صلى الله عليه وآله " وكنتم قوما بورا " أي هلكى لا تصلحون لخير، وقيل: قوما فاسدين.

" سيقول المخلفون " يعني هؤلاء " إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها " يعني غنائم خيبر " ذرونا نتبعكم " أي اتركونا نجئ معكم، وذلك أنهم لما انصرفوا من الحديبية بالصلح وعدهم الله سبحانه فتح خيبر وخص بغنائمها من شهد الحديبية، فلما انطلقوا إليها قال هؤلاء المخلفون: " ذرونا نتبعكم " فقال سبحانه: " يريدون أن يبدلوا كلام الله " أي مواعيد الله لأهل الحديبية بغنيمة خيبر خاصة، أرادوا تغيير ذلك بأن يشاركوهم فيها، وقيل: يريد أمر الله لنبيه أن لا يسير معه منهم أحد " قل

لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل " أي قال الله بالحديبية قبل خيبر وقبل مرجعنا إليكم: إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية لا يشركهم فيها غيرهم " فسيقولون بل تحسدوننا " أن نشارككم في الغنيمة " بل كانوا لا يفقهون " الحق " إلا قليلا " أي إلا فقها قليلا أو شيئا قليلا.

قوله تعالى: " إلى قوم اولي بأس شديد " قد مر تفسيره في باب نوادر الغزوات.

" ليس على الأعمى حرج " أي ضيق في ترك الحضور مع المؤمنين في الجهاد قال مقاتل: عذر الله أهل الزمانة والآفات الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية.

قوله تعالى: " إذ يبايعونك تحت الشجرة " يعني بيعة الحديبية تحت الشجرة المعروفة، وهي شجرة السمرة، وتسمى بيعة الرضوان لهذه الآية، ورضى الله سبحانه عنهم هو إرادته تعظيمهم وإثابتهم " فعلم ما في قلوبهم " من صدق النية في القتال والكراهة له لأنه بايعهم على القتال. وقيل: ما في قلوبهم من الصبر واليقين والوفاء " فأنزل السكينة عليهم " وهي اللطف المقوي لقلوبهم والطمأنينة " وأثابهم فتحا قربيا " يعني فتح خيبر، وقيل: فتح مكة " ومغانم كثيرة يأخذونها " يعني غنائم خيبر، فإنها كانت مشهورة بكثرة المال والعقار، وقيل: يعني غنائم هوازن بعد فتح مكة.

أقول: قد مضى تفسير بقية الآيات في باب نوادر الغزوات.

قوله تعالى: " وهو الذي كف أيديهم عنكم " أي بالرعب، قيل: سبب نزوله أن المشركين بعثوا أربعين رجلا عام الحديبية ليصيبوا من المسلمين، فاتي بهم إلى النبي صلى الله عليه وآله أسارى فخلى سبيلهم عن ابن عباس، وقيل: إنهم كانوا ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا من جبل التنعيم عند صلاة الفجر عام الحديبية ليقتلوهم،

فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وآله وأعتقهم، عن أنس وقيل: كان رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا في ظل شجرة وبين يديه علي عليه السلام يكتب كتاب الصلح فخرج ثلاثون شابا عليهم السلاح، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وآله فأخذ الله تعالى بأبصارهم فقمنا فأخذناهم فخلى صلى الله عليه وآله سبيلهم، فنزلت هذه الآية عن عبد الله بن المغفل " وأيديكم عنهم " بالنهي " من بعد أن أظفركم عليهم " ذكر الله تعالى منته على المؤمنين بحجزه بين الفريقين حتى لم يقتتلا، وحتى اتفق بينهم الصلح الذي كان أعظم من الفتح " وصدوكم عن المسجد الحرام " أن تطوفوا وتحلوا من عمرتكم، يعني قريشا " والهدي معكوفا أن يبلغ محله " أي و صدوا الهدي وهي البدن التي ساقها رسول الله صلى الله عليه وآله معه، وكانت سبعين بدنة حتى بلغ ذا الحليفة، فقلد البدن التي ساقها وأشعرها وأحرم بالعمرة حتى نزل بالحديبية ومنعه المشركون، وكان الصلح، فلما تم الصلح نحروا البدن، وذلك قوله:

" معكوفا " أي محبوسا من " أن يبلغ محله " أي منحره يعني مكة " ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات " يعني المستضعفين الذين كانوا بمكة بين الكفار من أهل الايمان " لم تعلموهم " بأعيانهم لاختلاطهم بغيرهم " أن تطؤهم " بالقتل وتوقعوا بهم " فتصيبكم منهم معرة " أي إثم وجناية، أو عيب يعيبكم المشركون بأنهم قتلوا أهل دينهم، وقيل: هي غرم الدية والكفارة في قتل الخطاء عن ابن عباس، وذلك أنهم لو كبسوا مكة وفيها قوم مؤمنون لم يتميزوا من الكفار ولم يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفارة، وتلحقهم السيئة بقتل من على دينهم، فهذه المعرة التي صان الله المؤمنين عنها، وجواب " لولا " محذوف وتقديره: لولا المؤمنون الذين لم تعلموهم لوطأتم رقاب المشركين بنصرنا إياكم، وقوله: " بغير علم " موضعه التقديم، لان التقدير لولا أن تطؤهم بغير علم وقوله: " ليدخل الله في رحمته من يشاء " اللام متعلق بمحذوف دل عليه معنى الكلام، تقديره فحال بينكم وبينهم ليدخل الله في رحمته من يشاء، يعني من أسلم من الكفار بعد الصلح، وقيل: ليدخل الله في رحمته أولئك

بسلامتهم من القتل، ويدخل هؤلاء في رحمته بسلامتهم من الطعن والعيب " لو تزيلوا " أي لو تميز المؤمنون من الكافرين " لعذبنا الذين كفروا منهم " أي من أهل مكة " عذابا أليما " بالسيف والقتل بأيديكم، ولكن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار " إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية " إذ يتعلق بقوله: " لعذبنا " أي لعذبنا الذين كفروا وآذنا لك في قتالهم حين جعلوا قلوبهم الانفة التي تحمى الانسان، أي حميت قلوبهم بالغضب، ثم فسر تلك الحمية فقال: " حمية الجاهلية " أي عادة آبائهم في الجاهلية أن لا يذعنوا لاحد ولا ينقادوا له، وذلك أن كفار مكة قالوا:

قد قتل محمد وأصحابه آباءنا وإخواننا ويدخلون علينا في منازلنا فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللات والعزى لا يدخلونها علينا، فهذه حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم، وقيل: هي أنفتهم من الاقرار لمحمد صلى الله عليه وآله بالرسالة، والاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم، حيث أراد أن يكتب كتاب العهد بينهم عن الزهري " فأنزل الله سكينته " إلى قوله: " كلمة التقوى " وهي قول: لا إله إلا الله " وكانوا أحق بها وأهلها " قيل: إن فيه تقديما وتأخيرا، والتقدير كانوا أهلها وأحق بها، أي كان المؤمنون أهل تلك الكلمة وأحق بها من المشركين، وقيل: كانوا أحق بنزول السكينة عليهم وأهلا لها، وقيل: كانوا أحق بمكة أن يدخلوها وأهلها " وكان الله بكل شئ عليما " لما ذم الكفار بالحمية، ومدح المؤمنين بلزوم الكلمة والسكينة بين علمه ببواطن سرائرهم وما ينطوي عليه عقد ضمائرهم " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق " قالوا: إن الله تعالى أرى نبيه في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أن المسلمين دخلوا المسجد الحرام، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنهم دخلوا مكة عامهم ذلك، فلما انصرفوا ولم يدخلوا مكة قال المنافقون: ما حلقنا ولا قصرنا ولا دخلنا المسجد الحرام، فأنزل الله هذه الآية، وأخبر أنه أرى رسوله الصدق في منامه لا الباطل، وإنهم يدخلونه، وأقسم على ذلك فقال: " لتدخلن المسجد الحرام " يعني العام المقبل " إن شاء الله " قال أبو العباس: استثنى الله فيما يعلم

ليستشنى الناس فيما لا يعلمون، وقيل: إن الاستثناء من الدخول، وكان بين نزول الآية و الدخول سنة. وقد مات منهم ناس في السنة، فيكون تقديره ليدخلن كلكم إن شاء الله، إذ علم أن منهم من يموت قبل السنة أو يمرض فلا يدخلها فأدخل الاستثناء لئلا يقع في الخبر خلف، وقيل: إن الاستثناء داخل على الخوف والامن، فأما الدخول فلا شك فيه، وتقديره لتدخلن آمنين من العدو إن شاء الله، وقيل: إن " إن " هيهنا بمعنى " إذ " أي إذ شاء الله حين أرى رسوله، ذلك عن أبي عبيدة " محلقين رؤسكم ومقصرين " أي محرمين يحلق بعضكم رأسه، ويقصر بعض، وهو أن يأخذ بعض الشعر " لا تخافون " مشركا " فعلم " من الصلاح في صلح الحديبية " ما لم تعلموا " وقيل: علم في تأخير دخول المسجد الحرام من الخير والصلاح ما لم تعلموا أنتم، وهو خروج المؤمنين من بينهم، وغير ذلك " فجعل من دون ذلك " أي قبل الدخول " فتحا قريبا " يعني فتح خيبر، أو صلح الحديبية.

ثم قال رحمه الله: قصة فتح الحديبية: قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج يريد مكة، فلما بلغ الحديبية وقفت ناقته وزجرها فلم تنزجر، وبركت الناقة، فقال أصحابه: خلات الناقة، فقال صلى الله عليه وآله: " ما هذا لها عادة، ولكن حبسها حابس الفيل " ودعا عمر بن الخطاب ليرسله إلى أهل مكة ليأذنوا له بأن يدخل مكة ويحل من عمرته وينحر هديه، فقال: يا رسول الله ما لي بها حميم، وإني أخاف قريشا لشدة عداوتي إياها، ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني: عثمان بن عفان، فقال: صدقت، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله عثمان فأرسله إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا البيت، معظما لحرمته، فاحتبسته

قريش عندها. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمين أن عثمان قد قتل، فقال صلى الله عليه وآله:

" لا نبرح حتى نناجز القوم " فدعا الناس إلى البيعة، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الشجرة فاستند إليها وبايع الناس على أن يقاتلوا المشركين ولا يفروا، قال عبد الله بن مغفل: كنت قائما على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك اليوم وبيدي غصن من السمرة أذب عنه وهو يبايع الناس، فلم يبايعهم على الموت، وإنما بايعهم على أن لا يفروا.

وروى الزهري وعروة بن الزبير والمسور بن مخرمة قالوا: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وآله الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش، وسار رسول الله صلى الله عليه وآله حتى إذا كان بغدير الاشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم قاتلوك أو مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال صلى الله عليه وآله: " روحوا " فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وآله: " إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل القريش طليعة فخذوا ذات اليمين " وسار صلى الله عليه وآله حتى إذا كان بالثنية بركت راحلته، فقال صلى الله عليه وآله: " ما خلات القصوى ولكن حبسها حابس الفيل " ثم قال: " والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله

إلا أعطيتهم إياها " ثم زجرها فوثبت به قال: فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا ، فشكوا إليه العطش، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه في الماء فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاءهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وآله من أهل تهامة، فقال: أني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس و إن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله تعالى أمره " فقال بديل:

سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وإنه يقول كذا وكذا، فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال: إنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته، فقالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وآله وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك، وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوباشا من الناس خلقا إن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا، قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك

بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وآله، وكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وآله ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وآله ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وآله قبل أن لا ترجع إليك، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، قال: أي غدر أو لست أسعى في غدرتك (2)؟ قال: وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " أما الاسلام فقد قبلنا، وأما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه ".

ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي صلى الله عليه وآله إذا أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله ابتدروا أمره، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا أخفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، قال: فرجع عروة إلى أصحابه وقال:

أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ان رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، إذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقال: ائته، فلما أشرف عليهم قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

" هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها " فبعثت له، واستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فقام رجل

منهم يقال له: مكرز بن حفص فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وآله: " هذا مكرز وهو رجل فاجر " فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وآله فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو فقال صلى الله عليه وآله: قد سهل الله عليكم أمركم، فقال: اكتب بيننا وبينك كتابا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له:

" اكتب بسم الله الرحمن الرحيم " فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " اكتب باسمك اللهم، هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله " فقال سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " إني لرسول الله وإن كذبتموني " ثم قال لعلي عليه السلام: " امح رسول الله " فقال: يا رسول الله إن يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوة فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله فمحاه، ثم قال: " اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله

سهيل بن عمرو واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن، الناس، ويكف بعضهم عن بعض، وعلى أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجا أو معتمرا أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو الشام فهو آمن على دمه وماله، فإن بيننا عيبة مكفوفة، وإنه لا إسلال ولا إغلال، وإنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ".

فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا:

نحن في عقد قريش وعهدهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " على أن يخلوا بيننا وبين البيت فنطوف " فقال سهيل: والله ما تتحدث العرب انا أخذنا ضفطه، ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب، فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، ومن جاءنا ممن معك لم نرده عليك، فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فلو علم الله الاسلام من قلبه جعل له مخرجا " فقال سهيل: وعلى أنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة فإذا كان عام قابل خرجنا عنها لك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا ولا تدخلها بالسلاح إلا السيوف في القراب وسلاح الراكب، وعلى أن هذا الهدي حيث ما حبسناه محله لا تقدمه علينا، فقال صلى الله عليه وآله: " نحن نسوق وأنتم تردون؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " إنا لم نرض بالكتاب بعد " قال: والله إذا لا أصالحك على

شئ أبدا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " فأجره لي " قال: ما أنا بمجيره لك، قال: " بلى فافعل " قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بلى قد أجرناه، قال أبو جندل بن سهيل:

معاشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا، فقال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ فأتيت النبي صلى الله عليه وآله فقلت: ألست نبي الله؟ قال: " بلى " قلت: ألسنا على الحق و عدونا على الباطل؟ قال: " بلى " قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: " إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري " قلت: أو لست تحدثنا أنا سنأتي البيت و نطوف حقا؟ قال: " بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ " قلت: لا، قال: " فإنك تأتيه وتطوف به " فنحر رسول الله صلى الله عليه وآله بدنه ودعا بحالقه فحلق شعره ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات " الآية.

قال محمد بن إسحاق بن بشار: وحدثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب أن كاتب رسول الله صلى الله عليه وآله في هذا الصلح كان علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو " فجعل علي عليه السلام يتلكأ ويأبى أن يكتب إلا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد " فكتب ما قالوا، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا:

العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لاحد الرجلين: أني لأرى سيفك هذا جيدا، فاستله وقال: أجل إنه لجيد وجربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه به حتى برد، وفر الآخر حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله حين رآه: " لقد رأى هذا ذعرا " فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، قال: فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد أوفى الله ذمتك ورددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " ويل أمه مسعر حرب لو كان أحد " فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا الحق بأبي بصير حتى اجتمعت عليه عصابة، قال: فوالله لا يسمعون بعير لقريش قد خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن، فأرسل صلى الله عليه وآله إليهم فأتوه.

ثم قال رحمه الله في ذكر عمرة القضاء: وكذلك جرى الامر في عمرة القضاء في في السنة التالية للحديبية وهي سنة سبع من الهجرة في ذي القعدة، وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن المسجد الحرام، فخرج النبي صلى الله عليه وآله ودخل مكة مع أصحابه معتمرين، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام، ثم رجعوا إلى المدينة.

وعن الزهري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى

ميمونة بنت الحارث العامرية فخطبها صلى الله عليه وآله فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، وكانت تحته أختها أم الفضل بنت الحارث، فزوجها العباس من رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أصحابه فقال: " اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف " ليرى المشركون جلدهم وقوتهم، فاستكف أهل مكة الرجال والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله متوشحا بالسيف يقول:

خلوا بني الكفار عن سبيله * قد أنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله * اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله * ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله * يا رب إني مؤمن بقيله إني رأيت الحق في قبوله ويشير بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنزل الله في تلك العمرة: " الشهر الحرام بالشهر الحرام " وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله اعتمر في الشهر الحرام الذي صد فيه.

وقال في قوله تعالى: " إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ": قال ابن عباس:

صالح رسول الله صلى الله عليه وآله بالحديبية مشركي مكة على أن من أتاه من أهل مكة رده عليهم ومن أتى أهل مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فهو لهم ولم يردوه عليه، وكتبوا بذلك كتابا وختموا عليه، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة بعد الفراغ من الكتاب والنبي صلى الله عليه وآله بالحديبية، فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم - وقال مقاتل: هو صيفي بن الراهب - في طلبها، وكان كافرا، فقال: يا محمد أردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد فنزلت الآية: " يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات " من دار الكفر إلى دار الاسلام " فامتحنوهن " قال ابن عباس: امتحانهن، إن يستحلفن ما خرجن

من بغض زوج ولا رغبة عن أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا ، ولا خرجت إلا حبا لله ولرسوله، فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وآله ما خرجت بغضا لزوجها، ولا عشقا لرجل منا، وما خرجت إلا رغبة في الاسلام، فحلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وآله زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها عليه، فتزوجها عمر بن الخطاب، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يرد من جاءه من الرجال، ويحبس من جاءه من النساء إذا امتحن ويعطي أزواجهن مهورهن، قال الزهري ولما نزلت هذه الآية وفيها قوله: " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " طلق عمر بن الخطاب امرأتين كانتا له بمكة مشركتين: قريبة بنت أمية بن المغيرة، فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة، والأخرى أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية أم عبد الله بن عمر، فتزوجها أبو جهم بن حذافر بن غانم رجل من قومه وهما على شركهما، وكانت عند طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرق بينهما الاسلام حين نهى القرآن عن التمسك بعصم الكوافر، وكان طلحة قد هاجر وهي بمكة عند قومها كافرة، ثم تزوجها في الاسلام بعد طلحة خالد بن سعيد ابن العاص بن أمية، وكانت ممن فر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من نساء الكفار، فحبسها وزوجها خالدا، وأميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الدحداحة ففرت منه وهو يومئذ كافر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله سهل بن حنيف فولدت عبد الله ابن سهل

قال الشعبي: وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله امرأة أبي العاص بن الربيع فأسلمت ولحقت بالنبي صلى الله عليه وآله في المدينة، وأقام أبو العاص مشركا بمكة ثم أتى المدينة فأمنته زينب، ثم أسلم فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وآله.

وقال الجبائي: لم يدخل في شرط صلح الحديبية إلا رد الرجال دون النساء ولم يجر للنساء ذكر، وإن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت مسلمة مهاجرة من مكة فجاء أخواها إلى المدينة فسألا رسول الله صلى الله عليه وآله ردها عليهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن الشرط بيننا في الرجال لا في النساء " فلم يردها عليهما. قال الجبائي وإنما لم يجر هذا الشرط في النساء لأن المرأة إذا أسلمت لم تحل لزوجها الكافر فكيف ترد عليه وقد وقعت الفرقة بينهما؟ " فامتحنوهن " بالايمان " أي استوصفوهن الايمان وسماهن مؤمنات قبل أن يؤمن، لأنهن اعتقدن الايمان " الله أعلم بإيمانهن " أي كنتم تعلمون بالامتحان ظاهر إيمانهن، والله يعلم حقيقة إيمانهن في الباطن، ثم اختلفوا في الامتحان على وجوه:

أحدها إن الامتحان أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله عن ابن عباس.

وثانيها ما روي عن ابن عباس أيضا في رواية أخرى أن امتحانهن أن يحلفن ما خرجن إلا للدين والرغبة في الاسلام، ولحب الله ورسوله، ولم يخرجن لبغض زوج ولا لالتماس دنيا وروي ذلك عن قتادة.

وثالثها أن امتحانهن بما في الآية التي بعد وهو " أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين " الآية عن عائشة، ثم قال سبحانه: " فإن علمتموهن مؤمنات " يعني في الظاهر " فلا ترجعوهن إلى الكفار " أي لا تردوهن إليهم " لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن " وهذا يدل على وقوع الفرقة بينهما لخروجها مسلمة وإن لم يطلق المشرك. " وآتوهم ما أنفقوا " أي وآتوا أزواجهن الكفار ما أنفقوا عليهن من المهر، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، قال الزهري: لولا الهدنة لم يرد إلى المشركين الصداق كما كان يفعل قبل " ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن

أجورهن " أي ولا جناح عليكم معاشر المسلمين أن تنكحوا المهاجرات إذا أعطيتموهن مهورهن التي يستحل بها فروجهن، لأنهم بالاسلام قد بن من أزواجهن " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " أي لا تتمسكوا بنكاح الكافرات، وأصل العصمة المنع، وسمي النكاح عصمة لان المنكوحة تكون في حبالة الزوج وعصمته " واسألوا ما أنفقتم " أي إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدة فاسألوهم ما أنفقتم من المهر إذا منعوها ولم يدفعوها إليكم، كما يسألونكم مهور نسائهم إذا هاجرن إليكم، وهو قوله: " وليسألوا ما أنفقوا ذلكم " يعني ما ذكر الله في هذه الآية " حكم الله يحكم بينكم والله عليم " بجميع الأشياء " حكيم " فيما يفعل ويأمر به، قال الحسن: كان في صدر الاسلام تكون المسلمة تحت الكافر، والكافرة تحت المسلم فنسخته هذه الآية، قال الزهري: ولما نزلت هذه الآية آمن المؤمنون بحكم الله وأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما أمرهم به من أداء نفقات المسلمين، فنزل " وإن فاتكم شئ من أزواجكم " أي أحد من أزواجكم " إلى الكفار " فلحقن بهم مرتدات " فعاقبتم " معناه فغزوتم وأصبتم من الكفار عقبى وهي الغنيمة وظفرتم وكانت العاقبة لكم، وقيل: معناه فخلفتم من بعدهم وصار الامر إليكم، وقيل: إن عقب وعاقب بمثل صغر وصاغر بمعنى، وقيل: عاقبتم بمصير أزواج الكفار إليكم إما من جهة سبي أو مجيئهن مؤمنات " فآتوا الذين ذهبت أزواجهم " أي نساؤهم من المؤمنين " مثل ما أنفقوا " من المهور عليهن من رأس الغنيمة، وكذلك من ذهبت زوجته إلى من بينكم وبينه عهد فنكث في إعطاء المهر فالذي ذهب زوجته يعطى المهر من الغنيمة، ولا ينقص شئ من حقه بل يعطى كملا عن ابن عباس والجبائي، وقيل: معناه إن فاتكم أحد من

أزواجكم إلى الكفار الذين بينكم وبينهم عهد فغنمتم فأعطوا زوجها صداقها الذي كان ساق إليها من الغنيمة، ثم نسخ هذا الحكم في براءة فنبذ إلى كل ذي عهد عهده عن قتادة، وقال علي بن عيسى: معناه فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من المهور كما عليهم أن يردوا عليكم مثل ما أنفقتم لمن ذهب من أزواجكم. " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " أي اجتنبوا معاصي الله الذي أنتم تصدقون به، ولا تجاوزوا أمره. وقال الزهري: فكان جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين راجعات عن الاسلام ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان، كانت تحت عياض ابن شداد الفهري، وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة، أخت أم سلمة، كانت تحت عمر بن الخطاب، فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدت، ويروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن فضلة، وزوجها عمرو ابن عبد ود، وهند بنت أبي جهل بن هشام كانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر، فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وآله مهور نسائهم من الغنيمة انتهى.

ولنوضح: بعض ما ربما يشتبه على بعض من اللغات: قال الجزري: الحديبية قرية قريبة من مكة، سميت ببئر هناك، وهي مخففة، وكثير من المحدثين يشددونها.

وقال الجوهري: خلات الناقة، أي حرنت وبركت من غير علة.

وقال الجزري: الخطة بالضم: الحال، والامر، والخطب: وقال: الثمد بالتحريك: الماء القليل، وقال: يتبرضه الناس تبرضا، أي يأخذونه قليلا قليلا، والبرض: الشئ القليل. وقال: يجيش، أي يفور ماؤه ويرتفع.

قوله: عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وآله، قال في جامع الأصول: يقال عيبة نصح فلان: إذا كان موضع سره وثقته في ذلك.

قوله: معهم العوذ المطافيل، قال الجزري: يريد النساء والصبيان، والعوذ في الأصل جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت، وبعدما تضع أياما حتى يقوى ولدها.

والمطافيل: الإبل مع أولادها، والمطفل: الناقة القريب العهد بالنتاج معها طفلها، يقال: أطفلت، فهي مطفل ومطفلة، والجمع مطافل ومطافيل، بالاشباع، يريد أنهم جاؤوا بأجمعهم كبارهم وصغارهم.

قوله: قد نهكتهم الحرب، أي أضرت بهم وأثرت فيهم. قوله: ماددتهم، أي جعلت بيني وبينهم أمدا طويلا أصالحهم فيه، وهو فاعل من المد قوله: فقد جموا، أي استراحوا، والجمام: الراحة بعد التعب، أو كثروا من الجم الغفير. قوله صلى الله عليه وآله: حتى تنفرد سالفتي، السالفة: صفحة العنق، وهما سالفتان من جانبيه، كنى بانفرادها عن الموت، لأنها لا تنفرد عما يليها إلا بالموت، وقيل: أراد حتى يفرق بين رأسي وجسدي، ذكره الجزري، وقيل: السالفة: حبل العنق. وهو العرق الذي بينه وبين الكتف . قوله: أوباشا، أي أخلاطا وسفلة، وفي بعض النسخ:

أشوابا بمعناه، وفي بعضها: اشابا، وفي بعضها أو شابا، والمعنى واحد.

قوله: امصص ببظر اللات، قال الجزري: البظر بفتح الباء: الهنة التي تقطعها الخافضة من فرج المرأة عند الختان، ومنه الحديث يا ابن المقطعة البظور، ودعاه بذلك لان أمة كانت تختن النساء، والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم، وإن لم تكن أم من يقال له خاتنة انتهى.

وقيل: البظر: هنة بين ناحيتي الفرج، وهي ما تبقيه الخافضة عند القطع، واللات المراد بها الصنم.

وقال الفيروزآبادي: هو يمصه ويبظره، أي قال له: امصص بظر فلانة.

وقال الجزري: فيه قال عروة بن مسعود للمغيرة: يا غدر، وهل غسلت غدرتك إلا بالأمس؟ غدر معدول عن غادر للمبالغة، يقال للذكر: غدر، وللأنثى عدار كقطام، وهما مختصان بالنداء في الغالب انتهى.

وفي جامع الأصول: ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وآله بعينه.

قال: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وآله نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره إلى آخر القصة.

قوله: هذا ما قضى، وفي بعض النسخ: قاضى، قال الجزري: في صلح الحديبية:

" هذا ما قاضى عليه محمد، هو فاعل من القضاء: الفصل، والحكم، لأنه كان بينه وبين أهل مكة.

قوله: عيبة مكفوفة قال الجزري: أي بينهم صدر نقي من الغل والخداع، مطوي على الوفاء بالصلح، والمكفوفة: المشرجة المشدودة، وقيل: أراد أن بينهم موادعة ومكافة عن الحرب تجريان مجرى المودة التي تكون بين المتصافين الذين يثق بعضهم إلى بعض، وقال في مكفوفة: أي مشرجة على ما فيها مقفلة، ضربها مثلا للصدور، وإنها نقية من الغل والغش فيما اتفقوا عليه من الصلح والهدنة، وقيل: معناه أن يكون الشر بينهم مكفوفا، كما تكف العيبة على ما فيها من المتاع، يريد أن الدخول التي كانت بينهم اصطلحوا على أن لا ينشروها، فكأنهم قد جعلوها في وعاء وأشرجوا عليه. وقال: الاسلال: السرقة الخفية، يقال: سل البعير أو غيره في جوف الليل: إذا انتزعه من بين الإبل، وهي السلة، وأسل أي صار ذا سلة، ويقال:

الاسلال: الغارة الظاهرة، والاغلال: الخيانة أو السرقة الخفية، يقال: غل يغل، فأما أغل وأسل فمعناه صار ذا غلول وذا سلة، ويكون أيضا أن يعين غيره عليهما،

وقيل: الاغلال: لبس الدروع، والاسلال: سل السيوف.

قوله: ضغطة، قال الجزري: أي قهرا، يقال: أخذت فلانا ضغطة بالضم إذا ضيقت عليه لتكرهه على الشئ.

قوله صلى الله عليه وآله: نحن نسوق، الظاهر أنه على الاستفهام الانكاري. قوله:

يرسف، بضم السين وكسرها الرسف: مشي المقيد إذا جاء يتحامل برجله مع القيد.

قوله: أجزه لي في جامع الأصول بالزاء المعجمة من الإجازة، أي اجعله جائزا غير ممنوع، أو أطلقه، أو بالراء المهملة من الإجارة بمعنى الحماية والحفظ والأمان، وكأن سهيلا لم يجز أمان مكرز، أو كان أراد مكرز إجارته من التعذيب، وفي بعض رواياتهم بعد ذلك: ثم جعل سهيل يجره ليرده إلى قريش.

وقال الجزري: الدنية: الخصلة المذمومة، والأصل فيه الهمز وقد يخفف وقال: تلكأت، أي توقفت وتباطأت. وقال: سعرت النار والحرب: أوقدتهما، وسعرتهما بالتشديد للمبالغة، والمسعر والمسعار: ما تحرك به النار من آلة الحديد، يصفه بالمبالغة في الحرب. والنجدة.

أقول: روى في جامع الأصول عند سياق قصة الحديبية عن علي عليه السلام قال: لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين، منهم سهيل بن عمرو وأناس من رؤساء المشركين فقالوا: يا رسول الله قد خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا وليس بهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارا من أموالنا وضياعنا فارددهم إلينا فإن لم يكن فقه في الدين سنفقههم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا معشر قريش لتنتهين أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلوبهم على الايمان؟ " قال أبو بكر وعمر: من هو يا رسول الله؟ قال: " هو خاصف النعل " وكان

قد أعطى عليا نعله يخصفها، ثم التفت إلينا علي عليه السلام فقال: قال رسول الله: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ".

قوله: فاستكف أهل مكة، يقال: استكفوا حوله، أي أحاطوا به ينظرون إليه.

أقول: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " قيل:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.