بحارالانوار · المجلد السادس
21 - باب مراسلاته صلى الله عليه وآله إلى ملوك العجم والروم
ج ۲۰، ص ۳۷۶–۳۹۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
بيان: فتسلق أي صعد.
2 - الخرائج: روي أن هرقل بعث رجلا من غسان وأمره أن يأتيه بخبر محمد، وقال له: احفظ لي من أمره ثلاثا: انظر على أي شئ تجده جالسا، ومن على يمينه، وإن استطعت أن تنظر إلى خاتم النبوة فافعل، فخرج الغساني حتى أتى النبي صلى الله عليه وآله فوجده جالسا على الأرض، ووجد علي بن أبي طالب عليه السلام عن يمينه، وجعل رجليه في ماء يفور، فقال: من هذا على يمينه؟ قيل: ابن عمه، فكتب ذلك ونسي الغساني الثالثة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: تعال فانظر إلى ما أمرك به صاحبك، فنظر إلى خاتم النبوة، فانصرف الرجل إلى هرقل، قال: ما صنعت؟ قال: وجدته جالسا على الأرض، والماء يفور تحت قدميه، ووجدت عليا ابن عمه عن يمينه، وأنسيت ما قلت لي في الخاتم، فدعاني فقال: " هلم إلى ما أمرك به صاحبك " فنظرت إلى خاتم النبوة، فقال هرقل: هذا الذي بشر به عيسى بن مريم، إنه يركب البعير فاتبعوه وصدقوه، ثم قال للرسول: اخرج إلى أخي فأعرض عليه فإنه شريكي في الملك، فقلت له فما طاب نفسه عن ذهاب ملكه.
بيان: قوله: فقلت له، لعله من كلام الراوي، قال للامام عليه السلام: إنما قال هرقل: شريكي، لأنه لم يطب نفسه أن يذهب ملكه، ويحتمل أن يكون في الأصل فقال، أي النبي صلى الله عليه وآله، والأظهر أن المراد أن هرقل قال لرسوله: اخرج إلى أخي فأعرض عليه الاسلام، فإن أسلم أسلمت، وكان أخوه شريكه في السلطنة وقوله: فقلت، كلام الرسول على الالتفات، وضمير (له) للأخ وكذا ضمير (نفسه).
3 - الخرائج: روي أن دحية الكلبي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله بكتاب إلى قيصر فأرسل إلى الأسقف فأخبره بمحمد وكتابه، فقال: هذا النبي الذي كنا ننتظره
بشرنا به عيسى بن مريم، وقال الأسقف: أما أنا فمصدقه ومتبعه، فقال قيصر: أما أنا إن فعلت ذلك ذهب ملكي، ثم قال قيصر: التمسوا لي من قومه ههنا أحدا أسأله عنه، وكان أبو سفيان وجماعة من قريش دخلوا الشام تجارا فأحضرهم، وقال: ليدن مني أقربكم نسبا به، فأتاه أبو سفيان فقال: أنا سائل عن هذا الرجل الذي يقول:
إنه نبي، ثم قال لأصحابه: إن كذب فكذبوه، قال أبو سفيان: لولا حيائي أن يأثر أصحابي عني الكذب لأخبرته بخلاف ما هو عليه، فقال: كيف نسبه فيكم؟
قلت: ذو نسب، قال: هل قال: هذا القول منكم أحد؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟
قلت ضعفاؤهم، قال: فهل يزيدون أو ينقصون؟ قلت يزيدون، قال: يرتد أحد منهم سخطا لدينه، قلت: لا، قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، قال: فهل قاتلتموه؟
قلت: نعم، قال: فكيف حربكم وحربه؟ قلت: ذو سجال: مرة له، ومرة عليه قال: هذا آية النبوة، قال: فما يأمركم؟ قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصوم والعفاف والصدق وأداء الأمانة والوفاء بالعهد، قال: هذه صفة نبي وقد كنت أعلم أنه يخرج ولم أظن أنه منكم، فإنه يوشك أن يملك ما تحت قدمي هاتين، ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقياه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه، وإن النصارى اجتمعوا على الأسقف ليقتلوه، فقال: اذهب إلى صاحبك فاقرأ عليه السلام و أخبره أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن النصارى أنكروا ذلك
علي، ثم خرج إليهم فقتلوه.
بيان: قال الجوهري تقول: أثرت الحديث آثره: إذا ذكرته عن غيرك، وقال الجزري: السجل: الدلو الملأى ماء، ويجمع على سجال، ومنه حديث أبي سفيان وهرقل: والحرب بيننا سجال، أي مرة لنا، ومرة علينا، وأصله أن المستقين بالسجل يكون لكل واحد منهم سجل. وقال: تجشمت الامر تكلفته.
4 - الخرائج: روي أنه لما بعث محمد صلى الله عليه وآله بالنبوة بعث كسرى رسولا إلى باذان عامله في أرض المغرب: بلغني أنه خرج رجل قبلك يزعم أنه نبي فلتقل له: فليكفف عن ذلك، أو لأبعثن إليه من يقتله ويقتل قومه، فبعث باذان إلى النبي صلى الله عليه وآله بذلك فقال: " لو كان شئ قلته من قبلي لكففت عنه، ولكن الله بعثني " وترك رسل باذان وهم خمسة عشر نفرا لا يكلمهم خمسة عشر يوما ثم دعاهم، فقال: اذهبوا إلى صاحبكم فقولوا له: إن ربي قتل ربه الليلة، إن ربي قتل كسرى الليلة، ولا كسرى بعد اليوم، وقتل قيصر ولا قيصر بعد اليوم، فكتبوا قوله فإذا هما قد ماتا في الوقت الذي حدثه محمد صلى الله عليه وآله.
5 - الخرائج: روي عن جرير بن عبد الله البجلي قال: بعثني النبي صلى الله عليه وآله بكتابه إلى ذي الكلاع وقومه فدخلت عليه فعظم كتابه، وتجهز وخرج في جيش عظيم، وخرجت معه نسير إذ رفع لنا دير راهب، فقال: أريد هذا الراهب، فلما دخلنا عليه سأله أين تريد؟ قال: هذا النبي الذي خرج في قريش وهذا رسوله، قال الراهب: لقد مات هذا الرسول، فقلت: من أين علمت بوفاته؟ قال: إنكم قبل أن تصلوا إلي كنت أنظر في كتاب دانيال، مررت بصفة محمد ونعته وأيامه وأجله فوجدت أنه توفي في هذه الساعة، فقال ذو الكلاع: أنا أنصرف، قال جرير: فرجعت فإذا رسول
الله صلى الله عليه وآله توفي ذلك اليوم.
6 - مناقب ابن شهرآشوب: الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: بعث الله إلى كسرى ملكا وقت الحاجرة وقال: يا كسرى تسلم أو اكسر هذه العصا، فقال: بهل بهل، فانصرف عنه فدعا حراسه وقال: من أدخل هذا الرجل علي؟ فقالوا: ما رأيناه، ثم أتاه في العام المقبل ووقته فكان كما كان أولا، ثم أتاه في العام الثالث فقال: تسلم أو اكسر هذه العصا، فقال: بهل بهل، فكسر العصا، ثم خرج فلم يلبث أن وثب عليه ابنه فقتله.
7 - مناقب ابن شهرآشوب : ابن مهدي المامطيري في مجالسه: إن النبي كتب إلى كسرى " من محمد رسول الله إلى كسرى بن هرمزد، أما بعد فأسلم تسلم، وإلا فأذن بحرب من الله ورسوله، والسلام على من اتبع الهدى.
فلما وصل إليه الكتاب مزقه واستخف به، وقال: من هذا الذي يدعوني إلى دينه، ويبدأ باسمه قبل اسمي. وبعث إليه بتراب فقال صلى الله عليه وآله: " مزق الله ملكه كما مزق كتابي، أما إنه ستمزقون ملكه، وبعث إلي بتراب أما إنكم ستملكون أرضه " فكان كما قال.
الماوردي في أعلام النبوة: إن كسرى كتب في الوقت إلى عامله باليمن باذان ويكني أبا مهران: أن احمل إلي هذا الذي يذكر أنه نبي، وبدأ باسمه قبل اسمي ودعاني إلى غير ديني، فبعث إليه فيروز الديلمي في جماعة مع كتاب يذكر فيه ما كتب به كسرى، فأتاه فيروز بمن معه، فقال له: إن كسرى أمرني أحملك إليه، فاستنظره ليلة، فلما كان من الغد حضر فيروز مستحثا، فقال النبي صلى الله عليه وآله:
" أخبرني ربي أنه قتل ربك البارحة، سلط الله عليه ابنه شيرويه على سبع ساعات من الليل، فامسك حتى يأتيك الخبر " فراع ذلك فيروز وهاله وعاد إلى باذان فأخبره فقال له باذان: كيف وجدت نفسك حين دخلت عليه؟ فقال: والله ما هبت أحدا كهيبة هذا الرجل، فوصل الخبر بقتله في تلك الليلة من تلك الساعة، فأسلما جميعا، وظهر العبسي وما افتراه من الكذب فأرسل عليه السلام إلى فيروز: " اقتله قتله الله " فقتله.
8 - أقول: قال الكاذروني في المنتقى في حوادث السنة السادسة: فيها اتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الخاتم، وذلك أنه قيل: إن الملوك لا يقرؤن كتابا إلا مختوما.
وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وآله ستة نفر فخرجوا مصطحبين في ذي الحجة: حاطب من أبي بلتعة إلى المقوقس، ودحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر، وعبد الله بن حذافة إلى كسرى، وعمرو بن أمية الضميري إلى النجاشي، وشجاع
بن وهب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي النخعي، أما المقوقس فإنه لما وصل إليه حاطب أكرمه وأخذ كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وكتب في جوابه: قد علمت أن نبيا قد بقي، وقد أكرمت رسولك، وأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أربع جوار منهن مارية أم إبراهيم، و أختها سيرين، وحمارا يقال له: عفير، وقيل: يعفور، وبغلة يقال لها: الدلدل، ولم يسلم، فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله هديته، وقال: " ضن الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه، واصطفى مارية لنفسه، وأما سيرين فوهبها لحسان بن وهب، وأما الحمار
فنفق منصرفه من حجة الوداع، وأما البغلة فبقيت إلى زمان معاوية.
وأما قيصر وهو هرقل ملك الروم فإنه أصبح يوما مهموما، فقالت له بطارقته في ذلك، فقال: أجل أريت في هذه الليلة أن ملك الختان صار ظاهرا، قالوا:
ما نعلم أمة تختتن إلا يهود، وهم في سلطانك: وسألوه أن يقتلهم جميعا فيستريح، فبينا هم في ذلك من رأيهم إذ أتاهم رسول صاحب بصرى برجل من العرب يقوده فقال: أيها الملك إن هذا من العرب، يحدث عن أمر حدث ببلاده عجب، فقال هرقل لترجمانه: سله ما هذا الحدث الذي كان ببلاده، فسأله فقال: خرج من بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي، فاتبعه ناس، وخالفه الآخرون، وكانت بينهم ملاحم فتركتهم على ذلك، قال: جردوه، فجردوه فإذا هو مختون، فقال هرقل: هذا والله الذي رأيت، أعطوه ثوبه انطلق ثم دعا صاحب شرطته فقال: قلب لي الشام ظهرا وبطنا حتى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل يعني النبي صلى الله عليه وآله، قال أبو سفيان وكنت قد خرجت في تجارة في زمن الهدنة فهجم علينا صاحب شرطته، فقال: أنتم من قوم هذا الرجل؟ فقلنا: نعم فدعانا.
وبإسنادي في سماع البخاري إليه بإسناده عن عبد الله بن عباس أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوهم بإيليا فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا ترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا، فقال: ادنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوه عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل
لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، قال أبو سفيان:
فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قبله قط؟ قلت: لا، قال: فهل كان في آبائه من ملك؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت:
بل يزيدون، قال: فهل يرتد منهم أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال فهل يغدر؟ قلت:
لا، ونحن في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، قال: ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟
قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه، قال: فماذا يأمركم؟ قلت:
يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة، فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم:
هذا القول؟ فذكرت أنه لا، فقلت: لو قال أحد هذا القول قبله لقلت رجل يأتيني بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد علمت إنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟
فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟
فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الايمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد سخطة
لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الايمان حين يخالط بشاشة القلوب، وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدقة والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاه، ولو كنت عنده لغسلت قدمه، ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه:
" بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله عبده ورسوله إلى هرقل عظيم الروم وسلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني أدعوك بدعاية الاسلام أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم اليريسين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ".
قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات فأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله على الاسلام.
هرقل عظيم الروم، ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه توفي النبي صلى الله عليه وآله.
ماد فيها، أي ضرب لهم مدة في الهدنة إلى انقضاء المدة، وإيليا: بيت المقدس ومعناه بيت الله، وحكي فيه القصر، وبلغة ثالثة: " إلياء " بحذف الياء الأولى، و سكون اللام والمد والترجمان بفتح التاء وضم الجيم، وروى بضمهما، وهو المفسر لغة بلغة. قوله: أن يأثروا علي أي عني والسخطة : الكراهية للشئ وعدم الرضاء به. قوله: سجال أي مرة على هؤلاء، ومرة على هؤلاء من مساجلة المستقين على البئر بالدلاء. وبشاشة القلوب: انسها ولطفها. قوله: لتجشمت، أي تكلفت ما فيه من مشقة وبصرى: مدينة فيصارية من الشام. والدعاية: الدعوة، وهي من دعوت، كالشكاية من شكيت. قوله: يؤتك الله أجرك مرتين: مرة لاتباع عيسى أو غيرة، ومرة لاتباعه صلى الله عليه وآله. قوله: إثم الاريسيين هكذا أورده جل الرواة وروي " اليريسين " و روي " الأريسين " قيل: هم الاكارون، وقيل: الخدم والأعوان، معناه ان عليك إثم رعاياك ممن صددته عن الاسلام فاتبعوك على كفرك، أي إن عليك مثل إثمهم
قوله: أمر أمر ابن أبي كبشة، أي عظم، وأبو كبشة اسم الحارث بن عبد العزي رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأصنام وعبد الشعرى، وقد مر ذكره في آباء النبي صلى الله عليه وآله، وقيل: هو زوج حليمة مرضعة النبي صلى الله عليه وآله، وبنو الأصفر: الروم وجدهم الأصفر بن روم بن إسحاق، وقيل: بل لان جيشا من الحبش غلب عليهم في الزمان الأول فوطئ نساؤهم فولدوا أولادا أصفر نسبوا إليهم.
وأما كسرى فلما بلغه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله قرأه فمزقه، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن يمزقوا كل ممزق.
وروي عن محمد بن إسحاق قال: قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله بن حذافة بن قيس إلى كسرى بن هرمز ملك فارس، وكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بداعية الله عز وجل، فإني أنا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك ".
فلما قرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله شققه وقال: يكتب إلي بهذا الكتاب وهو عبدي؟ فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " مزق الله ملكه " حين بلغه أنه شقق كتابه، ثم كتب كسرى إلى باذان وهو على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز من عندك رجلين جلدين فليأتياني به.
وفي رواية كتب إلى باذان أن بلغني أن في أرضك رجلا يتنبأ فاربطه وابعث
به إلي، فبعث باذان قهرمانه وهو بانوبه وكان كاتبا حاسبا، وبعث معه برجل من الفرس يقال له: خرخسك، فكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لبانوبه: ويلك انظر ما الرجل وكلمه وأتني بخبره، فخرجا حتى قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وآله وكلمه بانوبه، وقال: إن شاهنشاه ملك الملوك كسرى كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتبت فيك إلى ملك الملوك بكتاب ينفعك ويكف عنك به، وإن أبيت فهو من قد علمت، فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك، وكانا قد دخلا على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما، وقال: " ويلكما من أمر كما بهذا؟ " قالا: أمرنا بهذا ربنا، يعنيان كسرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي " ثم قال لهما: " ارجعا حتى تأتياني غدا " وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله الخبر من السماء أن الله عز وجل قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهر كذا وكذا لكذا وكذا من الليل، فلما أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله قال لهما: إن ربي قد قتل ربكما ليلة كذا وكذا من شهر كذا وكذا بعد ما مضى من الليل كذا وكذا، سلط عليه شيرويه فقتله فقالا: هل تدرى ما تقول؟! إنا قد نقمنا منك ما هو أيسر من هذا، فنكتب بها عنك ونخبر الملك، قال: " نعم أخبراه ذلك عني وقولا له:
إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف الحافر،
وقولا له: إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك ".
ثم أعطى خرخسك منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك، فخرجا من عنده حتى قدما على باذان وأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبيا كما يقول، ولننظر ما قد قال، فلئن كان ما قد قال حقا، ما فيه كلام أنه نبي مرسل، وإن لم يكن فسترى فيه رأينا، فلم يلبث باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه:
أما بعد فإني قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبا لفارس، لما كان استحل من قتل أشرافهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك، وأنظر الرجل الذي كان كسرى كتب إليه فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه.
فلما انتهى كتاب شيرويه باذان قال: إن هذا الرجل لرسول فأسلم و أسلمت الأبناء من فارس من كان منهم باليمن.
وأما النجاشي فإن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عمرو بن أمية إليه في شأن جعفر ابن أبي طالب وأصحابه، وكتب:
" بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة، إني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة، فحملت بعيسى، وأني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، فإن تبعتني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، والسلام على من اتبع الهدى ".
فكتب النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله:
" بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي، سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، الذي لا إله الا هو، الذي هداني إلى الاسلام، أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض أن عيسى ما يزيد على ما ذكرت ثفروقا، إنه كما قلت وقد عرفنا ما بعثت به إلينا ، وقدم ابن عمك وأصحابك، وأشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبي الله فإن شئت أن آتيتك فعلت يا رسول الله صلى الله عليه وآله، فإني أشهد أن ما تقول حق والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ".
قال ابن إسحاق: فذكر لي إنه بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة حتى إذا توسطوا البحر غرقت بهم السفينة فهلكوا
قال الواقدي عن أشياخه: كتب رسول الله إلى النجاشي كتابين يدعوه في أحدهما إلى الاسلام، ويتلو عليه القرآن، فأخذ كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله فوضعه على عينه، ونزل من سريره، ثم جلس على الأرض تواضعا، ثم أسلم وشهد شهادته الحق، وقال:
لو كنت أستطيع أن آتيه لآتينه، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بإجابته وتصديقه وإسلامه على يد جعفر بن أبي طالب.
وفي الكتاب الآخر يأمره أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قد هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش الأسدي، فتنصر هناك، ومات وأمره في الكتاب أن يبعث إليه بمن قبله من أصحابه. ففعل ذلك، وهذه الأخبار دالة على أن النجاشي هو الذي كانت الهجرة إلى أرضه وروي أنه غير ذلك.
وأما الحارث بن أبي الشمر الغساني، فقال شجاع بن وهب: انتهيت بكتاب رسول الله وهو بغوطة دمشق وهو مشغول بتهية الانزال والالطاف لقيصر، وهو جاء من حمص إلى إيليا، فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة، فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه وكان روميا يسألني عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فكنت أحدثه عن صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وما يدعو إليه فيرق حتى يغلبه البكاء، ويقول: إني قرأت الإنجيل وأجد صفة هذا النبي بعينه، وأنا أؤمن به وأصدقه، وأخاف من الحارث أن يقتلني، و كان يكرمني ويحسن ضيافتي ، فخرج الحارث يوما فجلس ووضع التاج على رأسه وأذن لي عليه فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقرأه ثم رمى به وقال: من
ينتزع مني ملكي؟ أنا سائر إليه، ولو كان باليمن جئته، علي بالناس، فلم يزل يعرض حتى قام وأمر بالخيول تنعل، ثم قال: اخبر صاحبك بما ترى، وكتب إلى قيصر يخبره خبري وما عظم عليه، فكتب إليه قيصر: أن لا تسر إليه واله عنه ووافني بإيليا، فلما جاءه جواب كتابه دعاني فقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ فقلت: غدا، فأمر لي بمائة مثقال ذهب ووصلني حاجبه بنفقة وكسوة، فقال: اقرأ على رسول الله صلى الله عليه وآله مني السلام فقدمت على النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته فقال: " باد ملكه " ومات الحارث بن أبي الشمر عام الفتح.
وأما هوذة بن علي فإنه كان من الملوك العقلاء إلا أن التوفيق عزيز.
قال الواقدي عن أشياخه: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله سليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي يدعوه إلى الاسلام، وكتب معه كتابا فقدم عليه فأنزله و حياه وقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكتب إليه: " وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الامر أتبعك ".
وأجاز سليط بن عمرو بجائزة وكساه أثوابا من نسج هجر، فقدم بذلك كله على رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره عنه بما قال فقرأ كتابه وقال: " لو سألني سبابة من
الأرض ما فعلت، باد وباد ما في يده " فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله من الفتح جاءه جبرئيل فأخبره أنه قد مات.
بيان: قال الجزري: البش: فرح الصديق بالصديق، واللطف في المسألة، والاقبال عليه، ومنه حديث قيصر: " وكذلك الايمان إذا خالط بشاشة القلوب " بشاشة اللقاء: الفرح بالمرئي والانبساط إليه والانس به.
وقال: في كتابه إلى هرقل " أدعوك بدعاية الاسلام " أي بدعوته، وهي كلمة الشهادة يدعى إليها أهل الملل الكافرة، وفي رواية " بداعية الاسلام "، وهي مصدر بمعنى الدعوة كالعافية والعاقبة. وقال: أمر، أي كثر وارتفع شأنه، وقال: كان المشركون ينسبون النبي صلى الله عليه وآله إلى أبي كبشة، وهو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان وعبد الشعرى العبور، فلما خالفهم النبي صلى الله عليه وآله في عبادة الأوثان شبهوه به، وقيل: إنه كان جد النبي صلى الله عليه وآله من قبل أمه، فأرادوا أنه نزع في الشبه إليه.
وقال: في كتاب النبي صلى الله عليه وآله إلى هرقل: " فإن أبيت فعليك إثم الأريسين " قد اختلف في هذه اللفظة صفة ومعنى، فروى الأريسين بوزن الكريمين وروي الاريسيين بوزن الشريبيين، فقال أبو عبيد: هم الخدم والخول، يعني بصدهم إياهم عن الدين، كما قال: " ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا " أي عليك مثل إثمهم، وقال ابن الاعرابي: أرس يأرس أرسا، فهو أريس، وأرس يؤرس تأريسا فهو أريس، وجمعها أريسون وإريسون وآرارسة هم الاكارون، وإنما قال ذلك لان الاكارين كانوا عندهم من الفرس، وهم عبدة النار فجعل عليه إثمهم، وقال أبو عبيدة: أصحاب الحديث يقولون: الاريسيين منسوبا مجموعا، والصحيح الأريسين،
يعني بغير نسب، ورده الطحاوي عليه، وقال بعضهم: إن في رهط هرقل فرقة تعرف بألاروسية، فجاء على النسب إليهم، وقيل: إنهم أتباع عبد الله بن أريس:
رجل كان في الزمن الأول قتلوا نبيا بعث الله إليهم، وقيل: الاريسون: الملوك واحدهم أريس، وقيل: هم العشارون انتهى.
قوله: ثفروقا، أي شيئا، قال الفيروزآبادي: الثفروق بالضم: قمع التمرة، أو ما يلتزق به قمعها، وماله ثفروق، أي شئ.
أقول: ثم قال الكازروني: وفي هذه السنة جاءت خولة بنت ثعلبة، وكان زوجها أوس بن الصامت فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه ظاهر منها.
أقول: سيأتي شرح القصة في باب ما جرى بينه صلى الله عليه وآله وبين أصحابه.
ثم قال: وفيها ماتت أم رومان أم عائشة، وفيها أسلم أبو هريرة.
9 - وقال ابن الأثير: وأرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن شادي أخي عبد القيس، وقيل: إن إرساله كان سنة ثمان، فلما أتاه العلآه يدعوه
ومن معه بالبحرين إلى الاسلام أو الجزية، وكانت ولاية البحرين للفرس، فأسلم المنذر، وأسلم جمع من العرب، فأما أهل البلاد من اليهود والنصارى والمجوس فإنهم صالحوا العلاء والمنذر على الجزية ولم يكن بالبحرين قتال، إنما بعضهم أسلم، وبعضهم صالح.
10 - نقل من خط الشهيد رحمه الله قيل: كتب النجاشي رحمه الله كتابا إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: " اكتب جوابا وأوجز " فكتب:
" بسم الله الرحمن الرحيم " أما بعد فكأنك من الرقة علينا منا وكأنا من الثقة بك منك، لأنا لا نرجو شيئا منك إلا نلناه، ولا نخاف منك أمرا إلا أمناه وبالله التوفيق " فقال النبي صلى الله عليه وآله: الحمد لله الذي جعل من أهلي مثلك، وشد أزري بك.
بسم الله الرحمن الرحيم 22
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.