پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 8 معجزاته صلى الله عليه وآله في كفاية شر الأعداء

ج ۱۸، ص ۴۴–۷۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۸

المائدة " 5 ": يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم 11.

الحجر " 15 ": كما أنزلنا على المقتسمين * الذين جعلوا القرآن عضين 90 و 91.

وقال تعالى: إنا كفيناك المستهزئين * الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون 95 و 96.

النحل " 16 ": وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون * ولقد جائهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون 112 و 113.

الاسرى " 17 ": وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا * وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا 45 و 46.

وقال تعالى: وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا * سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا 76 و 77.

الزمر " 39 ": أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يظلل الله فماله من هاد 36.

تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " فسيكفيكهم الله ": وعد الله سبحانه رسوله بالنصرة وكفاية من يعاديه من اليهود والنصارى الذين شاقوه، وفي هذا دلالة بينة على نبوته وصدقه (صلى الله عليه وآله).

وفي قوله تعالى: " إذ هم قوم ": اختلف فيمن بسط إليهم الأيدي على أقوال:

أحدها: أنهم اليهود، هموا بأن يفتكوا بالنبي (صلى الله عليه وآله)، وهم بنو النضير، دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع جماعة من أصحابه عليهم وكانوا قد عاهدوه على ترك القتال، و على أن يعينوه في الديات، فقال (صلى الله عليه وآله): رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان مني، فلزمني ديتهما، فأريد أن تعينوني، فقالوا: نعم أجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا، وهموا بالفتك بهم، فآذن الله رسوله فأطلع النبي (صلى الله عليه وآله) أصحابه على ذلك وانصرفوا، وكان ذلك إحدى معجزاته، عن مجاهد وقتادة وأكثر المفسرين.

وثانيها: أن قريشا بعثوا رجلا ليفتك بالنبي (صلى الله عليه وآله) فدخل عليه وفي يده سيف مسلول، فقال له: أرنيه، فأعطاه إياه، فلما حصل في يده قال: ما الذي يمنعني من قتلك؟ قال: الله يمنعك، فرمى السيف وأسلم، واسم الرجل عمرو بن وهب الجمحي،

بعثه صفوان بن أمية ليغتاله بعد بدر، وكان ذلك سبب إسلام عمرو بن وهب عن الحسن.

وثالثها: أن المعني بذلك ما لطف الله للمسلمين من كف أعدائهم عنهم حين هموا باستئصالهم بأشياء شغلهم بها من الأمراض والقحط وموت الأكابر وهلاك المواشي وغير ذلك من الأسباب التي انصرفوا عندها من قتل المؤمنين عن الجبائي.

ورابعها: ما قاله الواقدي: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) غزا جمعا من بنى ذبيان ومحارب بذي أمر فتحصنوا برؤوس الجبال، ونزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحيث يراهم، فذهب لحاجته فأصابه مطر فبل ثوبه فنشره على شجرة واضطجع تحته والاعراب ينظرون إليه، فجاء سيدهم دعثور بن الحارث حتى وقف على رأسه بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد من يمنعك مني اليوم؟ فقال: الله، فدفع جبرئيل في صدره، ووقع السيف من يده، فأخذه رسول الله (صلى الله عليه وآله ) وقام على رأسه وقال: من يمنعك مني اليوم؟ فقال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فنزلت الآية، وعلى هذا فيكون تخليص النبي (صلى الله عليه وآله) مما هموا به نعمة على المؤمنين من حيث أن مقامه بينهم نعمة عليهم.

وقال في قوله تعالى: " كما أنزلنا على المقتسمين " قيل: فيه قولان:

أحدهما: أن معناه أنزلنا القرآن عليك كما أنزلنا على المقتسمين، وهم اليهود والنصارى " الذين جعلوا القرآن عضين " جمع عضة، وأصله عضوة، فنقصت الواو، و التعضية: التفريق: أي فرقوه وجعلوه أعضاء كأعضاء الجزور، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه، وقيل: سماهم مقتسمين لأنهم اقتسموا كتب الله فآمنوا ببعضها، وكفروا ببعضها.

والآخر: أن معناه أني أنذركم عذابا كما أنزلنا على المقتسمين الذين اقتسموا طريق مكة يصدون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والايمان به، قال مقاتل: وكانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم يقولون لمن أتى مكة: لا تغتروا بالخارج منا، و المدعي للنبوة، فأنزل الله بهم عذابا فماتوا شر ميتة، ثم وصفهم فقال: " الذين جعلوا

القرآن عضين " جزءا جزءا فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: مفترى عن ابن عباس.

وفي قوله تعالى: " إنا كفيناك المستهزئين " أي كفيناك شر المستهزئين واستهزائهم بأن أهلكناهم، وكانوا خمسة نفر من قريش: العاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، وأبو زمعة وهو الأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن قيس، عن ابن عباس وابن جبير، وقيل: كانوا ستة رهط عن محمد بن ثور، وسادسهم: الحارث بن الطلاطلة، و أمه غيطلة، قالوا: وأتى جبرئيل النبي (صلى الله عليه وآله) والمستهزؤون يطوفون بالبيت، فقام جبرئيل ورسول الله إلى جنبه، فمر به الوليد بن المغيرة المخزومي فأومأ بيده إلى ساقه، فمر الوليد على فنن لخزاعة وهو يجر ثيابه، فتعلقت بثوبه شوكة فمنعه الكبر أن يخفض رأسه فينزعها، وجعلت تضرب ساقه فخدشته فلم يزل مريضا حتى مات، ومر به العاص بن وائل السهمي فأشار جبرئيل إلى رجله فوطئ العاص على شبرقة فدخلت في أخمص رجله، فقال: لدغت، فلم يزل يحكها حتى مات، ومر به الأسود بن المطلب ابن عبد مناف فأشار إلى عينه فعمى، وقيل: رماه بورقة خضراء فعمى، وجعل يضرب رأسه على الجدار حتى هلك، ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى فمات

وقيل: أصابه السموم فصار أسود فأتى أهله فلم يعرفوه فمات، وهو يقول: قتلني رب محمد، ومر به الحارث بن الطلاطلة فأومأ إلى رأسه فامتخط قيحا فمات، وقيل: إن الحارث بن قيس أخذ حوتا مالحا فأصابه العطش، فما زال يشرب حتى انقد بطنه فمات.

وفي قوله تعالى: " ضرب الله مثلا قرية " أي مثل قرية " كانت آمنة " أي ذات أمن " مطمئنة " قارة ساكنة بأهلها، لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق " يأتيها رزقها رغدا من كل مكان " أي يحمل إليها الرزق الواسع من كل موضع ومن كل بلد، كما قال سبحانه: " يجبى إليه ثمرات كل شئ ".

" فكفرت بأنعم الله أي فكفر أهل تلك القرية " فأذاقها الله " الآية أي فأخذهم الله بالجوع والخوف بسوء أفعالهم، وسمى أثر الجوع والخوف لباسا، لان أثر الجوع و الهزال يظهر على الانسان، كما يظهر اللباس، وقيل: لأنه شملهم الجوع والخوف كاللباس، قيل: إن هذه القرية هي مكة، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، عذبهم الله بالجوع سبع سنين، وهم مع ذلك خائفون وجلون عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه يغيرون عليهم قوافلهم، وذلك حين دعا النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعل عليهم سنين كسني يوسف " وقيل: إنها قرية كانت قبل نبينا (صلى الله عليه وآله) بعث الله إليهم نبيا فكفروا به وقتلوه فعذبهم الله بعذاب الاستيصال " ولقد جاءهم رسول منهم " يعني أهل مكة بعث الله إليهم رسولا من جنسهم فكذبوه وجحدوا نبوته " فأخذهم العذاب وهم

ظالمون " أي ماحل بهم من الخوف والجوع المذكورين ومانا لهم يوم بدر وغيره من القتل.

وفي قوله: " وإذا قرأت القرآن " قال: نزل في قوم كانوا يؤذون النبي (صلى الله عليه وآله) بالليل إذا تلا القرآن وصلى عند الكعبة، وكانوا يرمونه بالحجارة ويمنعونه من دعاء الناس إلى الدين، فحال الله سبحانه بينهم وبينه حتى لا يؤذوه، عن الجبائي والزجاج " جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة " قال الكلبي: هم أبو سفيان والنضرين الحارث وأبو جهل وأم جميل امرأة أبي لهب، حجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن، فكانوا يأتونه ويمرون به ولا يرونه " حجابا مستورا " قيل: أي ساترا، عن الأخفش، والفاعل قد تكون في لفظ المفعول كالمشؤوم والميمون، وقيل: هو على بناء النسب، أي ذا ستر وقيل: مستورا عن الأعين لا يبصر، إنما هو من قدرة الله.

" وجعلنا على قلوبهم أكنة " الأكنة جمع كنان وهو ما وقى شيئا وستره قيل: كان الله يلقي عليهم النوم، أو يجعل في قلوبهم أكنة ليقطعهم عن مرادهم أو أنه عاقب هؤلاء الكفار الذين علم أنهم لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم تكون موانع من أن يفهموا ما يستمعونه.

" ولوا على أدبارهم نفورا " قيل: كانوا إذا سمعوا " بسم الله الرحمن الرحيم " ولوا، وقيل: إذا سمعوا " لا إله إلا الله ".

وفي قوله تعالى: " وإن كادوا ليستفزونك " أي أن المشركين أرادوا أن يزعجوك من أرض مكة بالاخراج، وقيل: عن أرض المدينة، يعني اليهود، وقيل: يعني جميع الكفار أرادوا أن يخرجوك من أرض العرب، وقيل: معناه ليقتلونك " وإذا لا يلبثون أي لو أخرجوك لكانوا لا يلبثون بعد خروجك " إلا " زمانا " قليلا " ومدة يسيرة، قيل: وهي المدة بين خروج النبي (صلى الله عليه وآله) من مكة وقتلهم يوم بدر، والصحيح أن المعنيين في الآية مشركو مكة: وأنهم لم يخرجوا النبي (صلى الله عليه وآله) من مكة، ولكنهم هموا بإخراجه، ثم خرج (صلى الله عليه وآله) لما امر بالهجرة، وندموا على خروجه، ولذلك ضمنوا الأموال في رده ولو أخرجوه لاستؤصلوا بالعذاب، ولماتوا طرا.

وفي قوله تعالى: " أليس الله تقرير، يعني به محمدا (صلى الله عليه وآله) يكفيه عداوة من يعاديه " ويخوفونك " كانت الكفار يخيفونه بالأوثان التي كانوا يعبدونها ، قالوا: أما تخاف أن يهلكك آلهتنا، وقيل: إنه لما قصد خالد لكسر العزى بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) قالوا: إياك يا خالد فبأسها شديد، فضرب خالد أنفها بالفأس فهشمها، فقال:

كفرانك يا عزى لا سبحانك، سبحان من أهانك.

1 - تفسير علي بن إبراهيم: " فكف أيديهم عنكم " يعني أهل مكة من قبل أن فتحها، فكف أيديهم بالصلح يوم الحديبية.

2 - تفسير علي بن إبراهيم: " حجابا مستورا " يعني يحجب الله عنك الشياطين " أكنة " أي غشاوة أي صمما " نفورا " قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا صلى تهجد بالقرآن وتسمع له قريش لحسن صوته، فكان إذا قرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " فر وا عنه.

3 - تفسير علي بن إبراهيم: " وإن كادوا ليستفزونك من الأرض " يعني أهل مكة " إلا قليلا ".

حتى قتلوا ببدر.

4 - عيون أخبار الرضا (ع): الدقاق، عن الأسدي، عن جرير بن حازم عن أبي مسروق، عن الرضا (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاه أبو لهب فتهدده، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن خدشت من قبلك خدشة فأنا كذاب، فكانت أول آية نزع بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخبر.

5 - أمالي الطوسي: المفيد، عن الجعابي، عن الفضل بن الحباب الجمحي، عن الحسين بن عبد الله الأبلي، عن أبي خالد الأسدي، عن أبي بكر بن عياش، عن صدقة بن سعيد الحنفي، عن جميع بن عمير قال: سمعت عبد الله بن عمر بن الخطاب يقول: انتهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى العقبة فقال: لا يجاوزها أحد، فعوج الحكم بن أبي العاص فمه مستهزئا به (صلى الله عليه وآله)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار، فعوج الحكم فمه، فبصر به النبي (صلى الله عليه وآله) فدعا عليه فصرع شهرين، ثم أفاق، فأخرجه النبي (صلى الله عليه وآله) عن المدينة طريدا ونفاه عنها.

6 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبى الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم " يقول: فأعميناهم " فهم لا يبصرون " الهدى أخد الله سمعهم وأبصارهم وقلوبهم فأعماهم عن الهدى، نزلت في أبى جهل بن هشام عليه اللعنة ونفر من أهل بيته، وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) قام يصلي وقد حلف أبو جهل لئن رآه يصلي ليدمغنه، فجاءه ومعه حجر والنبي (صلى الله عليه وآله) قائم يصلي، فجعل كلما رفع الحجر ليرميه

أثبت الله يده إلى عنقه، ولا يدور الحجر بيده، فلما رجع إلى أصحابه سقط الحجر من يده، ثم قام رجل آخر من رهطه أيضا فقال: أنا أقتله، فلما دنا منه فجعل يسمع قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فارعب فرجع إلى أصحابه فقال: حال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه، فخفت أن أتقدم.

بيان: خطر البعير بذنبه كضرب: رفعه مرة بعد أخرى وضرب به فخذيه.

7 - تفسير علي بن إبراهيم: " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين " فإنها نزلت بمكة بعد أن نبئ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بثلاث سنين، وذلك أن النبوة نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين، وأسلم علي (عليه السلام) يوم الثلاثاء، ثم أسلمت خديجة بنت خويلد زوجة النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم دخل أبو طالب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يصلي وعلي بجنبه، وكان مع أبي طالب جعفر فقال له أبو طالب: صل جناح ابن عمك، فوقف جعفر على يسار رسول الله فبدر رسول الله من بينهما: فكان يصلي رسول الله وعلي (عليه السلام) وجعفر وزيد بن حارثة و خديجة، فلما أتى لذلك ثلاث سنين أنزل الله عليه " اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين " وكان المستهزؤون برسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب - وكان رسول الله دعا عليه لما كان بلغه من إيذائه واستهزائه فقال: " اللهم أعم بصره وأثكله بولده " فعمي بصره، وقتل ولده ببدر - والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن طلاطلة الخزاعي، فمر الوليد بن المغيرة برسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه جبرئيل فقال جبرئيل: يا محمد هذا الوليد بن المغيرة وهو من المستهزئين بك قال: نعم، وقد كان مر برجل من خزاعة على باب المسجد وهو يريش نبالا له فوطئ على بعضها، فأصاب أسفل عقبه قطعة من ذلك فدميت، فلما مر بجبرئيل أشار إلى ذلك الموضع، فرجع الوليد إلى منزله ونام على سريره، وكانت ابنته نائمة أسفل منه فانفجر الموضع الذي أشار إليه جبرئيل أسفل عقبه، فسال منه الدم حتى صار إلى فراش ابنته، فانتبهت

ابنته فقالت الجارية: انحل وكاء القربة قال الوليد: ما هذا وكاء القربة، ولكنه دم أبيك.

فاجمعي لي ولدي وولد أخي، فإني ميت، فجمعتهم فقال لعبد الله بن أبي ربيعة: إن عمارة ابن الوليد بأرض الحبشة بدار مضيعة فخذ كتابا من محمد إلى النجاشي أن يرده، ثم قال لابنه هاشم وهو أصغر ولده: يا بني أوصيك بخمس خصال فاحفظها: أوصيك بقتل أبي رهم الدوسي وإن أعطوكم ثلاث ديات، فإنه غلبني على امرأتي وهي بنته، ولو تركها وبعلها كانت تلد لي ابنا مثلك، ودمي في خزاعة وما تعمدوا قتلي، وأخاف أن تنسوا بعدي، ودمي في بني خزيمة بن عامر، ودياتي في سقيف فخذه ولأسقف نجران علي مأتا دينار فاقضها، ثم فاضت نفسه.

ومر أبو زمعة الأسود برسول الله فأشار جبرئيل إلى بصره فعمي ومات، ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار جبرئيل إلى بطنه فلم يزل يستسقي حتى انشق بطنه، و مر العاص بن وائل فأشار جبرئيل إلى رجله فدخل عود في أخمص قدمه وخرجت من ظاهره ومات، ومر ابن الطلاطلة فأرسل الله إليه جبرئيل فأشار إلى وجهه فخرج إلى جبال تهامة فأصابته السمائم، ثم استسقى حتى انشق بطنه، وهو قول الله: " إنا

كفيناك المستهزئين ".

بيان. السمائم جمع السموم وهو الريح الحارة.

8 - تفسير العياشي: عن أبان الأحمر رفعه قال: كان المستهزؤون خمسة من قريش: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي ، والحارث بن حنظلة، والأسود بن عبد يغوث بن وهب الزهري، والأسود بن المطلب بن أسد، فلما قال الله: " إنا كفيناك المستهزئين " علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قد أخزاهم، فأماتهم الله بشر ميتات.

9 - الخصال: القطان: عن عبد الرحمن بن محمد الحسني، عن محمد بن علي الخراساني عن سهل بن صالح العباسي، عن أبيه، وإبراهيم بن عبد الرحمن الأبلي، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال ليهودي من يهود الشام وأحبارهم فيما أجابه عنه من جواب مسائله: فأما المستهزؤون فقال الله عز وجل له: " إنا كفيناك المستهزئين " فقتل الله خمستهم، قد قتل كل واحد منهم بغير قتلة صاحبه في يوم واحد، أما الوليد بن المغيرة فإنه مر بنبل لرجل من خزاعة قد راشه في الطريق، فأصابته شظية منه فانقطع أكحله حتى أدماه فمات، وهو يقول: قتلني رب محمد، وأما العاص بن وائل السهمي فإنه خرج في حاجته له إلى كدا فتدهده تحته حجر فسقط فتقطع قطعة قطعة فمات، وهو يقول: قتلني رب محمد، وأما الأسود بن عبد يغوث فإنه خرج يستقبل ابنه زمعة ومعه غلام له فاستظل بشجرة تحت كدا، فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فأخذ رأسه فنطح به الشجرة، فقال لغلامه: امنع هذا عني، فقال: ما أرى أحدا يصنع بك شيئا إلا نفسك فقتله، وهو يقول: قتلني رب محمد.

قال الصدوق رحمة الله عليه: ويقال في خبر آخر في الأسود قول آخر، يقال: إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان قد دعا عليه أن يعمي الله بصره، وأن يثكله ولده، فلما كان في ذلك اليوم جاء حتى صار إلى كدا فأتاه جبرئيل بورقة خضراء فضرب بها وجهه فعمي وبقي

حتى أثكله الله عز وجل ولده يوم بدر ثم مات، وأما الحارث بن الطلاطلة فإنه خرج من بيته في السموم فتحول حبشيا فرجع إلى أهله فقال: أنا الحارث، فغضبوا عليه فقتلوه، وهو يقول: قتلني رب محمد، وأما الأسود بن الحارث فإنه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فلم يزل يشرب الماء حتى انشق بطنه فمات، وهو يقول:

قتلني رب محمد، كل ذلك في ساعة واحدة، وذلك أنهم كانوا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا له: يا محمد ننتظر بك الظهر، فإن رجعت عن قولك وإلا قتلناك، فدخل النبي (صلى الله عليه وآله) منزله فأغلق عليه بابه مغتما بقولهم، فأتاه جبرئيل (عليه السلام) ساعته فقال له: يا محمد السلام يقرأ عليك السلام وهو يقول: " فاصدع بما تؤمر " يعني أظهر أمرك لأهل مكة وادع " وأعرض عن المشركين " قال: يا جبرئيل كيف أصنع بالمستهزئين وما أوعدوني؟ قال له: " إنا كفيناك المستهزئين " قال: يا جبرئيل كانوا عندي الساعة بين يدي، فقال: قد كفيتهم، فأظهر أمره عند ذلك.

قال الصدوق رحمه الله: والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة، وقد أخرجته بتمامه في آخر الجزء الرابع من كتاب النبوة.

بيان: النبل بالفتح: السهام العربية، وراش السهم يريشه ألزق عليه الريش، و الشظية بفتح الشين وكسر الظاء المعجمة وتشديد الياء: الفلقة من العصا ونحوها، و الأكحل: عرق في اليد يفصد، وكداء بالفتح والمد: الثنية العليا بمكة مما يلي المقابر وهو المعلى، وكدا بالضم والقصر: الثنية السفلى مما يلي باب العمرة، ويقال: دهده الحجر فتدهده أي دحرجه فتدحرج.

10 - مناقب ابن شهرآشوب، الخرائج: روي، أن أبا جهل طلب غرته فلما رآه ساجدا أخذ صخرة ليطرحها عليه ألزقها الله بكفه، ولما عرف أن لا نجاة إلا بمحمد سأله أن يدعو ربه

فدعا الله فأطلق يده، وطرح بصخرته.

11 - الخرائج: روي أن امرأة من اليهود عملت له سحرا فظنت أنه ينفذ فيه كيدها، والسحر باطل محال، إلا أن الله دله عليه، فبعث من استخرجه، وكان على الصفة التي ذكرها، وعلى عدد العقد التي عقد فيها ووصف، ما لو عاينه معاين لغفل عن بعض ذلك.

12 - الخرائج: روي عن ابن مسعود قال: كنا مع النبي (صلى الله عليه وآله) فصلى في ظل الكعبة وناس من قريش وأبو جهل نحروا جزورا في ناحية مكة فبعثوا وجاءوا بسلاها فطرحوه بين كتفيه، فجاءت فاطمة عليها السلام فطرحته عنه، فلما انصرف قال: " اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بأبي جهل وبعتبة وشيبة ووليد بن عتبة وأمية بن خلف وبعقبة ابن أبي معيط قال عبد الله: ولقد رأيتهم قتلى في قليب بدر.

بيان: السلا مقصورة: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي.

13 - الخرائج: روي أن أبا ثروان كان راعيا في إبل عمرو بن تميم، فخاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قريش، فنظر إلى سواد الإبل فقصد له وجلس بينها، فقال: يا محمد لا تصلح إبل أنت فيها، فدعا عليه، فعاش شقيا يتمنى الموت.

14 - الخرائج: روي أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) أما تخاف أن يأكلك كلب الله، فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عرسوا إذ سمع صوت الأسد فقال لأصحابه: إني مأكول بدعاء محمد، فناموا حوله فضرب على آذانهم، فجاءه الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته.

وفي خبر آخر: أنه لما قال: كفرت بالذي دنا فتدلى، وتفل في وجه محمد قال (صلى الله عليه وآله): " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " فخرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا

فقال لهم راهب من الدير: هذه أرض مسبعة، فقال أبو لهب: يا معشر قريش أعينونا هذه الليلة، إني أخاف عليه دعوة محمد، فجمعوا جمالهم وفرشوا لعتبة في أعلاها وناموا حوله، فجاء الأسد يتشمم وجوههم، ثم ثنى ذنبه فوثب فضربه بيده ضربة واحدة فخدشه، قال: قتلني، فمات مكانه.

مناقب ابن شهرآشوب: روت العامة عن الصادق (عليه السلام) وعن ابن عباس، وذكر مثله.

15 - الخرائج: من معجزاته أنه (صلى الله عليه وآله) كان يصلي مقابل الحجر الأسود، ويستقبل بيت المقدس ويستقبل الكعبة، فلا يرى حتى يفرغ من صلاته، وكان يستتر بقوله: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا " وبقوله:

" أولئك الذين طبع الله على قلوبهم " وبقوله: " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا " وبقوله: " أرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ".

16 - الخرائج: روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: قال عبد الله بن أمية لرسول الله:

إنا لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك، والله لو فعلت ذلك ما كنت أدري أصدقت أم لا، فانصرف النبي (صلى الله عليه وآله) ثم نظروا في أمورهم فقال أبو جهل: لئن أصبحت وهو قد دخل المسجد لأطرحن على رأسه أعظم حجر أقدر عليه، فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسجد فصلى، فأخذ

أبو جهل الحجر وقريش تنظر، فلما دنا ليرمي بالحجر من يده أخذته الرعدة، فقالوا:

مالك؟ قال: رأيت أمثال الجبال متقنعين في الحديد لو تحركت أخذوني.

17 - الخرائج: روي عن جابر قال: إن الحكم بن العاص عم عثمان بن عفان كان يستهزئ من رسول الله بخطوته في مشيته، ويسخر منه، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما والحكم خلفه يحرك كتفيه ويكسر يديه خلف رسول الله استهزاء منه بمشيته (صلى الله عليه وآله)، فأشار رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده وقال: هكذا فكن، فبقي الحكم على تلك الحال من تحريك أكتافه وتكسر يديه، ثم نفاه عن المدينة ولعنه، فكان مطرودا إلى أيام عثمان فرده إلى المدينة.

18 - الخرائج: روي عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض الليالي فقرأ: " تبت يدا أبي لهب " فقيل لام جميل أخت أبي سفيان امرأة أبي لهب:

إن محمدا لم يزل البارحة يهتف بك وبزوجك في صلاته ويقنت عليكما، فخرجت تطلبه وهي تقول: لئن رأيته لأسمعته وجعلت تنشد من أحس لي محمدا حتى انتهت إلى رسول الله وأبو بكر جالس معه، فقال أبو بكر: يا رسول الله لو انتحيت فإن أم جميل قد أقبلت وأنا خائف أن تسمعك شيئا، فقال: إنها لم ترني، فجاءت حتى قامت عليه ، و قالت: يا أبا بكر أرأيت محمدا؟ قال: لا، فمضت راجعة إلى بيتها.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): ضرب الله بينهما حجابا أصفر، وكانت تقول له (صلى الله عليه وآله):

مذمم، وكذا قريش كلهم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إن الله أنساهم اسمي وهم يعلمون، يسمون مذمما وأنا محمد.

19 - مناقب ابن شهرآشوب: جابر بن عبد الله: إن النبي (صلى الله عليه وآله) نزل تحت شجرة فعلق بها سيفه ثم نام، فجاء أعرابي فأخذ السيف وقام على رأسه، فاستيقظ النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال:

يا محمد من يعصمك الآن مني؟ قال: الله تعالى، فرجف وسقط السيف من يده.

وفي خبر آخر: أنه بقي جالسا زمانا ولم يعاقبه النبي (صلى الله عليه وآله).

الثمالي: في تفسير قوله: " يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم " إن القاصد إلى النبي (صلى الله عليه وآله) كان دعثور بن الحارث، فدفع جبرئيل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله وقام على رأسه، فقال: ما يمنعك مني؟ فقال: لا أحد، وأنا أعهد أن لا أقاتلك أبدا، ولا أعين عليك عدوا، فأطلقه، فسئل بعد انصرافه عن حاله فقال: نظرت إلى رجل طويل أبيض دفع في صدري، فعرفت أنه ملك، ويقال: إنه أسلم وجعل يدعو قومه إلى الاسلام.

حذيفة وأبو هريرة: جاء أبو جهل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يصلي ليطأ على رقبته، فجعل ينكص على عقبيه، فقيل له: مالك؟ قال: إن بيني وبينه خندقا من نار مهولا، ورأيت ملائكة ذوي أجنحة فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا، فنزل: " أفرأيت الذي ينهى " الآيات.

ابن عباس: إن قريشا اجتمعوا في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة لو رأينا محمدا لقمنا مقام رجل واحد ولنقتلنه، فدخلت فاطمة عليها السلام على النبي (صلى الله عليه وآله) باكية وحكت مقالهم، فقال: يا بنية احضري لي وضوءا، فتوضأ ثم خرج إلى المسجد، فلما رأوه قالوا: هاهوذا، وخفضت رؤوسهم وسقطت أذقانهم في صدورهم، فلم يصل إليه رجل منهم، فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) قبضة من التراب فحصبهم بها وقال: شاهت الوجوه،

فما أصاب رجلا منهم إلا قتل يوم بدر.

محمد بن إسحاق: لما خرج النبي (صلى الله عليه وآله) مهاجرا تبعه سراقة بن جعشم مع خيله، فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا فكان قوائم فرسه ساخت حتى تغيبت، فتضرع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) حتى دعا وصار إلى وجه الأرض فقصد، كذلك ثلاثا والنبي (صلى الله عليه وآله) يقول: يا أرض خذيه، وإذا تضرع قال: دعيه: فكف بعد الرابعة وأضمر أن لا يعود إلى ما يسوئه.

وفي رواية: وأتبعه دخان حتى استغاثه فانطلقت الفرس فعذله أبو جهل، فقال سراقة:

أبا حكم واللات لو كنت شاهدا * لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه عجبت ولم تشكك بأن محمدا * نبي وبرهان فمن ذا يكاتمه؟

عليك فكف الناس عنه فإنني * أرى أمره يوما ستبدو معالمه وكان (صلى الله عليه وآله) مارا في بطحاء مكة فرماه أبو جهل بحصاة فوقفت الحصاة معلقة سبعة أيام ولياليها فقالوا: من يرفعها؟ قال: يرفعه الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها.

عكرمة: لما غزا يوم حنين قصد إليه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عن يمينه، فوجد عباسا، فأتى عن يساره فوجد أبا سفيان بن الحارث، فأتى من خلفه فوقعت بينهما شواظ من نار، فرجع القهقرى، فرجع النبي (صلى الله عليه وآله) إليه وقال: " يا شيب يا شيب ادن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان " قال: فنظرت إليه ولهو أحب إلى من سمعي وبصري فقال: يا شيب قاتل الكفار، فلما انقضى القتال دخل عليه فقال: الذي أراد الله بك خير مما أردته لنفسك، وحدثه بجميع مازوى في نفسه فأسلم.

ابن عباس في قوله: " ويرسل الصواعق، قال: قال عامر بن الطفيل لأربد بن قيس: قد شغلته عنك مرارا فألا ضربته؟ يعني النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال أربد: أردت ذلك مرتين فاعترض لي في أحدهما حائط من حديد ، ثم رأيتك الثانية بيني وبينه، أفأقتلك؟

وفي رواية الكلبي: أنه لما اخترط من سيفه شبرا لم يقدر على سله، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اللهم أكفنيهما بما شئت.

وفي رواية: أن السيف لصق به، وفي الروايات كلها: أنه لم يصل واحد منهما إلى منزله، أما عامر فغد في ديار بني سلول، فجعل يقول: أغدة كغدة البعير و موتا في بيت السلولية؟ وأما أربد فارتفعت له سحابة فرمته بصاعقة فأحرقته، وكان أخا لبيد لامه، فقال يرثيه.

فجعني الرعد والصواعق بال‍ * فارس يوم الكريهة النجد أخشى على أربد الحتوف ولا * أرهب نوء السماك والأسد ابن عباس وأنس وعبد الله بن مغفل: إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا من جبل التنعيم عند صلاة الفجر عام الحديبية ليقتلوهم. وفي رواية: كان النبي (صلى الله عليه وآله) جالسا في ظل شجرة وبين يديه علي (عليه السلام) يكتب الصلح، وهم ثلاثون شابا، فدعا عليهم النبي (صلى الله عليه وآله)، فأخذ الله بأبصارهم حتى أخذناهم فخلى سبيلهم فنزل: " وهو الذي كف أيديهم عنكم ".

ابن جبير وابن عباس ومحمد بن ثور في قوله: " فاصدع بما تؤمر " الآيات كان المستهزؤون به جماعة مثل الوليد بن المغيرة المخزومي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، وأبو زمعة الأسود بن المطلب، والعاص بن وائل السهمي، والحارث بن قيس السهمي، و عقبة بن أبي معيط، وفيهلة بن عامر الفهري، والأسود بن الحارث، وأبو أحيحة وسعيد بن العاص، والنضر بن الحارث العبدري، والحكم بن العاص بن أمية، وعتبة بن ربيعة، و طعيمة بن عدي، والحارث بن عامر بن نوفل، وأبو البختري العاص بن هاشم بن أسد، و أبو جهل، وأبو لهب وكلهم قد أفناهم الله بأشد نكال، وكانوا قالوا له: يا محمد ننتظر بك إلى الظهر فإن رجعت عن قولك وإلا قتلناك، فدخل (صلى الله عليه وآله) منزله وأغلق عليه بابه فأتاه جبرئيل ساعته فقال له: يا محمد السلام يقرأ عليك السلام وهو يقول: اصدع بما تؤمر وأنا معك

وقد أمرني ربي بطاعتك ، فلما أتيا البيت رمى الأسود بن المطلب في وجهه بورقة خضراء فقال: " اللهم أعم بصره وأثكله ولده " فعمي وأثكله الله ولده.

وروي أنه أشار إلى عينه فعمي وجعل يضرب رأسه على الجدار حتى هلك، ثم مر به الأسود بن عبد يغوث فأومأ إلى بطنه فاستسقى ماء ومات حبنا، ومر به الوليد فأومأ إلى جرح اندمل في بطن رجله من نبل فتعلقت به شوكة فنن فخدشت ساقه ولم يزل مريضا حتى مات، ونزل فيه: " سأرهقه صعودا " وإنه يكلف أن يصعد جبلا في النار من صخرة ملساء فإذا بلغ أعلاها لم يترك أن يتنفس فيجذب إلى أسفلها، ثم يكلف مثل ذلك. ومر به العاص فعابه فخرج من بيته فلفحته السموم: فلما انصرف إلى داره لم يعرفوه، فباعدوه فمات غما.

وروي أنهم غضبوا عليه فقتلوه.

وروي أنه وطئ على شبرقة فدخلت في أخمص رجله، فقال: لدغت، فلم يزل يحكها حتى مات، ومر به الحارث فأومأ إلى رأسه فتقيأ؟ قيحا، ويقال: إنه لدغته الحية ويقال: خرج إلى كدا فتدهده عليه حجر فتقطع، أو استقبل ابنه في سفر فضرب جبرئيل رأسه على شجرة، وهو يقول: يا بني أدركني، فيقول: لا أرى أحدا حتى مات.

وأما الأسود بن الحارث أكل حوتا فأصابه العطش فلم يزل يشرب الماء حتى انشقت بطنه، وأما فيهلة بن عامر فخرج يريد الطائف ففقد ولم يوجد، وأما عيطلة فاستسقى فمات، ويقال: أتى بشوك فأصاب عينيه فسالت حدقته على وجهه، وأما أبو لهب فإنه سأل أبا سفيان عن قصة بدر فقال: إنا لقيناهم فمنحناهم أكتافنا فجعلوا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاءوا، وأيم الله مع ذلك ما مكث الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض لا يقوم لها شئ، فقال أبو رافع لام الفضل بنت العباس: تلك الملائكة،

فجعل يضربني، فضربت أم الفضل على رأسه بعمود الخيمة، فلقت رأسه شجة منكرة فعاش سبع ليال، وقد رماه الله بالعدسة، ولقد تركه ابناه ثلاثا لا يدفنانه، وكانت قريش تتقي العدسة فدفنوه بأعلى مكة على جدار، وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه.

ونزل قوله تعالى: " لقد حق القول " الآيات في أبى جهل، وذلك أنه كان حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليد مغنه، فلما رفعه أثبتت يده إلي عنقه ولزق الحجر بيده، فلما عاد إلى أصحابه وأخبرهم بما رأى سقط الحجر من يده، فقال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر فأغشى الله بصره، فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه ما صنعت؟ فقال: ما رأيته، ولقد سمعت صوته، وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه، لو دنوت منه لأكلني.

ابن عباس في قوله: " وجعلنا من بين أيديهم سدا ":

إن قريشا اجتمعت فقالت: لئن دخل محمد لنقومن إليه قيام رجل واحد، فدخل النبي (صلى الله عليه وآله) فجعل الله من بين أيديهم سدا فلم يبصروه، فصلى (صلى الله عليه وآله) ثم أتاهم فجعل ينثر على رؤوسهم التراب وهم لا يرونه، فلما جلى عنهم رأوا التراب فقالوا: هذا ما سحر كم ابن أبي كبشة.

ولما نزلت الأحزاب على المدينة عبئ أبو سفيان سبعة آلاف رام كوكبة واحدة ثم قال: ارموهم رشقا واحدا، فوقع في أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) سهام كثيرة، فشكوا ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فلوح إلى السهام بكمه، ودعا بدعوات فهبت ريح عاصفة فردت السهام

إلى القوم، فكل من رمى سهما عاد السهم إليه فوقع فيه، جرحه بقدرة الله وبركة رسوله.

ودخل النبي (صلى الله عليه وآله) مع ميسرة إلى حصن من حصون اليهود ليشتروا خبزا وادما، فقال يهودي: عندي مرادك، ومضى إلى منزله وقال لزوجته: اطلعي إلى عالي الدار، فإذا دخل هذا الرجل فارمي هذه الصخرة عليه، فأدارت المرأة الصخرة، فهبط جبرئيل فضرب الصخرة بجناحه، فخرقت الجدار وأتت تهتز كأنها صاعقة، فأحاطت بحلق الملعون، وصارت في عنقه كدور الرحى، فوقع كأنه المصروع، فلما أفاق جلس وهو يبكي، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ويلك ما حملك على هذا الفعال؟ فقال: يا محمد لم يكن لي في المتاع حاجة، بل أردت قتلك، وأنت معدن الكرم، وسيد العرب والعجم، اعف عني فرحمه النبي (صلى الله عليه وآله) فانزاحت الصخرة عن عنقه.

جابر وابن عباس: قال رجل من قريش لأقتلن محمدا، فوثب به فرسه فاندقت رقبته، واستغاث الناس إلى معمر بن يزيد وكان أشجع الناس ومطاعا في بني كنانة، فقال لقريش: أنا أريحكم منه، فعندي عشرون ألف مدجج، فلا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حربي، فإن سألوني الدية أعطيتهم عشر ديات ففي مالي سعة، وكان يتقلد بسيف طوله عشرة أشبار في عرض شبر، فأهوى إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بسيفه وهو ساجد في الحجر، فلما قرب منه عثر بدرعه فوقع ثم قام وقد ادمي وجهه بالحجارة، وهو يعدو أشد العدو حتى بلغ البطحاء فاجتمعوا إليه وغسلوا الدم عن وجهه وقالوا: ماذا أصابك فقال: المغرور والله من غررتموه، قالوا: ما شأنك؟ قال: دعوني تعد إلي نفسي، ما رأيت كاليوم، قالوا: ماذا أصابك؟ قال: لما دنوت منه وثب إلي من عند رأسه شجاعان أقرعان ينفخان بالنيران.

وروي أن كلدة بن أسد رمى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمزراق وهو بين دار عقيل وعقال فعاد المزراق إليه فوقع في صدره، فعاد فزعا وانهزم، وقيل له: ما لك؟ قال: ويحكم أما

ترون الفحل خلفي؟ قالوا: ما نرى شيئا، قال: ويحكم فإني أراه، فلم يزل يعدو حتى بلغ الطائف.

الواقدي: خرج النبي (صلى الله عليه وآله) للحاجة في وسط النهار بعيدا، فبلغ إلى أسفل ثنية الحجون فأتبعه النضر بن الحارث يرجو أن يغتاله، فلما دنا منه عاد راجعا، فلقيه أبو جهل فقال: من أين جئت؟ قال: كنت طمعت أن أغتال محمدا، فلما قربت منه فإذا أساود تضرب بأنيابها على رأسه، فاتحة أفواهها، فقال أبو جهل: هذا بعض سحره.

وقصد إليه رجل بفهر وهو ساجد، فلما رفع يده ليرمي به، يبست يده على الحجر.

ابن عباس : كان النبي (صلى الله عليه وآله) يقرأ في المسجد فيجهر بقراءته فتأذى به ناس من قريش، فقاموا ليأخذوه، وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، وإذا هم عمى لا يبصرون فجاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا: ننشدك الله والرحم، فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) فذهب ذلك عنهم فنزلت " يس " إلى قوله: فهم لا يبصرون ".

أبو ذر: كان النبي (صلى الله عليه وآله) في سجوده فرفع أبو لهب حجرا يلقيه عليه فثبتت يده في الهواء، فتضرع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وعقد الايمان لو عوفي لا يؤذيه، فلما برئ قال: لانت ساحر حاذق، فنزل: " تبت يدا أبي لهب ".

وتكمن نضر بن الحارث بن كلدة لقتل النبي (صلى الله عليه وآله) فلما سل سيفه رئي خائفا مستجيرا، فقيل: يا نضر هذا خير لك مما أردت يوم حنين مما حال الله بينك وبينه.

بيان: العذل: الملامة، والشواظ بالضم والكسر: اللهب الذي لا دخان له، والغدة: طاعون الإبل، وقلما يسلم منه، يقال: أغد البعير فهو مغد، والنجد بكسر

الجيم: الشديد البأس، والنوء: سقوط الكوكب، وكانت العرب في الجاهلية تنسب الأمطار إلى الأنواء وسيأتي بيانها، والحبن بالتحريك: عظم البطن، والاحبن: المستسقي والفنن بالتحريك: الغصن، وفي بعض النسخ: قين بالقاف والياء وهو الحداد، والشبرق بكسر الشين والراء وسكون الباء: نبت حجازي يؤكل وله شوك، فإذا يبس سمي الضريع، والمدجج بفتح الجيم وكسرها: الشائك في السلاح، والفهر بالكسر: الحجر قدر ما يدق به الجوز، أو ما يملا الكف، والتباب: الهلاك والخسران، ويحتمل أن يكون هنا كناية عن ثبوت يده في الهواء، وهو خلاف المشهور بين المفسرين.

20 - مناقب ابن شهرآشوب: سار النبي (صلى الله عليه وآله) إلى بني شاجعة فجعل يعرض عليهم الاسلام فأبوا وخرجوا إليه في خمسة آلاف فارس، فتبعوا النبي (صلى الله عليه وآله) فلما لحقوا به عاجلهم بدعوات فهبت عليهم ريح فأهلكتهم عن آخرهم.

21 - مناقب ابن شهرآشوب: رمى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابن قمية بقذافة فأصاب كعبه حتى بدر السيف عن يده في يوم أحد، وقال: خذها مني وأنا ابن قمية فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أذلك الله وأقمأك، فأتى ابن قمية تيس وهو نائم فوضع قرنه في مرافه ثم دعسه - فجعل ينادي:

وا ذلاه - حتى أخرج قرنيه من ترقوته.

وكانت الكفار في حرب الأحزاب عشرة آلاف رجل وبنو قريظة قائمون بنصرتهم والصحابة في أزل شديد، فرفع يديه وقال: يا منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، فجاءتهم ريح عاصف تقلع خيامهم فانهزموا بإذن الله وأيدهم بجنود لم يروها.

وأخذ (صلى الله عليه وآله) يوم بدر كفا من التراب ويقال: حصى وترابا، ورمى به في وجوه القوم فتفرق الحصى في وجوه المشركين، فلم يصب من ذلك أحدا إلا قتل أو أسر، وفيه نزل:

" وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ".

بيان: القذافة بفتح القاف وتشديد الذال: الذي يرمي به الشئ فيبعد وأقمأه بالهمز: صغره وأذله، ومراق البطن بفتح الميم وتشديد القاف: ما رق منه ولان من أسفله ولا واحد له، والدعس: الطعن.

22 - مناقب ابن شهرآشوب: جابر بن عبد الله: لما قتل العرنيون راعي النبي (صلى الله عليه وآله) دعا عليهم فقال: " اللهم أعم عليهم الطريق " قال: فعمي عليهم حتى أدركوهم وأخذوهم.

وحكى الحكم بن العاص مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله) مستهزءا فقال (صلى الله عليه وآله): " كذلك فلتكن " فكان يرتعش حتى مات وخطب (صلى الله عليه وآله) امرأة فقال أبوها، إن بها برصا امتناعا من خطبته، ولم يكن بها برص، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " فلتكن كذلك " فبرصت وهي أم شبيب ابن البرصاء الشاعر.

الأغاني: إن النبي (صلى الله عليه وآله) نظر إلى زهير بن أبي سلمى وله مأة سنة فقال: " اللهم أعذني من شيطانه " فما لاك بيتا حتى مات.

23 - مناقب ابن شهرآشوب: طعن (صلى الله عليه وآله) أبيا في حربان الدرع بعنزة في يوم أحد، فاعتنق فرسه فانتهى إلى عسكره وهو يخور خوار الثور، فقال أبو سفيان: ويلك ما أجزعك؟ إنما هو خدش ليس بشئ، فقال : طعنني ابن أبي كبشة، وكان يقول: أقتلك، فكان يخور الملعون حتى صار إلى النار.

وكان بلال إذا قال: " أشهد أن محمدا رسول الله " كان منافق يقول كل مرة: حرق الكاذب، يعني النبي (صلى الله عليه وآله)، فقام المنافق ليلة ليصلح السراج فوقعت النار في سبابته، فلم

يقدر على إطفائها حتى أخذت كفه، ثم مرفقه، ثم عضده حتى احترق كله.

24 - مناقب ابن شهرآشوب: ابن عباس والضحاك في قوله: " ويوم يعض الظالم " نزلت في عقبة ابن أبي معيط وأبي بن خلف وكانا توأمين في الخلة، فقدم عقبة من سفره وأولم جماعة الاشراف وفيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لا آكل طعامك حتى تقول: " لا إله إلا الله، وإني رسول الله " فشهد الشهادتين، فأكل من طعامه، فلما قدم أبي بن خلف عذله وقال، صبأت، فحكى قصته فقال: إني لا أرضى عنك أو تكذبه، فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وتفل في وجهه (صلى الله عليه وآله) فانشقت التفلة شقتان وعادتا إلى وجهه فأحرقتا وجهه وأثرتا ووعده النبي (صلى الله عليه وآله) حياته ما دام في مكة، فإذا خرج قتل بسيفه، فقتل عقبة يوم بدر، وقتل النبي (صلى الله عليه وآله) بيده أبيا.

25 - طب الأئمة: محمد بن جعفر البرسي، عن محمد بن يحيى الأرمني، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: إن جبرئيل (عليه السلام) أتى النبي (صلى الله عليه وآله) وقال له: يا محمد، قال: لبيك يا جبرئيل، قال: إن فلان اليهودي سحرك، وجعل السحر في بئر بني فلان، فابعث إليه - يعني إلى البئر - أوثق الناس عندك، وأعظمهم في عينك، وهو عديل نفسك، حتى يأتيك بالسحر، قال: فبعث النبي (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقال: انطلق إلى بئر ذروان فإن فيها سحرا سحرني به لبيد بن أعصم اليهودي فأتني به، قال علي (عليه السلام): فانطلقت في حاجة رسول الله (صلى الله عليه وآله)

فهبطت فإذا ماء البئر قد صار كأنه ماء الحناء من السحر، فطلبته مستعجلا حتى انتهيت إلى أسفل القليب فلم أظفر به، قال الذين معي: ما فيه شئ فاصعد، فقلت: لا والله ما كذبت وما كذبت وما يقيني به مثل يقينكم، يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم طلبت طلبا بلطف فاستخرجت حقا فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: افتحه، ففتحته فإذا في الحق قطعة كرب النخل في جوفه وتر عليها أحد عشر عقدة، وكان جبرئيل (عليه السلام) أنزل يومئذ المعوذتين على النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا علي اقرأهما على الوتر، فجعل أمير المؤمنين (عليه السلام) كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى فرغ منها، وكشف الله عز وجل عن نبيه ما سحر به وعافاه.

ويروى أن جبرئيل وميكائيل (عليهما السلام) أتيا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فجلس أحدهما عن يمينه. والآخر عن شماله، فقال جبرئيل لمكائيل: ما وجع الرجل؟ فقال ميكائيل: هو مطبوب: فقال جبرئيل (عليه السلام): ومن طبه؟ قال لبيد بن أعصم اليهودي، ثم ذكر الحديث إلى آخره.

بيان: الكرب بالتحريك: أصول السعف العراض الغلاظ، وقال الجزري: فيه أنه احتجم حين طب، أي سحر، ورجل مطبوب أي مسحور، كنوا بالطب عن السحر تفاءلا بالبئر، كما كنوا بالسليم عن اللديغ انتهى.

أقول: المشهور بين الامامية عدم تأثير السحر في الأنبياء والأئمة عليهم السلام، وأولوا بعض الأخبار الواردة في ذلك، وطرحوا بعضها، وقد أشار إليه الراوندي رحمه الله فيما سبق.

وقال الطبرسي رحمه الله: روي أن لبيد بن أعصم اليهودي سحر رسول الله (صلى الله عليه وآله)،

ثم دس ذلك في بئر لبني زريق، فمرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فأخبراه بذلك، وأنه في بئر ذروان، في جف طلعة تحت راعوفة - والجف: قشر الطلع، والراعوفة: حجر في أسفل البئر يقف عليه المائح - فانتبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعث عليا والزبير وعمارا فنزحوا ماء تلك البئر، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأس وأسنان من مشطة، وإذا فيه معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر، فنزلت المعوذتان، فجعل كلما يقرأ آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله خفة فقام كأنما أنشط من عقال، وجعل جبرئيل يقول: " بسم الله أرقيك، من كل شئ يؤذيك من حاسد وعين والله يشفيك ".

ورووا ذلك عن عائشة وابن عباس، وهذا لا يجوز لان من وصفه بأنه مسحور فكأنه قد خبل عقله، وقد أبى الله سبحانه ذلك في قوله: " وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا " ولكن يمكن أن يكون اليهودي أو بناته على ما روي اجتهدوا في ذلك فلم يقدروا عليه، وأطلع الله نبيه (صلى الله عليه وآله) ما فعلوه من التمويه حتى استخرج، وكان ذلك دلالة على صدقه، وكيف يجوز أن يكون المرض من فعلهم ولو قدروا على ذلك لقتلوه، وقتلوا كثيرا من المؤمنين مع شدة عداوتهم لهم انتهى كلامه قدس سره.

ثم روى عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشتكى شكوى شديدا ووجع وجعا شديدا فأتاه جبرئيل ومكائيل عليهما السلام فقعد جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، فعوذه جبرئيل ب‍ " قل أعوذ برب الفلق " وعوذه ميكائيل ب‍ " قل أعوذ برب الناس ".

وعن أبي خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء جبرئيل (عليه السلام) إلى النبي (صلى الله عليه وآله)

وهو شاك، فرقاه بالمعوذتين وقل هو الله أحد، وقال: بسم الله أرقيك، والله يشفيك، من كل داء يؤذيك، خذها فلتهنيك.

26 - إعلام الورى: من معجزاته (صلى الله عليه وآله) أنه أخذ يوم بدر ملا كفه من الحصباء فرمى بها وجوه المشركين وقال: " شاهت الوجوه " فجعل الله سبحانه لتلك الحصباء شأنا عظيما لم يترك من المشركين رجلا إلا ملأت عينيه، وجعل المسلمون والملائكة يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون كل رجل منهم منكبا على وجهه لا يدري أين يتوجه يعالج التراب: ينزعه من عينيه.

ومنها: ما روته أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت: " تبت يدا أبي لهب " أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وهي تقول:

مذمما أبينا * ودينه قلينا * وأمره عصينا والنبي (صلى الله عليه وآله) جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله أنا أخاف أن تراك، قال رسول الله: إنها لا تراني، وقرأ: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا " فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله، فقالت: يا أبا بكر أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب البيت ما هجاك فولت وهي تقول: قريش تعلم أني بنت سيدها.

ومنها ما رواه الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس إن ناسا من بني مخزوم تواصوا بالنبي (صلى الله عليه وآله) ليقتلوه، منهم أبو جهل والوليد بن المغيرة ونفر من بني مخزوم، فبينا النبي (صلى الله عليه وآله) قائم يصلي إذ أرسلوا إليه الوليد ليقتله، فانطلق حتى انتهى إلى المكان الذي كان يصلي فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك، فأتاه من بعده أبو جهل والوليد ونفر منهم فلما انتهوا إلى المكان الذي يصلي فيه سمعوا قراءته

وذهبوا إلى الصوت، فإذا الصوت من خلفهم فيذهبون إليه فيسمعونه أيضا من خلفهم، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلا، فذلك قوله سبحانه: " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون.

بيان: قال الطبرسي: بعد ذكر قصة أم جميل: قيل: كيف يجوز أن لا ترى النبي (صلى الله عليه وآله) وقد رأت غيره؟ فالجواب أنه يجوز أن يكون قد عكس الله شعاع عينيها أو صلب الهواء فلم ينفذ فيه الشعاع، أو فرق الشعاع فلم يتصل بالنبي (صلى الله عليه وآله)، وروي أن النبي قال: ما زال ملك يسترني عنها انتهى.

وزاد الرازي على تلك الوجوه: أنه (صلى الله عليه وآله) لعله أعرض بوجهه عنها وولاها ظهره ثم إنها لغاية غضبها لم تفتش، أو لان الله ألقى في قلبها خوفا فصار ذلك صارف لها عن النظر، أو أن الله تعالى ألقى شبه إنسان آخر على الرسول (صلى الله عليه وآله) كما فعل بعيسى (عليه السلام).

27 - الخرائج: من معجزاته ما هو مشهور أنه خرج في متوجهه إلى المدينة فأوى إلى غار بقرب مكة تعتوره النزال وتأوي إليه الرعاء فلا تخلو من جماعة نازلين يستريحون فيه، فأقام (صلى الله عليه وآله) به ثلاثا لا يطرده بشر، وخرج القوم في أثره وصدهم الله عنه بأن بعث عنكبوتا فنسجت عليه فآيسهم من الطلب فيه، فانصرفوا وهو نصب أعينهم.

28 - الخرائج: من معجزاته (صلى الله عليه وآله) أنه لاقى أعدائه يوم بدر وهم ألف وهو في عصابة كثلث أعدائه، فلما التحمت الحرب أخذ قبضة من التراب والقوم متفرقون في نواحي عسكره، فرمى به وجوههم، فلم يبق منهم رجل إلا امتلأت منه عيناه، وإن كانت الريح العاصف يومها إلى الليل لتعصف أعاصير التراب لا يصيب أحدا من عسكره، وقد نطق به القرآن، وصدق به المؤمنون، وشاهد الكفار ما نالهم منه.

29 - مناقب ابن شهرآشوب: كان أبي بن خلف يقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أنا أقتلك إن شاء الله، فطعنه النبي (صلى الله عليه وآله) يوم أحد في عنقه، وخدشه خدشة فتدهدى عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور، فقالوا له في ذلك فقال:

لو كانت الطعنة بربيعة ومضر لقتلهم، أليس قال لي: أقتلك؟ فلو بزق علي بعد تلك المقالة قتلني، فمات بعد يوم.

30 - الخرائج، إعلام الورى: روي أن أبا جهل اشترى من رجل طارئ بمكة إبلا فبخسه أثمانها ولواه بحقه فأتى الرجل نادي قريش مستجيرا بهم، وذكرهم حرمة البيت، فأحالوه على النبي (صلى الله عليه وآله) استهزاء فأتاه مستجيرا به، فمضى معه ودق الباب على أبي جهل فعرفه فخرج منخوب العقل فقال: أهلا بأبي القاسم، فقال له: أعط هذا حقه ، قال:

نعم، وأعطاه من فوره، فقيل له في ذلك فقال: إني رأيت ما لم تروا، رأيت والله على رأسه تنينا فاتحا فاه، والله لو أبيت لالتقمني.

بيان: يقال: رجل نخب بكسر الخاء أي جبان لا فؤاد له، وكذلك نخيب ومنخوب.

أقول: روى السيد ابن طاوس رحمه الله في كتاب سعد السعود من تفسير الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وهما عامريان ابنا عم يريدان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في المسجد جالس في نفر من أصحابه، قال: فدخلا المسجد، قال: فاستبشر الناس بجمال عامر بن الطفيل، وكان من أجمل الناس أعور، فجعل يسأل أين محمد؟ فيخبرونه، فيقصد نحو رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: هذا عامر بن

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.