پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب النبوة

باب 21 مواعظه وحكمه وما أوحى إليه صلوات الله على نبينا وآله

ج ۱۴، ص ۲۸۲–۳۱۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۴

116 - 118.

1 - تفسير علي بن إبراهيم: " وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت " فلفظ الآية ماض و معناه مستقبل، ولم يقله بعد وسيقوله، وذلك أن النصارى زعموا أن عيسى عليه السلام قال لهم:

إني وأمي إلهين من دون الله، فإذا كان يوم القيامة يجمع الله بين النصارى وبين عيسى فيقول له: أأنت قلت لهم ما يدعون عليك؟ فيقول عيسى: " سبحانك ما يكون لي أن أقول " الآية، والدليل على أن عيسى لم يقل لهم ذلك قوله: " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ".

2 - الكافي: علي، عن أبيه ومحمد بن القاسم. عن محمد بن سليمان، عن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: أنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان.

3 - وعن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن الجوهري، عن البطائني، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نزل الإنجيل في اثني عشر ليلة مضت من شهر رمضان.

بيان: لعل الخبر الأول محمول على نزوله إلى بيت المعمور كما يشعر به صدره الذي تركناه، والثاني على نزوله إلى الأرض.

4 - علل الشرائع: بإسناده عن يزيد بن سلام أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله لم سمي الفرقان فرقانا قال: لأنه متفرق الآيات والسور، أنزلت في غير الألواح وغير الصحف، والتوراة والإنجيل والزبور أنزلت كلها جملة في الألواح والورق.

5 - أمالي الصدوق: ابن البرقي، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن علي القرشي، عن محمد بن سنان، عن عبد الله بن طلحة، وإسماعيل بن جابر وعمار بن مروان، عن الصادق جعفر ابن محمد عليهما السلام أن عيسى بن مريم عليه السلام توجه في بعض حوائجه ومعه ثلاثة نفر من أصحابه فمر بلبنات ثلاث من ذهب على ظهر الطريق، فقال عيسى عليه السلام لأصحابه: إن هذا يقتل الناس، ثم مضى، فقال أحدهم: إن لي حاجة، قال: فانصرف، ثم قال الآخر: إن لي حاجة فانصرف، ثم قال الآخر: لي حاجة فانصرف، فوافوا عند الذهب ثلاثتهم، فقال اثنان لواحد: اشتر لنا طعاما، فذهب يشتري لهما طعاما فجعل فيه سما ليقتلهما كيلا يشاركاه في الذهب، وقال الاثنان: إذا جاء قتلناه كي لا يشاركنا، فلما جاء قاما إليه فقتلاه ثم تغذيا فماتا، فرجع إليهم عيسى عليه السلام وهم موتى حوله، فأحياهم بإذن الله تعالى ذكره، ثم قال: ألم أقل لكم: إن هذا يقتل الناس؟!

6 - أمالي الصدوق: الطالقاني، عن الجلودي، عن هشام بن جعفر، عن حماد، عن عبد الله بن سليمان وكان قارئا للكتب قال: قرأت في الإنجيل: يا عيسى جد في أمري ولا تهزل. و اسمع وأطع، يا ابن الطاهرة الطهر البكر البتول أنت من غير فحل، أنا خلقتك آية للعالمين

فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، خذ الكتاب بقوة فسر لأهل سوريا بالسريانية، بلغ من بين يديك أني أنا الله الدائم الذي لا أزول، صدقوا النبي الأمي صاحب الجمل و المدرعة والتاج وهي العمامة، والنعلين، والهراوة وهي القضيب، الأنجل العينين، الصلت الجبين، الواضح الخدين، الأقنى الانف، مفلج الثنايا، كأن عنقه إبريق فضة، كأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من صدره إلى سرته، ليس على بطنه ولا على صدره شعر، أسمر اللون، دقيق المسربة، شثن الكف والقدم، إذا التفت التفت جميعا، وإذا مشى كأنما يتقلع من الصخرة، وينحدر من صبب، وإذا جاء مع القوم بذهم، عرقه في وجهه كاللؤلؤ وريح المسك ينفح منه، لم ير قبله مثله ولا بعده، طيب الريح، نكاح النساء، ذو النسل القليل، إنما نسله من مباركة لها بيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب، يكفلها في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك، لها فرخان مستشهدان، كلامه القرآن، ودينه الاسلام، وأنا السلام، طوبى لمن أدرك زمانه وشهد أيامه ، وسمع كلامه. قال عيسى: يا رب وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة أنا غرستها، تظل الجنان، أصلها من رضوان، ماؤها من تسنيم، برده برد الكافور، وطعمه

طعم الزنجبيل، من يشرب من تلك العين شربة لا يظمأ بعدها أبدا، فقال عيسى: اللهم اسقني منها، قال: حرام يا عيسى على البشر أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي، وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى يشرب أمة ذلك النبي، أرفعك إلي ثم أهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب، ولتعينهم على اللعين الدجال، أهبطك في وقت الصلاة لتصلي معهم، إنهم أمة مرحومة. أقول: سيأتي شرحه في باب شمائل النبي صلى الله عليه وآله.

7 - أمالي الصدوق: الوراق، عن سعد، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه، عن الحسين بن سعيد، عن الأحول، عن جميل بن صالح، عن الصادق عليه السلام قال: قام عيسى بن مريم عليه السلام في بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل لا تحدثوا بالحكمة الجهال فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، ولا تعينوا الظالم على ظلمه فيبطل فضلكم. الخبر.

8 - التوحيد، معاني الأخبار، أمالي الصدوق: الطالقاني، عن أحمد الهمداني، عن جعفر بن عبد الله بن جعفر العلوي، عن كثير بن عياش القطان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال:

لما ولد عيسى بن مريم عليه السلام كان ابن يوم كأنه ابن شهرين، فلما كان ابن سبعة أشهر أخذت والدته بيده وجاءت به إلى الكتاب وأقعدته بين يدي المؤدب، فقال له المؤدب:

قل: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال عيسى عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال له المؤدب: قل: أبجد، فرفع عيسى رأسه فقال: وهل تدري ما أبجد؟ فعلاه بالدرة ليضربه، فقال يا مؤدب لا تضربني إن كنت تدري وإلا فاسألني حتى أفسر لك، فقال: فسر لي، فقال عيسى: أما الألف آلاء الله، والباء بهجة الله، والجيم جمال الله، والدال دين الله " هوز " الهاء هول جهنم، والواو ويل لأهل النار، والزاء زفير جهنم " حطي " حطت الخطايا عن المستغفرين " كلمن " كلام الله لا مبدل لكلماته " سعفص " صاع بصاع والجزاء بالجزاء " قرشت "

قرشهم، فحشرهم، فقال المؤدب: أيتها المرأة خذي بيد ابنك فقد علم، ولا حاجة له في المؤدب.

9 - الخصال: بإسناده، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم عليه السلام: يا معلم الخير علمنا أي الأشياء أشد، فقال: أشد الأشياء غضب الله عز وجل، قالوا: فبم يتقى غضب الله؟ قال: بأن لا تغضبوا، قالوا: وما بدء الغضب؟ قال: الكبر والتجبر ومحقرة الناس.

10 - أمالي الصدوق: ابن مسرور، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط عن عمه، عن الصادق عليه السلام قال: قال عيسى بن مريم عليه السلام لبعض أصحابه: مالا تحب أن يفعل بك فلا تفعله بأحد، وإن لطم أحد خدك الأيمن فأعط الأيسر.

11 - أمالي الصدوق: أبي، عن البرقي، عن محمد بن علي الكوفي، عن شريف بن سابق التفليسي، عن إبراهيم بن محمد، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مر عيسى بن مريم عليه السلام بقبر يعذب صاحبه، ثم مر به من قابل فإذا هو ليس يعذب، فقال: يا رب مررت بهذا القبر عام أول فكان صاحبه يعذب، ثم مررت به العام فإذا هو ليس يعذب، فأوحى الله عز وجل إليه: يا روح الله إنه أدرك له ولد صالح فأصلح طريقا وآوى يتيما فغفرت له بما عمل ابنه. قال: وقال عيسى بن مريم عليه السلام ليحيى بن زكريا عليه السلام: إذا قيل فيك ما فيك فاعلم أنه ذنب ذكرته فاستغفر الله منه، وإن قيل فيك ما ليس فيك فاعلم أنها حسنة كتبت لك لم تتعب فيها.

13 - أمالي الصدوق: ابن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن سيف بن عميرة، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: كان عيسى ابن مريم عليه السلام يقول لأصحابه: يا بني آدم اهربوا من الدنيا إلى الله، وأخرجوا قلوبكم عنها، فإنكم لا تصلحون لها ولا تصلح لكم، ولا تبقون فيها ولا تبقى لكم، هي الخداعة الفجاعة، المغرور من اغتر بها، المغبون من اطمأن إليها، الهالك من أحبها وأرادها، فتوبوا إلى بارئكم، واتقوا ربكم، واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، أين آباؤكم؟ أين أمهاتكم؟ أين إخوتكم؟ أين أخواتكم؟ أين أولادكم؟ دعوا فأجابوا، واستودعوا الثرى، وجاوروا الموتى، وصاروا في الهلكى، و خرجوا عن الدنيا، وفارقوا الأحبة، واحتاجوا إلى ما قدموا واستغنوا عما خلفوا فكم توعظون وكم تزجرون وأنتم لاهون ساهون، مثلكم في الدنيا مثل البهائم همتكم بطونكم وفروجكم، أما تستحيون ممن خلقكم وقد أوعد من عصاه النار، ولستم ممن يقوي على النار؟ ووعد من أطاعه الجنة ومجاورته في الفردوس الاعلى، فتنافسوا فيه، وكونوا من أهله، وأنصفوا من أنفسكم، وتعطفوا على ضعفائكم وأهل الحاجة منكم، وتوبوا إلى الله توبة نصوحا، وكونوا عبيدا أبرارا، ولا تكونوا ملوكا جبابرة، ولا من العتاة الفراعنة المتمردين على من قهرهم بالموت، جبار الجبابرة رب السماوات ورب الأرضين، وإله الأولين والآخرين مالك يوم الدين، شديد العقاب، أليم العذاب، لا ينجو منه ظالم، ولا يفوته شئ، ولا يعزب عنه شئ، ولا يتوارى منه شئ، أحصى كل شئ علمه وأنزله منزلته في جنة أو نار.

ابن آدم الضعيف! أين تهرب ممن يطلبك في سواد ليلك وبياض نهارك وفي كل

حال من حالاتك؟ قد أبلغ من وعظ، وأفلح من اتعظ.

14 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط عنهم عليهم السلام، لي: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: كان فيما وعظ الله تبارك وتعالى به عيسى بن مريم عليه السلام أن قال له: يا عيسى أنا ربك ورب آبائك، اسمي واحد، وأنا الأحد المتفرد بخلق كل شئ، وكل شئ من صنعي، وكل خلقي إلي راجعون. يا عيسى أنت المسيح بأمري، وأنت تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني، وأنت تحيي الموتى بكلامي، فكن إلي راغبا، ومني راهبا، فإنك لن تجد مني ملجأ إلا إلي. يا عيسى أوصيك وصية المتحنن، عليك بالرحمة حين حقت لك مني الولاية بتحريك مني المسرة، فبوركت كبيرا وبوركت صغيرا حيثما كنت، أشهد أنك عبدي ابن أمتي. يا عيسى أنزلني من نفسك كهمك، واجعل ذكري لمعادك، وتقرب إلي بالنوافل، وتوكل علي أكفك، ولا تول غيري فأخذ لك. يا عيسى اصبر على البلاء وارض بالقضاء، وكن كمسرتي فيك، فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى. يا عيسى أحي ذكري بلسانك، وليكن ودي في قلبك. يا عيسى تيقظ في ساعات الغفلة، واحكم لي بلطيف الحكمة. يا عيسى كن راغبا راهبا، و أمت قلبك بالخشية. يا عيسى راع الليل لتحري مسرتي، واظمأ نهارك ليوم حاجتك عندي. يا عيسى نافس في الخير جهدك لتعرف بالخير حيثما توجهت. يا عيسى احكم في عبادي بنصحي، وقم فيهم بعدلي، فقد أنزلت عليك شفاء لما في الصدور من مرض الشيطان

[الكافي: يا عيسى لا تكن جليسا لكل مفتون] الكافي، أمالي الصدوق: يا عيسى حقا أقول ما آمنت بي خليقة إلا خشعت لي، وما خشعت لي إلا رجت ثوابي، فأشهدك أنها آمنة من عقابي ما لم تغير أو تبدل سنتي. يا عيسى ابن البكر البتول ابك على نفسك بكاء من قد ودع الأهل وقلى الدنيا، وتركها لأهلها، وصارت رغبته فيما عند الله. يا عيسى كن مع ذلك تلين الكلام، وتفشي السلام، يقظان إذا نامت عيون الأبرار حذارا للمعاد والزلازل الشداد، وأهوال يوم القيامة حيث لا ينفع أهل ولا ولد ولا مال.

يا عيسى اكحل عينيك بميل الحزن إذا ضحك البطالون. يا عيسى كن خاشعا صابرا فطوبى لك إن نالك ما وعد الصابرون. يا عيسى رح من الدنيا يوما فيوما، وذق ما قد ذهب طعمه، فحقا أقول ما أنت إلا بساعتك ويومك، فرح من الدنيا بالبلغة، وليكفك الخشن الجشب، فقد رأيت إلى ما تصير، ومكتوب ما أخذت وكيف أتلفت. يا عيسى إنك مسؤول فارحم الضعيف كرحمتي إياك، ولا تقهر اليتيم.

يا عيسى ابك على نفسك في الصلاة، وانقل قدميك إلى مواضع الصلوات، وأسمعني لذاذة نطقك بذكري، فإن صنيعي إليك حسن. يا عيسى كم من أمة قد أهلكتها بسالف ذنب قد عصمتك منه. يا عيسى ارفق بالضعيف، وارفع طرفك الكليل إلى السماء، وادعني فإني منك قريب، ولا تدعني إلا متضرعا إلي وهمك هم واحد، فإنك متى تدعني كذلك أجبك. يا عيسى إني لم أرض بالدنيا ثوابا لمن كان قبلك، ولا عقابا لمن انتقمت منه. يا عيسى إنك تفنى وأنا أبقى، ومني رزقك، وعندي ميقات

أجلك، وإلي إيابك، وعلي حسابك، فاسألني ولا تسأل غيري، فيحسن منك الدعاء، ومني الإجابة.

يا عيسى ما أكثر البشر وأقل عدد من صبر! الأشجار كثيرة وطيبها قليل، فلا يغرنك حسن شجرة حتى تذوق ثمرتها. يا عيسى لا يغرنك المتمرد علي بالعصيان، يأكل رزقي ويعبد غيري، ثم يدعوني عند الكرب فأجيبه، ثم يرجع إلى ما كان، أفعلي يتمرد، أم لسخطي يتعرض؟ فبي حلفت لآخذنه أخذة ليس له منها منجى، ولا دوني ملتجأ، أين يهرب؟ من سمائي وأرضي؟ يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل لا تدعوني والسحت تحت أحضانكم، والأصنام في بيوتكم، فإني وأيت أن أجيب من دعاني، وأن أجعل إجابتي إياهم لعنا عليهم حتى يتفرقوا، يا عيسى كم أجمل النظر وأحسن الطلب والقوم في غفلة لا يرجعون، تخرج الكلمة من أفواههم لا تعيها قلوبهم، يتعرضون لمقتي، ويتحببون بي إلى المؤمنين. يا عيسى ليكن لسانك في السر والعلانية واحدا، وكذلك فليكن قلبك وبصرك، واطو قلبك ولسانك عن المحارم، وغض طرفك عما لا خير فيه، فكم ناظر نظرة زرعت في قلبه شهوة، ووردت به موارد الهلكة!. يا عيسى كن رحيما مترحما، وكن للعباد كما تشاء أن يكون العباد لك، وأكثر ذكر الموت ومفارقة الأهلين، ولا تله فإن اللهو يفسد صاحبه، ولا تغفل فإن الغافل مني بعيد، واذكرني بالصالحات حتى أذكرك.

يا عيسى تب إلي بعد الذنب، وذكر بي الأوابين، وآمن بي، وتقرب إلي

المؤمنين، ومرهم يدعوني معك، وإياك ودعوة المظلوم فإني وأيت على نفسي أن أفتح لها بابا من السماء، وأن أجيبه ولو بعد حين. يا عيسى اعلم أن صاحب السوء يغوي، وأن قرين السوء يردي، فاعلم من تقارن، واختر لنفسك إخوانا من المؤمنين. يا عيسى تب إلي فإنه لا يتعاظمني ذنب أن أغفره وأنا أرحم الراحمين. يا عيسى اعمل لنفسك في مهلة من أجلك قبل أن لا يعمل لها غيرك، واعبدني ليوم كألف سنة مما تعدون فإني أجزي بالحسنة أضعافها، وإن السيئة توبق صاحبها، وتنافس في العمل الصالح، فكم من مجلس قد نهض أهله وهم مجارون من النار.

يا عيسى أزهد في الفاني المنقطع، وطئ رسوم منازل من كان قبلك فادعهم وناجهم هل تحس منهم من أحد، فخذ موعظتك منهم، واعلم أنك ستلحقهم في اللاحقين.

يا عيسى قل لمن تمرد بالعصيان وعمل بالادهان يستوقع عقوبتي، وينتظر إهلاكي إياه سيصطلم مع الهالكين، طوبى لك يا ابن مريم ثم طوبى لك إن أخذت بأدب إلهك الذي يتحنن عليك ترحما، وبدأك بالنعم منه تكرما، وكان لك في الشدائد، لا تعصه يا عيسى فإنه لا يحل لك عصيانه، قد عهدت إليك كما عهدت إلى من كان قبلك وأنا على ذلك من الشاهدين.

يا عيسى ما أكرمت خليقة بمثل ديني، ولا أنعمت عليها بمثل رحمتي. يا عيسى اغسل بالماء منك ما ظهر، وداو بالحسنات منك ما بطن، فإنك إلي راجع [الكافي: يا عيسى أعطيتك ما أنعمت به عليك فيضا من غير تكدير، وطلبت منك قرضا لنفسك فبخلت به

عليها لتكون من الهالكين. يا عيسى تزين بالدين، وحب المساكين، وامش على الأرض هونا، وصل على البقاع فكلها طاهر.] الكافي، أمالي الصدوق: يا عيسى شمر فكل ما هو آت قريب، واقرأ كتابي وأنت طاهر، وأسمعني منك صوتا حزينا. [الكافي: يا عيسى لا خير في لذاذة لا تدوم، وعيش من صاحبه يزول، يا ابن مريم لو رأت عينك ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك شوقا إليه، فليس كدار الآخرة دار، تجاور فيها الطيبون، ويدخل عليهم فيها الملائكة المقربون، وهم مما يأتي يوم القيامة من أهوالها آمنون، دار لا يتغير فيها النعيم، ولا يزول عن أهلها، يا ابن مريم نافس فيها مع المتنافسين، فإنها أمنية المتمنين حسنة المنظر، طوبى لك يا ابن مريم إن كنت لها من العاملين، مع آبائك آدم وإبراهيم في جنات ونعيم لا تبغي لها بدلا ولا تحويلا، كذلك أفعل بالمتقين. يا عيسى اهرب إلي مع من يهرب من نار ذات لهب، ونار ذات أغلال وأنكال، لا يدخلها روح، ولا يخرج منها غم أبدا، قطع كقطع الليل المظلم، من ينج منها يفز، ولن ينجو منها من كان من الهالكين، هي دار الجبارين والعتاة الظالمين، وكل فظ غليظ، وكل مختال فخور.

يا عيسى بئست الدار لمن ركن إليها وبئس القرار دار الظالمين، إني أحذرك نفسك فكن بي خبيرا.

يا عيسى كن حيثما كنت مراقبا لي، واشهد علي أني خلقتك وأنت عبدي، وأني صورتك وإلى الأرض أهبطتك. يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد، ولا قلبان في صدر واحد، وكذلك الأذهان. يا عيسى لا تستيقظن عاصيا ولا تستنبهن لاهيا، و افطم نفسك عن الشهوات الموبقات، وكل شهوة تباعدك مني فاهجرها، واعلم أنك مني بمكان الرسول الأمين، فكن مني على حذر، واعلم أن دنياك مؤديتك إلي وأني آخذك بعلمي، وكن ذليل النفس عند ذكري، خاشع القلب حين تذكرني، يقظانا عند نوم الغافلين. يا عيسى هذه نصيحتي إياك وموعظتي لك، فخذها مني فإني رب العالمين.

يا عيسى إذا صبر عبدي في جنبي كان ثواب عمله علي، وكنت عنده حين يدعوني، وكفى

بي منتقما ممن عصاني، أين يهرب مني الظالمون؟ يا عيسى أطب الكلام، وكن حيثما كنت عالما متعلما. يا عيسى أفض بالحسنات إلي حتى يكون لك ذكرها عندي، و تمسك بوصيتي فإن فيها شفاء للقلوب.] [أمالي الصدوق: قال: وكان فيما وعظ الله عز وجل به عيسى بن مريم عليه السلام أيضا أن قال له] الكافي، أمالي الصدوق: يا عيسى لا تأمن إذا مكرت مكري، ولا تنس عند خلوتك بالذنب ذكري [الكافي: يا عيسى حاسب نفسك بالرجوع إلي حتى تتنجز ثواب ما عمله العاملون، أولئك يؤتون أجرهم وأنا خير المؤتين. يا عيسى كنت خلقا بكلامي، ولدتك مريم بأمري المرسل إليها روحي جبرئيل الأمين من ملائكتي، حتى قمت على الأرض حيا تمشي كل ذلك في سابق علمي. يا عيسى زكريا بمنزلة أبيك وكفيل أمك، إذ يدخل عليها المحراب فيجد عندها رزقا، ونظيرك يحيى من خلقي وهبته لامه بعد الكبر من غير قوة بها، أردت بذلك أن يظهر لها سلطاني، وتظهر فيك قدرتي، أحبكم إلي أطوعكم لي وأشدكم خوفا مني.] الكافي، أمالي الصدوق: يا عيسى تيقظ ولا تيأس من روحي وسبحني مع من يسبحني، وبطيب الكلام فقدسني [الكافي: يا عيسى كيف يكفر العباد بي ونواصيهم في قبضتي وتقلبهم في أرضي؟ يجهلون نعمتي ويتولون عدوي وكذلك يهلك الكافرون.] الكافي، أمالي الصدوق: يا عيسى إن الدنيا سجن منتن الريح وحش وفيها ما قد ترى مما قد ألح عليه الجبارون، وإياك والدنيا فكل نعيمها يزول وما نعيمها إلا قليل. [الكافي: يا عيسى ابغني عند وسادك تجدني، وادعني وأنت لي محب فإني أسمع السامعين، أستجيب

للداعين إذا دعوني. يا عيسى خفني وخوف بي عبادي لعل المذنبين أن يمسكوا عماهم عاملون به، فلا يهلكوا إلا وهم يعلمون. يا عيسى ارهبني رهبتك من السبع، والموت الذي أنت لاقيه، فكل هذا أنا خلقته فإياي فارهبون.] الكافي، أمالي الصدوق: يا عيسى إن الملك لي وبيدي، وأنا الملك فإن تطعني أدخلتك جنتي في جوار الصالحين [الكافي: يا عيسى إني إن غضبت عليك لم ينفعك رضى من رضي عنك، وإن رضيت عنك لم يضرك غضب المغضبين. يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي، واذكرني في ملئك أذكرك في ملا خير من ملا الآدميين.

الكافي، أمالي الصدوق: يا عيسى ادعني دعاء الغريق الذي ليس له مغيث، يا عيسى لا تحلف باسمي كاذبا فيهتز عرشي غضبا. يا عيسى الدنيا قصيرة العمر، طويلة الامل، وعندي دار خير مما يجمعون. يا عيسى: قل لظلمة بني إسرائيل: كيف أنتم صانعون إذا أخرجت لكم كتابا ينطق بالحق فتنكشف سرائر قد كتمتموها. [الكافي: وأعمال كنتم بها عاملين.] الكافي، أمالي الصدوق: يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل: غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم، أبي تغترون أم علي تجترئون؟ تتطيبون بالطيب لأهل الدنيا وأجوافكم عندي بمنزلة الجيف المنتنة، كأنكم أقوام ميتون. يا عيسى قل لهم: قلموا أظفاركم من كسب الحرام، وأصموا أسماعكم عن ذكر الخناء، واقبلوا علي بقلوبكم، فإني لست أريد صوركم. يا عيسى افرح بالحسنة فإنها لي رضى، وابك على السيئة فإنها لي سخط، وما لا تحب أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك، وإن لطم خدك الأيمن فأعط

الأيسر، وتقرب إلي بالمودة جهدك وأعرض عن الجاهلين [الكافي: يا عيسى ذل لأهل الحسنة وشاركهم فيها، وكن عليهم شهيدا، وقل لظلمة بني إسرائيل: يا أخدان السوء والجلساء عليه إن لم تنتهوا أمسخكم قردة وخنازير.] الكافي، أمالي الصدوق: يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل: الحكمة تبكي فرقا مني وأنتم بالضحك تهجرون! أتتكم براءتي أم لديكم أمان من عذابي أم تتعرضون لعقوبتي؟ فبي حلفت لأتركنكم مثلا للغابرين.

ثم إني أوصيك يا ابن مريم البكر البتول بسيد المرسلين وحبيبي منهم أحمد صاحب الجمل الأحمر، والوجه الأقمر، المشرق بالنور، الطاهر القلب، الشديد البأس، الحيي المتكرم، فإنه رحمة للعالمين، وسيد ولد آدم عندي، يوم يلقاني أكرم السابقين علي، وأقرب المرسلين مني، العربي الأمي الديان بديني، الصابر في ذاتي المجاهد للمشركين ببدنه عن ديني. يا عيسى آمرك أن تخبر به بني إسرائيل وتأمرهم أن يصدقوا به ويؤمنوا به ويتبعوه وينصروه. قال عيسى: إلهي من هو؟ قال: يا عيسى ارضه فلك الرضى، قال: اللهم رضيت فمن هو؟ قال: محمد رسول الله إلى الناس كافة أقربهم مني منزلة، وأوجبهم عندي شفاعة، طوباه من نبي، وطوباه لامته

إن هم لقوني على سبيله ، يحمده أهل الأرض ويستغفر له أهل السماء، أمين ميمون مطيب، خير الماضين والباقين عندي، يكون في آخر الزمان، إذا خرج أرخت السماء عزاليها، وأخرجت الأرض زهرتها. [الكافي: حتى يروا البركة] الكافي، أمالي الصدوق: وأبارك فيما وضع يده عليه، كثير الأزواج، قليل الأولاد، يسكن بكة موضع أساس إبراهيم.

يا عيسى دينه الحنفية وقبلته مكية، وهو من حزبي وأنا معه، فطوباه طوباه له الكوثر، والمقام الأكبر، من جنات عدن يعيش أكرم معاش، ويقبض شهيدا، له حوض أبعد من مكة إلى مطلع الشمس من رحيق مختوم، فيه آنية مثل نجوم السماء [الكافي: وأكواب مثل مدر الأرض] [أمالي الصدوق: ماؤه] الكافي، أمالي الصدوق: عذب، فيه من كل شراب، وطعم كل ثمار في الجنة، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، أبعثه على فترة بينك وبينه، يوافق سره علانيته، وقوله فعله، لا يأمر الناس إلا بما يبدأهم به، دينه الجهاد في عسر ويسر، تنقاد له البلاد، ويخضع له صاحب الروم على دينه ودين أبيه إبراهيم، ويسمي عند الطعام، ويفشي السلام، ويصلي والناس نيام، له كل يوم خمس صلوات متواليات [الكافي: ينادي إلى الصلاة كنداء الجيش بالشعار و] الكافي، أمالي الصدوق: يفتتح بالتكبير ويختتم بالتسليم، ويصف قدميه في الصلاة كما تصف الملائكة أقدامها، ويخشع

لي قلبه [الكافي: ورأسه] الكافي، أمالي الصدوق: النور في صدره، والحق في لسانه، وهو مع الحق حيثما كان [الكافي: أصله يتيم ضال برهة من زمانه عما يراد به].

الكافي، أمالي الصدوق: تنام عيناه ولا ينام قلبه، له الشفاعة، وعلى أمته تقوم الساعة، ويدي فوق أيديهم إذا بايعوه، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى [الكافي: بما عاهد عليه] الكافي، أمالي الصدوق: وفيت له بالجنة، فمر ظلمة بني إسرائيل لا يدرسوا كتبه، ولا يحرفوا سنته، وأن يقرؤوه السلام، فإن له في المقام شأنا من الشأن. يا عيسى كل ما يقر بك مني فقد دللتك عليه، وكل ما يباعدك مني قد نهيتك عنه، فارتد لنفسك. يا عيسى إن الدنيا حلوة، وإنما استعملتك فيها لتطيعني، فجانب منها ما حذرتك، وخذ منها ما أعطيتك عفوا [الكافي: يا عيسى] الكافي، أمالي الصدوق: انظر في عملك نظر العبد المذنب الخاطئ، ولا تنظر في عمل غيرك نظر الرب وكن فيها زاهدا، ولا ترغب فيها فتطعب. يا عيسى أعقل وتفكر وانظر في نواحي الأرض كيف كان عاقبة الظالمين.

يا عيسى كل وصيتي نصيحة لك، وكل قولي [الكافي: لك] الكافي، أمالي الصدوق: حق وأنا الحق المبين، وحقا أقول: لئن أنت عصيتني بعد أن أنبأتك مالك من دوني ولي ولا نصير. يا عيسى ذلل قلبك بالخشية، وانظر إلى من هو أسفل منك، ولا تنظر إلى من هو فوقك، واعلم أن رأس كل خطيئة وذنب حب الدنيا فلا تحبها فإني لا أحبها.

يا عيسى أطب بي قلبك، وأكثر ذكري في الخلوات، واعلم أن سروري أن تبصبص إلي وكن في ذلك حيا ولا تكن ميتا.

يا عيسى لا تشرك بي شيئا، وكن مني على حذر، ولا تغتر بالصحة ولا تغبط نفسك فإن الدنيا كفئ زائل، وما أقبل منها كما أدبر، فنافس في الصالحات جهدك، وكن مع الحق حيثما كان، وإن قطعت وأحرقت بالنار فلا تكفر بي بعد المعرفة، ولا تكن مع الجاهلين [الكافي: فإن الشئ يكون مع الشئ] الكافي، أمالي الصدوق: يا عيسى صب [الكافي، إلي] الكافي، أمالي الصدوق: الدموع من عينيك، واخشع لي بقلبك. يا عيسى استغفرني في حالات الشدة فإني أغيث المكروبين، وأجيب المضطرين، وأنا أرحم الراحمين. بيان: قال الجزري: قد تكرر فيه ذكر المسيح عليه السلام فسمي به لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ، وقيل: لأنه كان أمسح الرجل لا أخمص له، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، وقيل: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها، وقيل: المسيح الصديق، وقيل: هو بالعبرانية مشيحا فعربت.

قوله تعالى: (وصية المتحنن) أي أوصيك وقد أحسنت إليك برحمتي وربيتك في درجات الكمال بلطفي حين حقت، وفي الكافي: حتى حقت، أي ثبتت ووجبت لك ولايتي ومحبتي بسبب أنك تطلب مسرتي ولا تفعل إلا ما يوجب رضاي.

قوله: (فبوركت) البركة: النمو والزيادة، أي زيد في علمك وقربك وكمالك في صغرك وكبرك، أو جعلتك ذا بركة في اليد واللسان بإحياء الموتى وإبراء ذوي العاهات وتكثير القليل من الطعام والشراب. قوله: (كهمك) أي اجعلني واتخذني قريبا منك كقرب همك وما يخطر ببالك منك، أو اهتم بأوامري كما تهتم بأمور نفسك. قوله:

(ولا تول غيري) أي لا تتخذ غيري ولي أمرك، أو لا تجعل حبك لغيري. قوله: (واحكم) أي اقض بين الناس بما علمتك من لطائف الحكمة. قوله: (نافس) المنافسة: الرغبة في الشئ والانفراد به. قوله: (بنصحي) أي بما علمتك للحكم بينهم لنصحي لهم، أو كما أني لك ناصح فكن أنت ناصحا لهم.

وقال الفيروزآبادي: البتول: المنقطعة عن الرجال، ومريم العذراء، وفاطمة بنت

سيد المرسلين عليهما الصلاة والسلام لانقطاعها عن نساء زمانها ونساء الأمة فضلا ودينا وحسبا، والمنقطعة عن الدنيا إلى الله.

قوله: (وقلى الدنيا) أي أبغضها. قوله: (رح من الدنيا) أي اقطع عنك كل يوم شيئا عن علائق الدنيا لكيلا يصعب عليك مفارقتها عند حلول أجلك. قوله: (ما أنت إلا بساعتك) أي لا تعلم بقاءك بعد تلك الساعة وهذا اليوم فاغتنمها. قوله: (فرح من الدنيا) أي اترك الدنيا واكتف منها بالبلاغ والكفاف، أو كن بحيث إذا فارقت الدنيا لم تكن أخذت منها سوى البلغة، ويحتمل أن يكون المراد بالبلغة ما يبلغ الانسان من زاد الآخرة إلى درجاتها الرفيعة.

قوله: (وليكفك الخشن) أي من الثياب (الجشب) أي من الطعام، والظاهر كونهما إما صفة للثياب أولهما، والجشب: الغليظ. قوله: (إلى ما يصير) أي الثوب والطعام، فإن مصير الأول إلى البلى، والثاني إلى ما ترى.

قوله (كرحمتي) الكاف إما للتشبيه في أصل الرحمة لا في كيفيتها وقدرها، أو للتعليل، أي لرحمتي إياك. قوله: (لذاذة نطقك) أي نطقك اللذيذ، أو التذاذك بذكري.

قوله (طرفك الكليل) قال الجزري: طرف كليل: إذا لم يحقق المنظور به، أي لا تحدق النظر إلى السماء حياء بل انظر بتخشع، ويحتمل أن يكون وصف الطرف بالكلال لبيان عجز قوى المخلوقين.

قوله: (تحت أحضانكم) جمع الحضن وهو ما دون الإبط إلى الكشح وهو كناية عن ضبط الحرام بحفظه وعدم رده إلى أهله، ولعل المراد بالأصنام الدراهم والدنانير والذخائر التي كانوا يحرزونها في بيوتهم ولا يؤدون حق الله منها، كما ورد في الخبر:

" ملعون من عبد الدينار والدرهم " قوله: (لعنا عليهم) أي إجابتي للظالمين فيما يطلبون من دنياهم موجب لبعدهم عن رحمتي واستدراج مني لهم، والتفرق إما عن الدعاء أو بالموت.

قوله: (مترحما) الرحم: رقة القلب، والترحم: إعمالها وإظهارها. قوله: (و اذكرني بالصالحات) أي بفعل الأعمال الصالحة فإنها مسببة عن ذكره تعالى، وذكره تعالى له إثابته، أو ذكره في الملا الاعلى بخير. قوله: (يغوي) وفي الكافي (يعدي) أي يؤثر أخلاقه الذميمة فيمن يصاحبه، يقال: أعداه الداء وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء.

قوله: (يردي) أي يهلك من يقارنه. قوله تعالى (هل تحس منهم من أحد) أي هل تشعر بأحد منهم وتراه، أو تسمع صوته، والاصطلام: الاستيصال. قوله: (بأدب إلهك) أي بالآداب التي أمرك بها إلهك، أو المراد التخلق بأخلاق الله. قوله: (بمثل رحمتي) أي الجنة أو المغفرة قوله (فيضا) أي كثيرا واسعا، والظاهر أن المقصود بهذا الخطاب أمته عليه السلام كقوله تعالى لنبينا صلى الله عليه وآله: " لئن أشركت ليحبطن عملك ".

والهون: السكينة والوقار. قوله: (وصلى على البقاع) هذا خلاف ما هو المشهور من أن جواز الصلاة في كل البقاع من خصائص نبينا صلى الله عليه وآله، بل كان يلزمهم الصلاة في معابدهم، فيمكن أن يكون هذا الحكم فيهم مختصا بالفرائض، أو بغيره من أمته.

قوله: (شمر) أي جد في العبادة فإن الموت آت، وكل ما هو آت قريب.

قوله: (وزهقت) أي هلكت واضمحلت. قوله: (مع آبائك) أي تكون معهم، أو طوبى لك معهم. والانكال جمع النكل بالكسر وهو القيد الشديد. قوله: (فكن بي) أي بمعونتي خبيرا بعيوب نفسك، أو كن عالما بي وبرحمتي ونعمتي وعقوبتي حتى لا تغلبك نفسك. قوله:

(مراقبا لي) أي تنتظر فضلي وإحساني وتخاف عذابي وتعلم أني مطلع على سرائر أمرك.

قوله تعالى: (لا يصلح لسانان في فم واحد) أي بأن تقول في حضور القوم شيئا وفي غيبتهم غيره، أو تمزج الحق بالباطل. (ولا قلبان في صدر واحد) أي لا يجتمع حبه تعالى وحب غيره في قلب واحد، فلا يجتمعان إلا بأن يكون لك قلبان وهو محال، كما قال تعالى:

" ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ". قوله تعالى: (وكذلك الأذهان) أي لا يجتمع شيئان متضادان في ذهن واحد

كالتوجه إلى الله وإلى الدنيا، والتوكل على الله وعلى غيره، ويحتمل أن يكون ذكر اللسان والقلب تمهيدا لبيان الأخير، أي كما لا يمكن أن يكون في فم لسانان وفي صدر قلبان فكذلك لا يجوز أن يكون في ذهن واحد أمران متضادان يصيران منشأين لأمور مختلفة متباينة: قوله تعالى: (لا تستيقظن عاصيا) أي لا تنبه غيرك والحال أنك عاص، بل ابدأ بإصلاح نفسك قبل إصلاح غيرك، وكذا الفقرة الثانية، ويشكل بأن الاستيقاظ لم يرد متعديا، فيحتمل أن يكون المراد: لا يكن تيقظك تيقظا ناقصا مخلوطا بالعصيان أو لا يكن تيقظك عند الموت بعد العصيان، فتكون الفقرة الثانية تأسيسا وهو أولى من التأكيد. قوله: (مؤديتك إلي) أي تردك إلي بالموت، وأعاقبك بما عملت من معاصيك.

قوله: (في جنبي) أي في قربي أو طاعتي. قوله تعالى: (وأفض) من الافضاء بمعنى الايصال، أو من الإفاضة بمعنى الاندفاع والاسراع في السير، أي أقبل إلي بسبب حسناتك أو معها.

قوله تعالى: (بالرجوع إلي) أي بسبب أن مرجعك إلي. قوله: (بكلامي) أي بلفظ " كن " من غير والد. قوله: (ونظيرك يحيى) أي في الزهد والعبادة وسائر الكمالات، أو في الولادة فإنه من حيث تولده من شيخ كبير يئس من الولد فكأنه أيضا خلق من غير والد. قوله: (من غير قوة بها) أي كانت يائسة لا تستعد بحسب القوى البشرية عادة لتولده منها.

قوله: (قد ألح) في الكافي (قد تذابح) قال الفيروزآبادي: تذابحوا: ذبح بعضهم بعضا. قوله: (ابغني عند وسادك) أي اطلبني، وتقرب إلي عندما تتكئ على وسادك للنوم بذكري تجدني لك حافظا في نومك، أو قريبا منك مجيبا في تلك الحال أيضا، أو اطلبني بالعبادة عند إرادة التوسد أو في الوقت الذي يتوسد فيه الناس تجدني مفيضا عليك مترحما. قوله: (أذكرك في نفسي) أي أفيض عليك من رحماتي الخاصة من غير أن يطلع عليها غيري. قوله: (عن ذكر الخناء) أي الفحش في القول. والأخدان جمع الخدن بالكسر وهو الصديق. قوله تعالى: (الحكمة تبكي) إسناد البكاء إلى الحكمة مجازي

لأنها سببه، ويمكن أن يقدر مضاف أي أهل الحكمة، ويحتمل على بعد أن يقرأ على باب الافعال. قوله: (تهجرون) من الهجر وهو الهزء وقبيح الكلام.

قوله: (للغابرين) أي للباقين. قوله: (يوم يلقاني) أي تظهر سيادته في ذلك اليوم، ويحتمل تعلقه بما بعده. قوله: (الديان بديني) الديان: القهار، والحاكم والقاضي أي يقهرهم على الدخول في دين الله، أو يحكم بينهم بحكم الله، أو يتعبد الله بدين الحق من دان بمعنى عبد. والعزلاء: فم المزادة الأسفل، والجمع العزالي بكسر اللام وفتحها وإرخاؤها كناية عن كثرة الأمطار والخصب والسعة. قوله: (من رحيق مختوم) أي من جنسه، قال الجزري: الرحيق من أسماء الخمر يريد به خمر الجنة، والمختوم: المصون الذي لم يبتذل لأجل ختامه.

وقال الفيروزآبادي: الكوب بالضم: كوز لا عروة له أو لا خرطوم، والجمع أكواب.

وقال الجزري: في الحديث: إن شعار أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في الغزو: يا منصور أمت أمت أي علامتهم التي كانوا يتعارفون بها في الحرب. قوله: (يتيم) أي بلا أب أو بلا نظير، أو منفرد عن الخلق (ضال برهة) أي طائفة من زمانه (عما يراد به) أي الوحي والبعثة، أو ضال من بين قومه لا يعرفونه بالنبوة فكأنه ضل عنهم ثم وجدوه، وسيأتي شرحه في كتاب أحوال النبي صلى الله عليه وآله قوله: (فارتد لنفسك) الارتياد: الطلب أي اطلب لنفسك ما هو خير لك. قوله: (عفوا) أي فضلا وإحسانا، أو حلالا طيبا.

قال الفيروزآبادي: العفو: أحل المال وأطيبه، وخيار الشئ وأجوده، والفضل والمعروف. قوله: (نظر الرب) أي النظر في أعمال الغير ومحاسبتها شأن الرب لا شأن العبد. قوله: (وكن فيها) أي في تلك النظرة، أو في الدنيا. قوله: (أطب بي قلبك) أي كن محبا لي راضيا عني، يقال: طابت نفسه بكذا أي رضيها وأحبها. قوله: (أن تبصبص إلي) قال الجزري يقال: بصبص الكلب بذنبه: إذا حركه، وإنما يفعل ذلك من خوف أو طمع. قوله: (ولا تغبط نفسك) الظاهر أنه على بناء التفعيل يقال: غبطهم أي حملهم

على الغبطة، أي لا تجعل نفسك في أمور الدنيا بحيث يغبطها الناس، أو لا تجعل نفسك بحيث تغبط الناس على ما في أيديهم، والأول أظهر. قوله: (فإن الشئ يكون مع الشئ) أي لكل عمل جزاء، أو كل شئ يكون مع مجانسه فلا تكن مع الجاهلين تكن مثلهم.

15 - أمالي الصدوق: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن المغيرة، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد عليه السلام قال: مر عيسى بن مريم عليه السلام على قوم يبكون فقال: على ما يبكي هؤلاء؟ فقيل: يبكون على ذنوبهم، قال: فليدعوها يغفر لهم.

16 - أمالي الصدوق: ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن الحسن بن علي الخزاز قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: قال عيسى بن مريم عليه السلام للحواريين:

يا بني إسرائيل لا تأسوا على ما فاتكم من دنياكم إذا سلم دينكم، كما لا يأسى أهل الدنيا على ما فاتهم من دينهم إذا سلمت دنياهم. الحسين بن سعيد أو النوادر: الحسن بن علي مثله.

17 - تحف العقول: مواعظ المسيح عليه السلام في الإنجيل وغيره. ومن حكمه: طوبى للمتراحمين، أولئك هم المرحومون يوم القيامة. طوبى للمصلحين بين الناس أولئك هم المقربون يوم القيامة. طوبى للمطهرة قلوبهم أولئك يزورون الله يوم القيامة. طوبى للمتواضعين في الدنيا أولئك يرثون منابر الملك يوم القيامة. طوبى للمساكين لهم ملكوت السماء. طوبى للمحزونين هم الذين يسرون. طوبى للذين يجوعون ويظمؤون خشوعا، هم الذين يسبقون. طوبى للمسبوبين من أجل الطهارة فإن لهم ملكوت السماء. طوباكم إذا حسدتم وشتمتم وقيل فيكم كل كلمة قبيحة كاذبة حينئذ فافرحوا وابتهجوا فإن أجركم قد كثر في السماء.

وقال: يا عبيد السوء تلومون الناس على الظن ولا تلومون أنفسكم على اليقين؟ يا عبيد الدنيا تحلقون رؤوسكم وتقصرون قمصكم وتنكسون رؤوسكم ولا تنزعون الغل من قلوبكم؟! يا عبيد الدنيا مثلكم كمثل القبور المشيدة يعجب الناظر ظهرها، وداخلها عظام الموتى، مملوءة خطايا. يا عبيد الدنيا إنما مثلكم كمثل السراج يضئ للناس ويحرق نفسه! يا بني إسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جثوا على الركب، فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر. يا بني إسرائيل قلة المنطق حكم عظيم، فعليكم بالصمت فإنه دعة حسنة وقلة وزر، وخفة من الذنوب فحصنوا باب العلم فإن بابه الصبر، وإن الله يبغض الضحاك من غير عجب، والمشاء إلى غير أرب، ويحب الوالي الذي يكون كالراعي لا يغفل عن رعيته، فاستحيوا الله في سرائركم كما تستحيون الناس في علانيتكم، واعلموا أن كلمة الحكمة ضالة المؤمن، فعليكم قبل أن يرفع، ورفعه أن يذهب رواته، يا صاحب العلم عظم العلماء لعلمهم ودع منازعتهم، وصغر الجهال لجهلهم ولا تطردهم، ولكن قربهم وعلمهم.

يا صاحب العلم اعلم أن كل نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيئة تؤاخذ عليها، يا صاحب العلم اعلم أن كل معصية عجزت عن توبتها بمنزلة عقوبة تعاقب بها، يا صاحب العلم كرب لا تدري متى تغشاك فاستعد لها قبل أن تفجأك.

وقال لأصحابه: أرأيتم لو أن أحدا مر بأخيه فرأى ثوبه قد انكشف عن عورته

أكان كاشفا عنها أم يرد على ما انكشف منها؟ قالوا: بل يرد على ما انكشف منها، قال:

كلا بل تكشفون عنها! فعرفوا أنه مثل ضربه لهم، فقالوا: يا روح الله وكيف ذاك؟ قال ذاك الرجل منكم يطلع على العورة من أخيه فلا يسترها. بحق أقول لكم أعلمكم لتعلموا ولا أعلمكم لتعجبوا بأنفسكم، إنكم لن تنالوا ما تريدون إلا بترك ما تشتهون، ولن تظفروا بما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون، إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلوب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة، طوبى لمن جعل بصره في قلبه ولم يجعل بصره في نظر عينه لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب، وانظروا في عيوبهم كهيئة عبيد الناس، إنما الناس رجلان: مبتلى ومعافى، فارحموا المبتلى، واحمدوا الله على العافية.

يا بني إسرائيل أما تستحيون من الله؟ إن أحدكم لا يسوغ له شرابه حتى يصفيه من القذى، ولا يبالي أن يبلغ أمثال الغيلة، ألم تسمعوا أنه قيل لكم في التوراة صلوا أرحامكم، وكافوا أرحامكم؟ وأنا أقول لكم: صلوا من قطعكم، وأعطوا من منعكم وأحسنوا إلى من أساء إليكم، وسلموا على من سبكم، وأنصفوا من خاصمكم، واعفوا عمن ظلمكم، كما أنكم تحبون أن يعفى عن إساءتكم فاعتبروا بعفو الله عنكم، ألا ترون أن شمسه أشرقت على الأبرار والفجار منكم، وأن مطره ينزل على الصالحين و الخاطئين منكم؟ فإن كنتم لا تحبون إلا من أحبكم ولا تحسنون إلا إلى من أحسن إليكم ولا تكافئون إلا من أعطاكم فما فضلكم إذا على غيركم؟ قد يصنع هذا السفهاء الذين ليست عندهم فضول ولا لهم أحلام، ولكن إن أردتم أن تكونوا أحباء الله وأصفياء الله فأحسنوا إلى من أساء إليكم، واعفوا عمن ظلمكم، وسلموا على من أعرض عنكم، اسمعوا قولي، و احفظوا وصيتي، وارعوا عهدي كيما تكونوا علماء فقهاء.

بحق أقول لكم: إن قلوبكم بحيث تكون كنوزكم، وكذلك الناس يحبون

أموالهم وتتوق إليها أنفسهم، فضعوا كنوزكم في السماء حيث لا يأكلها السوس، ولا ينالها اللصوص.

بحق أقول لكم: إن العبد لا يقدر على أن يخدم ربين، ولا محالة إنه يؤثر أحدهما على الآخر وإن جهد، كذلك لا يجتمع لكم حب الله وحب الدنيا.

بحق أقول لكم: إن شر الناس لرجل عالم آثر دنياه على علمه فأحبها وطلبها وجهد عليها حتى لو استطاع أن يجعل الناس في حيرة لفعل، وماذا يغني عن الأعمى سعة نور الشمس وهو لا يبصرها؟ كذلك لا يغني عن العالم علمه إذا هو لم يعمل به، ما أكثر ثمار الشجر وليس كلها ينفع ولا يؤكل وما أكثر العلماء وليس كلهم ينتفع بما علم!

وما أوسع الأرض وليس كلها تسكن! وما أكثر المتكلمين وليس كل كلامهم يصدق!

فاحتفظوا من العلماء الكذبة الذين عليهم ثياب الصوف، منكسو رؤوسهم إلى الأرض، يزورون به الخطايا، يطرفون من تحت حواجبهم كما ترمق الذئاب، وقولهم يخالف فعلهم، وهل يجتني من العوسج العنب؟ ومن الحنظل التين؟ وكذلك لا يؤثر قول العالم الكاذب إلا زورا، وليس كل من يقول يصدق. بحق أقول لكم: إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا، وكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار، ألم تعلموا أنه من شمخ برأسه إلى السقف شجه، ومن خفض برأسه عنه استظل تحته وأكنه، وكذلك من لم يتواضع لله خفضه، ومن تواضع لله رفعه، إنه ليس على كل حال يصلح العسل في الزقاق، وكذلك القلوب ليس على كل حال تعمر الحكمة فيها، إن الزق ما لم ينخرق أو يقحل أو يتفل فسوف يكون للعسل وعاء، و كذلك القلوب ما لم تخرقها الشهوات ويدنسها الطمع ويقسيها النعيم فسوف تكون أوعية للحكمة.

بحق أقول لكم: إن الحريق ليقع في البيت الواحد فلا يزال ينتقل من بيت إلى بيت حتى تحترق بيوت كثيرة إلا أن يستدرك البيت الأول فيهدم من قواعده فلا تجد فيه النار محلا، وكذلك الظالم الأول لو أخذ على يديه لم يوجد من بعده إمام ظالم فيأتمون به كما لو لم تجد النار في البيت الأول خشبا وألواحا لم تحرق شيئا.

بحق أقول لكم: من نظر إلى الحية تؤم أخاه لتلدغه ولم يحذره حتى قتلته فلا يأمن أن يكون قد شرك في دمه، وكذلك من نظر إلى أخيه يعمل الخطيئة ولم يحذره عاقبتها حتى أحاطت به فلا يأمن أن يكون قد شرك في إثمه، ومن قدر على أن يغير الظالم ثم لم يغيره فهو كفاعله، وكيف يهاب الظالم وقد أمن بين أظهركم لا ينهى ولا يغير عليه ولا يؤخذ على يديه، فمن أين يقصر الظالمون أم كيف لا يغترون؟ فحسب أحدكم أن يقول: لا أظلم ومن شاء فليظلم، ويرى الظلم فلا يغيره، فلو كان الامر على ما تقولون لم تعاقبوا مع الظالمين الذين لم تعملوا بأعمالهم حين تنزل بهم العثرة في الدنيا، ويلكم يا عبيد السوء كيف ترجون أن يؤمنكم الله من فزع يوم القيامة وأنتم تخافون الناس في طاعة الله، وتطيعونهم في معصيته، وتفون لهم بالعهود الناقضة لعهده؟ بحق أقول لكم: لا يؤمن الله من فزع ذلك اليوم من اتخذ العباد أربابا من دونه.

ويلكم يا عبيد السوء من أجل دنيا دنية وشهوة رديئة تفرطون في ملك الجنة و تنسون هول يوم القيامة! ويلكم يا عبيد الدنيا من أجل نعمة زائلة وحياة منقطعة تفرون من الله وتكرهون لقاءه! فكيف يحب الله لقاءكم وأنتم تكرهون لقاءه؟ وإنما يحب الله لقاء من يحب لقاءه، ويكره لقاء من يكره لقاءه، وكيف تزعمون أنكم أولياء الله من دون الناس وأنتم تفرون من الموت وتعتصمون بالدنيا؟ فماذا يغني عن الميت طيب ريح حنوطه وبياض أكفانه وكل ذلك يكون في التراب، كذلك لا يغني عنكم بهجة دنياكم التي زينت لكم، وكل ذلك إلى سلب وزوال، ماذا يغني عنكم نقاء أجسادكم وصفاء ألوانكم و إلى الموت تصيرون، وفي التراب تنسون، وفي ظلمة القبر تغمرون؟! ويلكم يا عبيد الدنيا

تحملون السراج في ضوء الشمس وضوؤها كان يكفيكم، وتدعون أن تستضيؤوا بها في الظلم ومن أجل ذلك سخرت لكم! كذلك استضأتم بنور العلم لأمر الدنيا وقد كفيتموه وتركتم أن تستضيؤوا به لأمر الآخرة ومن أجل ذلك أعطيتموه، تقولون: إن الآخرة حق وأنتم تمهدون الدنيا، وتقولون: إن الموت حق وأنتم تفرون منه، وتقولون: إن الله يسمع ويرى ولا تخافون إحصاءه عليكم، فكيف يصدقكم من سمعكم فإن من كذب من غير علم أعذر ممن كذب على علم وإن كان لا عذر في شئ من الكذب.

بحق أقول لكم: إن الدابة إذا لم تركب ولم تمتهن وتستعمل لتصعب ويتغير خلقها، وكذلك القلوب إذا لم ترقق بذكر الموت ويتبعها دؤوب العبادة تقسو وتغلظ.

ماذا يغني عن البيت المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره وجوفه وحش مظلم؟ كذلك لا يغني عنكم أن يكون نور العلم بأفواهكم وأجوافكم منه وحشة معطلة! فاسرعوا إلى بيوتكم المظلمة فأنيروا فيها، كذلك فاسرعوا إلى قلوبكم القاسية بالحكمة قبل أن ترين عليها الخطايا فتكون أقسى من الحجارة، كيف يطيق حمل الأثقال من لا يستعين على حملها؟ أم كيف تحط أوزار من لا يستغفر الله منها؟ أم كيف تنقى ثياب من لا يغسلها؟

وكيف يبرأ من الخطايا من لا يكفرها؟ أم كيف ينجو من غرق البحر من يعبر بغير سفينة؟

وكيف ينجو من فتن الدنيا من لم يداوها بالجد والاجتهاد؟ وكيف يبلغ من يسافر بغير دليل؟ وكيف يصير إلى الجنة من لا يبصر معالم الدين؟ وكيف ينال مرضاة الله من لا يطيعه؟ وكيف يبصر عيب وجهه من لا ينظر في المرآة؟ وكيف يستكمل حب خليله من لا يبذل له بعض ما عنده؟ وكيف يستكمل حب ربه من لا يقرضه بعض ما رزقه؟

بحق أقول لكم: إنه كما لا ينقص البحر أن تغرق فيه السفينة ولا يضره ذلك شيئا كذلك لا تنقصون الله بمعاصيكم شيئا ولا تضرونه بل أنفسكم تضرون، وإياها تنقصون،

وكما لا ينقص نور الشمس كثرة من يتقلب فيها بل به يعيش ويحيى كذلك لا ينقص الله كثرة ما يعطيكم ويرزقكم، بل برزقه تعيشون وبه تحيون، يزيد من شكره إنه شاكر عليم.

ويلكم يا أجراء السوء الاجر تستوفون، والرزق تأكلون، والكسوة تلبسون، و المنازل تبنون، وعمل من استأجركم تفسدون؟! يوشك رب هذا العمل أن يطالعكم فينظر في عمله الذي أفسدتم فينزل بكم ما يخزيكم، ويأمر برقابكم فتجذ من أصولها ويأمر بأيديكم فتقطع من مفاصلها، ثم يأمر بجثتكم فتجر على بطونها، حتى توضع على قوارع الطريق، حتى تكونوا عظة للمتقين، ونكالا للظالمين .

ويلكم يا علماء السوء لا تحدثوا أنفسكم أن آجالكم تستأخر من أجل أن الموت لم ينزل بكم، فكأنه قد حل بكم فأظعنكم، فمن الآن فاجعلوا الدعوة في آذانكم، و من الآن فنوحوا على أنفسكم، ومن الآن فابكوا على خطاياكم، ومن الآن فتجهزوا وخذوا أهبتكم، وبادروا التوبة إلى ربكم.

بحق أقول لكم: إنه كما ينظر المريض إلى طيب الطعام فلا يلتذه مع ما يجده من شدة الوجع كذلك صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حب المال، وكما يلتذ المريض نعت الطبيب العالم بما يرجو فيه من الشفاء فإذا ذكر مرارة الدواء وطعمه كدر عليه الشفاء كذلك أهل الدنيا يلتذون ببهجتها وأنواع ما فيها، فإذا ذكروا فجأة الموت كدرها عليهم وأفسدها.

بحق أقول لكم: إن كل الناس يبصر النجوم ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها، وكذلك تدرسون الحكمة ولكن لا يهتدي لها منكم إلا من عمل بها.

ويلكم يا عبيد الدنيا نقوا القمح وطيبوه، وأدقوا طحنه تجدوا طعمه، ويهنئكم أكله،

كذلك فأخلصوا الايمان وأكملوه تجدوا حلاوته وينفعكم غبه. بحق أقول لكم: لو وجدتم سراجا يتوقد بالقطران في ليلة مظلمة لاستضأتم به فلم يمنعكم منه ريح قطرانه، كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها، ويلكم يا عبيد الدنيا لا كحكماء تعقلون، ولا كحلماء تفقهون، ولا كعلماء تعلمون، ولا كعبيد أتقياء، ولا كأحرار كرام، توشك الدنيا أن تقتلعكم من أصولكم فتقلبكم على وجوهكم، ثم تكبكم على مناخركم، ثم تأخذ خطاياكم بنواصيكم ويدفعكم العلم من خلفكم حتى يسلماكم إلى الملك الديان عراة فرادى فيجزيكم بسوء أعمالكم.

ويلكم يا عبيد الدنيا أليس بالعلم أعطيتم السلطان على جميع الخلائق فنبذتموه فلم تعملوا به، وأقبلتم على الدنيا فبها تحكمون، ولها تمهدون، وإياها تؤثرون وتعمرون فحتى متى أنتم للدنيا ليس لله فيكم نصيب؟.

بحق أقول لكم: لا تدركون شرف الآخرة إلا بترك ما تحبون، فلا تنتظروا بالتوبة غدا، فإن دون غد يوما وليلة، قضاء الله فيهما يغدو ويروح.

بحق أقول لكم: إن صغار الخطايا ومحقراتها لمن مكائد إبليس يحقرها لكم و يصغرها في أعينكم، وتجتمع فتكثر وتحيط بكم.

بحق أقول لكم: إن المدحة بالكذب والتزكية في الدين لمن رأس الشرور المعلومة وإن حب الدنيا لرأس كل خطيئة.

بحق أقول لكم: ليس شئ أبلغ في شرف الآخرة وأعون على حوادث الدنيا من الصلاة الدائمة، وليس شئ أقرب إلى الرحمن منها، فدوموا عليها، واستكثروا منها، وكل عمل صالح يقرب إلى الله فالصلاة أقرب إليه وآثر عنده.

بحق أقول لكم: إن كل عمل المظلوم الذي لم ينتصر بقول ولا فعل ولا حقد هو في ملكوت السماء عظيم، أيكم رأى نورا اسمه ظلمة أو ظلمة اسمها نور؟ كذلك لا يجتمع للعبد أن يكون مؤمنا كافرا، ولا مؤثرا للدنيا راغبا في الآخرة، وهل زراع شعير يحصد قمحا؟

أو زراع قمح يحصد شعيرا؟ كذلك يحصد كل عبد في الآخرة ما زرع، ويجزى بما عمل.

بحق أقول لكم: إن الناس في الحكمة رجلان: فرجل أتقنها بقوله وضيعها بسوء فعله، ورجل أتقنها بقوله وصدقها بفعله، وشتان بينهما! فطوبى للعلماء بالفعل، وويل للعلماء بالقول.

بحق أقول لكم: من لا ينقي من زرعه الحشيش يكثر فيه حتى يغمره فيفسده، و كذلك من لا يخرج من قلبه حب الدنيا يغمره حتى لا يجد لحب الآخرة طعما. ويلكم يا عبيد الدنيا اتخذوا مساجد ربكم سجونا لأجسادكم، واجعلوا قلوبكم بيوتا للتقوى ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات.

بحق أقول لكم: أجزعكم على البلاء لأشدكم حبا للدنيا، وإن أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا. ويلكم يا علماء السوء ألم تكونوا أمواتا فأحياكم فلما أحياكم متم؟ ويلكم ألم تكونوا أميين فعلمكم فلما علمكم نسيتم؟ ويلكم ألم تكونوا جفاة ففقهكم الله فلما فقهكم جهلتم؟ ويلكم ألم تكونوا ضلالا فهداكم فلما هداكم ضللتم؟ ويلكم ألم تكونوا عميا فبصركم فلما بصركم عميتم؟ ويلكم ألم تكونوا صما فأسمعكم فلما أسمعكم صممتم؟ ويلكم ألم تكونوا بكما فأنطقكم فلما أنطقكم بكمتم؟ ويلكم ألم تستفتحوا فلما فتح لكم نكصتم على أعقابكم؟

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.