پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب النبوة

باب 20 حواريه وأصحابه وأنهم لم سموا حواريين وأنه لم سمى

ج ۱۴، ص ۲۷۱–۲۸۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۴

52 - 54.

الحديد " 57 " وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون 27.

الصف " 61 " يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين 14.

1 - تفسير علي بن إبراهيم: روى ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " فلما أحس عيسى منهم الكفر " أي لما سمع ورأي أنهم يكفرون، والحواس الخمس التي قدرها الله في الناس السمع للصوت، والبصر للألوان وتميزها، والشم لمعرفة الروائح الطيبة والمنتنة، والذوق للطعوم وتميزها، واللمس لمعرفة الحار والبارد واللين والخشن.

2 - علل الشرائع، عيون أخبار الرضا (ع): الطالقاني، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه قال: قلت للرضا عليه السلام: لم سمي الحواريون الحواريين؟ قال: أما عند الناس فإنهم سموا حواريين لأنهم كانوا قصارين يخلصون الثياب من الوسخ بالغسل، وهو

اسم مشتق من الخبز الحوارى، وأما عندنا فسمي الحواريون حواريين لأنهم كانوا مخلصين في أنفسهم ومخلصين لغيرهم من أوساخ الذنوب بالوعظ والتذكير، قال: فقلت له: فلم سمي النصارى نصارى؟ قال: لأنهم من قرية اسمها ناصرة من بلاد الشام نزلتها مريم وعيسى عليهما السلام بعد رجوعهما من مصر. معاني الأخبار: مرسلا مثله.

3 - الخصال: عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، عن أحمد بن الفضل بن المغيرة، عن منصور ابن عبد الله بن إبراهيم الأصبهاني، عن علي بن عبد الله، عن محمد بن هارون بن حميد، عن محمد ابن المغيرة الشهرزوري، عن يحيى بن الحسين المدائني، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاثة لم يكفروا بالوحي طرفة عين: مؤمن آل يس، وعلي بن أبي طالب، وآسية امرأة فرعون. أقول: روى الثعلبي في تفسيره عن أبي بكر عبد الرحمن بن عبد الله بن علي، عن عبد الله بن فارس بن محمد العمري، عن إبراهيم بن الفضل بن مالك، عن الحسين بن عبد الرحمن ابن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمرو بن جميع، عن محمد بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سباق الأمم ثلاث لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون، فهم

الصديقون: حبيب النجار مؤمن آل يس، وحزبيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم.

4 - تفسير العياشي: عن مروان، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر النصارى وعداوتهم فقال: قول الله: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون " قال:

أولئك كانوا قوما بين عيسى ومحمد ينتظرون مجئ محمد صلى الله عليه وآله.

5 - تفسير العياشي: عن محمد بن يوسف الصنعاني، عن أبيه قال: سألت أبا جعفر عليه السلام " إذ أوحيت إلى الحواريين " قال: ألهموا.

6 - الكافي: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن معاوية بن عمار، عن ناجية قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن المغيرة يقول: إن المؤمن لا يبتلى بالجذام ولا بالبرص ولا بكذا ولا بكذا، فقال: إن كان لغافلا عن صاحب يس، إنه كان مكنعا، ثم رد أصابعه فقال: كأني أنظر إلى تكنيعه أتاهم فأنذرهم ثم عاد إليهم من الغد فقتلوه. بيان: كنعت أصابعه أي تشنجت ويبست، وكنع يده تكنيعا: جعلها شلا.

7 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي يحيى كوكب الدم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن حواري عيسى عليه السلام كانوا شيعته، وإن شيعتنا حواريونا، وما كان حواري عيسى عليه السلام بأطوع له من حوارينا لنا، وإنما قال عيسى عليه السلام للحواريين: " من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله " فلا والله ما نصروه من اليهود ولا قاتلوهم دونه، وشيعتنا والله

لم يزالوا منذ قبض الله عز ذكره رسوله صلى الله عليه وآله ينصرونا ويقاتلون دوننا، ويحرقون و يعذبون ويشردون في البلدان، جزاهم الله عنا خيرا. بيان: قال الطبرسي رحمه الله: " فلما أحس " أي وجد، وقيل: أبصر ورأي، و قيل: علم " عيسى منهم الكفر " وأنهم لا يزدادون إلا إصرارا على الكفر بعد ظهور الآيات والمعجزات امتحن المؤمنين من قومه بالسؤال والتعرف عما في اعتقادهم من نصرته " قال من أنصاري إلى الله " وقيل: إنه لما عرف منهم العزم على قتله قال: من أنصاري إلى الله، وفيه أقوال:

أحدها: أن معناه: من أعواني على هؤلاء الكفار مع معونة الله تعالى؟ عن السدي وابن جريح.

والثاني: أن معناه: من أنصاري في السبيل إلى الله؟ عن الحسن لأنه دعاهم إلى سبيل الله.

والثالث: أن معناه: من أعواني على إقامة الدين المؤدي إلى الله؟ أي إلى نيل ثوابه كقوله: " إني ذاهب إلى ربي سيهدين " ومما يسأل على هذا أن عيسى إنما بعث للوعظ دون الحرب فلما استنصر عليهم؟ فيقال لهم: للحماية من الكافرين الذين أرادوا قتله عند إظهار الدعوة، عن الحسن ومجاهد، وقيل أيضا: يجوز أن يكون طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجة ولتميز الموافق والمخالف. " قال الحواريون " واختلف في سبب تسميتهم بذلك على أقوال:

أحدها: أنهم سموا بذلك لنقاء ثيابهم، عن سعيد بن جبير.

وثانيها: أنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب، عن أبي نجيح، عن أبي أرطاة.

وثالثها: أنهم كانوا صيادين يصيدون السمك، عن ابن عباس والسدي.

ورابعها: أنهم كانوا خاصة الأنبياء، عن قتادة والضحاك، وهذا أوجه لأنهم مدحوا بهذا الاسم كأنه ذهب إلى نقاء قلوبهم كنقاء الثوب الأبيض بالتحوير، وقال الحسن: الحواري: الناصر، والحواريون: الأنصار، وقال الكلبي: الحواريون:

أصفياء عيسى عليه السلام وكانوا اثني عشر رجلا، وقال عبد الله بن المبارك: سموا حواريين لأنهم كانوا نورانيين، عليهم أثر العبادة ونورها وحسنها، كما قال تعالى: " سيماهم في وجوههم من أثر السجود ".

" نحن أنصار الله " معناه: نحن أعوان الله على الكافرين من قومك، أي أعوان رسول الله أو أعوان دين الله " آمنا بالله " أي صدقنا أنه واحد لا شريك له " واشهد " يا عيسى " بأنا مسلمون " أي كن شهيدا لنا عند الله، اشهدوه على إسلامهم لان الأنبياء شهداء الله على خلقه يوم القيامة، كما قال سبحانه: " ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ".

" ربنا " أي يا ربنا " آمنا بما أنزلت " على عيسى " واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين " أي في جملة الشاهدين بجميع ما أنزلت لنفوز بما فازوا به، وننال ما نالوا من كرامتك، وقيل: معناه: واجعلنا مع محمد صلى الله عليه وآله وأمته، عن ابن عباس، وقد سماهم الله شهداء بقوله: " لتكونوا شهداء على الناس " أي من الشاهدين بالحق من عندك، هذا كله حكاية قول الحواريين.

وروي أنهم اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا، فيضرب بيده على الأرض سهلا كان أو جبلا فيخرج لكل إنسان منهم رغيفين يأكلهما، فإذا عطشوا قالوا: يا روح الله عطشنا، فيضرب بيده على الأرض سهلا كان أو جبلا فيخرج ماء فيشربون قالوا: يا روح الله من أفضل منا؟ إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئنا سقيتنا، وقد آمنا بك و اتبعناك، قال: أفضل منكم من يعمل بيده، ويأكل من كسبه، فصاروا يغسلون الثياب بالكراء.

" في قلوب الذين اتبعوه " في دينه، يعني الحواريين وأتباعهم اتبعوا عيسى عليه السلام " رأفة " وهي أشد الرقة " ورهبانية ابتدعوها " هي الخصلة من العبادة يظهر فيها معنى الرهبة إما في لبسة، أو انفراد عن الجماعة، أو غير ذلك من الأمور التي يظهر فيها نسك صاحبه، والمعنى: ابتدعوا رهبانية لم نكتبها عليهم، وقيل: هي رفض النساء، واتخاذ الصوامع، وقيل: هي لحاقهم بالبراري والجبال في خبر مرفوع عن النبي صلى الله عليه وآله فما رعاها الذين من بعدهم حق رعايتها، وذلك لتكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وآله وقيل: إن الرهبانية هي الانقطاع عن الناس للانفراد بالعبادة " ما كتبناها " أي ما فرضناها عليهم.

وروي عن ابن مسعود قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله على حمار فقال: يا ابن أم عبد هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال:

ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى عليه السلام يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الايمان فقاتلوهم، فهزم أهل الايمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا هؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى عليه السلام - يعنون محمدا صلى الله عليه وآله - فتفرقوا في غيران الجبال وأحدثوا رهبانية، فمنهم من تمسك بدينه، ومنهم من كفر، ثم تلا هذه الآية: " ورهبانية ابتدعوها " الآية، ثم قال: يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة. " من أنصاري إلى الله " أي مع الله، أو فيما يقرب إلى الله " نحن أنصار الله " أي أنصار دينه " فآمنت طائفة " أي صدقت بعيسى عليه السلام " وكفرت طائفة " أخرى به، قال ابن عباس: يعني في زمن عيسى عليه السلام، وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق: فرقة قالت: كان الله فارتفع، وفرقة قالت: كان ابن الله فرفعه إليه، وفرقة قالوا: كان عبد الله و رسوله فرفعه إليه وهم المؤمنون، واتبع كل فرقة طائفة من الناس فاقتتلوا وظهرت

الفرقتان الكافرتان على المؤمنين حتى بعث محمد صلى الله عليه وآله، فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرين وذلك قوله: " فأيدنا " إلى قوله: " ظاهرين " أي عالين غالبين، وقيل: معناه: أصبحت حجة من آمن بعيسى عليه السلام ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وآله بأن عيسى كلمة الله وروحه، و قيل: بل أيدوا في زمانهم على من كفر بعيسى عليه السلام، وقيل: فآمنت طائفة بمحمد صلى الله عليه وآله وكفرت طائفة به، فأصبحوا قاهرين لعدوهم بالحجة والقهر والغلبة.

8 - الكافي: أحمد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد البرقي، عن بعض أصحابه رفعه قال قال عيسى بن مريم عليه السلام: يا معشر الحواريين لي إليكم حاجة اقضوها لي، قالوا: قضيت حاجتك يا روح الله، فقام فغسل أقدامهم، فقالوا: كنا نحن أحق بهذا يا روح الله، فقال:

إن أحق الناس بالخدمة العالم، إنما تواضعت هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم، ثم قال عيسى عليه السلام: بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر، وكذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل.

9 - الكافي: علي بن محمد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن إبراهيم بن محمد الثقفي عن علي بن المعلى، عن القاسم بن محمد رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قيل له: ما بال أصحاب عيسى عليه السلام كانوا يمشون على الماء وليس ذلك في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله؟ قال: إن أصحاب عيسى عليه السلام كفوا المعاش، وإن هؤلاء ابتلوا بالمعاش.

10 - الكافي: العدة، عن البرقي، عن ابن أسباط، عن العلاء، عن محمد، عن أحدهما عليهما السلام قال: قلت: إنا لنرى الرجل له عبادة واجتهاد وخشوع ولا يقول بالحق فهل ينفعه ذلك شيئا؟ فقال: يا محمد إنما مثل أهل البيت مثل أهل بيت كانوا في بني

إسرائيل، كان لا يجتهد أحد منهم أربعين ليلة إلا دعا فأجيب، وإن رجلا منهم اجتهد أربعين ليلة ثم دعا فلم يستجب له، فأتى عيسى بن مريم عليه السلام يشكو إليه ما هو فيه ويسأله الدعاء له، قال: فتطهر عيسى عليه السلام وصلى ركعتين ثم دعا الله عز وجل، فأوحى الله عز وجل إليه: يا عيسى إن عبدي أتاني من غير الباب الذي أوتى منه، إنه دعاني وفي قلبه شك منك، فلو دعاني حتى ينقطع عنقه وتنتثر أنامله ما استجبت له، قال:

فالتفت إليه عيسى عليه السلام فقال: تدعو ربك وأنت في شك من نبيه؟! فقال: يا روح الله و كلمته قد كان والله ما قلت، فادع الله أن يذهب به عني، قال: فدعا له عيسى عليه السلام فتاب الله عليه وقبل منه، وصار في حد أهل بيته.

11 - الحسين بن سعيد أو النوادر: أبو الحسن بن عبد الله، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

إن موسى عليه السلام حدث قومه بحديث لم يحتملوه عنه فخرجوا عليه بمصر فقاتلوه فقاتلهم فقتلهم، وإن عيسى عليه السلام حدث قومه بحديث فلم يحتملوه عنه فخرجوا عليه بتكريت فقاتلوه فقاتلهم فقتلهم، وهو قول الله عز وجل: " فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ".

12 - التوحيد، عيون أخبار الرضا (ع)، الإحتجاج: عن الحسن بن محمد النوفلي في خبر طويل يذكر فيه احتجاج الرضا عليه السلام على أرباب الملل قال: قال الجاثليق للرضا عليه السلام: أخبرني عن حواري عيسى بن مريم كم كان عدتهم؟ وعن علماء الإنجيل كم كانوا؟ قال الرضا عليه السلام: على الخبير سقطت، أما الحواريون فكانوا اثني عشر رجلا، وكان أفضلهم وأعلمهم الوقا وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال: يوحنا الأكبر بأج، ويوحنا بقرقيسياء

ويوحنا الديلمي بزجار وعنده كان ذكر النبي صلى الله عليه وآله وذكر أهل بيته وأمته، وهو الذي بشر أمة عيسى وبني إسرائيل به. أقول: وجدت في بعض الكتب أن عيسى عليه السلام كان مع بعض الحواريين في بعض سياحته، فمروا على بلد، فلما قربوا منه وجدوا كنزا على الطريق، فقال من معه:

ائذن لنا يا روح الله أن نقيم ههنا ونحوز هذا الكنز لئلا يضيع، فقال عليه السلام لهم: أقيموا ههنا وأنا أدخل البلد ولي فيه كنز أطلبه، فلما دخل البلد وجال فيه رأى دارا خربة فدخلها فوجد فيها عجوزة، فقال لها: أنا ضيفك في هذه الليلة، وهل في هذه الدار أحد غيرك؟ قالت: نعم لي ابن مات أبوه وبقي يتيما في حجري، وهو يذهب إلى الصحارى ويجمع الشوك ويأتي البلد فيبيعها ويأتيني بثمنها نتعيش به، فهيأت لعيسى عليه السلام بيتا، فلما جاء ولدها قالت له: بعث الله لنا في هذه الليلة ضيفا صالحا، يسطع من جبينه أنوار الزهد والصلاح، فاغتنم خدمته وصحبته، فدخل الابن على عيسى عليه السلام وخدمه وأكرمه فلما كان في بعض الليل سأل عيسى عليه السلام الغلام عن حاله ومعيشته وغيرها، فتفرس عليه السلام فيه آثار العقل والفطانة والاستعداد للترقي على مدارج الكمال، لكن وجد فيه أن قلبه مشغول بهم عظيم، فقال له: يا غلام أرى قلبك مشغولا بهم لا يبرح فأخبرني به لعله يكون عندي دواء دائك، فلما بالغ عيسى عليه السلام قال: نعم في قلبي هم وداء لا يقدر على دوائه أحد إلا الله تعالى، فقال: أخبرني به لعل الله يلهمني ما يزيله عنك، فقال الغلام: إني كنت يوما أحمل الشوك إلى البلد فمررت بقصر ابنة الملك فنظرت إلى القصر فوقع نظري عليها فدخل حبها شغاف قلبي وهو يزداد كل يوم ولا أرى لذلك دواء إلا الموت، فقال عيسى عليه السلام: إن كنت تريدها أنا أحتال لك حتى تتزوجها، فجاء الغلام إلى أمه وأخبرها بقوله، فقالت أمه: يا ولدي إني لا أظن هذا الرجل يعد بشئ

لا يمكنه الوفاء به، فاسمع له وأطعه في كل ما يقول، فلما أصبحوا قال عيسى عليه السلام للغلام: اذهب إلى باب الملك، فإذا أتى خواص الملك ووزراؤه ليدخلوا عليه قل لهم:

أبلغوا الملك عني أني جئته خاطبا كريمته، ثم ائتني وأخبرني بما جرى بينك وبين الملك، فأتى الغلام باب الملك، فلما قال ذلك لخاصة الملك ضحكوا وتعجبوا من قوله و دخلوا على الملك وأخبروه بما قال الغلام مستهزئين به، فاستحضره الملك، فلما دخل على الملك وخطب ابنته قال الملك مستهزئا به: أنا لا أعطيك ابنتي إلا أن تأتيني من اللآلي واليواقيت والجواهر الكبار كذا وكذا، ووصف له ما لا يوجد في خزانة ملك من ملوك الدنيا، فقال الغلام: أنا أذهب وآتيك بجواب هذا الكلام، فرجع إلى عيسى عليه السلام فأخبره بما جرى، فذهب به عيسى عليه السلام إلى خربة كانت فيها أحجار ومدر كبار، فدعا الله تعالى فصيرها كلها من جنس ما طلب الملك وأحسن منها، فقال: يا غلام خذ منها ما تريد واذهب به إلى الملك، فلما أتى الملك بها تحير الملك وأهل مجلسه في أمره، وقالوا لا يكفينا هذا، فرجع إلى عيسى عليه السلام فأخبره، فقال: اذهب إلى الخربة وخذ منها ما تريد واذهب بها إليهم، فلما رجع بأضعاف ما أتى به أولا زادت حيرتهم، وقال الملك: إن لهذا شأنا غريبا، فخلا بالغلام واستخبره عن الحال، فأخبره بكل ما جرى بينه وبين عيسى عليه السلام وما كان من عشقه لابنته، فعلم الملك أن الضيف هو عيسى عليه السلام، فقال: قل لضيفك: يأتيني ويزوجك ابنتي، فحضر عيسى عليه السلام وزوجها منه، وبعث الملك ثيابا فاخرة إلى الغلام فألبسها إياه وجمع بينه وبين ابنته تلك الليلة، فلما أصبح طلب الغلام وكلمه فوجده عاقلا فهما ذكيا ولم يكن للملك ولد غير هذه الابنة فجعل الغلام ولي عهده ووارث ملكه، وأمر خواصه وأعيان مملكته ببيعته وطاعته.

فلما كانت الليلة الثانية مات الملك فجأة وأجلسوا الغلام على سرير الملك وأطاعوه وسلموا إليه خزائنه، فأتاه عيسى عليه السلام في اليوم الثالث ليودعه، فقال الغلام: أيها الحكيم إن لك علي حقوقا لا أقوم بشكر واحد منها لو بقيت أبد الدهر، ولكن عرض في قلبي البارحة أمر لو لم تجبني عنه لا أنتفع بشئ مما حصلتها لي، فقال: وما هو؟ قال

الغلام: إنك إذا قدرت على أن تنقلني من تلك الحالة الخسيسة إلى تلك الدرجة الرفيعة في يومين فلم لا تفعل هذا بنفسك، وأراك في تلك الثياب وفي هذه الحالة؟ فلما أحفى في السؤال قال له عيسى عليه السلام: إن العالم بالله وبدار كرامته وثوابه والبصير بفناء الدنيا و خستها ودناءتها لا يرغب إلى هذا الملك الزائل وهذه الأمور الفانية، وإن لنا في قربه تعالى ومعرفته ومحبته لذات روحانية لا نعد تلك اللذات الفانية عندها شيئا، فلما أخبره بعيوب الدنيا وآفاتها ونعيم الآخرة ودرجاتها قال له الغلام: فلي عليك حجة أخرى لم اخترت لنفسك ما هو أولى وأحرى وأوقعتني في هذه البلية الكبرى؟ فقال له عيسى: إنما اخترت لك ذلك لأمتحنك في عقلك وذكائك، وليكون لك الثواب في ترك هذه الأمور الميسرة لك أكثر وأوفى، وتكون حجة على غيرك، فترك الغلام الملك، و لبس أثوابه البالية، وتبع عيسى عليه السلام فلما رجع عيسى إلى الحواريين قال: هذا كنزي الذي كنت أظنه في هذا البلد فوجدته. والحمد لله.

وذكر الثعلبي في العرائس نحوا من ذلك مع اختصار إلى أن قال: فكان معه ابن العجوز إلى أن مات، فمر به ميتا على سرير فدعا الله عز وجل عيسى فجلس على سريره ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.