پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · أبواب احتجاجات أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما صدر عنه من جوامع العلوم

باب 26 نوادر الاحتجاجات والمناظرات من علمائنا رضوان الله

ج ۱۰، ص ۴۳۲–۴۵۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۰

وشئ آخر: وهو أن ظاهر الخطاب يدل على ما ذكرناه دون ما عارضت به أن لو كانت المحبة على غير معنى الثواب، لأنه (صلى الله عليه وآله) قال: (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر) وقوله: بأحب خلقك إليك كلام تام، وبعده: يأكل معي من هذا الطائر كلام مستأنف ولا يفتقر الأول إليه، ولو كان أراد ما ذكرت لقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك في الاكل معي، فلما كان اللفظ على خلاف هذا وكان على ما ذكرناه لم يجز العدول عن الظاهر إلى محتمل على المجاز.

وشئ آخر: وهو أنه لو تساوى المعنيان في ظاهر الكلام لكان الواجب عليك تحميلهما اللفظ معادون الاقتصار على أحدهما إلا بدليل، لأنه لا يتنافى الجمع بينهما فيكون أراد بقوله: (أحب خلقك إليك) في نفسه وللاكل معي، وإذا كان الامر على ما بيناه سقط اعتراضك.

فقال رجل من الزيدية - كان حاضرا - للسائل: هذا الاعتراض ساقط على أصلك وأصلنا، لأنا نقول جميعا إن الله تعالى لا يريد المباح، والاكل مع النبي (صلى الله عليه وآله) مباح وليس

بفرض ولا نفل، فيكون الله يحبه فضلا عن أن يكون بعضه أحب إليه من بعض، و هذا السائل من أصحاب أبي هاشم فلذلك أسقط الزيدي كلامه على أصله، إذا كان يوافقه في الأصول على مذهب أبي هاشم.

فخلط السائل هنيئة ثم قال للشيخ أدام الله عزه: فأنا أعترض باعتراض آخر: وهو أن أقول ما أنكرت أن يكون هذا يقول إنما أفاد أن عليا (عليه السلام) كان أفضل الخلق في يوم الطائر، ولكن بم تدفع أن يكون قد فضله قوم من الصحابة عند الله تعالى بكثرة الاعمال والمعارف بعد ذلك؟ وهذا الامر لا يعلم بالعقل، وليس معك سمع في نفس الخبر يمنع من ذلك فدل على أنه (عليه السلام) أفضل من الصحابة كلهم إلى وقتنا هذا، فإنا لم نسألك عن فضله عليهم وقتا بعينه، فقال الشيخ أدام الله عزه: هذا السؤال أوهن مما تقدم، والجواب عنه أيسر، وذلك أن الأمة مجمعة على إبطال قول من رعم أن أحدا اكتسب أعمالا زادت على الفضل الذي حصل لأمير المؤمنين (عليه السلام) على الجماعة، من قبل أنهم بين قائلين: فقائل يقول: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان أفضل من الكل في وقت الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يساوه أحد بعد ذلك، وهم الشيعة الإمامية والزيدية وجماعة من شيوخ المعتزلة وجماعة من أصحاب الحديث، وقائل يقول: إنه لم يبن لأمير المؤمنين (عليه السلام) في وقت من الأوقات فضل على سائر الصحابة يقطع به على الله تعالى ويجزم الشهادة بصحته، ولا بان لاحد منهم فضل عليه، وهم الواقفة في الأربعة من المعتزلة، منهم: أبو علي وأبو هاشم وأتباعهما، وقائل يقول: إن أبا بكر كان أفضل أمير المؤمنين (عليه السلام) في وقت الرسول (صلى الله عليه وآله) و بعده، وهم جماعة من المعتزلة وبعض المرجئة وطوائف من أصحاب الحديث، وقائل يقول:

إن أمير المؤمنين (عليه السلام) خرج عن فضله بحوادث كانت منه فساواه غيره، وفضل عليه من أجل ذلك من لم يكن له فضل عليه، وهم الخوارج وجميعة من المعتزلة، منهم: الأصم والجاحظ وجماعة من أصحاب الحديث أنكروا قتال أهل القبلة، ولم يقل أحد من الأمة أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان أفضل عند الله سبحانه من الصحابة كلهم ولم يخرج عن ولاية الله عز وجل ولا أحدث معصية الله تعالى ثم فضل عليه غيره بعمل زاد به ثوابه على ثوابه، ولا جوز ذلك فيكون معتبرا، فإذا بطل الاعتبار به للاتفاق على خلافه

سقط، وكان الاجماع حجة يقوم مقام قول الله تعالى في صحة ما ذهبنا إليه، فلم يأت بشئ.

وذاكرني الشيخ أدام الله عزه هذه المسألة بعد ذلك فزادني فيها زيادة ألحقتها :

وهي أن قال: إن الذي يسقط ما اعترض به السائل من تأويل قول النبي (صلى الله عليه وآله): (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك) على المحبة للاكل معه دون محبته في نفسه بإعظام ثوابه بعد الذي ذكرناه في إسقاطه: أن الرواية جاءت عن أنس بن مالك أنه قال: (لما دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يأتيه الله تعالى بأحب الخلق إليه قلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار ليكون لي الفضل بذلك، فجاء علي (عليه السلام) فرددته، وقلت له: رسول الله على شغل، فمضى ثم عاد ثانية فقال لي: استأذن على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقلت له: إنه على شغل، فجاء ثالثة فاستأذنت له ودخل، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): قد كنت سألت الله تعالى أن يأتيني بك دفعتين، ولو أبطأت علي الثالثة لأقسمت على الله عز وجل أن يأتيني بك) فلولا أن النبي (صلى الله عليه وآله) سأل الله عز وجل أن يأتيه بأحب خلقه إليه في نفسه وأعظمهم ثوابا عنده وكانت هذه من أجل الفضائل لما آثر أنس أن يختص بها قومه، و لولا أن أنسا فهم ذلك من معنى كلام الرسول الله (صلى الله عليه وآله) لما دافع أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الدخول، ليكون ذلك الفضل لرجل من الأنصار فيحصل له جزء منه.

وشي آخر: وهو أنه لو احتمل معنى لا يقتضي الفضيلة لأمير المؤمنين (عليه السلام) لما احتج به أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الدار، ولا جعله شاهدا على أنه أفضل من الجماعة، وذلك أنه لو لم يكن الامر على ما وصفناه وكان محتملا لما ظنه المخالفون من أنه سأل ربه تعالى أن يأتيه بأحب الخلق إليه في الاكل معه لما أمن أمير المؤمنين (عليه السلام) من أن يتعلق بذلك بعض خصومه في الحال، أو يشتبه ذلك على إنسان، فلما احتج به (عليه السلام) على القوم واعتمده في البرهان دل على أنه لم يك مفهوما منه إلا فضله، وكان إعراض الجماعة أيضا عن دفاعه عن ذلك بتسليم ما ادعى دليلا على صحة ما ذكرناه، وهذا بعينه يسقط قول من زعم أنه يجوز مع إطلاق النبي (صلى الله عليه وآله) في أمير المؤمنين (عليه السلام) ما يقتضي

فضله عند الله تعالى على الكافة وجود من هو أفضل منه في المستقبل، لأنه لو جاز ذلك لما عدل القوم عن الاعتماد عليه، ولجعلوه شبهة في منعه مما ادعاه من القطع على نقصانهم عنه في الفضل، وفي عدول القوم عن ذلك دليل على أن القول مفيد بإطلاقة فضله (عليه السلام)، ومؤمن من بلوغ أحد منزلته في الثواب بشئ من الاعمال، وهذا بين لمن تدبره.

13 - ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه وكلامه: حضر الشيخ مجلس أبي منصور ابن المرزبان وكان بالحضرة جماعة من متكلمي المعتزلة، فجرى كلام وخوض في شجاعة الامام فقال أبو بكر بن صراما: عندي أن أبا بكر الصديق كان من شجعان العرب ومتقدميهم في الشجاعة! فقال الشيخ أدام الله عزه: من أين حصل ذلك عندك؟

وبأي وجه عرفته؟ فقال: الدليل على ذلك أنه رأى قتال أهل الردة وحده في نفر معه، وخالفه على رأيه في ذلك جمهور الصحابة وتقاعدوا عن نصرته، فقال: أما والله لو منعوني عقالا لقاتلتهم، ولم يستوحش من اعتزال القوم له، ولا ضعف ذلك نفسه، ولا منعه من التصميم على حربهم، فلولا أنه كان من الشجاعة حد يقصر الشجعان عنه لما أظهر هذا القول عند خذلان القوم له!.

فقال الشيخ أدام الله عزه: ما أنكرت على من قال لك: إنك لم تلجأ إلى معتمد عليه في هذا الباب، وذلك أن الشجاعة لا تعرف بالحسن لصاحبها فقط ولا بادعائها، وإنما هي شئ في الطبع يمده الاكتساب، والطريق إليها أحد الامرين: إما الخبر عنها من جهة علام الغيوب المطلع على الضمائر جلت عظمته، فيعلم خلقه حال الشجاع وإن لم يبد منه فعل يستدل به عليها، والوجه الآخر أن يظهر منه أفعال يعلم بها حاله كمبارزة الاقران، ومقاومة الشجعان، ومنازلة الابطال، والصبر عند اللقاء، وترك الفرار عند تحقق القتال، ولا يعلم ذلك أيضا بأول وهلة، ولا بواحدة من الفعل

حتى يتكرر ذلك على حد يتميز به صاحبه ممن حصل له ذلك اتفاقا، أو على سبيل الهوج والجهل بالتدبير، وإذا كان الخبر عن الله سبحانه بشجاعة أبي بكر معدوما وكان هذا الفعل الدال على الشجاعة غير موجود للرجل فكيف يجوز لعاقل أن يدعي له الشجاعة بقول قاله ليس من دلالتها في شئ عند أحد من أهل النظر والتحصيل؟

لا سيما ودلائل جبنه وهلعه وخوفه وضعفه أظهر من أن يحتاج فيها إلى التأمل، وذلك أنه لم يبارز قط قرنا ولا قاوم بطلا ولا سفك بيده دما، وقد شهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) مشاهده، فكان لكل أحد من الصحابة أثر في الجهاد إلا له، وفر في يوم أحد، وانهزم في يوم خيبر، وولى الدبر يوم التقى الجمعان، وأسلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذه المواطن مع ما كتب الله عز وجل عليه من الجهاد! فكيف تجتمع دلائل الجبن و دلائل الشجاعة لرجل واحد في وقت واحد لولا أن العصبية تميل بالعبد إلى الهوى؟.

وقال رجل من طياب الشيعة كان حاضرا: عافاك الله أي دليل هذا؟ وكيف يعتمد عليه وأنت تعلم أن الانسان قد يغضب فيقول: لو سامني السلطان هذا الامر ما قبلته، وإن عندنا لشيخا ضعيف الجسم، ظاهر الجبن، يصلي بنا في مسجدنا فما يحدث أمر يضجره وينكره إلا قال: والله لأصبرن على هذا أو لا جاهدن فيه ولو اجتمعت فيه ربيعة ومضر!.

فقال: ليس الدليل على الشجاعة ما ذكرت دون غيره، والذي اعتمدنا عليه يدل كما يدل الفعل والخبر، ووجه الدلالة فيه أن أبا بكر باتفاق لم يكن مؤوف العقل، و لا غبيا ناقصا، بل كان بالاجماع من العقلاء، وكان بالاتفاق جيد الآراء، فلولا أنه كان واثقا من نفسه عالما بصبره وشجاعته لما قال هذا القول بحضرة المهاجرين والأنصار وهو لا يأمن أن يقيم القوم على خلافه فيخذلونه، ويتأخرون عنه ويعجز هو لجبنه أن

لو كان الامر على ما ادعيتموه عليه فيظهر منه الخلف في قوله، ولبس يقع هذا من عاقل حكيم، فلما ثبتت حكمة أبي بكر دل مقاله الذي حكيناه على شجاعته كما وصفناه.

فقال الشيخ أدام الله عزه ليس تسليمنا لعقل أبي بكر وجودة رأيه تسليما لما ادعيت من شجاعته بما رويت عنه من القول، ولا يوجب ذلك في عرف ولا عقل ولا سنة ولا كتاب، وذلك أنه وإن كان ما ذكرت من الحكمة فليس يمنع أن يأتي بهذا القول من جبنه وخفه وهلعه ليشجع أصحابه، ويحض المتأخرين عنه على نصرته، ويحثهم على جهاد عدوه، ويقوي عزمهم في معونته، ويصرفهم عن رأيهم في خذلانه، وهكذا تصنع الحكماء في تدبيراتهم، فيظهرون من الصبر ما ليس عندهم، ومن الشجاعة ما ليس في طبائعهم حتى يمتحنوا الامر وينظروا عواقبه، فإن استجاب المتأخرون عنهم ونصرهم الخاذلون لهم وكلوا الحرب إليهم وعقلوا الكلفة بهم، وإن أقاموا على الخذلان و اتفقوا على ترك النصرة لهم والعدول عن معونتهم أظهروا من الرأي خلاف ما سلف، وقالوا: قد كانت الحال موجبة للقتال، وكان عزمنا على ذلك تاما فلما رأينا أشياعنا وعامة أتباعنا يكرهون ذلك أوجبت الضرورة إعفاء هم مما يكرهون، والتدبير لهم بما يؤثرون، وهذا أمر قد جرت به عادات الرؤساء في كل زمان، ولم يك تنقلهم من رأي إلى رأي مسقطا لأقدارهم عند الأنام، فلا ينكر أن يكون أبو بكر إنما أظهر التصميم على الحرب لحث القوم على موافقته في ذلك، ولم يبدلهم جزعه لئلا يزيد ذلك في فشلهم، ويقوي به رأيهم، واعتمد على أنهم إن صاروا إلى أمره ونجع هذا التدبير في تمام غرضه فقد بلغ المراد، وإن لم ينجع ذلك عدل عن الرأي الأول! كما وصفناه من حال الرؤساء في تدبيراتهم، على أن أبا بكر لم يقسم بالله تعالى في قتال أهل الردة بنفسه، وإنما أقسم بأنصاره الذين اتبعوه على رأيه، وليس في يمينه

بالله سبحانه لينفذن خالدا وأصحابه ليصلوا بالحرب دليل على شجاعته في نفسه.

وشئ آخر: وهو أن أبا بكر قال هذا القول عند غضبه لمباينة القوم له، ولا خلاف بين ذوي العقول أن الغضبان يعتريه عند غضبه من هيجان الطباع ما يفسد عليه رأيه حتى يقدم من القول على مالا يفي به عند سكون نفسه، ويعمل من الاعمال ما يندم عليه عند زوال الغضب عنه، ولا يكون وقوع ذلك منه دليلا على فساد عقله، ووجوب إخراجه عن جملة أهل التدبير، وقد صرح بذلك الرجل في خطبته المشهورة عنه التي لا يختلف اثنان فيها، وأصحابه خاصة يصولون بها، ويجعلونها من مفاخره، حيث يقول: (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج من الدنيا وليس أحد يطالبه بضربة سوط فما فوتها وكان (صلى الله عليه وآله) معصوما من الخطأ، يأتيه الملائكة بالوحي، فلا تكلفوني ما كنتم تكلفونه فإن لي شيطانا يعتريني عند غضبي، فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني، لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم) فقد أعذر هذا الرجل إلى القوم فيما يأتيه عند غضبه من قول وفعل، ودلهم على الحال فيه، فلذلك أمن من نكير المهاجرين والأنصار عليه مقاله عند غضبه مع إحاطة العلم منهم بما لحقه في الحال من خلاف المخالفين عليه حتى بعثه على ذلك المقال. فلم يأت بشئ.

14 - قال الشيخ أدام الله حراسته: كان يختلف إلي حدث من أولاد الأنصار يتعلم الكلام فقال لي يوما: اجتمعت البارحة مع الطبراني شيخ من الزيدية فقال لي:

أنتم يا معشر الامامية حنبلية وأنتم تستهزؤون بالحنبلية! فقلت له: وكيف ذلك؟ فقال لان الحنبلية تعتمد على المنامات وأنتم كذلك، والحنبلية تدعي المعجز لأكابرها و أنتم كذلك، والحنبلية ترى زيارة القبور والاعتكاف عندها وأنتم كذلك، فلم يكن عندي جواب أرتضيه، فما الجواب،

قال الشيخ أدام الله عزه: فقلت له: ارجع إليه وقل له: قد عرضت ما ألقيته إلي على فلان فقال: قل له: إن كانت الامامية حنبلية بما وصفت أيها الشيخ فالمسلمون بأجمعهم حنبلية، والقرآن ناطق بصحة الحنبلية وصواب مذاهب أهلها، وذلك أن الله عز وجل يقول : (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للانسان عدو مبين 1) فأثبت الله جل اسمه المنام، وجعل له تأويلا عرفه أولياءه عليهم السلام، وأثبته الأنبياء، ودانت به خلفاؤهم وأباعهم من المؤمنين، و اعتمدوه في علم ما يكون، وأجروه مجرى الخبر مع اليقظة وكالعيان له. وقال سبحانه:

(ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نر؟ من المحسنين 2) فنبأ هما بتأويله، وذلك على تحقيق منه لحكم المنام، وكان سؤالهما مع جهلهما بنبوته دليلا على أي المنامات حق عندهم، والتأويل لأكثرها صحيح إذا وافق معناها. وقال عز اسمه: ﴿وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون * قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾ 3 ثم فسرها يوسف فكان الامر كما قال.

وقال سبحانه في قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: ﴿فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ فأثبتا (عليهما السلام) الرؤيا وأوجبا الحكم بها، ولم يقل إسماعيل لأبيه (عليه السلام): يا أبت لا تسفك دمي برؤيا رأيتها فإن الرؤيا قد تكون من حديث النفس وأخلاط البدن وغلبة الطباع بعضها على بعض، كما ذهبت إليه المعتزلة، فقول الامامية في هذا الباب ما نطق به القرآن، وقول هذا الشيخ هو قول الملا من أصحاب الملك حين قالوا: (أضغاث أحلام) ومع ذلك فإنا لسنا نثبت الاحكام الدينية من جهة

المنامات، وإنما نثبت من تأويلها ما جاء به الأثر عن ورثة الأنبياء (عليهم السلام).

فأما قولنا في المعجزات فهو كقول الله تبارك وتعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ فضمن هذا القول تصحيح المنام، إذا كان الوحي إليها في المنام يعلمها بما كان قبل كونه. وقال سبحانه في قصة مريم (عليها السلام): (فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا، قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا فكان نطق المسيح معجزا لمريم (عليها السلام) إذ كان شاهدا ببراءة ساحتها، وأم موسى ومريم لم تكونا نبيتين ولا مرسلتين، ولكنهما كانتا من عباد الله الصالحين، فعلى مذهب هذا الشيخ كتاب الله تعالى يصحح الحنبلية.

وأما زيارة القبور فقد أجمع المسلمون على زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله)، حتى أنه من حج ولم يزره فقد جفاه وثلم حجه بذلك الفعل، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من سلم علي من عند قبري سمعته، ومن سلم علي من بعيد بلغته) عليه سلام الله ورحمته وبركاته.

وقال (صلى الله عليه وآله) للحسن (عليه السلام): (من زارك بعد موتك أوزار أباك أوزار أخاك فله الجنة) وقال له (عليه السلام) أيضا في حديث له أول مشروح في غير هذا الكتاب: (تزورك طائفة من أمتي يريدون به بري وصلتي، فإذا كان يوم القيامة زرتها في الموقف فأخذت بأعضادها فأنجيتها من أهواله وشدائده) ولا خلاف بين الأمة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما فرغ من حجة الوداع لاذ بقبر قد درس فقعد عنده طويلا ثم استعبر، فقيل له: يا رسول الله ما هذا القبر؟ فقال: (هذا قبر أمي آمنة بنت وهب، سالت الله في زيارتها فأذن لي) وقال (صلى الله عليه وآله): (قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، وكنت نهيتكم

عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروها) وقد كان أمر (صلى الله عليه وآله) في حياته بزيارة قبر حمزة (عليه السلام )، وكان يلم به وبالشهداء، ولم يزل فاطمة (عليها السلام) بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) تغدو إلى قبره وتروح، والمسلمون يناوبون على زيارته وملازمة قبره، فإن كان ما تذهب إليه الإمامية من زيارة مشاهد الأئمة (عليهم السلام) حنبلية وسخفا من العقل فالاسلام مبني على الحنبلية، ورأس الحنبلية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا قول متهافت جدا يدل على قلة دين قائله وضعف رأيه وبصيرته. ثم قلت له: يجب أن تعلمه أن الذي حكيت عنه قد حرف القول وقبحه ولم يأت به على وجه، والذي نذهب إليه في الرؤيا أنها على أضرب، فضرب منها يبشر الله به عباده ويحذرهم، وضرب تحزين من الشيطان وكذب يخطره ببال النائم، وضرب من غلبة الطباع بعضها على بعض، ولسنا نعتمد على المنامات كما حكى، لكنا نأنس بما يبشر به، ونتخوف مما يحذر فيها، من وصل إليه شئ من علمها عن ورثة الأنبياء عليهم السلام ميز بين حق تأويلها وباطله، ومن لم يصل إليه شئ من ذلك كان على الرجاء والخوف، وهذا يسقط ما لعله سيتعلق به في منامات الأنبياء عليهم السلام من أنها وحي لان تلك مقطوع بصحتها، وهذه مشكوك فيها، مع أن منها أشياء قد اتفق ذوو العادات على معرفة تأويلها حتى لم يختلفوا فيه ووجدوه حسنا، وهذا الشيخ لم يقصد بكلامه الامامية، لكنه قصد الأمة ونصر البراهمة و الملحدة، مع أني أعجب من هذه الحكاية عنه، وأنا أعرفه يميل إلى مذهب أبي هاشم ويعظمه ويختاره، وأبو هاشم يقول في كتابه المسألة في الإمامة: إن أبا بكر رأى في المنام كان عليه ثوبا جديدا عليه رقمان، ففسره على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له: (إن صدقت رؤياك فستخبر بولد وتلي الخلافة سنتين) فلم يرض شيخه أبو هاشم أن أثبت المنامات حتى أوجب له الخلافة، وجعلها دلالة على الإمامة! فيجب على قول هذا الشيخ

الزيدي عند نفسه أن يكون أبو هاشم رئيس المعتزلة عنده حنبليا، بل يكون أبو بكر حنبليا، بل رسول الله (صلى الله عليه وآله)! لأنه صحح المنام وأوجب به الاحكام هذا من بهرج المقال.

15 - ثم قال رضي الله عنه: ومن حكايات الشيخ أيده الله قال: حضرت مجمعا لقوم من الرؤساء، وكان فيهم شيخ من أهل الري معتزلي يعظمونه لمحل سلفه وتعلقه بالدولة، فسئلت عن شئ من الفقه فأفتيت فيه على المأثور عن الأئمة (عليهم السلام)، فقال ذلك الشيخ: هذه الفتيا يخالف الاجماع، فقلت له: عافاك الله من تعني بالاجماع؟ فقال:

الفقهاء المعروفين بالفتيا في الحلال والحرام من فقهاء الأمصار، فقلت: هذا أيضا مجمل من القول، فهل تدخل آل محمد (عليهم السلام) في جملة هؤلاء الفقهاء أم تخرجهم من الاجماع؟ فقال: بل أجعلهم في صدر الفقهاء، ولو صح عنهم ما تروونه لما خالفناه.

فقلت له: هذا مذهب لا أعرفه لك ولا لمن أومأت إليه ممن جعلتهم الفقهاء، لان القوم بأجمعهم يرون الخلاف على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو سيد أهل البيت في كثير مما قد صح عنه من الاحكام، فكيف تستوحشون من خلاف ذريته و توجبون على أنفسكم قبول قولهم على كل حال؟! فقال: معاذ الله ما نذهب إلى هذا ولا يذهب إليه أحد من الفقهاء وهذه شناعة منك على القوم بحضرة هؤلاء الرؤساء، فقلت له: لم أحك إلا ما أقيم عليه البرهان، ولا ذكرت إلا معروفا لا يمكن أحدا من أهل العلم دفعي عنه لما هو عليه من الاشتهار، لكنك أنت تريد أن تتجمل بضد مذهبك عند هؤلاء الرؤساء، ثم أقبلت على القوم فقلت: لا خلاف عند شيوخ هذا الرجل وأئمته وفقهائه وسادته أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد يجوز عليه الخطاء في شئ يصيب فيه عمرو بن العاص زيادة على ما حكيت عنه من المقال، فاستعظم القوم ذلك و

أظهروا البراءة من معتقده وأنكره هو وزاد في الانكار، فقلت له: أليس من مذهبك ومذهب هؤلاء الفقهاء أن عليا (عليه السلام) لم يكن معصوما كعصمة النبي (صلى الله عليه وآله)؟ قال: بلى قلت: فلم لا يجوز عليه الخطاء في شئ من الاحكام؟ فسكت.

ثم قلت له: أليس عندكم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد كان يجتهد رأيه في كثير من الاحكام؟ وأن عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة كانوا من أهل الاجتهاد؟ قال: بلى، قلت له: فما الذي يمنع من إصابة هؤلاء القوم ما يذهب على أمير المؤمنين (عليه السلام) من جهة الاجتهاد مع ارتفاع العصمة عنه وكون هؤلاء القوم من أهل الاجتهاد؟ فقال: ليس يمنع من ذلك مانع، قلت له: فقد أقررت بما أنكرت الآن، ومع هذا فليس من أصلك أن كل أحد بعد النبي (صلى الله عليه وآله) يؤخذ من قوله ويترك إلا ما انعقد عليه الاجماع؟ قال: بلى، قلت له: أفليس هذا يسوغكم الخلاف على أمير المؤمنين (عليه السلام) في كثير من أحكامه التي لم يقع عليه الاجماع؟! وبعد فليست لي حاجة إلى هذا التعسف ولا فقر فيما حكيت إلى هذا الاستدلال، لأنه لا أحد من الفقهاء إلا وقد خالف أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض أحكامه، ورغب عنها إلى غيرها، وليس فيهم أحد وافقه في جميع ما حكم به من الحلال والحرام، وإني لأعجب من إنكارك ما ذكرت، وصاحبك الشافعي يخالف أمير المؤمنين (عليه السلام) في الميراث والمكاتب ويذهب إلى قول زيد فيهما! ويروى عنه أنه كان لا يرى الوضوء من مس الذكر، ويقول هو: إن الوضوء منه واجب، وأن عليا (عليه السلام) خالف الحكم فيه بضرب من الرأي! وحكى الربيع عنه في كتابه المشهور أنه لا بأس بصلاة الجمعة والعيدين خلف كل أمين وغير مأمون ومتغلب، صلى علي بالناس وعثمان محصور، فجعل الدلالة على جواز الصلاة خلف المتغلب على أمر الأمة صلاة الناس خلف علي في زمن حصر عثمان، فصرح بأن عليا كان متغلبا! ولا خلاف أن المتغلب على أمر الأمة فاسق ضال، وقال: لا بأس بالصلاة خلف الخوارج لأنهم متأولون وإن كانوا فاسقين، فمن يكون هذا مذهبه ومقالة

إمامه وفقيهه يزعم معه أنه لو صح له عن أمير المؤمنين شئ أو عن ذريته لدان به، لولا أن الذاهب إلى هذا يريد التلبيس، وليس في فقهاء الأمصار سوى الشافعي إلا وقد شارك الشافعي في الطعن على أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتزييف كثير من قوله والرد عليه في أحكامه حتى أنهم يصرحون بأن الذي يذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) في الاحكام معتبر، فإن أسنده إلى النبي (صلى الله عليه وآله) قبلوه منه على ظاهر العدالة كما يقبلون من أبي موسي الا شعري وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة ما يسندوه إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، بل ما يقبلون من حمال في السوق على ظاهر العدالة ما يرويه مسندا إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فأما ما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من غير إسناد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان موقوفا على سيرهم ونظرهم واجتهادهم فإن وضع صوابه فيه قالوا به من حيث النظر، لامن حيث حكمه به وقوله، وإن عثروا على خطيئة فيه اجتنبوه وردوه عليه وعلى من اتبعه فيه، فزعموا أن آراءهم هي العيار على قوله (عليه السلام)، وهذا مالا يذهب إليه من وجد في صدره جزء من مودته (عليه السلام) وحقه الواجب له وتعظيمه الذي فرضه الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله)، بل لا يذهب إلى هذا القول إلا من رد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: (علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار) وقوله (صلى الله عليه وآله): (أنا مدينة العلم وعلي بابها) وقوله (صلى الله عليه وآله): (علي أقضاكم) وقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (ضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يده على صدري وقال:

اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه، فما شككت في قضاء بين اثنين) فلما ورد عليه هذا الكلام تحير وقال: هذه شناعات على الفقهاء، والقوم لهم حجج على ما حكيت عنهم، فقال له بعض الحاضرين: نحن نبرؤ إلى الله من هذا المقال وكل دائن به، وقال له آخر:

إن كان مع القوم حجج على ما حكاه الشيخ فهي حجج على إبطال ما ادعيت أولا من ضد هذه الحكاية، ونحن نعيذك بالله أن تذهب إلى هذا القول، فإن كل شئ تظنه حجة عليه فهو كان حجة في إبطال نبوة النبي (صلى الله عليه وآله)، فسكت مستحييا مما جرى، وتفرق الجمع.

16 - قال الشيخ أدام الله عزه: قال لي يوما بعض المعتزلة: لو كان ما تدعونه من هذا الفقه الذي تضيفونه إلى جعفر بن محمد وأبنه (عليهم السلام) حقا وأنتم صادقون في الحكاية عنهم لوجب أن يقع لنا معشر مخالفيكم العلم الضروري بصحة ذلك، حتى لا نشك فيه، كما وقع لكم صحة الحكاية عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وداود و غيرهم من فقهاء الأمصار برواية أصحابهم عنهم، فلما لم نعلم صحة ما تدعونه مع سماعنا لاخباركم وطول مجالستنا لكم دل على أنكم متخرصون في ذلك، وبعد فما بال كل من عددنا من فقهاء الأمصار قد استفاض عنهم القول في الفتيا استفاضة منعت من الريب في مذاهبهم وأنتم أئمتكم أعظم قدرا من هؤلاء وأجل خطرا، لا سيما مع ما تعتقدونه فيهم من العصمة وعلو المنزلة والفضل على جميع البرية، والبينونة من الخلق بالمعجزة، وما اختصوا به من خلافة الرسول عليه وآله السلام، وفرض الطاعة على الجن والإنس، وإن هذا لشئ عجيب.

قال الشيخ أدام الله عزه: فقلت له: إن الجواب عن هذا السؤال قريب جدا، غير أني اقلبه عليك فلا يمكنك الانفصال منه إلا بإخراج من ذكرت من جملة أهل العلم ونفي المعرفة عنهم، وإسقاط مقال من رعمت أنهم كانوا من أصحاب الفتيا، والعلم الضروري حاصل لكل من سمع الاخبار بضد ذلك وخلافه، وأنهم عليهم السلام كانوا من أجلة أهل الفتيا، وذلك أننا وإن كنا كاذبين على قولك فلابد لهؤلاء القوم (عليهم السلام) من مقال في الفتيا يتضمن بعض ما حكيناه عنهم، فما بالنا معشر الشيعة بل ما بالكم معشر الناصبة لا تعلمون مذاهبهم على الحقيقة بالضرورة كما تعلمون مذاهب أهل الحجاز و أهل العراق ومن ذكرت من فقهاء الأمصار؟ فإن زعمت أنك تعلم لهم في الفتيا مذهبا بخلاف ما نحكيه عنهم علم اضطرار مع تديننا بكذبك في ذلك لم نجد فرقا بيننا و بينك إذا ادعينا أننا نعلم صحة ما نحكيه عنهم بالاضطرار، وأنك وأصحابك تعلمون ذلك، ولكنكم تكابرون العيان، وهذا ما لا فصل فيه.

فقال: إنما لم نعلم مذهبهم باضطرار، لأنه مبثوث في مذاهب الفقهاء، إذا

كانوا (عليهم السلام) يختارون ما اختاروا من قول الصحابة والتابعين، فتفرق مجموع أخبارهم في مذاهب الفقهاء.

فقلت له: فإن هذا بعينه موجود في مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي ومن عددت، لان هؤلاء تخيروا من أقوال الصحابة والتابعين، فكان يجب أن لا نعلم مذاهبهم باضطرار، على أنك إن قنعت بهذا الاعتلال فإنا نعتمد عليه في جوابك فنقول: إننا إنما تعرينا من علم الاضطرار بمذاهبهم (عليهم السلام)، لان الفقهاء تقسموا مذاهبهم المنصوصة عندنا فدانوا بها على سبيل الاختيار، لان قولهم متفرق في مقال الفقهاء فلذلك لم يقع العلم به باضطرار.

فقال: فهب أن الامر كما وصفت، ما بالنا لا نعلم ما رويتم عنهم من خلاف جميع الفقهاء علم اضطرار؟ فقلت له: ليس شئ مما تومئ إليه إلا وقد قاله صحابي أو تابعي وإن اتفق من ذكرت من فقهاء الأمصار على خلافه الآن، فلما قد منا مما رضيته من الاعتلال لم يحصل علم الاضطرار، مع أنك تقول لا محالة بأن قولهم عليهم السلام في هذه الأبواب بخلاف ما عليه غيرهم فيها، وهو ما أجمع عليه عندك فقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين بإحسان فما بالنا لا نعلم ذلك من مقالهم علم اضطرار؟ وليس هو مما تحدثته مذاهب الفقهاء ولا اختلف فيه عندك من أهل الاسلام أحد، فبأي شئ تعلقت في ذلك تعلقنا به في إسقاط سؤالك، والله الموفق للصواب فلم يأت بشئ تجب حكايته، والحمد لله.

قال السيد رضي الله عنه: وقلت للشيخ عقيب هذه الحكاية لي: إن حمل هؤلاء القوم أنفسهم على أن يقولوا: إن جعفر بن محمد وأباه محمد بن علي وابنه موسى بن جعفر عليهم السلام لم يكونوا من أهل الفتيا، لكنهم كانوا من أهل الزهد والصلاح؟.

قال: يقال لهم: هب أنا سامحناكم في هذه المكابرة وجوزناها لكم، أليس من قولكم وقول كل مسلم وذمي وعدو لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وولي له أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان من أهل الفتيا؟ فلابد من أن يقولوا: بلى، فيقال لهم: فما بالنا لا نعلم جميع مذاهبه في الفتيا كما نعلم جميع مذاهب من عددتموه من فقهاء الأمصار بل

من الصحابة كزيد وابن مسعود وعمر بن الخطاب؟ إن قالوا: إنكم تعلمون ذلك باضطرار قلنا لهم: وذلك هوما تحكونه أنتم عنه أوما نحكيه نحن مما يوافق حكايتنا عن ذريته عليهم السلام؟ فإن قالوا: هو ما نحكيه دونكم قلنا لهم: ونحن على أصلكم في إنكار ذلك مكابرون، وإن قالوا: نعم قلنا لهم بل العلم حاصل لكم بما نحكيه عنه خاصة، وأنتم في إنكار ذلك مكابرون، وهذا ما لا فصل فيه، وهو أيضا يسقط اعتلالهم في عدم العلم الضروري بمذاهب الذرية لما ذكروه من تقسيم الفقهاء لها، لان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد سبق الفقهاء الذين أشاروا إليهم، وكان مذهب علي (عليه السلام) متفردا فإن اعتلوا بأنه كان منقسما في قول الصحابة فهم أنفسهم ينكرون ذلك لروايتهم عنه الخلاف، مع أنه يجب أن لا يعرف مذهب عمر وابن مسعود، لأنهما كانا منقسمين في مذاهب الصحابة وهذا فاسد من القول بين الاضمحلال.

قال الشيخ أدام الله عزه: وهذا كلام سحيح، ويؤيده علمنا بمذاهب المختارين من المعتزلة والزيدية والخوارج مع انبثاثها في أقوال الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار.

وقال الشيخ أدام الله حراسته: وقد ذكرت الجواب عما تقدم من السؤال في هذا الباب في كتابي المعروف بتقرير الاحكام، ووجوده هناك يغني عن تكراره ههنا، إذ هو في موضعه مستقصى عن البيان.

17 - ثم قال: قال الشيخ أدام الله تأييده: سألني أبو الحسن علي بن نصر الشاهد بعكبرا في مسجده وأنا متوجه إلى سر من رأى، فقال: أليس قد ثبت عندنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان أعلم الصحابة كلها وأعرفها بمعالم الدين، وكانوا يستفتونه ويتعلمون منه لفقرهم إليه، وكان غنيا عنهم لا يرجع إلى أحد منهم في علم ولا يستفيد (عليه السلام) منهم؟ فقلت: نعم هذا قولنا وهو الواضح الذي لاخفاء به، ولا يمكن عاقلا دفعه ولا يقدم أحد على إنكاره إلا أن يرتكب البهت والمكابرة، فقال أبو الحسن: فإن

بعض أهل الخلاف قد احتج علي في دفع هذا بأن قال: وردت الرواية عن علي (عليه السلام) أنه قال: (ما حد ثني أحد بحديث إلا استحلفته عليه، ولقد حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر) فلو كان يعلم (عليه السلام) جميع الدين ولا يفتقر إلى غيره لما احتاج إلى استحلاف من يحدثه، ولا الاستظهار في يمينه ليصح عنده علم ما اخبر به، وقد روي أيضا أنه صلوات الله عليه حكم في شئ فقال له شاب من القوم: أخطأت يا أمير المؤمنين فقال (عليه السلام):

صدقت أنت وأخطأت! فماذا يكون الجواب عن هذا الكلام؟ وكيف الطريق إلى حله.

فقلت: أول ما في هذا الكلام أن الاخبار لا تتقابل ويحكم بعضها على بعض حتى تتساوى في الصفة، فيكون الظاهر المستفيض مقابلا لمثله في الاستفاضة، والمتواتر مقابلا لمثله في التواتر، والشاذ مقابلا لمثله في الشذوذ، وما ذكرناه عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) مستفيض قد تواتر به الخبر على التحقيق، وما ذكره هذا الرجل عنه (عليه السلام) من الحديثين فأحدهما شاذ وارد من طريق الآحاد غير مرضي الاسناد، والآخر ظاهر البطلان لانقطاع إسناده، وعدم وجوده في نقل معروف من الثقات، وليس يجوز المقابلة في مثل هذه الأخبار، بل الواجب إسقاط الظاهر منها الشاذ وإبطال المتواتر ما ضاده من الآحاد.

والثاني: أنه لما ذكره الخصم من الحديث الأول عن أمير المؤمنين (عليه السلام) غير وجه يلائم ما ذكرناه من فضل مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه في العلم على سائر الأنام.

منها: أنه صلوات الله عليه إنما كان يستحلف على الاخبار لئلا يجترئ مجترئ على الإضافة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسماع ما لم يسمعه منه، وإنما القي إليه عنه فحصل عنده بالبلاغ.

ومنها: أنه (عليه السلام) كان يستحلف مع العلم بصدق المخبر ليتأكد خبره عند غيره من السامعين فلا يشك فيه ولا يرتاب.

ومنها: أنه (عليه السلام) استحلف فيما عرفه يقينا ليكون ذلك حجة له إذا حكم على أهل العناد، ولا يقول منهم قائل عند حكمه بذلك: قد حكم بالشاذ.

ومنها: أن يكون استحلافه صلوات الله عليه للمخبر بما لا يتضمن حكما في الدين، ويتضمن أدبا وموعظة ولفظة حكمة، أو مدحة لانسان، أو مذمة، فلا يجب إذا علم ذلك من غيره أن يكون فقيرا في علم الدين إليه وناقصا في العلم عن رتبته، على أن لفظ الحديث: (ما حدثني أحد بحديث إلا استحلفته) فهذا يوجب بالضرورة أنه كان يستحلف على ما يعلم، لأنه محال أن يكون كل من حدثه حدثه بمالا يعلم، فإذا ثبت أنه قد استحلف على علم لاحد ما ذكرناه أو لغيره من العلل بطل ما اعتمده هذا الخصم.

وأما الحديث الثاني فطهور بطلانه أوضح من أن يخفى، وذلك أنه قال فيه:

إن شابا قال له: ليس الحكم فيه ذلك، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما زعم الخصم:

أصبت أنت وأخطأت، وهذا واضح السقوط على ما بيناه، لأنه لا يخلو مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يكون حكم بالخطأ مع علمه بأنه خطأ، أو يكون حكم بالخطأ وهو يظن أنه صواب، فإن كان حكم بالخطأ على أنه خطأ عند في دين الله، و ضل بإقدامه على تغيير حكم الله، وهو صلوات الله عليه يجل عن هذه الرتبة، ولا يعتقد مثل هذا فيه الخوارج فضلا عمن دونهم في عداوته من الناصبة، وإن كان حكم بالخطأ وهو يظن أنه صواب فكيف زال ظنه عن ذلك فانتقل عنه بقول رجل واحد لا يعضده برهان؟ فهذا مالا يتوهم على أحد من أهل الأديان، على أنه لو كان لهذا الحديث أصل أو كان معروفا عند أحد من أهل الآثار لكان الرجل مشهورا معروفا بالعين و النسب، مشهور القبيلة والمكان، ولكان أيضا الحكم الذي جرى فيه هذا الامر مشهورا عند الفقهاء ومدونا عند أصحاب الاخبار، وفي عدم معرفة الرجل وتعين الحكم و عدمه من الأصول دليل على بطلانه كما بيناه، على أن الأمة قد اتفقت عنه صلوات الله عليه أنه قال: (ضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده على صدري، وقال: اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه، فما شككت في قضاء بين اثنين) وهذا مضاد لوقوع الخطأ منه في الاحكام، ومانع لدخول الشك عليه في شئ منها والارتياب، وأجمعوا أن النبي

(صلى الله عليه وآله) قال: (علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار) وليس يجوز أن يكون من هذا وصفه يخطئ في الدين أو يشك في الاحكام، وأجمعوا أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (علي أقضاكم) وأقضى الناس ليس يجوز أن يخطئ في الاحكام ولا يكون غيره أعلم منه بشئ من الحكم، فدل ذلك على بطلان ما اعترض به الخصم، وكشف عن وهيه على البيان، وبالله التوفيق وإياه لنستهدي إلى سبيل الرشاد.

18 - وقال السيد المرتضى رضي الله عنه: وحضر الشيخ أبو عبد الله أدام الله عزه بمسجد الكوفة فاجتمع إليه من أهلها وغيرهم أكثر من خمسمائة إنسان، فابتدر له رجل من الزيدية أراد الفتنة والشناعة فقال: بأي شئ استجزت إنكار إمامة زيد بن علي؟

فقال له الشيخ: إنك قد ظننت علي ظنا باطلا، وقولي في زيد لا يخالفني عليه أحد من الزيدية، فلا يجب أن يتصور مذهبي في ذلك بالخلاف. فقال له الرجل: وما مذهبك في إمامة زيد بن علي؟ فقال له الشيخ: أنا أثبت من إمامة زيد رحمه الله ما تثبته الزيدية، وأنفي عنه من ذلك ما تنفيه، فأقول: إن زيدا رحمة الله عليه كان إماما في العلم والزهد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنفي عنه الإمامة الموجبة لصاحبها العصمة والنص والمعجز، وهذا مالا يخالفني عليه أحد من الزيدية حيثما قدمت، فلم يتمالك جميع من حضر من الزيدية أن شكروه، ودعوا له، وبطلت حيلة الرجل فيما أراد من التشنيع والفتنة.

19 - وقال رضي الله عنه: ومن الحكايات: قلت للشيخ أبي عبد الله أدام الله عزه:

إن المعتزلة والحشوية يزعمون أن الذي نستعمله من المناظرة شئ يخالف أصول الامامية ويخرج عن إجماعهم، لان القوم لا يرون المناظرة دينا وينهون عنها، ويرون

عن أئمتهم تبديع فاعليها وذم مستعمليها، فهل معك رواية عن أهل البيت (عليهم السلام) في صحتها لم تعتمد على حجج العقول ولا تلتفت إلى ما خالفها، وإن كان عليه إجماع العصابة؟.

فقال: أخطأت المعتزلة والحشوية في ما ادعوه علينا من خلاف جماعة مذهبنا في استعمال المناظرة، وأخطأ من ادعى ذلك من الامامية أيضا وتجاهل، لان فقهاء الإمامية ورؤساء هم في علم الدين كانوا يستعملون المناظرة ويدينون بصحتها وتلقى ذلك عنهم الخلف ودانوا به، وقد أشبعت القول في هذا الباب وذكرت أسماء المعروفين بالنظر وكتبهم مدائح الأئمة (عليهم السلام) لهم في كتاب الكامل في علوم الدين وكتاب الأركان في دعائم الدين، وأنا أروي لك في هذا الوقت حديثا من جملة ما أوردت في ذلك إن شاء الله: أخبرني أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين، عن أبي جعفر محمد بن النعمان، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد (عليهم السلام) قال: قال لي: (خاصموهم و بينوا لهم الهدى الذي أنتم عليه، وبينوا لهم ضلالتهم، وباهلوهم في علي (عليه السلام)).

قلت: فإني لا أزال أسمع المعتزلة يدعون على أسلافنا أنهم كانوا كلهم مشبهة و أسمع المشبهة من العامة يقولون مثل ذلك، وأرى جماعة من أصحاب الحديث من الامامية يطابقونهم على هذه الحكاية، ويقولون: إن نفي التشبيه إنما أخذناه من المعتزلة، فأحب أن تروي لي حديثا يبطل ذلك، فقال: هذه الدعوى كالأولة، ولم يكن في سلفنا رحمهم الله من تدين بالتشبيه من طريق المعنى، وإنما خالف هشام وأصحابه جماعة أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) بقوله في الجسم، وزعم أن الله تعالى جسم لا كالأجسام وقد روي أنه رجع عن هذا القول بعد ذلك، وقد اختلفت الحكايات عنه، ولم يصح منها إلا ما ذكرت، وأم الرد على هشام والقول بنفي التشبيه فهو أكثر من أن يحصى من الرواية عن آل محمد (عليهم السلام).

أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه رحمه الله، عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن إسماعيل، عن الحسين بن الحسن، عن بكر بن صالح. والحسين بن سعيد، عن عبد الله بن المغيرة، عن محمد بن زياد قال: سمعت يونس بن ظبيان يقول: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت له: إن هشام بن الحكم يقول في الله عز وجل قولا عظيما، إلا أني أختصر لك منه أحرفا، يزعم أن الله تعالى جسم، لان الأشياء شيئان: جسم، وفعل الجسم، فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل، ويجب أن يكون بمعنى الفاعل. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا ويحه! أما علم أن الجسم محدود متناه محتمل للزيادة والنقصان وما احتمل ذلك كان مخلوقا، فلو كان الله تعالى جسما لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق؟ فهذا قول أبي عبد الله (عليه السلام) وحجته على هشام فيما اعتل به من المقال، فكيف نكون قد أخذ نا ذلك عن المعتزلة لولا قلة الدين؟.

قلت: فإنهم يدعون أن الجماعة كانت تدين بالجبر والقول بالرؤية، حتى نقل جماعة من المتأخرين منهم المعتزلة عن ذلك، فهل معنا رواية بخلاف ما ادعوه؟

فقال: هذا أيضا كالأول، ما دان أصحابنا قط بالجبر إلا أن يكون عاميا لا يعرف تأويل الاخبار، أو شاذا عن جماعة الفقهاء والنظار، والرواية في العدل ونفي الرؤية عن آل محمد (عليهم السلام) أكثر من أن يقع عليها الاحصاء. أخبرني أبو محمد سهل بن أحمد الديباجي قال: حدثنا أبو محمد قاسم بن جعفر بن يحيى المصري قال: حدثنا أبو يوسف يعقوب بن علي، عن أبيه، عن حجاج بن عبد الله قال: سمعت أبي يقول: سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) - وكان أفضل من رأيت من الشرفاء والعلماء وأهل الفضل - وقد سئل عن أفعال العباد فقال: كل ما وعد الله وتواعد عليه فهو من أفعال العباد.

وقال: قال: حدثني أبي، عن أبيه علي بن الحسين (عليهم السلام) قال: قال رسول الله

الله (صلى الله عليه وآله) في بعض كلامه: (إنما هي أعمالكم ترد إليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) فأما نفي الرؤية عن الله عز وجل بالابصار فعليه إجماع الفقهاء والمتكلمين من العصابة كافة إلا ما حكي عن هشام في خلافه، والحجج عليه مأثورة عن الصادقين (عليهم السلام)، فمن ذلك حديث أحمد بن إسحاق وقد كتب إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) يسأله عن الرؤية، فكتب جوابه: ليس يجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فمتى انقطع الهواء وعدم الضياء لم يصح الرؤية، وفي وجود اتصال الضياء بين الرائي والمرئي وجوب الاشتباه، والله يتعالى عن الأشباه، فثبت أنه سبحانه لا يجوز عليه الرؤية بالابصار. فهذا قول أبي الحسن (عليه السلام) وحجته في نفي الرؤية، وعليها اعتمد جميع من نفى الرؤية من المتكلمين، وكذلك الخبر المروي عن الرضا (عليه السلام)، وفي ثبوته مع نظائره في كتابي المقدم ذكرهما غنى عن إيراده في هذا المكان. أقول: احتجاجات أصحابنا ومناظراتهم رحمة الله عليهم على المخالفين أكثر من أن تحصى، ولنكتف في هذا المجلد بما أوردناه.

وقد وقع الفراغ منه على يدي مؤلفه ختم الله له بالحسنى في شهر ربيع الثاني من شهور سنة ثمانين بعد الألف من الهجرة، والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على أشرف المرسلين محمد وعترته الطاهرين المنتجبين المكرمين.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.