بحارالانوار · أبواب احتجاجات أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما صدر عنه من جوامع العلوم
باب 26 نوادر الاحتجاجات والمناظرات من علمائنا رضوان الله
ج ۱۰، ص ۴۰۵–۴۳۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
1 - الإحتجاج: دخل أبو العلاء المعري الدهري على السيد المرتضى قدس الله سره فقال له: أيها السيد ما قولك في الكل؟ فقال السيد: ما قولك في الجزء؟ فقال: ما قولك في الشعرى؟ فقال ما قولك في التدوير؟ قال: ما قولك في عدم الانتهاء فقال: ما قولك في التحيز والناعورة؟ فقال: ما قولك في السبع؟ فقال: ما قولك في الزائد البري من السبع؟ فقال: ما قولك في الأربع؟ فقال: ما قولك في الواحد والاثنين؟ فقال:
ما قولك في المؤثر؟ فقال ما قولك في المؤثرات؟ فقال: ما قولك في النحسين؟ فقال:
ما قولك في السعدين؟ فبهت أبو العلاء، فقال السيد المرتضى رضي الله عنه عند ذلك:
الأكل ملحد ملهد.
وقال أبو العلاء: أخذته من كتاب الله عز وجل (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) وقام وخرج، فقال السيد رضي الله عنه: قد غاب عنا الرجل وبعد هذا لا يرانا.
فسئل السيد رضي الله عنه عن شرح هذه الرموز والإشارات فقال: سألني عن الكل وعنده الكل قديم، ويشير بذلك إلى عالم سماه العالم الكبير، فقال: لي ما قولك فيه؟ أراد أنه قديم ، وأجبته عن ذلك وقلت له: ما قولك في الجزء؟ لان عندهم الجزء محدث وهو المتولد عن العالم الكبير، وهذا الجزء هو العالم الصغير عندهم، وكان مرادي بذلك أنه إذا صح أن هذا العالم محدث فذلك الذي أشار إليه إن صح فهو محدث أيضا، لان هذا من جنسه على زعمه، والشئ الواحد والجنس الواحد لا يكون بعضه قديما وبعضه محدثا، فسكت لما سمع ما قلته.
وأما الشعرى أراد أنها ليست من الكواكب السيارة، فقلت له: ما قولك في التدوير؟ أردت أن الفلك في التدوير والدوران، فالشعري لا يقدح في ذلك.
وأما عدم الانتهاء أراد بذلك أن العالم لا ينتهي لأنه قديم، فقلت له: قد صح عندي التحيز والتدوير وكلاهما يد لان على الانتهاء.
وأما السبع أراد بذلك النجوم السيارة التي هي عندهم ذوات الاحكام، فقلت له هذا باطل بالزائد البري الذي يحكم فيه بحكم لا يكون ذلك الحكم منوطا بهذه النجوم السيارة التي هي الزهرة والمشتري والمريخ وعطارد والشمس والقمر وزحل.
وأما الأربع أراد بها الطبائع، فقلت له: ما قولك في الطبيعة الواحدة النارية يتولد منها دابة بجلدها تمس الأيدي، ثم تطرح ذلك الجلد على النار فيحترق الزهومات ويبقى الجلد صحيحا، لان الدابة خلقها الله على طبيعة النار، والنار لا تحرق النار، والثلج أيضا يتولد فيه الديدان وهو على طبيعة واحدة، والماء في البحر على طبيعتين تتولد عنه السموك والضفادع والحيات والسلاحف وغيرها، وعنده لا يحصل الحيوان إلا بالأربع فهذا مناقض لهذا.
وأما المؤثر أراد به الزحل فقلت له: ما قولك في المؤثر؟ أردت بذلك أن المؤثرات كلهن عنده مؤثرات، فالمؤثر القديم كيف يكون مؤثرا؟
وأما النحسين أراد بهما أنهما من النجوم السيارة إذا اجتمعا يخرج من بينهما سعد، فقلت له: ما قولك في السعدين إذا اجتمعا خرج من بينهما نحس؟ هذا حكم أبطله الله تعالى ليعلم الناظر أن الاحكام لا تتعلق بالمسخرات، لان الشاهد يشهد على أن العسل والسكر إذا اجتمعا لا يحصل منهما الحنظل والعلقم، والحنظل والعلقم إذا اجتمعا لا يحصل منهما الدبس والسكر، هذا دليل على بطلان قولهم.
وأما قولي: الأكل ملحد ملهد أردت أن كل مشرك ظالم، لان في اللغة:
ألحد الرجل عن الدين: إذا عدل عن الدين، وألهد: إذا ظلم، فعلم أبو العلاء ذلك وأخبرني عن علمه بذلك فقرأ: (يا بني لا تشرك بالله) الآية.
وقال: إن المعري لما خرج من العراق سئل عن السيد المرتضى رضي الله عنه فقال:
يا سائلي عنه لما جئت أسأله * ألا هو الرجل العاري من العار لو جئته لرأيت الناس في رجل * والدهر في ساعة والأرض في دار بيان: الناعورة: الدولاب، واستعير هنا للفلك الدوار.
2 - أقول: قال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الفصول: اتفق للشيخ أبي عبد الله المفيد رحمة الله عليه اتفاق مع القاضي أبي بكر أحمد بن سيار في دار الشريف أبي عبد الله محمد بن محمد بن طاهر الموسوي رضي الله عنه، وكان بالحضرة جمع كثير يزيد عددهم على مائة إنسان، وفيهم أشراف من بني علي وبني العباس ومن وجوه الناس والتجار حضروا في قضاء حق الشريف رحمه الله، فجرى من جماعة من القوم خوض في ذكر النص على أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتكلم الشيخ أبو عبد الله أيده الله في ذلك بكلام يسير على ما اقتضته الحال، فقال له القاضي أبو بكر ابن سيار: خبرني ما النص في الحقيقة؟ وما معنى هذه اللفظة؟ فقال الشيخ أيده الله: النص هو الاظهار والإبانة، من ذلك قولهم:
فلان قدنص قلوصه: إذا أبانها بالسير، وأبرزها من جملة الإبل، ولذلك سمي المفرش العالي (منصة) لان الجالس عليه يبين بالظهور من الجماعة، فلما أظهره المفرش سمي منصة على ما ذكرناه، ومن ذلك أيضا قولهم: قدنص فلان مذهبه: إذا أظهره وأبانه، ومنه قول الشاعر:
وجيد كجيد الريم ليس بفاحش * إذا نصته ولا بمعطل يريد إذا هي أظهرته، وقد قيل: نصبته، والمعنى في هذا يرجع إلى الاظهار، فأما
هذه اللفظة فإنها قد جعلت مستعملة في الشريعة على المعنى الذي قدمت، ومتى أردت حد المعنى منها قلت: حقيقة النص هو القول المنبئ عن المقول فيه على سبيل الاظهار.
فقال القاضي: ما أحسن ما قلت! ولقد أصبت فيما أو ضحت وكشفت، فخبرني الآن إذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد نص على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد أظهر فرض طاعته، وإذا أظهره استحال أن يكون مخفيا، فما بالنا لا نعلمه إن كان الامر على ما ذكرت في حد النص وحقيقته؟ فقال الشيخ أيده الله: أما الاظهار من النبي (صلى الله عليه وآله) فقد وقع ولم يك خافيا في حال ظهوره، وكل من حضره فقد علمه ولم يرتب فيه ولا اشتبه عليه، وأما سؤالك عن علة فقدك العلم به الآن وفي هذا الزمان فإن كنت لا تعلمه على ما أخبرت به عن نفسك فذلك لدخول الشبهة عليك في طريقه، لعدولك عن وجهه النظر في الدليل المفضي بك إلى حقيقته، ولو تأملت الحجة فيه بعين الانصاف لعلمته، ولو كنت حاضرا في وقت إظهار النبي له (صلى الله عليه وآله) لما أخللت بعلمه، ولكن العلة في ذهابك عن اليقين فيه وما وصفناه.
فقال: وهل يجوز أن يظهر النبي (صلى الله عليه وآله) شيئا في زمانه فيخفى عمن ينشأ بعد وفاته حتى لا يعلمه إلا بنظر ثاقب واستدلال عليه؟ فقال الشيخ أيده الله تعالى: نعم يجوز ذلك، بل لابد منه لمن غاب عن المقام في علم ما كان منه إلى النظر والاستدلال وليس يجوز أن يقع له به علم الاضطرار لأنه من جملة الغائبات، غير أن الاستدلال في هذا الباب يختلف في الغموض والظهور والصعوبة والسهولة على حسب الأسباب المعترضات في طرقه، وربما عرى طريق ذلك من سبب فيعلم بيسير من الاستدلال على وجه يشبه الاضطرار، إلا أن طريق النص حصل فيه من الشبهات للأسباب التي اعترضته ما يتعذر معها العلم به إلا بعد نظر ثاقب وطول زمان في الاستدلال. فقال: فإذا كان الامر على ما وصفت فما أنكرت أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله ) قد نص
على نبي آخر معه في زمانه، أو نبي يقوم من بعده مقامه، وأظهر ذلك وشهره على حد ما أظهر به إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) فذهب عنا علم ذلك لكما ذهب عنا عم النص وأسبابه؟
فقال له الشيخ أيده الله: أنكرت ذلك من قبيل أن العالم حاصل لي ولكل مقر بالشرع ومنكر له بكذب من ادعى ذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولو كان ذلك حقا لما عم الجميع على بطلانه وكذب مدعيه ومضيفه إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، ولو تعرى بعض العقلاء من سامعي الاخبار عن علم ذلك لاحتجت في إفساده إلى تكلف دليل غير ما وصفت، لكن الذي ذكرت يغنيني عن اعتماد غيره فإن كان النص على الإمامة نظيره فيجب أن يعم العلم ببطلانه جميع سامعي الاخبار حتى لا يختلف في اعتقاد ذلك اثنان، وفي تنازع الأمة فيه واعتقاد جماعة صحته والعلم به واعتقاد جماعة بطلانه دليل على فرق ما بينه وبين ما عارضت به.
ثم قال له الشيخ أدام الله حراسته: ألا أنصف القاضي من نفسه والتزم ما ألزمه خصومه فيما شاركهم فيه من نفي ما تفردوا به؟ ففصل بينه وبين خصومه في قوله:
إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد نص على رجم الزاني وفعله، وموضع قطع السارق وفعله، وعلى صفة الطهارة والصلاة وحدود الصوم والحج والزكاة وفعل ذلك وبينه وكرره و شهره، ثم التنازع موجود في ذلك، وإنما يعلم الحق فيه وما عليه العمل من غيره بضرب من الاستدلال، بل في قوله: إن انشقاق القمر لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كان ظاهرا في حياته ومشهورا في عصره وزمانه، وقد أنكر ذلك جماعة من المعتزلة وغيرهم من أهل الملل والملحدة، وزعموا أن ذلك من توليد أصحاب السير ومؤلفي المغازي وناقلي الآثار، وليس يمكننا أن ندعي على من خالفنا فيما ذكرنا علم الاضطرار وإنما نعتمد على غلطهم في الاستدلال، فما يؤمنه أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد نص على نبي
من بعده وإن عرى من العلم على سبيل الاضطرار، وبم يدفع أن يكون قد حصلت شبهات حالت بينه وبين العلم بذلك كما حصل لخصومه فيما عددناه ووصفناه، وهذا ما لا فصل فيه.
فقال له: ليس يشبه النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) جميع ما ذكرت، لان فرض النص عندك فرض عام، وما وقع فيه الاختلاف فيما قدمت فروض خاصة، ولو كانت في العموم كهو لما وقع فيها الاختلاف.
فقال الشيخ أيده الله: فقد انتقض الآن جميع ما اعتمدته، وبان فساده، و احتجت في الاعتماد إلى غيره، وذلك أنك جعلت موجب العلم وسبب ارتفاع الخلاف ظهور الشئ في زمان ما واشتهاره بين الملا، ولم تضم إلى ذلك غيره ولا شرطت فيه موصوفا سواه، فلما نقضناه عليك ووضح عندك دماره عدلت إلى التعلق بعموم الفرض وخصوصه، ولم يك هذا جاريا فيما سلف، والزيادة في الاعتلال انقطاع، والانتقال من اعتماد إلى اعتماد أيضا انقطاع، على أنه ما الذي يؤمنك أن ينص على نبي يحفظ شرعه فيكون فرض العمل به خاصا في العبادة كما كان الفرض فيما عددناه خاصا، فهل فيها من فصل يعقل؟ فلم يأت بشئ تجب حكايته.
3 - قال: وروى الشيخ أنه قال بعض الشيعة لبعض الناصبة في محاورته له في فضل آل محمد عليهم السلام: أرأيت لو بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) أين ترى كان يحط رحله وثقله؟
قال: فقال له الناصب: كان يحطه في أهله وولده، قال: فقال له الشيعي: فإني قد حططت هو اي حيث يحط رسول الله (صلى الله عليه وآله) رحله وثقله.
4 - ومن كلام الشيخ أدام الله كفايته في إبطال إمامة أبي بكر من جهة الاجماع سأله المعروف بالكتبي فقال له: ما الدليل على فساد إمامة أبي بكر؟ فقال له: الدلالة على ذلك كثيرة، فأنا أذكر لك منها دليلا يقرب من فهمك، وهو أن الأمة مجتمعة
على أن الامام لا يحتاج إلى إمام، وقد أجمعت الأمة على أن أبا بكر قال على المنبر:
(وليتكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتبعوني، وإن اعوججت فقوموني) فاعترف بحاجته إلى رعيته وفقره إليهم في تدبيره، ولا خلاف بين ذوي العقول أن من احتاج إلى رعيته فهو إلى الامام أحوج، وإذا ثبت حاجة أبي بكر إلى الامام بطلت إمامته بالاجماع المنعقد على أن الامام لا يحتاج إلى الامام، فلم يدر الكتبي بم يعترض، و كان بالحضرة من المعتزلة رجل يعرف بعرزالة فقال: ما أنكرت على من قال لك:
إن الأمة أيضا مجتمعة على أن القاضي لا يحتاج إلى قاض، والأمير لا يحتاج إلى أمير، فيجب على هذا الأصل أن يوجب عصمة الامراء، أو يخرج من الاجماع.
فقال له الشيخ: إن سكوت الأول أحسن من كلامك هذا، وما كنت أظن أنه يذهب عليك الخطأ في هذا الفصل، أو تحمل نفسك عليه مع العلم بوهنه، وذلك أنه لا إجماع في ما ذكرت، بل الاجماع في ضده، لان الأمة متفقة على أن القاضي الذي هو دون الامام يحتاج إلى قاض هو الامام، وذلك يسقط ما تعلقت به، اللهم إلا أن تكون أشرت بالأمير والقاضي إلى نفس الامام، فهو كما وصفت غير محتاج إلى قاض يتقدمه أو أمير عليه، وإنما استغنى عن ذلك لعصمته وكماله، فأين موضوع إلزامك عافاك الله؟ فلم يأت بشئ.
5 - ومن كلام الشيخ أدام الله نعماه أيضا: سأله رجل من المعتزلة يعرف بأبي عمرو الشوطي فقال له: أليس قد اجتمعت الأمة على أن أبا بكر وعمر كان ظاهر هما الاسلام؟ فقال له الشيخ: نعم قد أجمعوا على أنهما كانا على ظاهر الاسلام زمانا، فأما أن يكونوا مجمعين على أنهما كانا في سائر أحوالهما على ظاهر الاسلام فليس
في هذا إجماع، لاتفاق أنهما كانا على الشرك، ولوجود طائفة كثيرة العدد تقول:
إنهما كانا بعد إظهارهما الاسلام على ظاهر كفر بجحد النص، وإنه قد كان يظهر منهما النفاق في حياة النبي (صلى الله عليه وآله).
فقال الشوطي: قد بطل ما أردت أن أورده على هذا السؤال بما أوردت، وكنت أظن أنك تطلق القول على ما سألتك. فقال له الشيخ: قد سمعت ما عندي، وقد علمت ما الذي أردت فلم أمكنك منه، ولكني أنا أضطرك إلى الوقوع فيما ظننت أنك توقع خصمك فيه، أليس الأمة مجتمعة على أنه من اعترف بالشك في دين الله عز وجل والريب في نبوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد اعترف بالكفر وأقربه؟ فقال: بلى، فقال له الشيخ: فإن الأمة مجتمعة لا خلاف بينها على أن عمر بن الخطاب قال: ما شككت منذ أسلمت إلا يوم قاضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أهل مكة، فإني جئت إليه فقلت له: يا رسول الله ألست بنبي؟ فقال: بلى، فقلت: ألسنا بالمؤمنين؟ قال: بلى، فقلت له: فعلام تعطي هذه الدنية من نفسك؟ فقال: إنها ليست بدنية، ولكنها خير لك، فقلت له: أفليس وعدتنا أنك تدخل مكة؟ قال: بلى، قلت: فما بالنا لا ندخلها؟ قال: وعدتك أن تدخلها العام؟ قلت: لا، قال: فستدخلها إن شاء الله تعالى: فاعترف بشكه في دين الله عز وجل ونبوة رسوله، وذكر مواضع شكوكه وبين عن جهاتها، وإذا كان الامر على ما وصفناه فقد حصل الاجماع على كفره بعد إظهار الايمان واعترافه بموجب ذلك على نفسه، ثم ادعى خصوم من الناصبة أنه تيقن بعد الشك ورجع إلى الايمان بعد الكفر، فأطرحنا قولهم لعدم البرهان منهم، واعتمدنا على الاجماع فيما ذكرناه، فلم يأت بشئ أكثر من أن قال:
ما كنت أظن أن أحدا يدعي الاجماع على كفر عمر بن الخطاب حتى الآن، فقال الشيخ:
فالآن قد علمت ذلك وتحققته، ولعمري أن هذا مما لم يسبقني إلى استخراجه أحد، فإن كان عندك شئ فأورده، فلم يأت بشئ.
6 - ومن كلام الشيخ أدام الله علوه أيضا: حضر في دار الشريف أبي عبد الله محمد بن محمد بن طاهر رحمه الله وحضر رجل من المتفقهة يعرف بالورثاني وهو من فهمائهم، فقال له الورثاني أليس من مذهبك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان معصوما من الخطاء، مبرءا من الزلل، مأمونا عليه السهور والغلط، كاملا بنفسه، غنيا عن رعيته؟ فقال له الشيخ: بلى كذلك كان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: فما تصنع في قول الله عز وجل: (وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله) أليس قد أمره الله تعالى بالاستعانة بهم في الرأي، و أفقره إليهم؟ فكيف يصح لك ما ادعيت مع ظاهر القرآن وما فعله النبي (صلى الله عليه وآله)؟ فقال الشيخ: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يشاور أصحابه لفقر منه إلى رأيهم، ولا حاجة دعته إلى مشورتهم من حيث ظننت وتوهمت بل لأمر آخر إنا نذكره لك بعد الايضاح عما خبرتك به، وذلك أنا قد علمنا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان معصوما من الكبائر، وإن خالفت أنت في عصمته من الصغائر، وكان أكمل الخلق باتفاق أهل الملة وأحسنهم رأيا، وأوفرهم عقلا، وأحكمهم تدبيرا، وكانت المواد بينه وبين الله تعالى متصلة، و الملائكة تتواتر عليه بالتوقيف عن الله سبحانه والتهذيب، والانباء له عن المصالح، وإذا كان بهذه الصفات لم يصح أن يدعوه داع إلى اقتباس الرأي من رعيته، لأنه ليس أحد منهم إلا وهو دونه في سائر ما عددناه، وإنما يستشير الحكيم غيره على طريق الاستفادة والاستعانة برأيه إذا تيقن أنه أحسن رأيا منه، وأجود تدبيرا، وأكمل عقلا، أو ظن ذلك، فأما إذا أحاط علما بأنه دونه فيما وصفناه لم يكن لاستعانته في تدبيره برأيه معنى، لان الكامل لا يفتقر إلى الناقص فيما يحتاج فيه إلى الكمال، كما
لا يفتقر العالم إلى الجاهل فيما يحتاج فيه إلى العلم، والآية ينبه متضمنها على ذلك، ألا ترى إلى قوله عز وجل: (وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله) فعلق وقوع الفعل بعزمه دون رأيهم ومشورتهم؟ ولو كان إنما أمره بمشورتهم للاستضاءة برأيهم 1 لقال له: فإذا أشاروا عليك فاعمل، وإذا اجتمع رأيهم على أمر فأمضه، فكان تعلق فعله بالمشورة دون العزم الذي يختص به، فلما جاء الذكر بما تلوناه سقط ما توهمته. وأما وجه دعائه لهم إلى المشورة عليه صلوات الله عليه فإن الله عز وجل أمره بتألفهم بمشورتهم وتعلمهم ما يصنعونه عند عزماتهم ليتأدبوا بأدب الله عز وجل فاستشار هم لذلك لا لحاجة إلى رأيهم، على أن ههنا وجها آخر بينا: وهو أن الله سبحانه أعلمه أن في أمته من يبتغي له الغوائل ويتربص به الدوائر، 2 ويسر خلافه، ويبطن مقته، ويسعى في هدم أمره، وينافقه في دينه، ولم يعرفه أعيانهم ولا دله عليهم بأسمائهم فقال جل جلاله: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن تعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم). 3 وقال جل اسمه: ﴿وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يرتكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون﴾ 4 وقال تبارك اسمه: ﴿يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ 5 وقال تعالى: ﴿ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون﴾ 6 وقال عز وجل: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ 7 وقال جل جلاله: ﴿ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون﴾
وقال تبارك وتعالى: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾ 1.
وقال سبحانه بعد أن نبأه عنهم في الجملة: (لو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول). 2 فدل عليهم بمقالهم، وجعل الطريق له إلى معرفتهم ما يظهر من نفاقهم في لحن قولهم، ثم أمره بمشورتهم ليصل ما يظهر منهم إلى علم باطنهم، فإن الناصح يبدو نصيحته في مشورته، والغاش المنافق يظهر ذلك في مقاله، فاستشارهم (صلى الله عليه وآله) لذلك، ولان الله جل جلاله جعل مشورتهم الطريق إلى معرفتهم، ألا ترى أنهم لما أشاروا ببدر عليه (صلى الله عليه وآله) في الاسرى فصدرت مشورتهم عن نيات مشوبة في نصيحته كشف الله ذلك له، وذمهم عليه، وأبان عن إدغالهم فيه، فقال جل اسمه: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ فوجه التوبيخ إليهم، والتعنيف على رأيهم، وأبان لرسوله (صلى الله عليه وآله) عن حالهم، فيعلم أن المشورة لهم لم يكن للفقر إلى رأيهم، ولكن كانت لما ذكرناه.
فقال شيخ من القوم يعرف بالجراحي وكان حاضرا: يا سبحان الله أترى أن أبا بكر وعمر كانا من أهل نفاق؟ كلاما نظنك أيدك الله تطلق هذا، وما رأينا (صلى الله عليه وآله) استشار ببدر غيرهما، فإن كانا هما من المنافقين فهذا مالا نصبر عليه ولا نقوى على استماعه، وإن لم يكونا من جملة أهل النفاق فاعتمد على الوجه الأول، وهو أن النبي (صلى الله عليه وآله) أراد أن يتألفهم بالمشورة، ويعلمهم كيف يصنعون في أمورهم.
فقال له الشيخ أدام الله نعماءه: ليس هذا من الحجاج أيها الشيخ في شئ، و إنما هو في استكبار واستعظام معدول به عن الحجة والبرهان، ولم نذكر إنسانا بعينه وإنما أتينا بمجمل من القول ففصله الشيخ وكان غنيا عن تفصيله.
وصاح الورثاني وأعلى صوته بالصياح يقول: الصحابة أجل قدرا من أن يكونوا من أهل النفاق ولا سيما الصديق والفاروق! وأخذ في كلام نحو هذا من كلام السوقة والعامة وأهل الشغب 1 والفتن.
فقال له الشيخ أيده الله: دع عنك الضجيج وتخلص مما أوردته عليك من البرهان واحتل لنفسك وللقوم، فقد بان الحق وزهق الباطل بأهون سعي، والحمد لله رب العالمين. 2
٧ - ومن كلام الشيخ أدام الله تأييده أيضا: سأله بعض أصحابه فقال له: إن المعتزلة والحشوية يدعون أن جلوس أبي بكر وعمر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله ) في العريش كان أفضل من جهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسيف، لأنهما كانا مع النبي (صلى الله عليه وآله) في مستقره يدبران الامر معه (صلى الله عليه وآله)، ولولا أنهما أفضل الخلق عنده ما اختصهما بالجلوس معه، 3 فبأي شئ تدفع هذا؟.
فقال له الشيخ: سبيل هذا القول أن يعكس وهذه القضية أن تقلب، وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) لو علم أنهما لو كانا من جملة المجاهدين بأنفسهما يبارزان الاقران ويقتلان الابطال ويحصل لهما جهاد يستحقان به الثواب لما حال بينهما وبين هذه المنزلة التي هي أجل وأشرف وأعلى وأسنى من القعود على كل حال بنص الكتاب، حيث يقول الله سبحانه. ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير اولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما﴾ فلما رأينا الرسول (صلى الله عليه وآله) قد منعهما هذه الفضيلة وأجلسهما معه علمنا أن ذلك لعلمه بأنهما لو تعرضا للقتال أو عرضا له لأفسدا، إما بأن ينهزما، أو يوليا الدبر كما صنعا يوم أحد وخيبر وحنين، وكان يكون في ذلك عظيم الضرر على المسلمين، ولا يؤمن وقوع الوهن
فيهم بهزيمة شيخين من جملتهم، أو كانا من فرط ما يلحقهما من الخوف والجزع يصيران إلى أهل الشرك مستأمنين، أو غير ذلك من الفساد الذي يعلمه الله تعالى، ولعله لطف للأمة بأن أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحبسهما عن القتال، فأما ما توهموه من أنه حبسهما للاستعانة برأيهما فقد ثبت أنه كان كاملا وكانا ناقصين عن كماله، وكان (صلى الله عليه وآله) معصوما وكانا غير معصومين، وكان مؤيدا بالملائكة وكانا غير مؤيدين، وكان يوحى إليه و ينزل القرآن عليه ولم يكونا كذلك، فأي فقر يحصل له مع ما وصفناه إليهما لولا عمى القلوب وضعف الرأي وقلة الدين؟! والذي يكشف لك عن صحة ما ذكرته آنفا في وجه إجلاسهما معه في العريش قول الله سبحانه: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التورية والإنجيل والفرقان 2) فلا يخلو الرجلان من أن يكونا مؤمنين أو غير مؤمنين، فقد اشترى الله 3 عز وجل أنفسهما منهما بالجنة على شرط القتال المؤدي إلى القتل منهما لغيرهما أو قتل غيرهما لهما، ولو كان ذلك كذلك 4 لما حال النبي بينهما وبين الوفاء بشرط الله عليهما من القتل، وفي منعهما من ذلك دليل على أنهما بغير الصفة التي يعتقدها فيهما الجاهلون، فقد وضح بما بيناه أن العريش وبال عليهما، ودليل على نقصهما، وأنه بالضد مما توهموه، والمنة لله تعالى. 5
٨ - وقال الشيخ أدام الله عزه: قال أبو الحسن الخياط جاءني رجل من أصحاب الإمامة عن رئيس لهم زعم أنه أمره أن يسألني عن قول النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي بكر:
﴿لا تحزن﴾ أطاعة خوف أبي بكر أم معصية؟ قال: فإن كان طاعة فقد نهاه عن الطاعة، وإن كان معصية فقد عصى أبو بكر.
قال فقلت له: دع الجواب اليوم ولكن ارجع إليه واسأله عن قول الله تعالى
لموسى (عليه السلام): ﴿لا تخف﴾ أيخلو خوف موسى (عليه السلام) من أن يكون طاعة أم معصية؟
فإن يك طاعة فقد نهاه عن الطاعة، وإن يك معصية فقد عصى موسى (عليه السلام)، قال:
فمضى ثم عاد إلي فقلت له: رجعت إليه؟ قال: نعم، فقلت له: ما قال؟ قال: قال لي:
لا تجلس إليه.
قال الشيخ أدام الله عزه: ولست أدري صحة هذه الحكاية، ولا أبعد أن يكون من تخرص الخياط، ولو كان صادقا في قوله: إن رئيسا من الشيعة أنفذ مسألة عن هذا السؤال لما قصر الرئيس عن إسقاط ما أورده من الاعتراض، ويقوى في النفس أن الخياط أراد التقبيح على أهل الإمامة في تخرص هذه الحكاية، غير أني أقول له ولأصحابه: الفصل بين الامرين واضح ، وذلك أني لو خليت وظاهر قوله تعالى لموسى عليه السلام: (لا تخف) وقوله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله): (لا يحزنك قولهم) وما أشبه هذا مما توجه إلى الأنبياء عليهم السلام لقطعت على أنه نهي لهم عن قبيح يستحقون عليه الذم، لان في ظاهره حقيقة النهي من قوله: (لا تفعل) كما أن في ظاهر خلافه ومقابله في الكلام حقيقة الامر إذا قال له: (افعل) لكنني عدلت عن الظاهر لدلالة عقلية أوجبت علي العدول، كما يوجب الدلالة على المرور مع الظاهر عند عدم الدليل الصارف عنه، وهي ما ثبت من عصمة الأنبياء عليهم السلام التي ينبئ عن اجتنابهم الآثام، وإذا كان الاتفاق حاصلا على أن أبا بكر لم يكن معصوما كعصمة الأنبياء عليهم السلام وجب أن يجري كلام الله تعالى فيما ضمنه من قصته على ظاهر النهي وحقيقته وقبح الحال التي كان عليها فتوجه النهي إليه عن استدامتها، إذ لا صارف يصرف عن ذلك من عصمته، ولا خبر عن الله سبحانه فيه، ولا عن رسوله (صلى الله عليه وآله)، فقد بطل ما أورده الخياط وهو في الحقيقة رئيس المعتزلة، وبان وهي اعتماده، ويكشف عن صحة ما ذكرناه ما تقدم به
مشائخنا رحمهم الله وهو أن الله سبحانه لم ينزل السكينة قط على نبيه (صلى الله عليه وآله) في موطن كان معه فيه أحد من أهل الايمان إلا عمهم بنزول السكينة وشملهم بها، بذلك جاء القرآن قال الله سبحانه: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثر تكم فلن تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ولما لم يكن مع النبي (صلى الله عليه وآله) في الغار إلا أبو بكر أفرد الله سبحانه نبيه بالسكينة دونه، وخصه بها ولم يشركه معه، فقال عز اسمه: (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) فلو كان الرجل مؤمنا لجرى مجرى المؤمنين في عموم السكينة لهم، ولولا أنه أحدث بحزنه في الغار منكرا لأجله توجه النهي إليه عن استدامته لما حرمه الله تعالى من السكينة ما تفضل به على غيره من المؤمنين الذين كانوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المواطن الاخر على ما جاء في القرآن ونطق به محكم الذكر بالبيان، وهذا بين لمن تأمله.
قال الشيخ أيده الله: وقد حير هذا الكلام جماعة من الناصبة وضيق صدورهم فتشعبوا واختلفوا في الحيلة في التخلص منه، فما اعتمد منهم أحد إلا على ما يدل على ضعف عقله وسخف رأيه وضلاله عن الطريق، فقال قوم منهم: إن السكينة إنما نزلت على أبي بكر واعتلوا في ذلك بأنه كان خائفا رعبا، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) كان آمنا مطمئنا، قالوا: والآمن غني عن السكينة، وإنما يحتاج إليها الخائف الوجل.
قال الشيخ أيده الله: فيقال لهم: قد جنيتم بجهلكم على أنفسكم بطعنكم في كتاب الله بهذا الضعيف الواهي من استدلالكم، وذلك أنه لو كان ما اعتللتم به
صحيحا لوجب أن لا تكون السكينة نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم بدر ولا في يوم حنين، لأنه لم يك عليه السلام في هذين الموضعين خائفا ولا جزعا، بل كان آمنا مطمئنا متيقنا بكون الفتح له، وأن الله تعالى يظهره على الدين كله ولو كره المشركون، و فيما نطق به القرآن من تنزيل السكينة عليه ما يدمر على هذا الاعتلال.
فإن قلتم: إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان في هذين المقامين خائفا وإن لم يبد خوفه فلذلك نزلت السكينة عليه فيهما وحملتم أنفسكم على هذه الدعوى قلنا لكم: وهذه كانت قصته (صلى الله عليه وآله) في الغار فلم تدفعون ذلك؟ فإن قلتم: إنه (صلى الله عليه وآله) قد كان محتاجا إلى السكينة في كل حال لينتفي عنه الخوف والجزع ولا يتعلقان به في شئ من الأحوال نقضتم ما سلف لكم من الاعتلال، وشهدتم ببطلان مقالكم الذي قدمناه، على أن نص التلاوة يدل على خلاف ما ذكر تموه و ذلك أن الله سبحانه قال: (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) فأنبأ الله عز وجل خلقه أن الذي نزلت عليه السكينة هو المؤيد بالملائكة، وإذا كانت الهاء التي في التأييد تدل على ما دلت عليه الهاء التي في نزول السكينة وكانت هاء الكناية من مبتدأ قوله: (إلا تنصروه فقد نصره الله) إلى قوله: (وأيده بجنود لم تروها) عن مكني واحد، ولم يجز أن تكون عن اثنين غيرين، كما لا يجوز أن يقول القائل:
لقيت زيدا فأكرمته وكلمته، فيكون الكلام لزيد بهاء الكناية، ويكون الكرامة لعمرو أو خالد أو بكر، وإذا كان المؤيد بالملائكة رسول الله (صلى الله عليه وآله) باتفاق الأمة فقد ثبت أن الذي نزلت عليه السكينة هو خاصة دون صاحبه وهذا مالا شبهة فيه.
وقال قوم منهم: إن السكينة وإن اختص بها النبي (صلى الله عليه وآله) فليس يدل ذلك على نقص الرجل، لان السكينة إنما يحتاج إليها الرئيس المتبوع دون التابع، فيقال لهم:
هذا رد على الله سبحانه، لأنه قد أنزلها على الاتباع المرؤوسين ببدر وحنين وغيرهما من المقامات، فيجب على ما أصلتموه أن يكون الله سبحانه فعل بهم ما لم يكن بهم الحاجة إليه، ولو فعل ذلك لكان عابثا، تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا.
قال الشيخ أدام الله عزه: وههنا شبهة يمكن إيرادها هي أقوى مما تقدم، غير أن القوم لم يهتدوا إليها، ولا أظن أنها خطرت ببال أحد منهم، وهو أن يقول قائل:
قد وجدنا الله سبحانه ذكر شيئين ثم عبر عن أحدهما بالكناية، فكانت الكناية عنهما معادون أن يختص بأحدهما، وهو مثل قوله سبحانه: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) فأورد لفظة الكناية عن الفضة خاصة، وإنما أرادهما جميعا معا، وقد قال الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والامر مختلف وإنما أراد: نحن بما عندنا راضون، وأنت راض بما عندك، فذكر أحد الامرين فاستغنى عن الآخر، كذلك يقول سبحانه: (فأنزل الله سكينته عليه) ويريدهما جميعا دون أحدهما.
والجواب عن هذا وبالله التوفيق: أن الاختصار بالكناية على أحد المذكورين دون عموم الجميع مجاز واستعارة واستعمله أهل اللسان في مواضع مخصوصة، وجاء به القرآن في أماكن محصورة، وقد ثبت أن الاستعارة ليست بأصل يجري في الكلام ولا يصح عليها القياس، وليس يجوز لنا أن نعدل عن ظواهر القرآن وحقيقة الكلام إلا بدليل يلجئ إلى ذلك، ولا دليل في قوله تعالى: (فأنزل الله سكينته عليه) فنتعدى من أجله المكني عنه إلى غيره.
وشئ آخر: وهو أن العرب إنما تستعمل ذلك إذا كان المعنى فيه معروفا، والالتباس عنه مرتفعا، فتكتفي بلفظ الواحد عن الاثنين للاختصار، ولامانها من وقوع
الشبهة فيه والارتياب، 1 فأما إذا لم يكن الشئ معروفا وكان الالتباس عند أفراده متوهما لم يستعمل ذلك، ومن استعمله كان عندهم ملغزا معميا، ألا ترى أن الله سبحانه لما قال: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها) علم كل سامع للخطاب أنه أرادهما معا، مع ما قدمه من كراهة كنزهما المانع من إنفاقهما، فلما عم الشيئين بذكر ينتظمهما في ظاهر المقال 2 بما يدل على معنى ما أخره من ذكر الانفاق اكتفى بذكر أحدهما للاختصار، وكذلك قوله تعالى: (وإذا رأو تجارة أو لهوا انفضوا إليها) وإنما اكتفى بالكناية عن أحدهما في ذكرهما معا لما قدمه في ذكرهما من دليل ما تضمنه الدلالة 3 فقال تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) فأوقع الرؤية على الشيئين جميعا، وجعلهما سببا للاشتغال بما وقعت عليه منهما عن ذكر الله سبحانه والصلاة، وليس يجوز أن يقع الالتباس في أنه أراد أحدهما مع ما قدم من الذكر، إذ لو أراد ذلك لخلا الكلام من الفائدة المعقولة، وكان العلم بذلك يجزي في الإشارة إليه، كذلك قوله سبحانه: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ لما تقدم ذكر الله تعالى على التفصيل وذكره رسوله (صلى الله عليه وآله) على البيان دل على أن الحق في الرضا لهما جميعا، وإلا لم يكن ذكرهما جميعا معا يفيد شيئا على الحد الذي قدمناه، وكذلك قول الشاعر: (وأنت بما عندك راض والامر مختلف) لو لم يقدم قبله (نحن بما عندنا) لم يجز الاقتصار على الثاني، لأنه لو حمل الأول على إسقاط المضمر من قوله: (راضون) لخلا من الفائدة، فلما كان سائر ما ذكرناه معلوما عند من عقل الخطاب جاز الاقتصار فيه على أحد المذكورين للايجاز والاختصار، وليس كذلك قوله تعالى: (فأنزل الله سكينته عليه) لان الكلام يتم فيها وينتظم في وقوع الكناية عن النبي (صلى الله عليه وآله) خاصة دون الكائن معه في الغار، ولا يفتقر إلى رد الهاء عليهما معا مع كونهما في الحقيقة كناية عن واحد في الذكر وظاهر اللسان، ولو أرادهما للجميع لحصل
الالتباس والتعمية والالغاز، لأنه كما يكون اللبس واقعا عند دليل الكلام على انتظامهما للجميع متى أريد بها الواحد مع عدم الفائدة لو لم يرجع على الجميع كذلك يكون التلبيس حاصلا إذا أريد بها الجميع عند عدم الدليل الموجب لذلك، وكمال الفائدة مع الاقتصار على الواحد في المراد، ألا ترى أن قائلا لو قال: (لقيت زيدا ومعه عمرو فخاطبت زيدا وناظرته) وأراد بذلك مناظرة الجميع لكان ملغزا معميا، لأنه لم يكن في كلامه ما يفتقر إلى عموم الكناية عنهما، ولو جعل هذا نظير الآيات التي تقدمت لكان جاهلا بفرق ما بينها وبينه مما شرحناه، فتعلم أنه لا نسبة بين الامرين.
وشئ آخر: وهو أنه سبحانه كنى بالهاء التالية للهاء التي في السكينة عن النبي (صلى الله عليه وآله) خاصة، فلم يجز أن يكون أراد بالأولة غير النبي (صلى الله عليه وآله)، لأنه لا يعقل في لسان القوم كناية عن مذكورين بلفظ واحد، وكناية ترد فيها على النسق عن واحد من الاثنين، وليس لذلك نظير في القرآن ولا في الاشعار ولا في شئ من الكلام فلما كانت الهاء في قوله تعالى: (وأيده بجنود لم تروها) كناية عن النبي (صلى الله عليه وآله) بالاتفاق ثبت أن التي قبلها من قوله: (فأنزل الله سكينته عليه) كناية عنه (صلى الله عليه وآله) خاصة، وبان مفارقة ذلك لجميع ما تقدم ذكره من الآي والشعر الذي استشهد.
والله الموفق للصواب.
9 - ومن كلام الشيخ أدام الله عزه: قال له رجل من أصحاب الحديث ممن يذهب إلى مذاهب الكرابيسي: ما رأيت أجسر من الشيعة فيما يدعونه من المحال، وذلك أنهم زعموا أن قول الله عز وجل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
ويطهر كم تطهيرا) نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، مع ما في ظاهر الآية أنها نزلت في أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)، وذلك أنك إذا تأملت الآية من أولها إلى آخرها وجدتها منتظمة لذكر الأزواج خاصة، ولن تجد لمن ادعوها له ذكرا.
قال الشيخ أدام الله عزه: أجسر الناس على ارتكاب الباطل وأبهتهم وأشدهم إنكارا للحق وأجهلهم من قام مقامك في هذا الاحتجاج، ودفع ما عليه الاجماع و الاتفاق، وذلك أنه لا خلاف بين الأمة أن الآية من القرآن قد تأتي وأولها في شئ وآخرها في غيره، ووسطها في معنى وأولها في سواه، وليس طريق الاتفاق في المعنى إحاطة وصف الكلام في الآتي، فقد نقل الموافق والمخالف أن هذه الآية نزلت في بيت أم سلمة رضي الله عنها، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) في البيت، ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وقد جللهم بعباء خيبرية وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأنزل الله عز وجل عليه: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) فتلاها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالت أم سلمة رضي الله عنها: يا رسول الله ألست من أهل بيتك؟ فقال لها: إنك إلى خير، ولم يقل لها: إنك من أهل بيتي، حتى روى أصحاب الحديث أن عمر سئل عن هذه الآية قال: سلوا عنها عائشة، فقلت عائشة:
إنها نزلت في بيت أختي أم سلمة فسلوها عنها فإنها أعلم به مني، فلم يختلف أصحاب الحديث من الناصبة وأصحاب الحديث من الشيعة في خصوصها فيمن عددناه، وحمل القرآن في التأويل على ما جاء به الأثر أولى من حمله على الظن والترجيم، مع أن الله سبحانه قد دل على صحة ذلك بمتضمن هذه الآية حيث يقول: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وإذهاب الرجس لا يكون إلا بالعصمة من الذنوب، لان الذنوب من أرجس الرجس، والخبر عن الإرادة ههنا إنما هو خبر عن وقوع الفعل خاصة، دون الإرادة التي يكون بها لفظ الامر أمرا، لا سيما على ما أذهب
إليه في وصف القديم بالإرادة، وافرق بين الخبر عن الإرادة ههنا والخبر عن الإرادة في قوله سبحانه: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ 1 وقوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ 2 إذ لو جرت مجرى واحدا لم يكن لتخصيص أهل البيت بها معنى، إذ الإرادة التي يقتضي الخبر والبيان يعم الخلق كلهم على وجهها في التفسير ومعناها، فلما خص الله تبارك وتعالى أهل البيت (عليهم السلام) بإرادة إذهاب الرجس عنهم دل على ما وصفناه من وقوع إذهابه عنهم، وذلك موجب للعصمة على ما ذكرناه، وفي الاتفاق على ارتفاع العصمة عن الأزواج دليل على بطلان مقال من زعم أنها فيهن، مع أن من عرف شيئا من اللسان وأصله لم يرتكب هذا القول ولا توهم صحته، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العربية أن جمع المذكر بالميم، وجمع المؤنث بالنون، وأن الفصل بينهما بهاتين العلامتين، ولا يجوز في لغة القوم وضع علامة المؤنث على المذكر، ولا وضع علامة المذكر على المؤنث، ولا استعملوا ذلك في الحقيقة ولا المجاز، ولما وجدنا الله سبحانه قد بدأ في هذه الآية بخطاب النساء وأورد علامة جمعهن من النون في خطابهن فقال: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) إلى قوله: ﴿وأطعن الله ورسوله﴾ ثم عدل بالكلام عنهن بعد هذا الفصل إلى جمع المذكر فقال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) فلما جاء بالميم وأسقط النون علمنا أنه لم يتوجه هذا القول إلى المذكور الأول بما بيناه من أصل العربية وحقيقتها، ثم رجع بعد ذلك إلى الأزواج فقال:
(واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا) فدل بذلك على إفراد من ذكرناه من آل محمد (عليهم السلام) بما علقه عليهم من حكم الطهارة الموجبة للعصمة وجليل الفضيلة، وليس يمكنكم معشر المخالفين أن تدعوا أنه كان في الأزواج مذكورا رجل غير النساء، أو ذكر ليس برجل، فيصح التعلق منكم بتغليب المذكر على المؤنث إذ كان في الجمع ذكر، وإذا لم يمكن ادعاء ذلك وبطل أن يتوجه إلى
الأزواج فلا غير لهن توجهت إليه إلا من ذكرناه ممن جاء فيه الأثر على ما بيناه.
10 - ومن كلام الشيخ أدام الله عزه أيضا في الدلالة على أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وتسليمه لم يبايع أبا بكر: قال الشيخ قد اجتمعت الأمة على أن أمير المؤمنين (عليه السلام) تأخر عن بيعة أبي بكر، فالمقلل يقول: كان تأخره ثلاثة أيام، ومنهم من يقول: تأخر حتى ماتت فاطمة (عليها السلام) ثم بايع بعد موتها، ومنهم من يقول: تأخر أربعين يوما، ومنهم من يقول: تأخر ستة أشهر، والمحققون من أهل الإمامة يقولون: لم يبايع ساعة قط، فقد حصل الاجماع على تأخره عن البيعة، ثم اختلفوا في بيعته بعد ذلك على ما قدمنا به الشرح، فما يدل على أنه لم يبايع البتة أنه ليس يخلو تأخره من أن يكون هدى وتركه ضلالا، أو يكون ضلالا وتركه هدى وصوابا، أو يكون صوابا وتركه صوابا، أو يكون خطأ وتركه خطأ، فلو كان التأخر ضلالا وباطلا لكان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد ضل بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بترك الهدى الذي كان يجب عليه المصير إليه، وقد أجمعت الأمة على أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يقع منه ضلال بعد النبي (صلى الله عليه وآله) في طول زمان أبي بكر وأيام عمر وعثمان وصدرا من أيامه حتى خالفت الخوارج عند التحكيم وفارقت الأمة، فبطل أن يكون تأخره عن بيعة أبي بكر ضلالا، وإن كان تأخره هدى وصوابا وتركه خطأ وضلالا فليس يجوز أن يعدل عن الصواب إلى الخطاء، ولا عن الهدى إلى الضلال، ولا سيما والاجماع واقع على أنه لم يظهر منه ضلال في أيام الذي تقدموا، ومحال أن يكون التأخر خطأ وتركه خطأ للاجماع على بطلان ذلك أيضا، ولما يوجبه القياس من فساد هذا المقال، وليس يصح أن يكون صوابا وتركه صوابا لان الحق لا يكون في جهتين ولا على وصفين متضادين، ولان القوم المخالفين لنا في هذه المسألة مجمعون على أنه لم يكن إشكال في جواز الاختيار و
صحة إمامة أبي بكر، وإنما الناس بين قائلين: قائل من الشيعة يقول: إن إمامة أبي بكر كانت فاسدة فلا يصح القول بها أبدا، وقائل من الناصبة يقول: إنها كانت صحيحة، ولم يكن على أحد ريب في صوابها، إذ جهة استحقاق الإمامة هو ظاهر العدالة والنسب والعلم والقدرة على القيام بالأمور، ولم يكن هذه الأمور ملتبسة على أحد في أبي بكر عندهم، وعلى ما يذهبون إليه فلا يصح مع ذلك أن يكون المتأخر عن بيعته مصيبا أبدا، لأنه لا يكون متأخر لفقد الدليل، بل لا يكون متأخرا لشبهة، وإنما يتأخر إذا ثبت أنه تأخر للعناد، فثبت بما بيناه أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يبايع أبا بكر على شئ من الوجوه كما ذكرناه وقد مناه. وقد كانت الناصبة غافلة عن هذا الاستخراج، مع موافقتها على أن أمير المؤمنين (عليه السلام) تأخر عن البيعة وقتاما، ولو فطنت له لسبقت بالخلاف فيه عن الاجماع، وما أبعد أنهم سيرتكبون ذلك إذا وقفوا على هذا الكلام، غير أن الاجماع السابق لمرتكب ذلك يحجه ويسقط قوله، فيهون قصته ولا يحتاج معه إلى الاكثار.
11 - قال: وأخبرني الشيخ أيده الله قال: أبو القاسم الكعبي: سمعت أبا الحسين الخياط يحتج في إبطال قول المرجئة في الشفاعة بقول تعالى: (أفمن حق
عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار) قال: والشفاعة لا تكون إلا لمن استحق العقاب. فيقال له ما كان أغفل أبا الحسين وأعظم رقدته! أترى أن المرجئة إذا قالت: إن النبي (صلى الله عليه وآله) يشفع فيشفع فيمن يستحق العقاب قالوا: إنه هو الذي ينقذ من في النار، أم يقولون: إن الله سبحانه هو الذي أنقذه بفضله ورحمته، وجعل ذلك إكراما لنبيه (صلى الله عليه وآله)، فأين وجه الحجة فيما تلاه؟ أو ما علم أن من مذهب خصومه القول بالوقف في الاخبار، وأنهم لا يقطعون بالظاهر على العموم والاستيعاب، فلو كان القول يتضمن نفي خروج أحد من النار لما كان ذلك ظاهرا ولا مقطوعا به عند القوم، فكيف ونفس الكلام يدل على الخصوص دون العموم بقوله تعالى: (أفمن حق عليه كلمة العذاب) وإنما يعلم من المراد بذلك بدليل دون نفسه، وقد حصل الاجماع على أنه توجه إلى الكفار، وليس أحد من أهل القبلة يدين بجواز الشفاعة للكفار، فيكون ما تعلق به الخياط حجة عليه، ثم قال أبو القاسم: وكان أبو الحسين يعني الخياط يتلو في ذلك أيضا قوله عز وجل: (تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين * وما أضلنا إلا المجرمون * فمالنا من شافعين * ولا صديق حميم). قال الشيخ أدام الله عزه: فيقال له: ما رأيت أعجب منكم يا معشر المعتزلة، تتكلمون في ما قد شارككم الناس فيه من العدل والتوحيد أحسن كلام، حتى إذا صرتم إلى الكلام في الإمامة والارجاء صرتم فيهما عامة حشوية، تخبطون خبط عشواء، لا تدرون ما تأتون وما تذرون، ولكن لا أعجب من ذلك وأنتم إنما جودتم فيما عاونكم عليه غيركم واستفدتموه من سواكم، وقصرتم فيما تفردتم به لا سيما في نصرة الباطل الذي لا يقدر على نصرته في الحقيقة قادر، ولكن العجب منكم في ادعائكم الفضيلة والبينونة بها من سائر الناس، ولو والله حكى عنكم هذا الاستدلال مخالف لكم لارتبنا بحكايته، ولكن لا ريب وشيوخكم يحكونه عن مشائخهم، ثم لا يقنعون حتى
يوردوه على سبيل التبحج به والاستحسان له، وأنت أيها الرجل من غلوك فيه جعلته أحد الغرر، وأنت وإن كنت أعجمي الأصل والمنشأ فأنت عربي اللسان صحيح الحس، وظاهر الآية في الكفار خاصة، لا يخفى ذلك على الأنباط فظلا عن غيرهم، حيث يقول الله عز وجل حاكيا عن الفرقة بعينها وهي تعني معبوداتها من دون الله تعالى وتخاطبها فيقول: (إذ نسويكم برب العالمين) فيعترفون بالشرك بالله عز وجل، ثم يقولون: (وما أضلنا إلا المجرمون) وقبل ذلك يقسمون فيقولون: (تالله إن كنا لفي ضلال مبين) فهل يا أبا القاسم أصلحك الله تعرف أحدا من خصومك في الارجاء والشفاعة يذهب إلى جواز الشفاعة لعباد الأصنام المشركين بالله عز وجل، والكفار برسله عليهم السلام، حتى استحسنت استدلال شيخك بهذه الآية على المشبهة زعمت و المجبرة ومن ذهب مذهبهم من العامة؟! فإن ادعيت علم ذلك تجاهلت، وإن زعمت أنه إذا بطلت الشفاعة للكفار فقد بطلت في الفساق أتيت بقياس طريف من القياس الذي حكي عن أبي حنيفة أنه قال: (البول في المسجد أحيانا أحسن من بعض القياس) وكيف تزعم ذلك وأنت إنما حكيت مجرد القول في الآية، ولم تذكر وجه الاستدلال منها، وإن ما توهمت تأن الحجة في ظاهرها غفلة عظيمة حصلت منك على أنه إنما يصح القياس على العلل والمعاني دون الصور والألفاظ، والكفار إنما بطل قول من ادعى الشفاعة لهم أن لو ادعاها مدع بصريح القرآن لاغير، فيجب أن لا تبطل الشفاعة لفساق الملة إلا بنص القرآن أيضا، أو قول من الرسول (صلى الله عليه وآله) يجري مجرى القرآن في الحجة، وإذا عدم ذلك بطل القياس فيه، مع أنا قد بينا أنك لم تقصد القياس و إنما تعلقت بظاهر القرآن، وكشفنا عن غفلتك في التعلق به، فليتأمل ذلك أصحابك وليستحيوا لك منه، على أنه قد روي عن الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) أنه قال: في هذه الآية دليل على وجود الشفاعة، قال: وذلك أن أهل النار لو لم يروا يوم القيامة الشافعين يشفعون لبعض من استحق العقاب فيشفعون
ويخرجون بشفاعتهم من النار أو يعفون منها بعد الاستحقاق لما تعاظمت حسراتهم ولا صدر عنهم هذا المقال، لكنهم لما رأوا شافعا يشفع فيشفع وصديقا حميما يشفع لصديقه فيشفع عظمت حسرتهم عند ذلك وقالوا: (فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم * فلو أن لناكرة فنكون من المؤمنين) ولعمري أن مثل هذا الكلام لا يرد إلا عن إمام هدى، أو من أخذ من أئمة الهدى (عليهم السلام)، فأما ما حكاه أبو القاسم الكعبي فيليق بمقال الخياطين، ونتيجة عقول السخفاء والضعفاء في الدين.
12 - ومن كلام الشيخ أدام الله عزه: سئل في مجلس الشريف أبي الحسن أحمد بن القاسم العلوي المحمدي أدام الله عزه فقيل له: ما الدليل على أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان أفضل الصحابة؟ فقال: الدليل على ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله) (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر) فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد ثبت أن أحب خلق إلى الله عز وجل أعظمهم ثوابا عند الله تعالى، وأن أعظم الناس ثوابا لا يكون إلا لأنه أشرفهم أعمالا وأكثرهم عبادة لله تعالى، وفي ذلك برهان على فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) على الخلق كلهم سوى الرسول عليه وآله السلام.
فقال له السائل: ما الدليل على صحة هذا الخبر وما أنكرت أن يكون غير معتمد لأنه إنما رواه أنس بن مالك وحده، وأخبار الآحاد ليست بحجة فيما يقطع على الله عز وجل بصوابه؟
فقال الشيخ أدام الله عزه: هذا الخبر وإن كان من أخبار الآحاد على ما ذكرت من أن أنس بن مالك رواه وحده فإن الأمة بأجمعها قد تلقته بالقبول، ولم يروا
أن أحدا رده على أنس ولا أنكر صحته عند روايته، فصار الاجماع عليه هو الحجة في صوابه، ولم يخل ببرهانه كونه من أخبار الآحاد بما شرحناه، مع أن التواتر قد ورد بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) احتج به في مناقبه يوم الدار، فقال: (أنشدكم الله هل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر فجاء أحد غيري؟ قالوا: اللهم لا، قال: اللهم اشهد، فاعترف الجميع بصحته، ولم يك أمير المؤمنين (عليه السلام) ليحتج بباطل، لا سيما وهو في مقام المنازعة والتوصل بفضائله إلى أعلى الرتب التي هي الإمامة والخلافة للرسول (صلى الله عليه وآله)، وإحاطة علمه بأن الحاضرين معه في الشورى يريدون الامر دونه، مع قول النبي (صلى الله عليه وآله): (علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار) وإذا كان الامر على ما وصفناه دل على صحة الخبر حسبما بيناه.
فاعترض بعض المجبرة فقال: إن احتجاج الشيعة برواية أنس من أطرف الأشياء وذلك أنهم يعتقدون تفسيق أنس بل تكفيره، فيقولون: إنه كتم الشهادة في النص حتى دعا عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) ببلاء لا يواريه الثياب، فبرص على كبر السن ومات وهو أبرص، فكيف يستشهد برواية الكافرين؟. فقالت المعتزلة: قد أسقط هذا الكلام الرجل ولم يجعل الحجة في الرواية أنسا، وإنما جعلها الاجماع، فهذا الذي أوردته هذيان وقد تقدم إبطاله.
فقال السائل: هب إنا سلمنا صحة الخبر ما أنكرت أن لا يفيد ما ادعيت من فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) على الجماعة؟ وذلك أن المعنى فيه: اللهم ائتني بأحب خلقك
إليك يأكل معي، يريد أحب الخلق إلى الله عز وجل في الاكل معه، دون أن يكون أراد أحب الخلق إليه في نفسه لكثرة أعماله، إذ قد يجوز أن يكون الله سبحانه يحب أن يأكل مع نبيه من غيره أفضل منه، ويكون ذلك أحب إليه للمصلحة: فقال الشيخ أدام الله عزه: هذا الذي اعترضت به ساقط، وذلك أن محبة الله تعالى ليست ميل الطباع، وإنما هي الثواب، كما أن بغضه وغضبه ليسا باهتياج، وإنما هما العقاب ولفظ أفعل في أحب وأبغض لا يتوجه إلا إلى معناهما من الثواب والعقاب، ولا معنى على هذا الأصل لقول من زعم أن أحب الخلق إلى الله عز وجل يأكل مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) توجه إلى محبة الاكل والمبالغة في ذلك بلفظ أفعل، لأنه يخرج اللفظ عما ذكرناه من الثواب إلى ميل الطباع، وذلك محال في صفة الله سبحانه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.