بحارالانوار · المجلد التاسع عشر
15 باب وجوه اعجاز القرآن أقول: قد سبق ما يناسب هذا
ج ۸۹، ص ۱۵۱–۱۶۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
ثم اعلم أن النبي صلى الله عليه وآله كان يذكر أخبار الأولين والآخرين، من ابتداء خلق الدنيا إلى انتهائها، وأمر الجنة والنار، وذكر ما فيهما على الوجه الذي صدقه عليه أهل الكتاب، وكان لم يتعلم، ولم يقعد عند حبر، ولم يقرء الكتب، فإذا كان كذلك، فقد بان اختصاصه بمعجزة، لان ما أتى به من هذه الأخبار لا على الوجه المعتاد في معرفتها، من تلقيها من ألسنة الناطقين، لا يكون إلا بدلالة تكون علما على صدقه.
وما أخبر به عن الغيوب التي تكون على التفصيل لا على الاجمال كقوله " لتدخلن المسجد الحرام إنشاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون " وكان كما أخبر به ولم يكن عليه وآله السلام صاحب تقويم وحساب واصطرلاب، ومعرفة بطالع نجم وزيج، وكان ينكر على المنجمين، فيقول: من أتى عرافا أو كاهنا فآمن بما قال فقد كفر بما انزل على محمد، وقد علمنا أن الاخبار عن الغيوب على التفصيل من حيث لا يقع فيه خلاف بقليل ولا بكثير، من غير استعانة على ذلك بآلة أو حساب أو تقويم كوكب طالع، أو على التنجيم الذي يخطئ مرة ويصيب مرة لا يمكن إلا من ذي معجزة مخصوصة، قد خصه الله تعالى بالهام من عنده أو أمر يكون ناقضا للعادة الجارية في معرفة مثلها، إظهارا لصدق من يظهرها عليه وعلامة له.
واعلم أنه قد تضمن القرآن والأحاديث الصحيحة الاخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة، فأما الماضية فكان لاخبار عن أقاصيص الأولين والآخرين من غير تعلم من الكتب المتقدمة، على ما ذكرنا.
وأما المستقبلة فكالاخبار عما يكون من الكاينات، وكان كما أخبر عنها على الوجه الذي أخبر عنها على التفصيل، من غير تعلق بما يستعان به على ذلك، من تلقين ملقن وإرشاد مرشد، أو حكم بتقويم أو رجوع إلى حساب كالكسوف والخسوف ومن غير اعتماد على إصطرلاب وطالع وذلك قوله تعالى: " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " وكقوله " من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " وكقوله " سيهزم الجمع ويولون الدبر " وكقوله " لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " وكقوله " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا " وكقوله " وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها " إلى قوله " قد أحاط الله بها " ونحو ذلك من الآيات وكان كلها كما قال.
والأحاديث المعجزة أيضا كثيرة لا يتفق أمثالها - على كثرتها مع ما فيها من تفصيل الأحكام المفصلة - عن المنجمين، فتقع كلها صدقا، فيعلم أن ذلك بالهام ملهم الغيوب، يعرف له حقائق الأمور.
ووجه آخر وهو ما في القرآن والأحاديث من الاخبار عن الضماير كقوله " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا " من غير أن ظهر منهم قول أو فعل بخلاف ذلك وكقوله " وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم " من غير أن يسمعه منهم ولا ينكرونه، وكقوله " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين
أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم " يخبرهم بما يريدون في أنفسهم وما يهمون به، وكعرضه تمني الموت على اليهود في قوله " فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " وقوله " ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم " فعرفوا صدقه فلم يجسر أحدهم أن يتمنى الموت لأنه قال لهم " إن تمنيتم الموت متم " فدل جميع ذلك على صدقه باخباره عن الضمائر، وكذا ما ذكرناه من معجزات الأوصياء، فدل على صدقهم وكونهم حججا لله.
فان قيل: فما الدليل على أن أسباب الحيل مفقودة في أخباركم حتى حكمتم بصحة كونها معجزة؟
قلنا: كثير من تلك المعجزات لا يمكن فيها الحيل مثل انشقاق القمر، وحديث الاستسقاء، وإطعام الخلق الكثير من الطعام اليسير، وخروج الماء من بين الأصابع والاخبار بالغائبات قبل كونها، ومجيئ الشجرة ثم رجوعها إلى مكانها، لا تتم الحيلة فيها، وإنما تتم الحيلة في الأجسام الطفيفة التي يحدث بالتطفل والقسر وغير ذلك، ولا يتم مثله في الشجرة والجبل، لأنه لو كان لوجب أن يشاهد.
فان قيل: يجوز أن يكون هيهنا جسم يجذب الشجرة كما أن هيهنا حجرا يجذب الحديد يسمى المقناطيس.
قلنا: لو كان الامر كذلك لعثر عليه، ولظفر به مع تطاول الزمان، كما عثر على حجر المقناطيس، حتى علمه كل واحد، فلو جاز ما قالوه للزم أن يقال:
ها هنا حجر يجذب الكواكب ويقلع الجبال من أماكنها، وإذا قربت من ميت عاش فيؤدى ذلك إلى أن لا نتيقن بشئ أصلا، ويؤدي ذلك إلى الجهالات وكان ينبغي أن يطعن بذلك أعداء الدين ومخالفو الاسلام لأنهم إلى ذلك أشغف وكذلك القول في خروج الماء من بين أصابعه إن ادعى طبيعة فيه أو حيلة لزم تجويز ذلك في قلع الجبال، وجذب الكواكب، وإحياء الموتى، وكل ذلك فاسد، وحنين الجذع لا يمكن أن يدعى أنه كان لتجويف فيه، لأنه لو كان كذلك لعثر عليه مع
المشاهدة، ولكان لا يسكن مع الالزام، وتسبيح الحصا وتكليم الذراع لا يمكن فيه حيلة البتة، وفي سماع الكلام من الذراع وجهان أحدهما أن الله بنى الذراع بنية حي صغير، وجعل له آلة النطق والتميز يتكلم بما يسمع، والاخر أن الله خلق فيه كلاما سمع من جهتها وأضافه إلى الذراع مجازا.
وقول من قال: لو انشق القمر لرآه كل الناس، لا يلزم، لأنه لا يمتنع أن يكون الناس في تلك الحال مشاغيل، فإنه كان بالليل، فلم يتفق لهم مراعاة ذلك، فإنه بقي ساعة ثم التأم، وأيضا فإنه لا يمتنع أن يكون الغيم حال بينه وبين من لم يشاهده، فلأجل ذلك لم يره الكل، وأكثر معجزات الأئمة عليهم السلام تجري مجرى ذلك، فالكلام فيها كالكلام في ذلك.
ثم نقول في الفصل بين المعجزة والشعوذة ونحوها: فرق قوم من المسلمين بين المعجزات والمخاريق، بأن قالوا المعجزة يظهرها الله لرسول أو وصي رسول عند الأفاضل من أهل عصره والأماثل منهم، فيتعذر عليهم فعلها عند التأمل لها والنظر فيها على كل حال، والشعوذة يظهرها صاحبها عند الضعفة من العوام والعجايز، فإذا بحث عن أسبابها المبرزون وجدوها مخرقة، والمعجزة على مر الأيام لا تزداد إلا عن ظهور صحه لها ولا تنكشف إلا عن حقيقة فيها.
وإن الشعوذة ربما تعلم من يظهر عليه مخرجها وطريقها وكيف يتأتى ويظهر مما يهتدي صاحبها إلى أسبابها، ويعل أن من شاركه فيها أتى بمثل ما يأتي هو به، وإن المعجزة يجري أمرها مجرى ما ظهر في عصا موسى عليه السلام من انقلابها حية تسعى حتى انقادت إليه السحرة، وخاف موسى أن تلتبس بالشعوذة على كثير من الحاضرين.
وإن المعجزة تظهر عند دعاء الرسول أو الوصي ابتداء من غير تكلف آلة وأداة منه والشعوذة مخرقة وخفة يد تظهر على أيدي بعض المحتالين بأسباب
مقدرة لها وحيل متعلمة أو موضوعة فيمكن المساواة فيها ولا يتهيأ ذلك إلا لمن عرف مباديها، ولابد من آلات يستعين بها في إتمام ذلك ويتوصل بها إليه.
واعلم أن المعجزة أمر يتعذر على كل من في العصر مثله عند التكليف والاجتهاد على المشعبذين فضلا عن غيرهم كعصا موسى الذي أعجز السحرة أمرها مع حذقهم في السحر وصنعتهم، والشعبذة مخرقة وخفة تظهر على أيدي بعض المحتالين بأسباب مقدرة يخفى على قوم دون قوم، والمعجزة تظهر على أيدي من يعرف بالصدق والصيانة والصلاح والسداد، والشعوذة تظهر على أيدي المجانين والخبثاء والأزدال، والمعجزة يظهرها صاحبها متحديا ودلائل العقل يوافقها على سبيل الجملة، ويباهي بها جميع الخلائق، ولا يزيده الأيام إلا وضوحا، ولا يكشف الأوقات إلا عن صحته، وللمعجزات شرائط ذكرناها.
ولان أكثر الشعوذة والمخرقة تتعلق بزمان مخصوص ومكان معلوم، ويستعان في فعلها بالأدوات والمعاناة والمعالجة، والمعجزة لا تتعلق بزمان مخصوص، ولا ببقعة مخصوصة، ولا يستعين فيها صاحبها بآلة ولا أداة، وإنما يظهرها الله على يده عند دعائه ودعواه، وهو لم يتكلف في ذلك شيئا، ولا استعان فيها بمعاونة ولا معالجة. ولا أداة وآلة، وأنها على الوجه الناقض للعادات، والباهر للعقول القاهر للنفوس، حتى تذعن لها الرقاب والأعناق، وتخضع لها النفوس، وتسموا إليها القلوب ممن أراد أن يعلم صدق من أظهرها عليه.
وأما مطاعن المعجزات وجواباتها:
فذكر ابن زكريا المتطبب في مقابلة المعجزات أمورا يسيرة، فذكر ما نقل عن زردشت من صب الصفر المذاب على صدره، ومن بعض سدنة بيت الأوثان أنه كان منحنيا على سيف وقد خرج من ظهره لا يسيل منه دم، بل ماء أصفر، وكان يخبرهم بأمور، قال: ورأيت رجلا كان يتكلم من إبطه، وآخر لم يأكل خمسة وعشرين يوما، وهو مع ذلك حصيف البدن، وأين ما ذكروه من فلق البحر حتى صار كل فرق منه كالطود العظيم، ومن إحياء ميت متقادم العهد، ويبقى حيا
حتى يولد، وانفجار الماء الكثير من حجر صغير، أو من بين الأصابع حتى يشرب الخلق الكثير.
والذي ذكره ابن زكريا عن زردشت إنما يمكن منه بطلاء الطلق، وهو دواء يمنع من الاحتراق وفي زماننا نسمع أن أناسا يدخلون التنور المسجور بالغضا.
وأما إراءة السيف نافذا في البطن شعبذة معروفة فإنهم يصنعونه بحيث يدخل بعضه في البعض، فيري المشعبذ أنه يدخل جوفه.
وأما الامساك عن أكل الطعام، فهو عادة يعتادها كثير من الناس، والمتصوفة يعودون أنفسهم التجويع أربعين يوما وقيل: إن بعض الصحابة كان يصوم الوصال خمسة عشر يوما.
وأما المتكلم من الإبط فيجوز أن يكون ذلك أصواتا مقطعة قريبة من الحروف وأن يكون حروفا متميزة كأصوات كثير من الطيور، وقد يسمع من صرير الباب ما يقرب من الحروف، وهو مبهم في هذه الحكاية، فيجوز أن يخبر أن ذلك كان كلاما خالصا، ويجوز أن يتعمل الانسان له، ويصل إلى ذلك بالتجربة والاستعمال، وقد رأينا في زماننا من كان يحكي عن الحلاج أغرب وأعجب، وقد وقع العلماء على وجوه الحيل فيها، وما من حيلة إلا ويحصل عقيب سبب، وليس فيها ما تنقض به العادة.
وطعن ابن زكريا في المعجزات من وجه آخر فقال: وقد يوجد في طبائع الأشياء أعاجيب، وذكر حجر المقناطيس وجذبه للحديد، وباغض الخل وهو حجر إذا جعل في إناء خل فإنه يهرب منه، ولا ينزل إلى الخل، والزمرد يسيل عين الأفعى، والسمكة الرعادة يرتعد صاحبها ما دامت في شبكته وكان آخذا بخيط الشبكة قال: ولا نقطع أيضا فيما يأتي به الدعاة أنها ليست منهم، بل تنقض الطبائع، إلا أن يدعي مدع أنه أحاط علما بجميع طبائع جواهر العالم أو بامتناع ذلك بدليل بين.
وذكر أبو إسحاق ابن عباس أنه أخذ هذا على ابن الراوندي فإنه قال في كتاب له سماه: الرد على من يحتج بصحة النبوة بالمعجزات، فقال: ومن أين لكم أن الخلق يعجزون عنه، هل شاهدتم الخلق؟ أو أحطتم علما بمنتهى قواهم وحيلهم؟ فان قالوا: نعم، فقد كذبوا، لأنهم لم يجوبوا المشرق والمغرب، ولا امتحنوا الناس جميعا، ثم ذكر أفعال الأحجار كحجر المقناطيس وغيره.
قال أبو إسحاق: فأجابه أبو علي في نقضه عليه أنه يجوز أن يكون في الطبائع ما يجذب به النجوم، وتسير به الجبال في الهواء، ويحيى به الموتى، بعد ما صاروا رميما، فإذا لا يمكن أن يفصل بين الممكن المعتاد، وما ليس بمعتاد، ولا بين ما ينفذ فيه حيلة وبين ما لا ينفذ فيه حيلة، إلا أن يجوب البلاد شقا وغربا ويعرف جميع قوى الخلق، فأما إذا سلم أن يعلم ما الممكن المعتاد وغيره وما لا يبعد فيه حيلة، ليريه النظير في المعجزات قبل أن يجوب البلاد، فليس يحتاج من يعرف كون الجاذب معجزا إلى ما ذكره من معرفة قوى الخلق وطبائع الجواهر، ولهذا لو ادعى واحد النبوة وجذب بالتراب الجبل علمنا أنه ليس فيه وجه حيلة، وإنا نعلم بذلك صدقه، قبل أن نجوب البلاد ونعرف جميع الطبائع.
وقال أبو إسحاق: إن جميع ما ذكره في خصائص الاعجاز أكثره كذب وذكر أن واحد أمر أن يجيئ بالأفاعي في سبد وجعل الزمرد في رأس قصبة ووجه به عين الأفاعي، فلم تسل، ثم إن جميع ما ذكره يسقط بما شرطناه في المعجزات، ويفتش عنه أهل النظر، ومن يقوى دواعيه إلى كشف عواره الزمان الطويل، فلا يوقف منه على وجه حيلة، ففيما ذكره ما هو معتاد ظاهر لأكثر الناس، كحجر المقناطيس، أو وقف منه على وجهه.
فصل: وإنما يقول المنكرون لمعجزات النبي والأئمة عليهم أفضل الصلوات والتحية: إن الاخبار التي يذكرون والأحاديث التي يعولون عليها في معجزاتهم ويصولون بها، إنما رواها الواحد والاثنان، ومثل ذلك لا يمكن القطع بعينه، والحكم بصحته، وأمر المعجزات والخارج عن العادات يجب أن يكون معلوما متعينا غير مظنون يتوهم.
والجواب عن ذلك أن أخبارنا في معجزات النبي والأئمة صلوات الله عليهم جاءت من طرق مختلفة، ومواضع مفترقة، ومظان متباعدة، وفرق مخالفة وموافقه، في زمان بعد زمان، وقرن بعد قرن، وكذلك رويت المعجزات من جنس واحد من كل واحد منهم عليهم السلام ولا يمكن أن يتواطأ الناس على مثل هذا فلا يكون مخبر هم على ما أخبروا به جميعا، لان ذلك ينقض عادتهم، كما نقض العادة الاجتماع على الكذب في الجماعات الكثيرة.
ومما يدل على ذلك إباؤها من تواطئ الكذب، كما إذا أخبر جمهور من الناس، فقال بعضهم: إن رجلا له مال من ذهب وورق، وآخرون يخبرون عنه أنهم رأوا له أثاثا وجهازا وأواني وآلات وأسبابا، وقوم آخرون أن له غلات وارتفاعات وضياعا وعقارا، وآخرون يخبرون عنه أنهم رأوا له خيلا وبغالا وحميرا، إن الخبر إذا ورد عن الانسان بما ذكرنا أحيط إلى العلم بأن المخبر عنه غني موسر، لا يقدر أحد على دفع علم ذلك عن نفسه، إذا نظر بعين الانصاف في تلك الأخبار وإن كان يجوز على كل واحد من المخبرين اللغط والكذب في خبره لو انفرد من عصابة غيره ثم إن إجماع الفرقة المحقة منعقد على صحة أخبار معجزات الرسول والأئمة من أهل بيته عليهم السلام وإجماعهم حجة لان فيهم معصوما.
فصل: ومن أخبار المعجزات أخبار تفاوت أخبار الجماعات الكثيرة نحو خبر الحصاة وإشباع الخلق الكثير بالطعام اليسير، وذلك أن المخبرين بهذه الاخبار إنما أخبروا عن حضرة جماعة ادعوا حضورهم كذلك، فقد كانوا خلائق كثيرين مجتمعين، شاهدي الحال، وكانوا فيمن شرب من الماء، وأكل من الطعام، فلم
ينكروا عليهم، ولو كان الخبر كذبا لمنعت الجماعة التي ادعى المخبرون حضورهم بذلك، وأنكروا عليهم، ولقالوا لم يكن هذا، ولا شاهدناه، فلما سكتوا عن ذلك دل على تصديقهم، وأن ذلك يجري مجرى المتواتر نقلا في الصحة والقطع.
ومما يدل على ذلك أن رجلا لو عمد إلى الجامع، والناس مجتمعون وقال: إنكم كنتم في موضع كذا، في دار كذا، لاملاك فلان، فأطعمكم كذا من الطعام، وكذا من الشراب، لم يمتنعوا أن ينكروا عليه، ولا سكتوا عن تكذيبه في الامر الذي لا يمتنع في العادة. فكيف في الامر الذي خرج عن العادات والنفوس إلى إنكار المنكر أسرع.
ومن هذه الأخبار أخبار انتشرت في الأمة، ولم يوجد له منكر ولا مكذب بل تلقوه بالقبول، فيجب المصير إليه، لاجتماع عليه من الامناء والطايفة المحقة وهم لا يجتمعون على خطأ، وفيهم معصوم في كل زمان.
وما رووا أن زوجين من الطير جادلا إلى أحدهم عليهما السلام وصالح بينهما، أو شكا طير من حية في موضع يأكل فراخه فأمر بقتل الحية، فلا خفاء في كونه معجزا فأما ما سئل الحسين عليه السلام وهو صبي عن أصوات الطيور والحيوانات، فاعجازه من وجه آخر، ونحوه قول عيسى في المهد: " إني عبد الله " وكلاهما نقض العادة إذ ليس في مقدور الأطفال التكلم بما يتكلم به، وقيل: إن نفس الدعوى في بعض المواضع معجز.
فصل: والاخبار المواترة توجب العلم على الاطلاق، وكذلك إذا كانت غير متواترة، وقد اقترن بها قرينة من أحد خمسة أشياء من أدلة العقل والكتاب والسنة المقطوع بها، أو إجماع المسلمين، أو إجماع الطائفة، فهذه القرائن تدخل الاخبار وإن كانت آحادا في باب المعلوم، فيكون ملحقة بالمتواتر، والعلوم التي تحصل عند الأخبار المتواترة لكل عاقل ملتبسة عند الشيخ المفيد.
وذهب المرتضى إلى تقسيم ذلك، فقال: العلوم بأخبار البلدان والوقايع ونحوها يجوز أن تكون ضرورية ويجوز أن تكون ملتبسة، وما عداها كالعلم
بمعجزات النبي والأئمة عليهم السلام وكثير من أحكام الشريعة، فيقطع على أنه مستدل عليه، وهذا أصح. والأدلة في أن الأول فعل الله أو فعل العباد قائمة كافية، وإذا كان كذلك وجب التوقف، وتجويز كل واحد منهما.
والخبر إذا لم يكن ما يجب وقوع العلم عنده، واشتراك العقلاء فيه، وجاز وقوع الشبهة عليه، فهو أيضا صحيح على وجه، وهو أن يرويه جماعة قد بلغت من الكثرة إلى حد لا يصح معه أن يتفق فيها، وأن يعلم مضافا إلى ذلك أنه لم يجمعهم على الكذب جامع كالتواطئ أو ما يقوم مقامه، ويعلم أيضا أن اللبس والشبهة زائلان عما خبروا عنه.
هذا إذا كانت الجماعة تخبر بلا واسطة عن المخبر، فإن كان بينهما واسطة وجب اعتبار هذه الشروط في جميع من خبرت عنه من الجماعات حتى يقع الانتهاء إلى نفس المخبر، وإذا صحت هذه الجملة في صحة الخبر الذي لابد أن يكون المخبر صادقا من طريق الاستدلال بنينا عليها صحة المعجزات وغيرها من أحكام الشرع.
فصل: وقد ذكرنا من قبل أنهم كثيرا ما يوردون السؤال علينا، ويقولون:
قد جاء في العالم حجر يجذب الحديد إلى نفسه، فلم يجب اتباع من يجذب الشجر إلى نفسه، كذلك، إذ لا نأمن أن يكون معه شئ مما يفعل به ذلك، ويؤكدون قولهم بأن المقرين لمعجزات الرسل لم يمتحنوا قوى الخلق، ولم يعرفوا نهايته ولم يقعوا على طبائع العالم، وكيف يستعان بها على الافعال، ولم يحيطوا علما بأكثرهم، ولم يأتهم في مظانهم، ولا امتحنوا قواهم، ومبالغ حيلهم، ومخرقة أصحاب الخفة، وأشكالهم.
الجواب عنه أن يقال: قد لزم النفس العلم لزوما لا يقدر على دفعه، بأن ما ذكروا ليس في العالم، كما لزمها العلم بأن ليس في العالم حجر إدا أمسكه الانسان عاش أبدا، وإذا وضعه على الموات عاد حيوانا، وإذا وضعه على العين العميا عادت صحيحة، ولا فيه ما يرد الرجل المقطوعة، ولا ما به يزال الزمانة
الحالة، ولا فيه شئ يجتذب به الشمس والقمر من أماكنهما.
فلما لزم النفس على ما ذكرنا كذلك لزوم العلم للنفس بأن ليس في العالم حجر يجذب الشجر من أماكنها، ويشق به البحور، ويحيى به الأموات.
وأيضا فان حجر المقناطيس لما كان موجودا في العالم، طلب دون الحاجة إليه حتى بدروا عليه، لما فيه من الأعجوبة وخاصة لا رادة التلبث به، واستخراج نصل السهم من البدن بذلك، فلو كان فيه حجر أو شئ يجذب الشجر، فإنه كان أعز من حجر المقناطيس، وكان سبيله سبيل الجواهر وغيرها، لا يخفى على من في العالم خبرها.
كالجوهر الذي يقال له: الكبريت الأحمر، ولعزته ضرب به المثل فقيل:
أعز من الكبريت الأحمر، وكانت الملوك أقدر على هذا الحجر، كما هم أقدر على ما عز من الأدوية وغيرها من الأشياء العزيزة، فلما لم يكن من هذا أثر عندهم ولا خبر لكونه، بطل أن يكون له كون أو وجود، ولو كان، كيف كان الرسل وأوصياؤهم عليه، مع فقرهم وعجزهم في الدنيا وما فيها، ويكون معروف المنشأ ولم يغب عنهم طويلا.
فصل: ثم إن النبي صلى الله عليه وآله لما دعا الشجرة، وكذا وصي من أوصيائه، ردها إلى مكانها، فان جذبها شئ وردها لا شئ، كان ردها آية عظيمة، وإن كان شئ كان معه فذلك محال، من قبل أن ذلك الشئ يضاد ما جذبها، فإذا كان الجذب به فامساكها وردها لم يجب أن يكون به، أو معه فلا يرده، لأنه يوجب أن تكون مقبلة مدبرة، وذلك محال.
ولان الحجر لو كان فيه ما ذكروا، لكان فيه آية له، لأنه ليس في العالم مثله، فهو خارج عن العرف كخروج مجئ الشجرة بدعائه، وقد أنبع الله لموسى من الحجر الماء فانبجست من الحجر اثنتا عشرة عينا، لكل سبط عين، والحجارة يتفجر منها الأنهار، فلما كان حجر موسى خارجا عن عادات الناس، كان دليلا على نبوته، وليس في الحجر ما يمكن به نقل الجبال والمدن.
وأما قولهم إن المقرين بمعجزات الرسل لم يمتحنوا قوى الخلق إلى آخر الكلام، إنه يقال لهم: ولم يمتحن أحد من الجاحدين للرسل طبايع العالم ولا عرفوا ما فيه فيعلموا أن جميع حيوانه يموت لعل حيوانا لا يموت، يبقى على الدهر أبدا لا يتغير، ولعل في العالم نارا لا تحرق إذا لو كان لم يمتحن قوى العالم ولا أحاط علمنا بخواصه وسرائره، لزمه قلب أكثر الحقائق وبطلانها.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.