پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · أبواب احتجاجات أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما صدر عنه من جوامع العلوم

باب 13 احتجاجات الصادق

ج ۱۰، ص ۱۹۲–۲۲۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۰

ويحتمل أن يكون ضمير (ابتداؤه) راجعا إلى المعلول، أي كيف يكون إنسان موجدا لانسان آخر مع أنه إذا سئل لا يعلم كيف كان ابتداء خلق هذا الآخر، ويحتمل أن يكون على الوجه الأول دليلا آخر على إبطال الشق الأول، أي لا يكون الانسان موجدا لنفسه وإلا لكان يعلم ابتداء خلقه. وقوله: (مع أنا لم نجد) دليل آخر على إبطال ما سبق، مبنيا على ما يحكم به العقل من أن التركيب والتأليف يوجب الاحتياج إلى المؤثر.

ثم قال: فلو قيل: إن خالق الابن هو الأب ننقل الكلام إلى الأب حتى

ينتهي إلى صانع غير مؤلف ولا مركب لا يحتاج إلى صانع آخر، وإنما خص الأب لأنه أقرب الممكنات إليه، ثم أبطل كون الأب خالقا بوجه آخر وهو أنه لو كان خالقا لابنه لخلقه على ما يريده ويشتهيه ولملك حياته وبقاءه إلى آخر ما ذكره (عليه السلام).

قوله: (يعذب المنكر لإلهيته) منكر كل من أصول الدين داخل في ذلك.

قوله (عليه السلام): (إن النار في الأجسام كامنة) ظاهره يدل على مذهب الكمون والبروز، ويمكن أن يكون المراد أنها جزؤ للمركبات، أو لما كان من ملاقاة الأجسام يحصل النار حكم بكمونها فيها مجازا، وحاصل ما ذكره (عليه السلام) من الفرق أن ما يعدم عند انطفاء السراج هو الضوء، وأما جسم النار فهو يستحيل هواء ولا ينعدم، والروح ليس بعرض مثل الضوء حتى ينعدم بتغير محله ولا يعود، بل هو جسم باق بعد انفصاله عن البدن حتى يعود إليه، ثم أزال (عليه السلام) استبعاده إعادة البدن وإعادة الروح إليه بقوله:

(إن الذي خلق في الرحم).

قوله (عليه السلام): (فتربو الأرض) أي ترتفع، وظاهر الخبر انعدام الصور ثم عودها بعد فنائها وبقاء مواد الأبدان.

قوله (عليه السلام): (لا ينكر من نفسه شيئا) أي يعرف أجزاء بدنه كما كان لم يتغير شئ منها. قوله (عليه السلام): (قيد رمح) بالكسر أي قدره.

قوله: (وقال بعضهم: انتظروا) لعل في هذا التبهيم مصلحة، وأحدهما قول المعصوم، والآخر قول غيره، ويحتمل أن يكون بعضهم ينسون وبعضهم ينتظرون، وكل معصوم ذكر حال بعضهم.

قوله (عليه السلام): (ثم تخرق الأرض) أي تذهب تحتها. قوله: (ولا وراء ذلك سعة ولا ضيق) أي سوى السماوات، أي ليس بين تلك الفضاء المظلم وبين السماء شئ، والله يعلم.

3 - التوحيد: الدقاق، عن أبي القاسم العلوي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن عن إبراهيم بن هاشم القمي، عن العباس بن عمرو الفقيمي، عن هشام بن الحكم في حديث الزنديق الذي أتى أبا عبد الله (عليه السلام) فكان من قول أبي عبد الله (عليه السلام) له: لا يخلو

قولك: إنهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين أو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قويا والآخر ضعيفا، فإن كانا قويين فلم لا يدفع كل واحد منهما صاحبه وينفرد بالتدبير؟

وإن زعمت أن أحدهما قوي والآخر ضعيف ثبت أنه واحد كما نقول، للعجز الظاهر في الثاني، وإن قلت إنهما اثنان لم يخلو من أن يكونا متفقين من كل جهة، أو مفترقين من كل جهة، فلما رأينا الخلق منتظما والفلك جاريا واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر دل صحة الامر والتدبير وائتلاف الامر على أن المدبر واحد، ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فلابد من فرجة بينهما حتى يكونا اثنين فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما فليزمك ثلاثة، وإن ادعيت ثلاثة لزمك ما قلنا في الاثنين حتى يكون بينهما فرجتان فيكون خمسة، ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية في الكثرة.

قال هشام: فكان من سؤال الزنديق أن قال: فما الدليل عليه؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام): وجود الأفاعيل التي دلت على أن صانعا صنعها، ألا ترى أنك إذا نظرت إلى بناء مشيد مبني علمت أن له بانيا وإن كنت لم تر الباني ولم تشاهده؟

قال: فما هو؟ قال هو شئ بخلاف الأشياء، ارجع بقولي: شئ إلى إثبات معنى وأنه شئ بحقيقة الشيئية، غير أنه لا جسم ولا صورة، ولا يحس ولا يجس، ولا يدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا يغيره الزمان. قال السائل فتقول: إنه سميع بصير؟ قال: هو سميع بصير، سميع بغير

جارحة، وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه، ويبصر بنفسه، ليس قولي: إنه يسمع بنفسه ويبصر بنفسه أنه شئ والنفس شئ آخر، ولكن أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولا، وإفهاما لك إذ كنت سائلا، وأقول: يسمع بكله، لا أن الكل منه له بعض، ولكني أردت إفهامك والتعبير عن نفسي، وليس مرجعي في ذلك إلا إلى أنه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف المعنى.

قال السائل: فما هو؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام): هو الرب، وهو المعبود، وهو الله، وليس قولي: (الله) إثبات هذه الحروف: ألف، لام، لاه ولكني أرجع إلى معنى هو شئ خالق الأشياء وصانعها، وقعت عليه هذه الحروف، وهو المعنى الذي يسمى به الله والرحمن والرحيم والعزيز وأشباه ذلك من أسمائه، وهو المعبود عز وجل قال السائل: فإنا لم نجد موهوما إلا مخلوقا. قال أبو عبد الله (عليه السلام): لو كان ذلك كما تقول لكان التوحيد عنا مرتفعا، لأنا نكلف أن نعتقد غير موهوم، ولكنا نقول: كل موهوم بالحواس مدرك فما تحده الحواس وتمثله فهو مخلوق، ولابد من إثبات صانع للأشياء خارج من الجهتين المذمومتين: إحداهما النفي إذ كان النفي هو الابطال والعدم، والجهة الثانية التشبيه من صفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف، فلم يكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعين، والاضطرار منهم إليه ثبت أنهم مصنوعون، وأن صانعهم غيرهم وليس مثلهم إذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد أن لم يكونوا، وتنقلهم من صغر إلى كبر وسواد إلى بياض وقوة إلى ضعف وأحوال موجودة لا حاجة بنا إلى تفسيرها لثباتها ووجودها.

قال السائل: فقد حددته إذ أثبت وجوده، قال أبو عبد الله (عليه السلام): لم أحدده ولكن أثبته، إذ لم يكن بين الاثبات والنفي منزلة.

قال السائل: فله إنية ومائية؟ قال: نعم لا يثبت الشئ إلا بإنية ومائية. قال السائل: فله كيفية؟ قال: لا، لان الكيفية جهة الصفة والإحاطة،

ولكن لابد من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه، لان من نفاه أنكره ودفع ربوبيته وأبطله، ومن شبهه بغيره فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الذين لا يستحقون الربوبية، ولكن لابد من إثبات ذات بلا كيفية لا يستحقها غيره لا يشارك فيها ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره.

قال السائل: فيعاني الأشياء بنفسه؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام): هو أجل من أن يعاني الأشياء بمباشرة ومعالجة، لان ذلك صفة المخلوق الذي لاتجئ الأشياء إليه إلا بالمباشرة والمعالجة، وهو تعالى نافذ الإرادة والمشية، فعال لما يشاء.

قال السائل: فله رضى وسخط؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام): نعم، وليس ذلك على ما يوجد في المخلوقين، وذلك أن الرضى والسخط دخال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال، وذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين، وهو تبارك وتعالى العزيز الرحيم لا حاجة به إلى شئ مما خلق، وخلقه جميعا محتاجون إليه، وإنما خلق الأشياء من غير حاجة ولا سبب اختراعا وابتداعا.

قال السائل: فقوله: (الرحمن على العرش استوى)؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام): بذلك وصف نفسه، وكذلك هو مستول على العرش، بائن من خلقه، من غير أن يكون العرش حاملا له، ولا أن يكون العرش حاويا له، ولا أن العرش محتاز له، ولكنا نقول:

هو حامل العرش، وممسك العرش، ونقول من ذلك ما قال: (وسع كرسيه السماوات والأرض) فثبتنا من العرش والكرسي ما ثبته، ونفينا أن يكون العرش أو الكرسي

حاويا له، وأن يكون عز وجل محتاجا إلى مكان أو إلى شئ مما خلق، بل خلقه محتاجون إليه.

قال السائل: فما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء وبين أن تخفضوها نحو الأرض؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام): ذلك في علمه وإحاطته وقدرته سواء، ولكنه عز وجل أمر أولياءه وعباده برفع أيديهم إلى السماء نحو العرش لأنه جعله معدن الرزق، فثبتنا ما ثبته القرآن والاخبار عن الرسول (صلى الله عليه وآله) حين قال: (ارفعوا أيديكم إلى الله عز وجل) وهذا يجمع عليه فرق الأمة كلها.

قال السائل: فمن أين أثبت أنبياء ورسلا؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنا لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيما لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه، ولا يباشرهم ولا يباشروه، ويحاجهم ويحاجوه فثبت أن له سفراء في خلقه وعباده يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم: فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أن له معبرين وهم الأنبياء وصفوته من خلقه، حكماء مؤد بين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، فلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقال الرسول ووجوب عدالته. أقول: في بعض نسخ التوحيد بعد قوله: (فرق الأمة كلها) زيادة: قال السائل

فتقول: إنه ينزل إلى السماء الدنيا؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام): نقول ذلك لان الروايات قد صحت به والاخبار.

قال السائل: وإذا نزل أنيس قد حال عن العرش، وحؤوله عن العرش انتقال؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام): ليس ذلك على ما يوجد من المخلوق الذي ينتقل باختلاف الحال عليه والملالة والسأمة، وناقل ينقله ويحوله من حال إلى، بل هو تبارك وتعالى لا يحدث عليه الحال، ولا يجري عليه الحدوث، فلا يكون نزوله كنزول المخلوق الذي متى تنحى عن مكان خلا منه المكان الأولى ، ولكنه ينزل إلى سماء الدنيا بغير معاناة ولا حركة فيكون هو كما في السماء السابعة على العرش كذلك هو في سماء الدنيا، إنما يكشف عن عظمته ويري أولياءه نفسه حيث شاء، ويكشف ما شاء من قدرته، ومنظره في القرب والبعد سواء. أقول: وفي تلك النسخة التي فيها تلك الزيادة زيادة أخرى بعد تمام الخبر وهي هذه: قال مصنف هذا الكتاب قوله (عليه السلام): (إنه على العرش) ليس بمعنى التمكن فيه، ولكنه بمعنى التعالي عليه بالقدرة، يقال: فلان على خير، واستعانه على عمل كذا وكذا، ليس بمعنى التمكن فيه والاستقرار عليه، ولكن ذلك بمعنى التمكن منه والقدرة عليه.

وقوله: (في النزول) ليس بمعنى الانتقال وقطع المسافات، ولكنه على معنى إنزال الامر منه إلى سماء الدنيا، لان العرش هو المكان الذي ينتهى إليه بأعمال العباد من السدرة المنتهى إليه، وقد يجعل الله عز وجل السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل وفي ليالي الجمعة مسافة الاعمال في ارتفاعها أقرب منها في سائر الأوقات التي العرش.

وقوله: (يري أولياءه نفسه) فإنه يعني بإظهار بدائع فطرته، فقد جرت العادة بأن يقال للسلطان إذا أظهر قوة وقدرة وخيلا ورجلا: قد أظهر نفسه، وعلى ذلك دل الكلام ومجاز اللفظ. انتهى. أقول: قد مضى تفاسير أجزاء الخبر في كتاب التوحيد، وهذا الخبر جزء من الخبر السابق أيضا فلا تغفل.

4 - من كتاب الغرر للسيد المرتضى رضي الله عنه: قيل: إن الجعد بن درهم جعل في قارورة ماء وترابا فاستحال دودا وهو اما فقال لأصحابه: أنا خلقت ذلك، لأني كنت سبب كونه، فبلغ ذلك جعفر بن محمد عليهما السلام فقال: ليقل: كم هي؟ وكم الذكران منه والإناث إن كان خلقه؟ وكم وزن كل واحد منهن؟ وليأمر الذي سعى إلى هذا الوجه أن يرجع إلى غيره، فانقطع وهرب.

5 - مناقب ابن شهرآشوب: يونس في حديثه قال: سأل ابن أبي العوجاء أبا عبد الله (عليه السلام): لما اختلفت منيات الناس فمات بعضهم بالبطن وبعضهم بالسل؟ فقال (عليه السلام):

لو كانت العلة واحدة أمن الناس حتى تجئ تلك العلة بعينها، فأحب الله أن لا يؤمن على حال.

قال: ولم يميل القلب إلى الخضرة أكثر مما يميل إلى غيرها؟ قال: من قبل أن الله تعالى خلق القلب أخضر، ومن شأن الشئ أن يميل إلى شكله.

ويروى أنه لما جاء إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال له: ما اسمك؟ فلم يجبه، وأقبل (عليه السلام) على غيره، فانكفأ راجعا إلى أصحابه، فقالوا: ما وراءك؟ قال: شر ابتدأني، فسألني عن اسمي، فإن كنت قلت: عبد الكريم فيقول: من هذا الكريم الذي أنت عبده؟ فإما أقر بمليك، وإما أظهر مني ما أكتم، فقالوا: انصرف عنه، فلما انصرف قال (عليه السلام): وأقيل ابن أبي العوجاء إلى أصحابه محجوجا قد ظهر عليه ذلة الغلبة فقال من قال منهم: إن هذه للحجة الدامغة، صدق وإن لم يكن خير يرجى ولا شر يتقى فالناس شرع سواء، وإن يكن منقلب إلى ثواب وعقاب فقد هلكنا، فقال ابن أبي العوجاء لأصحابه: أوليس بابن الذي نكل بالخلق، وأمر بالحلق، وشوه عوراتهم، وفرق أموالهم، وحرم نساءهم؟. بيان: لعل الخضرة في القلب كناية عن كونه مأمورا بالعلم والحكمة ومحلا لأزهار المعرفة، وقد مر في كتاب التوحيد أن الخضرة صورة ومثال للمعرفة.

6 - تفسير علي بن إبراهيم: روي أنه لما سأل رجل من الزنادقة أبا جعفر الأحول فقال: أخبرني عن قول الله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) وقال تعالى في آخر السورة: (ولن تستطيعوا أن تعلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل) فبين القولين فرق، فقال أبو جعفر الأحول: فلم يكن في ذلك عندي جواب، فقدمت المدينة فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فسألته عن الآيتين فقال: أما قوله: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) فإنما عنى في النفقة، وقوله:

(ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) فإنما عنى في المودة، فإنه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين في المودة، فرجع أبو جعفر الأحول إلى الرجل فأخبره، فقال:

هذا حملته من الحجاز.

7 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة ما تقول في بيت سقط على قوم وبقي منهم صبيان: أحدهما حر، والآخر مملوك لصاحبه فلم يعرف الحر من المملوك؟ فقال أبو حنيفة: يعتق نصف هذا، ويعتق نصف هذا، ويقسم المال بينهما، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ليس كذلك ولكنه

يقرع، فمن أصابته القرعة فهو الحر، ويعتق هذا فيجعل مولى له.

8 - الاختصاص: محمد بن عبيد، عن حماد، عن محمد بن مسلم قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: إني رأيت ابنك موسى يصلي والناس يمرون بين يديه فلا ينهاهم وفيه ما فيه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ادع، فلما جاءه قال: يا بني إن أبا حنيفة يذكر أنك تصلي والناس يمرون بين يديك فلا تنهاهم، قال: نعم يا أبه، إن الذي كنت أصلي له كان أقرب إلي منهم، يقول الله تعالى: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) قال:

فضمه أبو عبد الله (عليه السلام) إلى نفسه وقال: بأبى أنت وأمي يا مودع الاسرار.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا حنيفة القتل عندكم أشد أم الزنا؟ فقال: بل القتل قال: فكيف أمر الله تعالى في القتل بالشاهدين وفي الزنا بأربعة؟ كيف يدرك هذا بالقياس؟ يا أبا حنيفة ترك الصلاة أشد أم ترك الصيام؟ فقال: بل ترك الصلاة، قال:

فكيف تقضي المرأة صيامها ولا تقضي صلاتها؟ كيف يدرك هذا بالقياس؟ ويحك يا أبا حنيفة النساء أضعف عن المكاسب أم الرجال؟ فقال: بل النساء، قال: فكيف جعل الله تعالى للمرأة سهما وللرجل سهمين؟ كيف يدرك هذا بالقياس؟ يا أبا حنيفة الغائط أقذر أم المني؟ قال: بل الغائط، قال: فكيف يستنجى من الغائط ويغتسل من المني؟

كيف يدرك هذا بالقياس؟ تقول: سأنزل مثل ما أنزل الله ؟ قال: أعوذ بالله أن أقوله.

قال: بلى تقوله أنت وأصحابك من حيث لا تعلمون.

قال أبو حنيفة: جعلت فداك حدثني بحديث أرويه عنك، قال: حدثني أبي محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن جده الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله أخذ ميثاق أهل البيت من أعلى عليين، وأخذ طينة شيعتنا منه، ولو جهد أهل السماء وأهل الأرض أن يغيروا من ذلك شيئا ما استطاعوه. قال: فبكى أبو حنيفة بكاء شديدا وبكى أصحابه ثم خرج وخرجوا.

9 - علل الشرائع، الخصال: الطالقاني، عن الحسن بن علي العدوي، عن عباد بن صهيب، عن أبيه، عن جده، عن الربيع صاحب المنصور قال: حضر أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام مجلس المنصور يوما وعنده رجل من الهند يقرء كتب الطب، فجعل أبو عبد الله الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام ينصب لقراءته، فلما فرغ الهندي قال له: يا أبا عبد الله أتريد مما معي شيئا؟ قال: لا، فإن ما معي خير مما معك.

قال: وما هو؟ قال: أداوي الحار بالبارد، والبارد بالحار، والرطب باليابس، واليابس بالرطب، وأرد الامر كله إلى الله عز وجل، وأستعمل ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله):

(واعلم أن المعدة بيت الداء والحمية هي الدواء) وأعود البدن ما اعتاد. فقال الهندي:

وهل الطب إلا هذا؟ فقال الصادق (عليه السلام): أفتراني عن كتب الطب أخذت؟ قال: نعم، قال: لا والله ما أخذت إلا عن الله سبحانه، فأخبرني أنا أعلم بالطب أم أنت؟ فقال الهندي:

لا بل أنا.

قال الصادق (عليه السلام): فأسألك شيئا، قال: سل، قال: أخبرني يا هندي كم كان في الرأس شؤون؟ قال: لا أعلم. قال: فلم جعل الشعر عليه من فوقه؟ قال: لا أعلم.

قال: فلم خلت الجبهة من الشعر؟ قال: لا أعلم. قال: فلم كان لها تخطيط وأسارير؟

قال: لا أعلم.

قال: فلم كان الحاجبان من فوق العينين؟ قال: لا أعلم. قال: فلم جعلت العينان كاللوزتين؟ قال: لا أعلم. قال: فلم جعل الانف فيما بينهما؟ قال: لا أعلم. قال: فلم كان ثقب الانف في أسفله؟ قال: لا أعلم.

قال: فلم جعلت الشفة والشارب من فوق الفم؟ قال: لا أعلم. قال: فلم احتد السن، وعرض الضرس، وطال الناب؟ قال: لا أعلم. قال: فلم جعلت اللحية للرجال؟

قال: لا أعلم. قال ك فلم خلت الكفان من الشعر، قال: لا أعلم. قال: فلم خلا الظفر والشعر من الحياة؟ قال: لا أعلم. قال: فلم كان القلب كحب الصنوبر؟ قال: لا أعلم.

قال: فلم كانت الرية قطعتين، وجعل حركتها في موضعها؟ قال: لا أعلم. قال: فلم كانت الكبد حدباء؟ قال: لا أعلم.

قال: فلم كانت الكلية كحب اللوبيا؟ قال: لا أعلم. قال: فلم جعل طي الركبتين إلى خلف؟ قال لا أعلم. قال: فلم تخصرت القدم؟ قال: لا أعلم.

فقال الصادق (عليه السلام): لكني أعلم، قال: فأجب. قال الصادق (عليه السلام): كان في الرأس شؤون لان المجوف إذا كان بلا فصل أسرع إليه الصداع، فإذا جعل ذا فصول كان الصداع منه أبعد. وجعل الشعر من فوقه لتوصل بوصوله الادهان إلى الدماغ، و يخرج بأطرافه البخار منه، ويرد الحر والبرد الواردين عليه. وخلت الجبهة من الشعر لأنها مصب النور إلى العينين. وجعل فيها التخطيط والأسارير ليحتبس العرق الوارد من الرأس عن العين قدر ما يميطه الانسان عن نفسه، كالأنهار في الأرض التي تحبس المياه. وجعل الحاجبان من فوق العينان ليراد عليهما من النور قدر الكفاف، ألا ترى يا هندي أن من غلبه النور جعل يده على عينيه ليرد عليهما قدر كفايتهما منه؟

وجعل الانف فيما بينهما ليقسم النور قسمين إلى كل عين سواء. وكانت العين كاللوزة ليجري فيها الميل بالدواء ويخرج منها الداء، ولو كانت مربعة أو مدورة ما جرى فيها الميل، وما وصل إليها دواء، ولا خرج منها داء. وجعل ثقب الانف في أسفله لتنزل منه الأدواء المنحدرة من الدماغ، ويصعد فيه الأرابيح إلى المشام، ولو كان في أعلاه لما انزل داء، ولا وجد رائحة. وجعل الشارب والشفة فوق الفم لحبس ما ينزل من الدماغ عن الفم لئلا يتنغص على الانسان طعامه وشرابه فيميطه عن نفسه.

وجعلت اللحية للرجال ليستغني بها بها عن الكشف في المنظر ويعلم بها الذكر من الأنثى.

وجعل السن حاد الان به يقع العض. وجعل الضرس عريضا لان به يقع الطحن والمضغ. وكان الناب طويلا ليسند الأضراس والأسنان كالأسطوانة في البناء.

وخلا الكفان من الشعر لان بهما يقع اللمس، فلو كان فيهما شعر ما درى الانسان ما يقابله ويلمسه. وخلا الشعر والظفر من الحياة لان طولهما سمج وقصهما حسن، فلو كان فيهما حياة لالم الانسان لقصهما. وكان القلب كحب الصنوبر لأنه منكس فجعل رأسه دقيقا ليدخل في الرية فتروح عنه ببردها، لئلا يشيط الدماغ بحره.

وجعلت الرية قطعتين ليدخل بين مضاغطها فيتروح عنه بحركتها. وكانت الكبد حدباء لتثقل المعدة ويقع جميعها عليها فيعصرها ليخرج ما فيها من البخار.

وجعلت الكلية كحب اللوبيا لان عليها مصب المني نقطة بعد نقطة، فلو كانت مربعة أو مدورة احتبست النقطة الأولى إلى الثانية فلا يلتذ بخروجها الحي، إذا لمني ينزل من فقار الظهر إلى الكلية، فهي كالدودة تنقبض وتنبسط، ترميه أولا فأولا إلى المثانة كالبندقة من القوس. وجعل طي الركبة إلى خلف لان الانسان يمشي إلى ما بين يديه فيعتدل الحركات، ولولا ذلك لسقط في المشي، وجعلت القدم مخصرة لان الشئ إذا وقع على الأرض جميعه ثقل ثقل حجر الرحى، فإذا كان على حرفه دفعه الصبي وإذا وقع على وجهه صعب نقله على الرجال.

فقال له الهندي: من أين لك هذا العلم؟ فقال (عليه السلام): أخذته عن آبائي (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، عن جبرئيل، عن رب العالمين جل جلاله الذي خلق الأجساد و الأرواح. فقال الهندي: صدقت وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وعبده، وأنك أعلم أهل زمانك. بيان: قال ابن سينا في التشريح: أما الجمجمة فهي من سبعة أعظم: أربعة

كالجدران، وواحد كالقاعدة، والباقيات يتألف منها القحف، وبعضها موصول إلى بعض بدروز يقال لها الشؤون. وقال الجوهري: السرر واحد أسرار الكف والجبهة وهي خطوطها، وجمع الجمع أسارير. وقال: رجل مخصر القدمين: إذا كانت قدمه تمس الأرض من مقدمها وعقبها، وتخوى أخمصها مع دقة فيه.

قوله: (بوصوله) أي بسبب وصول الشعر إلى الدماغ تصل إليه الادهان، ولعله كان بدله (بأصوله) لمقابلة قوله: (بأطرافه).

قوله: (في المنظر) متعلق بقوله: (يستغني) أي ليستغني في النظر بسبب اللحية عن كشف العورة لاستعلام كونه ذكرا أو أنثى.

قوله (عليه السلام): ليسند الأضراس والأسنان لعل ذلك لكونه طويلا يمنع وقوع الأسنان بعضها على بعض في بعض الأحوال، كما أن الأسطوانة تمنع وقوع السقف، أو لكونه أقوى وأثبت من سائر الأسنان فيحفظ سائرها بالالتصاق به، كما يجعل بين الأسطوانتين المثبتتين في الأرض أخشاب دقاق فتمسكانها. وقال الجوهري: شاط السمن:

إذا نضج حتى يحترق.

قوله: (لان الانسان يمشي إلى ما بين يديه) لعل المعنى أن الانسان يميل في المشي إلى قدامه بأعالي بدنه، وإنما ينحني أعاليه إلى هذه الجهة كحالة الركوع مثلا، فلو كان طي الركبة من قدامه أيضا لكان يقع على وجهه، فجعلت الأعالي مائلة إلى القدام والأسافل مائلة إلى الخف لتعتدل الحركات، فلا يقع في المشي ولا في الركوع وأمثالهما، فقوله: (يمشي إلى ما بين يديه) أي مائلا إلى ما بين يديه، وسيأتي مزيد توضيح لهذا الخبر في كتاب السماء والعالم إ ن شاء الله تعالى.

10 - كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: روى الشيخ المفيد قدس الله روحه بإسناده إلى محمد بن السائب الكلبي قال: لما قدم الصادق (عليه السلام) العراق نزل الحيرة فدخل عليه أبو حنيفة وسأله عن مسائل وكان مما سأله أن قال له: جعلت فداك ما الامر بالمعروف؟ فقال (عليه السلام): المعروف يا أبا حنيفة المعروف في أهل السماء المعروف في أهل الأرض وذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

قال: جعلت فداك فما المنكر؟ قال: اللذان ظلماه حقه وابتزاه أمره،

وحملا الناس على كتفه. قال: ألا ما هو أن ترى الرجل على معاصي الله فتنهاه عنها؟

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ليس ذاك أمر بمعروف ولا نهي عن منكر إنما ذاك خير قدمه.

قال أبو حنيفة: أخبرني جعلت فداك عن قول الله عز وجل: (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) قال: فما هو عندك يا أبا حنيفة؟ قال، الامن في السرب، وصحة البدن، والقوت الحاضر. فقال: يا أبا حنيفة لئن وقفك الله أو أوقفك يوم القيامة حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها وشربة شربتها ليطولن وقوفك.

قال: فما النعيم جعلت فداك؟ قال: النعيم نحن، الذين أنقذ الله الناس بنا من الضلالة، وبصرهم بنا من العمى، وعلمهم بنا من الجهل. قال: جعلت فداك فكيف كان القرآن جديدا أبدا؟ قال: لأنه لم يجعل لزمان دون زمان فتخلقه الأيام، ولو كان كذلك لفني القرآن قبل فناء العالم.

11 - الإرشاد: جعفر بن محمد بن قولويه، عن الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن العباس بن عمر والفقيمي أن ابن أبي العوجاء وابن طالوت وابن الأعمى وابن المقفع في نفر من الزنادقة كانوا مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام، وأبو عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) فيه إذ ذاك يفتي الناس، ويفسر لهم القرآن، ويجيب عن المسائل بالحجج و البينات، فقال القوم لابن أبي العوجاء: هل لك في تغليط هذا الجالس وسؤاله عما يفضحه عند هؤلاء المحيطين به؟ فقد ترى فتنة الناس به، ويفسر لهم القرآن ويجيب عن المسائل به، وهو علامة زمانه، فقال لهم ابن أبي العوجاء: نعم، ثم تقدم ففرق الناس وقال: أبا عبد الله إن المجالس أمانات، ولابد لكل من كان به سعال أن يسعل، فتأذن لي في السؤال؟

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): سل شئت، فقال ابن أبي العوجاء: إلى كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر، وتهرو لون حوله

هرولة البعير إذا نفر؟ من فكر في هذا وقدر علم أنه فعل غير حكيم ولا ذي نظر، فقل فإنك رأس هذا الامر وسنامه، وأبوك اسه ونظامه.

فقال له الصادق (عليه السلام): إن من أضله الله وأعمى قلبه استوخم الحق ولم يستعذبه، وصار الشيطان وليه وربه، ويورده موارد الهلكة ولا يصدره، وهذا بيت استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه وزيارته، وجعله قبلة للمصلين له، فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال، ومجمع العظمة والجلال، خلقه الله تعالى قبل دحو الأرض بألفي عام، فأحق من أطيع فيما أمر وانتهى عما زجر الله المنشئ للأرواح والصور.

فقال له ابن أبي العوجاء: ذكرت أبا عبد الله فأحلت على غائب. فقال الصادق (عليه السلام):

كيف يكون يا ويلك غائبا من هو مع خلقه شاهد، وإليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم، ويعلم أسرارهم، لا يخلو منه مكان، ولا يشغل به مكان، ولا يكون من مكان أقرب من مكان، يشهد له بذلك آثاره، ويدل عليه أفعاله، والذي بعثه بالآيات بالمحكمة والبراهين الواضحة محمد (صلى الله عليه وآله) جاءنا بهذه العبادة فإن شككت في شئ من أمره فسل عنه أوضحه لك.

قال: فأبلس ابن أبي العوجاء ولم يدر ما يقول، وانصرف من بين يديه، فقال لأصحابه: سألتكم أن تلتمسوا لي جمرة فألقيتموني على جمرة. فقالوا له: اسكت فوالله لقد فضحتنا بحيرتك وانقطاعك، وما رأينا أحقر منك اليوم في مجلسه.

فقال: أبي تقولون هذا؟ إنه ابن من حلق رؤوس من ترون - وأومأ بيده إلى أهل الموسم -.

بيان: الطوب بالضم: الآجر، ويقال: طعام وخيم أي غير موافق ت. واستوخمه:

لم يستمره. وقوله: (الله المنشئ) خبر لقوله: أحق. ويقال: أبلس أي يئس وتحير. و الجمرة بالفتح: النار المتقدة، والحصاة. والمراد بالأول الثاني، وبالثاني الأول.

أي سألتكم أن تطلبوا لي حصاة ألعب بها وأرميها فألقيتموني في نار متقدة لم يمكني التخلص منها.

12 - الإرشاد: روي أن أبا شاكر الديصاني وقف ذات يوم في مجلس أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: إنك لاحد النجوم الزواهر، وكان آباؤك بدورا بواهر، وأمهاتك عقيلات عباهر، وعنصرك من أكرم العناصر، وإذا ذكر العلماء فعليك تثنى الخناصر، خبرنا أيها البحر الزاخر: ما الدليل على حدوث العالم؟.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): من أقرب الدليل على ذلك ما أذكره لك، ثم دعا ببيضة ثم وضعها في راحته وقال: هذا حصن ملموم داخله غرقئ رقيق يطيف به كالفضة السائلة والذهبة المائعة، أتشك في ذلك؟ فقال أبو شاكر: لا شك فيه. قال أبو عبد الله (عليه السلام): ثم إنه تنفلق عن صورة كالطاووس، أدخله شئ غير ما عرفت؟ قال:

لا. قال: فهذا الدليل على حدوث العالم قال أبو شاكر: دللت أبا عبد الله فأوضحت وقلت فأحسنت، وذكرت فأوجزت، وقد علمت أنا لا نقبل إلا ما أدركناه بأبصارنا، أو سمعناه بآذاننا، أو ذقناه بأفواهنا، أو شممناه بآنافنا، أو لمسناه ببشرتنا. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ذكرت الحواس الخمس وهي لا تنفع في الاستنباط إلا بدليل، كما لا تقطع الظلمة بغير مصباح.

يريد به (عليه السلام) أن الحواس بغير عقل لا يوصل إلى معرفة الغائبات، وأن الذي أراه من حدوث الصورة معقول بني العلم به على محسوس. أقول: قد مر شرح الخبر في كتاب التوحيد.

13 - مناقب ابن شهرآشوب: أبو جعفر الطوسي في الأمالي وأبو نعيم في الحلية وصاحب الروضة بالاسناد - والرواية يزيد بعضها على بعض - عن محمد الصير في، وعن عبد الرحمن بن سالم أنه دخل ابن شبرمة وأبو حنيفة على الصادق (عليه السلام) فقال لأبي حنيفة: اتق الله ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس إبليس، إذ أمره الله تعالى بالسجود فقال:

أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، ثم قال: هل تحسن أن تقيس رأسك من جسدك؟ قال: لا. قال: فأخبرني عن الملوحة في العينين، والمرارة في الاذنين، والبرودة في المنخرين، والعذوبة في الشفتين لأي شئ جعل ذلك؟ قال: لا أدري.

فقال (عليه السلام): إن الله تعالى خلق العينين فجعلهما شحمتين، وجعل الملوحة فيهما منا على بني آدم، ولولا ذلك لذابتا، وجعل المرارة في الاذنين منا منه على بني آدم ولولا ذلك لقحمت الدواب فأكلت دماغه، وجعل الماء في المنخزين ليصعد النفس وينزل ويجد منه الريح الطيبة والرديئة، وجعل العذوبة في الشفتين ليجد ابن آدم لذة مطعمه ومشربه.

ثم قال له: أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان. قال: لا أدري. قال:

(لا إله إلا الله) ثم قال: أيما أعظم عند الله تعالى القتل أو الزنا؟ فقال: بل القتل.

قال: فإن الله تعالى قد رضي في القتل بشاهدين ولم يرض في الزنا إلا بأربعة.

ثم قال: إن الشاهد على الزنا شهد على اثنين، وفي القتل على واحد، لان القتل فعل واحد، والزنا فعلان. ثم قال: أيما أعظم عند الله تعالى: الصوم أو الصلاة؟

قال: لا بل الصلاة، قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟

ثم قال: لأنها تخرج إلى صلاة فتداومها ولا تخرج إلى صوم. ثم قال: المرأة أضعف أم الرجل؟ قال: المرأة. قال: فما بال المرأة وهي ضعيفة لها سهم واحد، والرجل قوي له سهمان. ثم قال: لان الرجل يجبر على الانفاق على المرأة، ولا تجبر المرأة على الانفاق على الرجل.

ثم قال: البول أقذر أم المني؟ قال: البول. قال: يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني، وقد أوجب الله تعالى الغسل من المني دون البول. ثم قال: لان المني اختيار ويخرج من جميع الجسد ويكون في الأيام، والبول ضرورة ويكون في اليوم مرات. قال أبو حنيفة: كيف يخرج من جميع الجسد والله يقول: (يخرج من بين الصلب والترائب) قال أبو عبد الله (عليه السلام): فهل قال: لا يخرج من غير هذين الموضعين؟

ثم قال (عليه السلام): لم لا تحيض المرأة إذا حبلت؟ قال: لا أدري، قال (عليه السلام) والصلاة:

حبس الله تعالى الدم فجعله غذاء للولد. ثم قال (عليه السلام): أين مقعد الكاتبين؟ قال: لا أدري، قال: مقعدهما على الناجدين، والفم الدواة، واللسان القلم، والريق المداد.

ثم قال: لم يضع الرجل يده على مقدم رأسه عند المصيبة والمرأة على خدها؟ قال:

لا أدري، فقال (عليه السلام): اقتداء بآدم وحواء حيث اهبطا من الجنة، أما ترى أن من شأن الرجل الاكتئاب عند المصيبة، ومن شأن المرأة رفعها رأسها إلى السماء إذا بكت.

ثم قال (عليه السلام): ما ترى في رجل كان له عبد فتزوج وزوج عبده في ليلة واحدة ثم سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت واحد فسقط البيت عليهم فقتل المرأتين وبقي الغلامان، أيهما في رأيك المالك؟ وأيهما المملوك؟ وأيهما الوارث؟ وأيهما الموروث؟ ثم قال:

فما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح، وأقطع قطع يد رجل كيف يقام عليهما الحد؟

ثم قال (عليه السلام): فأخبرني عن قول الله تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: (لعله يتذكر أو يخشى (عليه السلام): فأخبرني عن قول الله تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: (لعله يتذكر أو يخشى) لعل منك شك؟ قال: نعم، قال: وكذلك من الله شك إذ قال: (لعله)؟

ثم قال أخبرني عن قول الله تعالى: (وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين) أي موضع هو؟ قال: هو ما بين مكة والمدينة، قال (عليه السلام): نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكة والمدينة لا تأمنون على دمائكم من القتل، وعلى أموالكم من السرق؟

ثم قال: وأخبرني عن قول الله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) أي موضع هو؟ قال:

ذاك بيت الله الحرام، فقال: نشدتكم بالله هل تعلمون أن عبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل؟ قال: فاعفني يا ابن رسول الله، قال: فأنت الذي تقول: سأنزل مثل ما أنزل الله، قال: أعوذ بالله من هذا القول، قال: إذا سئلت فما تصنع؟ قال: أجيب عن الكتاب، أو السنة، أو الاجتهاد، قال: إذا اجتهدت من رأيك وجب على المسلمين قبوله؟ قال: نعم، قال: وكذلك وجب قبول ما أنزل الله تعالى، فكأنك قلت: سأنزل مثل ما أنزل الله تعالى.

14 - وفي حديث محمد بن مسلم أن الصادق (عليه السلام) قال لأبي حنيفة: أخبرني عن هاتين النكتتين اللتين في يدي حمارك، ليس ينبت عليهما شعر؟ قال أبو حنيفة: خلق كخلق اذنيك في جسدك وعينيك. فقال له: ترى هذا قياسا، إن الله تعالى خلق اذني لاسمع بهما، وخلق عيني لأبصر بهما، فهذا لما خلقه في جميع الدواب وما ينتفع به؟ فانصرف أبو حنيفة معتبا. فقلت: أخبرني ما هي؟ قال: إن الله تعالى يقول في كتابه: (لقد خلقنا الانسان في كبد) يعني منتصبا في بطن أمه، غذاؤه من غذائها مما تأكل وتشرب أمه، ههنا ميثاقه بين عينيه، فإذا أذن الله عز وجل في ولادته أتاه ملك يقال له حيوان، فزجره زجرة انقلب ونسي الميثاق، وخلق جميع البهائم في بطون أمهاتهن منكوسة مؤخرة إلى مقدم أمه، كما يأخذ الانسان في بطن أمه، فهاتان النكتتان السوداوان اللتان ترى ما بين الدواب هو موضع عيونها في بطن أمهاتها، فليس ينبت عليه الشعر، وهو لجميع البهائم ما خلا البعير، فإن عنق البعير طال فتقدم رأسه بين يديه ورجليه.

بيان: قوله (عليه السلام): (لأنها تخرج إلى صلاة) لعله مبني على وجهين: أحدهما أن الصلاة فعل والصوم ترك، والثاني أن الصلاة تكون دائما والصوم يكون في في السنة مرة، ويمكن أن يقرء يحرج بالحاء المهملة قوله (عليه السلام): (فما بال الناس يغتسلون من الجنابة) لما حكم أبو حنيفة بأرجسية البول بناء على ما زعمه من طهارة محل المني بالفرك ألزم (عليه السلام) عليه ذلك، وإلا فالمني أرجس عندنا.

قوله (عليه السلام): (أما ترى أن من شأن الرجل) أي علة هذا أيضا مثل علة تلك، أي أكب آدم (عليه السلام) عند هبوطه، ورفع حواء رأسها عند خروجها. وسيأتي شرح تلك العلل في مواضعها إن شاء الله تعالى.

15 - مناقب ابن شهرآشوب: ابن جرير بن رستم الطبري، عن إسماعيل الطوسي، عن أحمد البصري عن أبيه، عن أبي خنيس الكوفي قال: حضرت مجلس الصادق عليه الصلاة والسلام وعنده جماعة من النصارى فقالوا: فضل موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام سواء لأنهم صلوات الله عليهم أصحاب الشرائع والكتب، فقال الصادق (عليه السلام): إن محمدا (صلى الله عليه وآله) أفضل منهما وأعلم ولقد أعطاه الله تبارك وتعالى من العلم ما لم يعط غيره، فقالوا آية من كتاب الله تعالى نزلت في هذا؟ قال (عليه السلام): نعم قوله تعالى: (وكتبنا له في الألواح من كل شئ) وقوله تعالى لعيسى: (وليبينن لكم بعض الذي تختلفون فيه) وقوله تعالى للسيد المصطفى (صلى الله عليه وآله):

(وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) وقوله تعالى: (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شئ عددا) فهو والله أعلم منهما ولو حضر موسى وعيسى بحضرتي وسألاني لأجبتهما وسألتهما ما أجابا 16 الاختصاص: ابن الوليد، عن الصفار، والحسن بن متيل، عن إبراهيم بن هاشم، عن إبراهيم بن محمد الهمداني، عن السياري، عن داود الرقي قال: سألني

بعض الخوارج عن قول الله تبارك وتعالى: (ومن الضأن اثنين ومن المعز اثنين) الآية، ما الذي أحل الله من ذلك؟ وما الذي حرم؟ قال: فلم يكن عندي في ذلك شئ، فحججت فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك إن رجلا من الخوارج سألني عن كذا وكذا، فقال (عليه السلام): إن الله عز وجل أحل في الأضحية بمنى الضأن والمعز الأهلية، وحرم فيها الجبلية، وذلك قوله عز وجل: (ومن الضأن اثنين ومن المعز اثنين) وإن الله عز وجل أحل في الأضحية بمنى الإبل العراب، وحرم فيها البخاتي، وأحل فيها البقر الأهلية، وحرم فيها الجبلية، وذلك قوله عز وجل: (ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين) قال: فانصرفت إلى صاحبي فأخبرته بهذا الجواب، فقال: هذا شئ حملته الإبل من الحجاز.

17 - كنز الفوائد للكراجكي: ذكروا أن أبا حنيفة أكل طعاما مع الإمام الصادق جعفر بن محمد عليهما الصلاة والسلام فلما رفع الصادق (عليه السلام) يده من أكله قال:

الحمد لله رب العالمين، اللهم هذا منك ومن رسولك (صلى الله عليه وآله)، فقال أبو حنيفة: يا أبا عبد الله أجعلت مع الله شريكا؟! فقال (عليه السلام) له: ويلك إن الله تبارك يقول في كتابه:

(وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله) ويقول عز وجل في موضع آخر: (ولو أنهم رضوا ما آتهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله) فقال أبو حنيفة: والله لكأني ما قرأتهما قط من كتاب الله ولا سمعتهما إلا في هذا الوقت.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): بلى قد قرأتهما وسمعتهما ولكن الله تعالى أنزل فيك وفي أشباهك: (أم على قلوب أقفالها) وقال تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون):

18 - كتاب الاستدراك: بإسناده عن الحسين بن محمد بن عامر بإسناده أن أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه الصلاة والسلام استحضره المنصور في مجلس غاص بأهله فأمره بالجلوس، فأطرق مليا ثم رفع رأسه وقال له: يا جعفر إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال

لأبيك علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوما: (لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في المسيح لقلت فيك قولا لا تمر بملاء إلا أخذوا من تراب قدميك يستشفون به) وقال علي (عليه السلام): (يهلك في اثنان: محب مفرط، ومبغض مفرط) فالاعتذار منه أن لا يرضى بما يقول فيه المفرط، ولعمري أن عيسى بن مريم عليهما السلام لو سكت عما قالت فيه النصارى لعذبه الله، وقد نعلم ما يقال فيك من الزور والبهتان، وإمساكك عمن يقول ذلك فيك ورضاك به سخط الديان، زعم أوغاد الشام وأوباش العراق أنك حبر الدهر وناموسه، وحجة المعبود وترجمانه، وعيبة علمه وميزان قسطه، و مصباحه الذي يقطع به الطالب عرض الظلمة إلى فضاء النور، وإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من عامل جهل حقك في الدنيا عملا، ولا يرفع له يوم القيامة وزنا، فنسبوك إلى غير حدك، وقالوا فيك ما ليس فيك، فقل فإن أول من قال الحق لجدك، وأول من صدقه عليه أبوك (عليه السلام)، فأنت حري بأن تقتص آثارهما، وتسلك سبيلهما.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أنا فرع من فروع الزيتونة، وقنديل من قناديل بيت النبوة، وسليل الرسالة، وأديب السفرة، وربيب الكرام البررة، ومصباح من مصابيح المشكاة التي فيها نور النور، وصفوة الكلمة الباقية في عقب المصطفين إلى يوم الحشر.

فالتفت المنصور إلى جلسائه فقال: قد أحالني على بحر مواج لا يدرك طرفه، ولا يبلغ عمقه، تغرق فيه السبحاء ويحار فيه العلماء، ويضيق بالسامع عرض الفضاء، هذا الشجا المعترض في حلوق الخلفاء الذي لا يحل قتله، ولا يجوز نفيه، ولولا ما تجمعني وإياه من شجرة مباركة طاب أصلها وبسق فرعها وعذب ثمرها بوركت في

الذر وتقدست في الزبر لكان مني إليه مالا يحمد في العواقب، لما يبلغني من شدة عيبه لنا، وسوء القول فينا.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لاتقبل في ذي رحمك وأهل الدعة من أهلك قول من حرم الله عليه الجنة وجعل مأواه النار، فإن النمام شاهد زور، وشريك إبليس في الاغراء بين الناس، وقد قال الله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاء كم فاسق بنبأ) الآية، ونحن لك أنصار وأعوان، ولملكك دعائم وأركان، ما أمرت بالمعروف والاحسان، وأمضيت في الرعية أحكام القرآن، وأرغمت بطاعتك أنف الشيطان، وإن كان يجب عليك في سعة فهمك وكرم حلمك ومعرفتك بآداب الله أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، فإن المكافئ ليس بالواصل، إنما الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها، فصل يزد الله في عمرك ويخفف عنك الحساب يوم حشرك.

فقال أبو جعفر المنصور: قد قبلت عذرك لصدقك، وصفحت عنك لقدرك، فحدثني عن نفسك بحديث أتعظ به، ويكون لي زاجر صدق عن الموبقات. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): عليك بالحلم فإنه ركن العلم، وأملك نفسك عند أسباب القدرة، فإنك إن تفعل كل ما تقدر عليه كنت كمن شفى غيظا، أو أبدى حقدا، أو يجب أن يذكر بالصولة، واعلم أنك إن عاقبت مستحقا لم يكن غاية ما توصف به إلا العدل، ولا أعلم حالا أفضل من حال العدل، والحال التي توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر.

فقال أبو جعفر المنصور: وعظت فأحسنت وقلت فأوجزت، فحدثني عن فضل جدك علي بن أبي طالب عليه الطلاة والسلام حديثا لم تروه العامة. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): حدثني أبي، عن جدي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ليلة أسري بي إلى السماء فتح لي في بصري غلوة كمثال ما يرى الراكب خرق الإبرة مسيرة يوم، و عهد إلى ربي في علي ثلاث كلمات، فقال: يا محمد، فقلت: لبيك ربي فقال: إن عليا

إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين ويعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، وكانوا أحق بها وأهلها فبشره بذلك، قال: فبشره النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك فقال: يا رسول الله وإني اذكر هناك؟ فقال: نعم إنك لتذكر في الرفيع الاعلى. فقال المنصور: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

19 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن الحسن بن علي بن عاصم، عن سليمان بن داود الشاذكوني، عن حفص بن غياث قال: كنت عند سيد الجعافر جعفر بن محمد (عليهما السلام) لما أقدمه المنصور فأتاه ابن أبي العوجاء وكان ملحدا فقال له: ما تقول في هذه الآية: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها)؟ هب هذه الجلود عصت فعذبت فما بال الغير يعذب؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام): ويحك هي هي، وهي غيرها.

قال: اعقلني هذا القول. فقال: له أرأيت لو أن رجلا عمد إلى لبنة فكسرها ثم صب عليها الماء وجبلها ثم ردها إلى هيئتها الأولى، ألم تكن هي هي وهي غيرها؟

فقال: بلى أمتع الله بك.

20 - أقول: وجدت بخط بعض الأفاضل نقلا من خط الشهيد رفع الله درجته قال: قال أبو حنيفة النعمان بن ثابت جئت إلى حجام بمنى ليحلق رأسي، فقال: ادن ميامنك، واستقبل القبلة، وسم الله، فتعلمت منه ثلاث خصال لم تكن عندي، فقلت له: مملوك أنت أم حر؟ فقال: مملوك ، قلت: لمن؟ قال: لجعفر بن محمد العلوي (عليه السلام)، قلت: أشاهد هو أم غائب؟ قال: شاهد، فصرت إلى بابه واستأذنت عليه فحجبني، و جاء قوم من أهل الكوفة فاستأذنوا فأذن لهم، فدخلت معهم، فلما صرت عنده قلت له:

يا ابن رسول الله لو أرسلت إلى أهل الكوفة فنهيتهم أن يشتموا أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) فإني تركت بها أكثر من عشرة آلاف يشتمونهم، فقال: لا يقبلون مني، فقلت: ومن لا يقبل منك وأنت ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال: أنت ممن لم تقبل مني، دخلت داري بغير إذني وجلست بغير أمري، وتكلمت بغير رأيي، وقد بلغني أنك تقول بالقياس، قلت: نعم به أقول، قال: ويحك يا نعمان أول من قاس الله تعالى إبليس حين أمره بالسجود لآدم (عليه السلام) وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين، أيما أكبر يا نعمان القتل أو الزنا؟

قلت: القتل، قال: فلم جعل الله في القتل شاهدين، وفي الزنا أربعة؟ أينقاس لك هذا؟

قلت: لا.

قال: فأيما أكبر البول أو المني؟ قلت: البول، قال: فلم أمر الله في البول بالوضوء، وفي المني بالغسل؟ أينقاس لك هذا؟ قلت: لا. قال: فأيما أكبر الصلاة أو الصيام؟ قلت: الصلاة، قال: فلم وجب على الحائض أن تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟

أينقاس لك هذا؟ قلت: لا. قال: فأيما أضعف المرأة أم الرجل؟ قلت: المرأة، قال:

فلم جعل الله تعالى في الميراث للرجل سهمين، وللمرأة سهما؟ أينقاس لك هذا؟

قلت: لا.

قال: فلم حكم الله تعالى فيمن سرق عشرة دراهم بالقطع، وإذا قطع رجل يد رجل فعليه ديتها خمسة آلاف درهم؟ أينقاس لك هذا؟ قلت: لا.

قال: وقد بلغني أنك تفسر آية في كتاب الله وهي (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) أنه الطعام الطيب والماء البارد في اليوم الصائف. قلت نعم، قال له: دعاك

رجل وأطعمك طعاما طيبا، وأسقاك ماء باردا، ثم امتن عليك به ما كنت تنسبه إليه؟ قلت: إلى البخل، قال: أفيبخل الله تعالى؟! قلت : فما هو؟ قال: حبنا أهل البيت.

21 - ومنه: قال: دخل طاوس على الصادق صلوات الله عليه فقال له: يا طاوس ناشدتك الله هل علمت أحدا أقبل للعذر من الله تعالى؟ قال: اللهم لا، قال:

هل علمت أحدا أصدق ممن قال: لا أقدر وهو لا يقدر؟ قال: اللهم لا. قال: فلم لا يقبل من لا أقبل للعذر منه ممن لا أصدق في القول منه؟ فنفض ثوبه فقال: ما بيني وبين الحق عداوة.

22 - دعائم الاسلام: روينا عن جعفر بن محمد صلوات الله عليهما أنه قال لأبي حنيفة وقد دخل عليه فقال له: يا نعمان ما الذي تعتمد عليه فيما لم تجد فيه نصا في كتاب الله ولا خبرا عن الرسول (صلى الله عليه وآله)؟ قال: أقيسه على ما وجدت من ذلك، قال له: أول من قاس إبليس، فأخطأ إذ أمره الله عز وجل بالسجود لآدم (عليه السلام). فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فرأى أن النار أشرف عنصرا من الطين فخلده ذلك في العذاب المهين، يا نعمان أيهما أطهر المني أو البول؟ قال: المني، قال فقد جعل الله عز وجل في البول الوضوء، وفي المني الغسل ولو كان يحمل على القياس لكان الغسل في البول.

وأيهما أعظم عند الله الزنا أم قتل النفس؟ قال: قتل النفس، قال: فقد جعل الله عز وجل في قتل النفس الشاهدين، وفي الزنا أربعة، ولو كان على القياس لكان الأربعة الشهداء في القتل، لأنه أعظم. وأيهما أعظم عند الله الصلاة أم الصوم؟ قال: الصلاة، قال: فقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحائض بأن تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ولو كان على القياس لكان الواجب أن تقضي الصلاة، فاتق الله يا نعمان ولا تقس فإنا نقف غدا نحن وأنت ومن خالفنا بين يدي الله عز وجل فيسألنا عن قولنا ويسألهم عن قولهم فنقول: قلنا: قال الله وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتقول أنت وأصحابك: رأينا وقسنا، فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء.

23 - وروينا عن بعض الأئمة الطاهرين عليهم السلام والصلاة أنه قال: أتى أبو حنيفة إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فخرج إليه يتوكؤ على عصا فقال له أبو حنيفة: ما هذه العصا يا أبا عبد الله؟ ما بلغ بك من السن ما كنت تحتاج إليها، قال: أجل ولكنها عصا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأردت أن أتبرك بها، قال: أما إني لو علمت ذلك وأنها عصا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقمت وقبلتها. فقال أبو عبد الله عليه الصلاة والسلام: سبحان الله وحسر عن ذراعه وقال: والله يا نعمان لقد علمت أن هذا من شعر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن بشره فما قبلته! فتطاول أبو حنيفة ليقبل يده فاستل كمه وجذب يده ودخل منزله

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.