پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · أبواب احتجاجات أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما صدر عنه من جوامع العلوم

باب 13 احتجاجات الصادق

ج ۱۰، ص ۱۶۲–۱۹۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۰

1 - معاني الأخبار: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن أحمد بن أحمد، عن سليمان بن الخصيب قال: حدثني الثقة قال: حدثنا أبو جمعة رحمة بن صدقة، قال: أتى رجل من بني أمية وكان زنديقا جعفر بن محمد (عليهما السلام) فقال: قول الله عز وجل في كتابه (ألمص) أي شئ أراد بهذا؟ وأي شئ فيه من الحلال والحرام؟ وأي شئ فيه مما ينتفع به الناس؟ قال: فاغتاظ من ذلك جعفر بن محمد (عليها السلام) فقال: أمسك ويحك، الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، كم معك؟ فقال الرجل:

أحد وثلاثون ومائة، فقال له جعفر بن محمد (عليهما السلام): إذا انقضت سنة إحدى وثلاثين ومائة انقضى ملك أصحابك، قال: فنظرنا فلما انقضت سنة إحدى وثلاثين ومائة يوم عاشوراء دخل المسودة الكوفة وذهب ملكهم

بيان: هذا الخبر لا يستقيم إذا حمل على مدة ملكهم لعنهم الله، لأنه كان ألف شهر، ولا على تاريخ الهجرة مع بعد ابتنائه عليه لتأخر حدوث هذا التاريخ عن زمن الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولا على تاريخ عام الفيل لأنه يزيد على أحد وستين ومائة، مع أن أكثر نسخ الكتاب أحد وثلاثون ومائة، وهو لا يوافق عدد الحروف وقد أشكل علي حل هذا الخبر زمانا حتى عثرت على اختلاف ترتيب الأباجاد في كتاب عيون الحساب، فوجدت فيه أن ترتيب، أبجد عند المغاربة هكذا: أبجد، هوز، حطي، كلمن، صعفض، قرست، ثخذ، ظغش، فالصاد المهملة عندهم ستون، و الضاد المعجمة تسعون، والسين المهملة ثلاثمائة، والظاء المعجمة ثمان مائة، والغين المعجمة تسعمائة، والشين المعجمة ألف، فحينئذ يستقيم ما في أكثر النسخ من عدد المجموع، ولعل الاشتباه في قوله: والصاد تسعون من النساخ لظنهم أنه مبني على المشهور، وحينئذ يستقيم إذا بني على البعثة، أو على نزول الآية كما لا يخفى على المتأمل، والله يعلم

2 - الإحتجاج: من سؤال الزنديق الذي سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن مسائل كثيرة: أن قال: كيف يعبد الله الخلق ولم يروه؟ قال (عليه السلام): رأته القلوب بنور الايمان، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان، وأبصرته الابصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف، ثم الرسل وآياتها والكتب ومحكماتها، واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته، قال: أليس هو قادرا أن يظهر لهم حتى يروه ويعرفوه فيعبد على يقين؟ قال: ليس للمحال جواب، قال: فمن أين أثبت أنبياء ورسلا؟ قال (عليه السلام): إنا لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيما لم يجز أن يشاهده خلقه ولا أن يلامسوه ولا أن يباشرهم و .

يباشروه ويحاجهم ويحاجوه ثبت أن له سفراء في خلقه وعباده يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أن له معبرين وهم الأنبياء وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة، مبعوثين عنه، مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، فلا تخلو الأرض من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقال الرسول ووجوب عدالته.

ثم قال (عليه السلام) بعد ذلك: نحن نزعم أن الأرض لا تخلو من حجة، ولا تكون الحجة إلا من عقب الأنبياء، ما بعث الله نبيا قط من غير نسل الأنبياء، وذلك أن الله تعالى شرع لبني آدم طريقا منيرا، وأخرج من آدم نسلا طاهرا طيباء، أخرج منه الأنبياء والرسل، هم صفوة الله، وخلص الجوهر، طهروا في الأصلاب، وحفظوا في الأرحام، لم يصبهم سفاح الجاهلية ولا شاب أنسابهم، لان الله عز وجل جعلهم في موضع لا يكون أعلى درجة وشرفا منه فمن كان خازن علم الله وأمين غيبه ومستودع سره وحجته على خلقه وترجمانه ولسانه لا يكون إلا بهذه الصفة، فالحجة لا يكون إلا من نسلهم يقوم مقام النبي في الخلق بالعلم الذي عنده وورثه عن الرسول، إن جحده الناس سكت، وكان بقاء ما عليه الناس قليلا مما في أيديهم من علم الرسول على اختلاف منهم فيه، قد أقاموا بينهم الرأي والقياس، إن هم أقروا به وأطاعوه وأخذوا عنه ظهر العدل، وذهب الاختلاف والتشاجر، واستوى الامر، وأبان الدين، وغلب على الشك اليقين، ولا يكاد أن يقر الناس به أو يحقوا له بعد فقد الرسول، وما مضى رسول و

لا نبي قط لم يختلف أمته من بعده، وإنما كان علة اختلافهم خلافهم على الحجة وتركهم إياه قال: فما يصنع بالحجة إذا كان بهذه الصفة؟ قال: قد يقتدى به ويخرج عنه الشئ بعد الشئ مما فيه منفعة الخلق وصلاحهم، فإن أحدثوا في دين الله شيئا أعلمهم، وإن زادوا فيه أخبرهم، وإن نقصوا منه شيئا أفادهم ثم قال الزنديق: من أي شئ خلق الأشياء؟ قال (عليه السلام): لامن شئ، فقال: فكيف يجئ من لا شئ شئ؟ قال (عليه السلام): إن الأشياء لا تخلو أن تكون خلقت من شئ أو من غير شئ فإن كانت خلقت من شئ كان معه فإن ذلك الشئ قديم، والقديم لا يكون حديثا ولا يفنى ولا يتغير، ولا يخلو ذلك الشئ من أن يكون جوهرا واحدا ولونا واحدا، فمن أين جاءت هذه الألوان المختلفة والجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتى؟ ومن أين جاء الموت إن كان الشئ الذي أنشئت منه الأشياء حيا؟ أومن أين جاءت الحياة إن كان ذلك الشئ ميتا؟ ولا يجوز أن يكون من حي وميت قديمين لم يزالا، لان الحي لا يجئ منه ميت وهو لم يزل حيا، ولا يجوز أيضا أن يكون الميت قديما لم يزل بما هو به من الموت، لان الميت لا قدرة له ولا بقاء قال: فمن أين قالوا أن الأشياء أزلية؟ قال: هذه مقالة قوم جحدوا مدبر الأشياء فكذبوا الرسل ومقالتهم والأنبياء وما أنبؤوا عنه، وسموا كتبهم أساطير الأولين، ووضعوا لأنفسهم دينا بآرائهم واستحسانهم، إن الأشياء تدل على حدوثها من دوران الفلك بما فيه وهي سبعة أفلاك، وتحرك الأرض ومن عليها، وانقلاب الأزمنة واختلاف الوقت والحوادث التي تحدث في العالم من زيادة ونقصان وموت وبلى واضطرار النفس إلى الاقرار بأن لها صانعا ومدبرا، أما ترى الحلو يصير حامضا والعذب مرا، و الجديد باليا، وكل إلى تغير وفناء؟

قال: فلم يزل صانع العالم عالما بالاحداث التي أحدثها أن يحدثها؟ قال:

لم يزل يعلم فخلق ما علم

قال: أمختلف هو أم مؤتلف؟ قال: لا يليق به الاختلاف ولا الايتلاف، إنما يختلف المتجزئ، ويأتلف المتبعض، فلا يقال له: مؤتلف ولا مختلف قال: فكيف هو الله الواحد؟ قال: واحد في ذاته، فلا واحد كواحد، لان ما سواه من الواحد متجزئ، وهو تبارك وتعالى واحد لا متجزئ ولا يقع عليه العد.

قال: فلأي علة خلق الحلق وهو غير محتاج إليهم، ولا مضطر إلى خلقهم، ولا يليق به العبث بنا؟ قال: خلقهم لاظهار حكمته، وإنفاذ علمه، وإمضاء تدبيره.

قال: وكيف لا يقتصر على هذه الدار فيجعلها دار ثوابه ومحتبس عقابه؟ قال:

إن هذه الدار دار ابتلاء، ومتجر الثواب، ومكتسب الرحمة، ملئت آفات، وطبقت شهوات ليختبر فيها عبيده بالطاعة، فلا يكون دار عمل دار جزاء قال: أفمن حكمته أن جعل لنفسه عدوا وقد كان ولا عدوله؟ فخلق كما زعمت إبليس فسلطه على عبيده يدعوهم إلى خلاف طاعته، ويأمرهم بمعصيته، وجعل له من القوة كما زعمت يصل بلطف الحيلة إلى قلوبهم فيوسوس إليهم فيشككهم في ربهم ويلبس عليهم دينهم، فيزيلهم عن معرفته حتى أنكر قوم لما وسوس إليهم ربوبيته و عبدوا سواه، فلم سلط عدوه على عبيده وجعل له السبيل إلى إغوائهم؟

قال: إن هذا العدو الذي ذكرت لا يضره عداوته، ولا ينفعه ولايته، عداوته لا تنقص من ملكه شيئا، وولايته لا تزيد فيه شيئا، وإنما يتقى العدو إذا كان في قوة يضر وينفع، إن هم بملك أخذه، أو بسلطان قهره فأما إبليس فعبد خلقه ليعبده و يوحده، وقد علم حين خلقه ما هو وإلى ما يصير إليه، فلم يزل يعبده مع ملائكته حتى امتحنه بسجود آدم فامتنع من ذلك حسدا وشقاوة غلبت عليه فلعنه عند ذلك و أخرجه عن صفوف الملائكة، وأنزله الأرض ملعونا مدحورا، فصار عدو آدم وولده

بذلك السبب، وماله من السلطنة على ولده إلا الوسوسة والدعاء إلى غير السبيل، وقد أقر مع معصيته لربه بربوبيته.

قال: أفيصلح السجود لغير الله؟ قال: لا قال: فكيف أمر الله الملائكة بالسجود لآدم؟ قال: إن من سجد بأمر الله فقد سجد لله، فكان سجوده لله إذا كان عن أمر الله.

قال: فمن أين أصل الكهانة؟ ومن أين يخبر الناس بما يحدث؟ قال: إن الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأمور بينهم فيخبرهم بأشياء تحدث وذلك في وجوه شتى: من فراسة العين، وذكاء القلب، ووسوسة النفس، وفطنة الروح مع قذف في قلبه، لان ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشيطان ويؤديه إلى الكاهن ويخبره بما يحدث في المنازل والأطراف، وأما أخبار السماء فإن الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ذاك وهي لا تحجب ولا ترجم بالنجوم، وإنما منعت من استراق السمع لئلا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء ولبس على أهل الأرض ما جاءهم عن الله لاثبات الحجة ونفي الشبه، وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث من الله في خلقه فيختطفها ثم يهبط بها إلى الأرض فيقذفها إلى الكاهن، فإذا قد زاد من كلمات عنده فيختلط الحق بالباطل، فما أصاب الكاهن من خبر مما كان يخبر به فهو ما أداه إليه شيطانه مما سمعه، وما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه، فمذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة، واليوم إنما تؤدي الشياطين إلى كهانها أخبارا للناس مما يتحدثون به وما يحدثونه، والشياطين تؤدي إلى الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث من سارق سرق، وقاتل قتل، وغائب غاب، وهم بمنزلة الناس أيضا صدوق وكذوب فقال: كيف صعدت الشياطين إلى السماء وهم أمثال الناس في الخلقة والكثافة، وقد كانوا يبنون لسليمان بن داود من البناء ما يعجز عنه ولد آدم؟ قال غلظوا لسليمان

كما سخروا، وهم خلق رقيق غذاؤهم التنسم، والدليل على ذلك صعودهم إلى السماء لاستراق السمع، ولا يقدر الجسم الكثيف على الارتقاء إليها إلا بسلم أو سبب قال: فأخبرني عن السحر ما أصله؟ وكيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه وما يفعل؟ قال إن السحر على وجوه شتى: وجه منها بمنزلة الطب كما أن الأطباء وضعوا لكل داء دواء فكذلك علم السحر احتالوا لكل صحة آفة، ولكل عافية عاهة، ولكل معنى حيلة. ونوع منه آخر خطفة وسرعة ومخاريق وخفة. ونوع منه ما يأخذ أولياء الشياطين عنهم.

قال: فمن أين علم الشياطين السحر؟ قال: من حيث عرف الأطباء الطب، بعضه تجربة، وبعضه علاج.

قال: فما تقول في الملكين: هاروت وماروت وما يقول الناس بأنهما يعلمان الناس السحر؟ قال: إنهما موضع ابتلاء وموقف فتنة، تسبيحهما: اليوم لو فعل الانسان كذا وكذا لكان كذا، ولو يعالج بكذا وكذا لصار كذا، أصناف سحر فيتعلمون منهما ما يخرج عنهما فيقولان لهم: إنما نحن فتنة فلا تأخذوا عنا ما يضركم ولا ينفعكم.

قال: أفيقدر الساحر أن يجعل الانسان بسحره في صورة الكلب والحمار أو غير ذلك؟ قال: هو أعجز من ذلك وأضعف من أن يغير خلق الله، إن من أبطل ما ركبه الله وصوره وغيره فهو شريك لله في خلقه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهموم والآفة والأمراض، ولنفى البياض عن رأسه والفقر عن ساحته، وإن من أكبر السحر النميمة، يفرق بها بين المتحابين، ويجلب العداوة على المتصافيين، ويسفك بها الدماء، ويهدم بها الدور، ويكشف الستور، والنمام أشر من وطئ على الأرض بقدم، فأقرب أقاويل السحر من الصواب أنه بمنزلة الطب،

إن الساحر عالج الرجل فامتنع من مجامعة النساء، فجاء الطبيب فعالجه بغير ذلك العلاج فابرئ.

قال: فما بال ولد آدم فيهم شريف ووضيع؟ قال: الشريف: المطيع، والوضيع:

العاصي، قال: أليس فيهم فاضل ومفضول؟ قال: إنما يتفاضلون بالتقوى.

قال: فتقول: إن ولد آدم كلهم سواء في الأصل لا يتفاضلون إلا بالتقوى؟

قال: نعم إني وجدت أصل الخلق التراب، والأب آدم، والام حواء، خلقهم إله واحد وهم عبيده، إن الله عز وجل اختار من ولد آدم أناسا طهر ميلادهم، وطيب أبدانهم، وحفظهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، أخرج منهم الأنبياء والرسل، فهم أزكى فروع آدم فعل ذلك لا لأمر استحقوه من الله عز وجل، ولكن علم الله منهم حين ذرأهم أنهم يطيعونه ويعبدونه ولا يشركون به شيئا، فهؤلاء بالطاعة نالوا من الله الكرامة والمنزلة الرفيعة عنده، وهؤلاء الذين لهم الشرف والفضل والحسب، وسائر الناس سواء، الأمن اتقى الله أكرمه ومن أطاعه أحبه، ومن أحبه لم يعذبه بالنار قال: فأخبرني عن الله عز وجل كيف لم يخلق الخلق كلهم مطيعين موحدين وكان على ذلك قادرا؟ قال (عليه السلام): لو خلقهم مطيعين لم يكن لهم ثواب، لان الطاعة إذا ما كانت فعلهم، ولم تكن جنة ولا نار، ولكن خلق فأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته، واحتج عليهم برسله وقطع عذرهم بكتبه ليكونوا هم الذين يطيعون و يعصون ويستوجبون بطاعتهم له الثواب وبمعصيتهم إياه العقاب.

قال: فالعمل الصالح من العبد هو فعله؟ والعمل الشر من العبد هو فعله؟ قال:

العمل الصالح العبد يفعله والله به أمره، والعمل الشر العبد يفعله والله عنه نهاه. قال:

أليس فعله بالآلة التي ركبها فيه؟ قال: نعم ولكن بالآلة التي عمل بها الخير قدر بها على الشر الذي نهاه عنه.

قال: فإلى العبد من الامر شئ؟ قال: ما نهاه الله عن شئ إلا وقد علم أنه يطيق

تركه، ولا أمره بشئ إلا وقد علم أنه يستطيع فعله، لأنه ليس من صفته الجور والعبث والظلم وتكليف العباد مالا يطيقون.

قال: فمن خلقه الله كافرا يستطيع الايمان وله عليه بتركه الايمان حجة؟

قال (عليه السلام): إن الله خلق خلقه جميعا مسلمين، أمرهم ونهاهم، والكفر اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد، ولم يخلق الله العبد حين خلقه كافرا، إنه إنما كفر من بعدان بلغ وقتا لزمته الحجة من الله تعالى، فعرض عليه الحق فجحده، فبإنكار الحق صار كافرا.

قال: فيجوز أن يقدر على العبد الشر ويأمره بالخير وهو لا يستطيع الخير أن يعمله ويعذبه عليه؟ قال: إنه لا يليق بعدل الله ورأفته أن يقدر على العبد الشر ويريده منه، ثم يأمره بما يعلم أنه لا يستطيع أخذه والانتزاع عما لا يقدر على تركه، ثم يعذبه على تركه أمره الذي علم أنه لا يستطيع أخذه.

قال: فبماذا استحق الذين أغناهم وأوسع عليهم من رزقه الغنى والسعة؟ وبماذا استحق الفقراء التقتير والضيق؟ قال: اختبر الأغنياء بما أعطاهم لينظر كيف شكرهم، والفقراء إنما منعهم لينظر كيف صبرهم، ووجه آخر أنه عجل لقوم في حياتهم، ولقوم آخر ليوم حاجتهم إليه، ووجه آخر أنه علم احتمال كل قوم فأعطاهم على قدر احتمالهم، ولو كان الخلق كلهم أغنياء لخربت الدنيا وفسد التدبير وصار أهلها إلى الفناء، ولكن جعل بعضهم لبعض عونا، وجعل أسباب أرزاقهم في ضروب الاعمال وأنواع الصناعات، وذلك أدوم في البقاء وأصح في التدبير، ثم اختبر الأغنياء باستعطاف الفقراء كل ذلك لطف ورحمة من الحكيم الذي لا يعاب تدبيره.

قال: فبما استحق الطفل الصغير ما يصيبه من الأوجاع والأمراض بلا ذنب عمله

ولا جرم سلف منه؟ قال: إن المرض على وجوه شتى: مرض بلوى، ومرض العقوبة، ومرض جعل عليه الفناء وأنت تزعم أن ذلك من أغذية رديئة، وأشربة وبيئة، أو من علة كانت بأمه، وتزعم أن من أحسن السياسة لبدنه وأجمل النظر في أحوال نفسه وعرف الضار مما يأكل من النافع لم يمرض، وتميل في قولك إلى من يزعم أنه لا يكون المرض والموت إلا من المطعم والمشرب، قد مات أرسطاطاليس معلم الأطباء، وأفلاطون رئيس الحكماء، وجالينوس شاخ ودق بصره، وما دفع الموت حين نزل بساحته، ولم يألوا حفظ نفسهم والنظر لما يوافقها، كم من مريض قد زاده المعالج سقما! وكم من طبيب عالم وبصير بالا دواء والأدوية ماهر مات، وعاش الجاهل بالطب بعده زمانا!

فلا ذاك نفعه علمه بطبه عند انقطاع مدته وحضور أجله، ولا هذا ضره الجهل بالطب مع بقاء المدة وتأخر الأجل.

ثم قال (عليه السلام): إن أكثر الأطباء قالوا: إن علم الطب لم يعرفه الأنبياء، فما نصنع على قياس قولهم بعلم زعموا ليس تعرفه الأنبياء الذين كانوا حجج الله على خلقه، وامناءه في أرضه، وخزان علمه وورثة حكمته، والا دلاء عليه، والدعاة إلى طاعته؟

ثم إني وجدت أكثرهم يتنكب في مذهبه سبل الأنبياء ويكذب الكتب المنزلة عليهم من الله تبارك وتعالى، فهذا الذي أزهدني في طلبه وحامليه.

قال فكيف تزهد في قوم وأنت مؤد بهم وكبيرهم؟ قال: إني لما رأيت الرجل منهم الماهر في طبه إذا سألته لم يقف على حدود نفسه، وتأليف بدنه وتركيب أعضائه، ومجرى الأغذية في جوارحه ومخرج نفسه، وحركة لسانه، ومستقر كلامه، ونور

بصره، وانتشار ذكره، واختلاف شهواته، وانسكاب عبراته، ومجمع سمعه، وموضع عقله، ومسكن روحه، ومخرج عطسته، وهيج غمومه، وأسباب سروره، وعلة ما حدث فيه من بكم وصمم وغير ذلك لم يكن عندهم في ذلك أكثر من أقاويل استحسنوها وعلل فيما بينهم جوزوها.

قال: فأخبرني عن الله عز وجل أله شريك في ملكه، أو مضاد له في تدبيره؟

قال: لا، قال: فما هذا الفساد الموجود في هذا العالم من سباع ضارية، وهوام مخوفة، وخلق كثير مشوهة، ودود وبعوض وحيات وعقارب، وزعمت أنه لا يخلق شيئا إلا لعلة لأنه لا يعبث؟ قال: ألست تزعم أن العقارب تنفع من وجع المثانة والحصاة، ولمن يبول في الفراش، وأن أفضل الترياق ما عولج من لحوم الأفاعي، وأن لحومها إذا أكلها المجذوم لشبت نفعه، وتزعم أن الدود الأحمر الذي بصاب تحت الأرض نافع للاكلة؟

قال: نعم، قال (عليه السلام): فأما البعوض والبق فبعض سببه أنه جعل أرزاق الطير، وأهان بها جبارا تمرد على الله وتجبر وأنكر ربوبيته، فسلط الله عليه أضعف خلقه ليريه قدرته وعظمته وهي البعوض فدخلت في منخره حتى وصلت إلى دماغه فقتلته. واعلم أنا لو وقفنا على كل شئ خلقه الله لم خلقه ولأي شئ أنشأه لكنا قد ساويناه في علمه، وعلمنا كل ما يعلم واستغنينا عنه وكنا وهو في العلم سواء.

قال: فأخبرني هل يعاب شئ من خلق الله وتدبيره؟ قال: لا، قال: فإن الله خلق خلقه غرلا، أذلك منه حكمة أم عبث؟ قال: بل حكمة منه؟ قال: غيرتم

خلق الله وجعلتم فعلكم في قطع القلفة أصوب مما خلق الله لها وعبتم الأقلف، والله خلقه، ومدحتم الختان وهو فعلكم، أم تقولون: إن ذلك من الله كان خطأ غير حكمة؟!

قال (عليه السلام): ذلك من الله حكمة وصواب غير أنه سن ذلك وأوجبه على خلقه، كما أن المولود إذا خرج من بطن أمه وجدنا سرته متصلة بسرة أمه كذلك خلقها الحكيم، فأمر العباد بقطعها وفي تركها فساد بين للمولود والام، وكذلك أظفار الانسان أمر إذا طالت أن تقلم، وكان قادرا يوم دبر خلقة الانسان أن يخلقها خلقة لا تطول، وكذلك الشعر من الشارب والرأس يطول فيجز، وكذلك الثيران خلقها فحولة وإخصاؤها أوفق، ليس في ذلك عيب في تقدير الله تعالى.

قال: ألست تقول: يقول الله: (ادعوني أستجب لكم) وقد نرى المضطر يدعوه فلا يستجاب له، والمظلوم يستنصره على عدوه فلا ينصره. قال (عليه السلام): ويحك ما يدعوه أحد إلا استجاب له، أما الظالم فدعاؤه مردود إلى أن يتوب إليه، وأما المحق فإنه إذا دعاه استجاب له وصرف عنه البلاء من حيث لا يعلمه، وادخر له ثوابا جزيلا ليوم حاجته إليه، وإن لم يكن الامر الذي سأل العبد خيرة له إن أعطاه أمسك عنه، والمؤمن العارف بالله ربما عز عليه أن يدعوه فيما لا يدري أصواب ذلك أم خطأ، وقد يسأل العبد ربه إهلاك من لم ينقطع مدته، ويسأل المطروقتا، ولعله أوان لا يصلح فيه المطر لأنه أعرف بتدبير ما خلق من خلقه، وأشباه ذلك كثيرة، فافهم هذا.

قال: فأخبرني أيها الحكيم ما بال السماء لا ينزل منها إلى الأرض أحد، ولا يصعد من الأرض إليها بشر، ولا طريق إليها ولا مسلك؟ فلو نظر العباد في كل دهر مرة من يصعد إليها وينزل لكان ذلك أثبت في الربوبية، وأنفى للشك، وأقوى لليقين وأجدر أن يعلم العباد أن هناك مدبرا، إليه يصعد الصاعد، ومن عنده يهبط الهابط!

قال (عليه السلام): إن كل ما ترى في الأرض من التدبير إنما هو ينزل من السماء و منها ما يظهر، أما ترى الشمس منها تطلع، وهي نور النهار، وفيها قوام الدنيا، ولو حبست حار من عليها وهلك؟ والقمر منها يطلع، وهو نور الليل، وبه يعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام، ولو حبس لحار من عليها وفسد التدبير؟ وفي السماء النجوم التي يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ومن السماء ينزل الغيث الذي فيه حياة كل شئ من الزرع والنبات والانعام، وكل الخلق لو حبس عنهم لما عاشوا، والريح لو حبست أياما لفسدت الأشياء جميعا وتغيرت، ثم الغيم والرعد والبرق و الصواعق كل ذلك إنما هو دليل على أن هناك مدبرا يدبر كل شئ ومن عنده ينزل، وقد كلم الله موسى عليه السلام وناجاه، ورفع الله عيسى بن مريم، والملائكة تنزل من عنده غير أنك لا تؤمن بما لم تره بعينك، وفيما تراه بعينك كفاية أن تفهم وتعقل.

قال: فلو أن الله رد إلينا من الأموات في كل مائة عام لنسأله عمن مضى منا إلى ما صاروا وكيف حالهم وماذا لقوا بعد الموت وأي شئ صنع بهم ليعمل الناس على اليقين اضمحل الشك وذهب الغل عن القلوب قال: إن هذه مقالة من أنكر الرسل وكذبهم، ولم يصدق بما به من عند الله إذا أخبروا وقالوا: إن الله أخبر في كتابه عز وجل على لسان الأنبياء حال من مات منا، أفيكون أحد أصدق من الله قولا ومن رسله؟ وقد رجع إلى الدنيا ممن مات خلق كثير، منهم أصحاب الكهف أماتهم الله ثلاث مائة عام وتسعة ثم بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث ليقطع حجتهم وليريهم قدرته وليعلموا أن البعث حق، وأمات الله إرميا النبي الذي نظر إلى

خراب بيت المقدس وما حوله حين غزاهم بخت نصر فقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم أحياه ونظر إلى أعضائه كيف تلتئم وكيف تلبس اللحم وإلى مفاصله وعروقه كيف توصل، فلما استوى قاعدا قال: أعلم أن الله على كل شئ قدير، وأحيا الله قوما خرجوا عن أوطانهم هاربين من الطاعون لا يحصى عددهم فأماتهم الله دهرا طويلا حتى بليت عظامهم وتقطعت أوصالهم وصاروا ترابا، فبعث الله تعالى في وقت أحب أن يري خلقه قدرته نبيا يقال له: حزقيل فدعاهم فاجتمعت أبدانهم ورجعت فيها أرواحهم، وقاموا كهيئة يوم ما توا لا يفتقدون من أعدادهم رجلا فعاشوا بعد ذلك دهرا طويلا، وأن الله أمات قوما خرجوا مع موسى حين توجه إلى الله فقالوا: أرنا الله جهرة، فأماتهم الله ثم أحياهم.

قال: فأخبرني عمن قال بتناسخ الأرواح من أي شئ قالوا ذلك؟ وبأي حجة قاموا على مذاهبهم؟ قال: إن أصحاب التناسخ قد خلفوا وراءهم منهاج الدين وزينوا لأنفسهم الضلالات، وأمرجوا أنفسهم في الشهوات، وزعموا أن السماء خاوية ما فيها شئ مما يوصف، وأن مدبر هذا العالم في صورة المخلوقين بحجة من روى أن الله عز وجل خلق آدم على صورته، وأنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور، والقيامة عندهم خروج الروح من قالبه وولوجه في قالب آخر، إن كان محسنا في القالب الأول أعيد في قالب أفضل منه حسنا في أغلى درجة الدنيا وإن كان مسيئا أو غير عارف صار في بعض الدواب المتعبة في الدنيا أو هوام مشوهة الخلقة، وليس عليهم صوم ولا صلاة ولا شئ من العبادة أكثر من معرفة من تجب عليه معرفته، وكل شئ من شهوات الدنيا مباح لهم من فروج النساء وغير ذلك من نكاح الأخوات والبنات والخالات وذوات البعولة، وكذلك الميتة والخمر والدم، فاستقبح مقالتهم كل الفرق ولعنهم كل الأمم،

فلما سألوا الحجة زاغوا وحادوا، فكذب مقالتهم التوراة، ولعنهم الفرقان، وزعموا مع ذلك أن إلههم ينتقل من قالب إلى قالب، وأن الأرواح الأزلية هي التي كانت في آدم، ثم هلم جرا تجري إلى يومنا هذا في واحد بعد آخر، فإذا كان الخالق في صورة المخلوق فبما يستدل على أن أحدهما خالق صاحبه؟ وقالوا: إن الملائكة من ولد آدم، كل من صار في أعلى درجة دينهم خرج من منزلة الامتحان و التصفية فهو ملك، فطورا تخالهم نصارى في أشياء، وطورا دهرية يقولون: إن الأشياء على غير الحقيقة، قد كان يجب عليهم أن لا يأكلوا شيئا من اللحمان، لان الدواب عندهم كلها من ولد آدم حولوا من صورهم، فلا يجوز أكل لحوم القرابات. قال: ومن زعم أن الله لم يزل ومعه طينة مؤذية فلم يستطع التفصي منها إلا بامتزاجه بها ودخوله فيها، فمن تلك الطينة خلق الأشياء قال: سبحان الله وتعالى ما أعجز إلها يوصف بالقدرة لا يستطيع التفصي من الطينة؟ إن كانت الطينة حية أزلية فكانا إلهين قديمين فامتزجا ودبرا العالم من أنفسهما، فإن كان ذلك كذلك فمن أين جاء الموت والفناء؟ وإن كانت الطينة ميتة فلابقاء للميت مع الأزلي القديم، والميت لا يجئ منه حي، هذه مقالة الديصانية أشد الزنادقة قولا وأهملهم مثلا، نظروا في كتب قد صنفتها أوائلهم وحبروها لهم بألفاظ مزخرفة من غير أصل ثابت ولا حجة توجب إثبات ما ادعوا، كل ذلك خلافا على الله وعلى رسله وتكذيبا بما جاؤوا به عن الله، فأما من زعم أن الأبدان ظلمة والأرواح نور وأن النور لا يعمل الشر والظلمة لا تعمل الخير فلا تجب عليهم أن يلوموا أحدا على معصية، ولا ركوب حرمة ولا إتيان

فاحشة، وأن ذلك على الظلمة غير مستنكر، لان ذلك فعلها، ولاله أن يدعو ربا ولا يتضرع إليه، لان النور رب، والرب لا يتضرع إلى نفسه ولا يستعيذ بغيره، ولا لاحد من أهل هذه المقالة أن يقول: أحسنت أو أسأت، لان الإساءة من فعل الظلمة وذلك فعلها ، والاحسان من النور ولا يقول النور لنفسه: أحسنت يا محسن، وليس هناك ثالث فكانت الظلمة على قياس قولهم أحكم فعلا وأتقن تدبيرا وأعز أركانا من النور، لان الأبدان محكمة، فمن صور هذا الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة؟ وكل شئ يرى ظاهرا من الزهر والأشجار والثمار والطير والدوات يجب أن يكون إلها، ثم حبست النور في حبسها والدولة لها.

وأما ما ادعوا بأن العاقبة سوف تكون للنور فدعوى، وينبغي على قياس قولهم أن لا يكون للنور فعل لأنه أسير، وليس له سلطان فلا فعل له ولا تدبير، وإن كان له مع الظلمة تدبير فما هو بأسير بل هو مطلق عزيز، فإن لم يكن كذلك وكان أسير الظلمة فإنه يظهر في هذا العالم إحسان وخير مع فساد وشر فهذا يدل على أن الظلمة تحسن الخير وتفعله كما تحسن الشر وتفعله، فإن قالوا محال ذلك فلا نور يثبت ولا ظلمة وبطلت دعواهم ورجع الامر إلى أن الله واحد وما سواه باطل، فهذه مقالة ماني الزنديق وأصحابه، وأما من قال: النور والظلمة بينهما حكم، فلابد من أن يكون أكبر الثلاثة الحكم، لأنه لا يحتاج إلى الحاكم إلا مغلوب أو جاهل أو مظلوم، وهذه مقالة المدقونية، والحكاية عنهم تطول.

قال: فما قصة ماني؟ قال: متفحص أخذ بعض المجوسية فشابها ببعض النصرانية، فأخطأ الملتين ولم يصب مذهبا واحدا منهما، وزعم أن العالم دبر من إلهين: نور وظلمة، وأن النور في حصار من الظلمة على ما حكينا منه، فكذبته النصارى وقبلته المجوس. قال: فأخبرني عن المجوس أبعث الله إليهم نبيا؟ فإني أجدلهم كتبا محكمة و مواعظ بليغة وأمثالا شافية يقرون بالثواب والعقاب ولهم شرائع يعملون بها. قال: مامن أمة إلا خلا فيها نذير وقد بعث إليهم نبي بكتاب من عند الله فأنكروه وجحدوا لكتابه.

قال: ومن هو فإن الناس يزعمون أنه خالد بن سنان؟ قال (عليه السلام): إن خالدا كان غريبا بدويا ما كان نبيا وإنما ذلك شئ يقوله الناس قال: أفزردشت؟ قال: إن زردشت أتاهم بزمزمة وادعى النبوة فآمن منهم قوم وجحده قوم فأخرجوه فأكلته السباع في برية من الأرض.

قال: فأخبرني عن المجوس كانوا أقرب إلى الصواب في دهرهم أم العرب؟ قال:

العرب في الجاهلية كانت أقرب إلى الدين الحنيفي من المجوس وذلك أن المجوس

كفرت بكل الأنبياء وجحدت كتبها وأنكرت براهينها ولم تأخذ بشئ من سننها و آثارها، وأن كيخسرو ملك المجوس في الدهر الأول قتل ثلاثمائة نبي، وكانت المجوس لا تغتسل من الجنابة والعرب كانت تغتسل والاغتسال من خالص شرائع الحنيفية وكانت المجوس لا تختتن وهو من سنن الأنبياء، وأن أول من فعل ذلك إبراهيم خليل الله وكانت المجوس لا تغتسل موتاهم ولا تكفنها وكانت العرب تفعل ذلك، وكانت المجوس ترمي الموتى في الصحارى والنواويس والعرب تواريها في قبورها وتلحد لها وكذلك السنة على الرسل إن أول من حفر له قبر آدم أبو البشر والحد له لحد، وكانت المجوس تأتي الأمهات وتنكح البنات والأخوات وحرمت ذلك العرب، وأنكرت المجوس بيت الله الحرام وسمته بيت الشيطان والعرب كانت تحجه وتعظمه ويقول: بيت ربنا، وتقر بالتوراة والإنجيل وتسأل أهل الكتاب وتأخذ عنهم، وكانت العرب في كل الأسباب أقرب إلى الدين الحنيفي من المجوس.

قال: فإنهم احتجوا بإتيان الأخوات أنها سنة من آدم قال: فما حجتهم في إتيان البنات والأمهات وقد حرم ذلك آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء عليهم السلام وكل ما جاء عن الله عز وجل.

قال: فلم حرم الله تعالى الخمر ولا لذة أفضل منها؟ قال: حرمها لأنها أم الخبائث أوليس كل شئ يأتي على شاربها ساعة يسلب لبه ولا يعرف ربه ولا يترك معصية إلا ركبها ولا حرمة إلا انتهكها ولا رحما ماسة إلا قطعها ولا فاحشة إلا أتاها، والسكران زمامه بيد الشيطان إن أمره أن يسجد للأوثان سجد وينقاد حيث ما قاده.

قال: فلم حرم الدم المسفوح؟ قال: لأنه يورث القساوة، ويسلب الفؤاد رحمته، ويعفن البدن، ويغير اللون، وأكثر ما يصيب الانسان الجذام يكون من أكل الدم.

قال: فأكل الغدد؟ قال: يورث الجذام. قال: فالميتة لم حرمها؟ قال: (صلوات

الله عليه) فرقا بينها وبين ما يذكر عليه اسم الله والميتة قد جمد فيها الدم وتراجع إلى بدنها فلحمها تقيل غير مرئ لأنها يؤكل لحمها بدمها.

قال: فالسمك ميتة؟ قال: إن السمك ذكاته إخراجه حيا من الماء ثم يترك حتى يموت من ذات نفسه وذلك أنه ليس له دم وكذلك الجراد.

قال: فلم حرم الزنا؟ قال: لما فيه من الفساد وذهاب المواريث وانقطاع الأنساب لاتعلم المرأة في الزنا من أحبلها ولا المولود يعلم من أبوه ولا أرحام موصولة ولا قرابة معروفة. قال: فلم حرم اللواط؟ قال: من أجل أنه لو كان إتيان الغلام حلالا لاستغنى الرجال عن النساء، وكان فيه قطع النسل وتعطيل الفروج وكان في إجازة ذلك فساد كثير.

قال: فلم حرم إتيان البهيمة؟ قال (عليه السلام): كره أن يضيع الرجل ماءه ويأتي غير شكله ولو أباح ذلك لربط كل رجل أتانا يركب ظهرها ويغشى فرجها فكان يكون في ذلك فساد كثير فأباح ظهورها وحرم عليهم فروجها وخلق للرجال النساء ليأنسوا بهن ويسكنوا إليهن ويكن موضع شهواتهم وأمهات أولادهم.

قال: فما علة الغسل من الجنابة وإن ما أتى حلال وليس في الحلال تدنيس؟

قال (عليه السلام): إن الجنابة بمنزلة الحيض، وذلك أن النطفة دم لا تستحكم، ولا يكون الجماع إلا بحركة شديدة وشهوة غالبة، وإذا فرغ تنفس البدن ووجد الرجل من نفسه رائحة كريهة فوجب الغسل لذلك، وغسل الجنابة مع ذلك أمانة ائتمن الله تعالى عليها عبيده ليختبرهم بها.

قال: أيها الحكيم فما تقول فيمن زعم أن هذا التدبير الذي يظهر في هذا العالم تدبير النجوم السبعة؟ قال: يحتاجون إلى دليل أن هذا العالم الأكبر والعالم الأصغر من تدبير النجوم التي تسبح في الفلك وتدور حيث دارت متعبة لا تفتر، وسائرة

لا تقف. ثم قال: وإن كل نجم منها موكل مدبر فهي بمنزلة العبيد المأمورين المنهيين، فلو كانت قديمة أزلية لم تتغير من حال. إلى حال. قال: فمن قال : بالطبائع؟ قال: من لم يملك البقاء ولاصرف الحوادث وغيرته الأيام والليالي لا يرد الهرم ولا يدفع الأجل ما تصنع به؟ قال: فأخبرني عمن زعم أن الخلق لم يزل يتناسلون ويتوالدون، ويذهب قرن ويجئ قرن، تفنيهم الأمراض والاعراض وصنوف الآفات، يخبرك الآخر عن الأول وينبئك الخلف عن السلف والقرون عن القرون أنهم وجدوا الخلق على هذا الوصف بمنزلة الشجر والنبات، في كل دهر يخرج منه حكيم عليم بمصلحة الناس بصير بتأليف الكلام ويصنف كتابا قد حبره بفطنته، وحسنه بحكمته، قد جعله حاجزا بين الناس، يأمرهم بالخير ويحثهم عليه، وينهاهم عن السوء والفساد ويزجرهم عنه، لئلايتها وشوا ولا يقتل بعضهم بعضا.

قال (عليه السلام): ويحك إن من خرج من بطن أمه أمس ويرحل عن الدنيا غدا لاعلم له بما كان قبله ولا ما يكون بعده، ثم إنه لا يخلو الانسان من أن يكون خلق نفسه، أو خلقه غيره، أولم يزل موجودا، فما ليس بشئ لا يقدر على أن يخلق شيئا وهو ليس بشئ، وكذلك ما لم يكن فيكون شيئا يسأل فلا يعلم كيف كان ابتداؤه، ولو كان الانسان أزليا لم تحدث فيه الحوادث، لان الأزلي لا تغيره الأيام ولا يأتي عليه الفناء، مع أنا لم نجد بناء من غير بان، ولا أثرا من غير مؤثر، ولا تأليفا من غير مؤلف، فمن زعم أن أباه خلقه قيل: فمن خلق أباه؟ ولو أن الأب هو الذي خلق ابنه لخلقه على شهوته، وصوره على محبته، ولملك حياته، ولجار فيه حكمه، مرض

فلم ينفعه، ومات فعجز عن رده، إن من استطاع أن يخلق خلقا وينفخ فيه روحا حتى يمشي على رجليه سويا يقدر أن يدفع عنه الفساد.

قال: فما تقول في علم النجوم؟ قال: هو علم قلت منافعه وكثرت مضراته لأنه لا يدفع به المقدور، ولا يتقى به المحذور، إن أخبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرز من القضاء، وإن أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله، وإن حدث به سوء لم يمكنه صرفه، و المنجم يضاد الله في علمه بزعمه أنه يرد قضاء الله عن خلقه. قال: فالرسول أفضل أم الملك المرسل إليه؟ قال: بل الرسول أفضل. قال: فما علة الملائكة الموكلين بعباده يكتبون عليهم ولهم، والله عالم السر وما هو أخفى؟ قال:

استعبدهم بذلك وجعلهم شهودا على خلقه، ليكون العباد لملازمتهم إياهم أشد على طاعة الله مواظبة، وعن معصيته أشد انقباضا، وكم من عبد يهم بمعصية فيذكر مكانها فارعوى وكف، فيقول: ربي يراني وحفظتي علي بذلك تشهد، وأن الله برأفته ولطفه أيضا وكلهم بعباده يذبون عنه مردة الشياطين، وهوام الأرض، و آفات كثيرة من حيث لا يرون بإذن الله إلى أن يجئ أمر الله عز وجل.

قال: فخلق الخلق للرحمة أم للعذاب؟ قال: خلقهم للرحمة وكان في علمه قبل خلقه إياهم أن قوما منهم يصيرون إلى عذابه بأعمالهم الرديئة وجحدهم به؟. قال: يعذب من أنكر فاستوجب عذابه بإنكاره، فبم يعذب من وحده وعرفه؟ قال: يعذب المنكر لإلهيته عذاب الأبد، ويعذب المقربه عذابا عقوبة لمعصيته إياه فيما فرض عليه، ثم يخرج ولا يظلم ربك أحدا.

قال: فبين الكفر والايمان منزلة؟ قال: لا. قال: فما الايمان وما الكفر؟

قال: الايمان أن يصدق الله فيما غاب عنه من عظمة الله لتصديقه بما شاهد من ذلك وعاين، والكفر الجحود.

قال: فما الشرك وما الشك؟ قال: الشرك أن يضم إلى الواحد الذي ليس كمثله شئ آخر، والشك ما لم يعتقد قلبه شيئا.

قال: أفيكون العالم جاهلا؟ قال: عالم بما يعلم، وجاهل بما يجهل. قال:

فما السعادة وما الشقاوة؟ قال السعادة سبب خير تمسك به السعيد فيجره إلى النجاة، والشقاوة سبب خذلان تمسك به الشقي فجره إلى الهلكة، وكل بعلم الله تعالى. قال: أخبرني عن السراج إذا انطفأ أين يذهب نوره؟ قال: يذهب فلا يعود.

قال: فما أنكرت أن يكون الانسان مثل ذلك إذا مات وفارق الروح البدن لم يرجع إليه أبدا كما لا يرجع ضوء السراج إليه أبدا إذا انطفأ؟ قال: لم تصب القياس، إن النار في الأجسام كامنة والأجسام قائمة بأعيانها، كالحجر والحديد، فإذا ضرب

أحدهما بالآخر سطعت من بينهما نار يقتبس منهما سراج له الضوء، فالنار ثابتة في أجسامها والضوء ذاهب، والروح جسم رقيق قد البس قالبا كثيفا، وليس بمنزلة السراج الذي ذكرت، إن الذي خلق في الرحم جنينا من ماء صاف وركب فيه ضروبا مختلفة من عروق وعصب وأسنان وشعر وعظام وغير ذلك هو يحييه بعد موته ويعيده بعد فنائه.

قال: فأين الروح؟ قال: في بطن الأرض حيث مصرع البدن إلى وقت البعث.

قال: فمن صلب أين روحه؟ قال: في كف الملك الذي قبضها حتى يودعها الأرض.

قال: فأخبرني عن الروح أغير الدم؟ قال: نعم الروح على ما وصفت لك مادته من الدم، ومن الدم رطوبة الجسم، وصفاء اللون، وحسن الصوت، وكثرة الضحك، فإذا جمد الدم فارق الروح البدن. قال: فهل يوصف بخفة وثقل ووزن؟ قال: الروح بمنزلة الريح في الزق إذا نفخت فيه امتلأ الزق منها فلا يزيد في وزن الزق ولوجها فيه ولا ينقصها خروجها منه، كذلك الروح ليس لها ثقل ولا وزن.

قال: فأخبرني ما جوهر الريح؟ قال: الريح هواء إذا تحرك سمي ريحا، فإذا سكن سمي هواء، وبه قوام الدنيا، ولو كفت الريح ثلاثة أيام لفسد كل شئ على وجه الأرض ونتن، وذلك أن الريح بمنزلة المروحة تذب وتدفع الفساد عن كل شئ و تطيبه، فهي بمنزلة الروح إذا خرج عن البدن نتن البدن وتغير، تبارك الله أحسن الخالقين.

قال: أفيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟ قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى فلا حس ولا محسوس، ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها، وذلك أربعمائة سنة تسبت فيها الخلق وذلك بين النفختين.

قال: وأنى له بالبعث والبدن قد بلى، والأعضاء قد تفرقت، فعضو ببلدة

يأكلها سباعها، وعضو بأخرى تمزقه هوامها، وعضو قد صار ترابا بني به مع الطين حائط؟ قال: إن الذي أنشأه من غير شئ وصوره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه. قال: أوضح لي ذلك. قال: إن الروح مقيمة في مكانها: روح المحسن في ضياء وفسحة، وروح المسئ في ضيق وظلمة، والبدن يصير ترابا منه خلق، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها مما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض، ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وأن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور فتربو الأرض ثم تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض فيجتمع تراب كل قالب فينقل بإذن القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا.

قال: أخبرني عن الناس يحشرون يوم القيامة عراة؟ قال: بل يحشرون في أكفانهم. قال: أنى لهم بالأكفان وقد بليت؟ قال: إن الذي أحيا أبدانهم جدد أكفانهم.

قال: فمن مات بلا كفن؟ قال: يستر الله عورته بما شاء من عنده.

قال: فيعرضون صفوفا؟ قال: نعم هم يومئذ عشرون ومائة ألف صف في عرض الأرض. قال: أوليس توزن الاعمال؟ قال (عليه السلام): لا، إن الاعمال

ليست بأجسام، وإنما هي صفة ما عملوا، وإنما يحتاج إلى وزن الشئ من جهل عدد الأشياء ولا يعرف ثقلها وخفتها، وإن الله لا يخفى عليه شئ. قال: فما الميزان؟ قال: العدل. قال: فما معناه في كتابه: (فمن ثقلت موازينه)؟ قال: فمن رجح عمله.

قال: فأخبرني أوليس في النار مقنع أن يعذب خلقه بها دون الحيات والعقارب؟

قال: إنما يعذب بها قوما زعموا أنها ليست من خلقه، إنما شريكه الذي يخلقه، فيسلط الله تعالى عليهم العقارب والحيات في النار ليذيقهم بها وبال ما كانوا عليه فجحدوا أن يكون صنعه.

قال: فمن أين قالوا: إن أهل الجنة يأتي الرجل منهم إلى ثمرة يتناولها، فإذا أكلها عادت كهيئتها؟ قال: نعم ذلك على قياس السراج يأتي القابس فيقتبس منه فلا ينقص من ضوئه شئ وقد امتلأت الدنيا منه سرجا. قال: أليسوا يأكلون ويشربون وتزعم أنه لا تكون لهم الحاجة؟ قال: بلى لان غذاءهم رقيق لا ثفل له، بل يخرج من أجسادهم بالعرق.

قال: فكيف تكون الحوراء في كل ما أتاها زوجها عذراء؟ قال: لأنها خلقت من الطيب لا تعتريها عاهة، ولا تخالط جسمها آفة، ولا يجري في ثقبها شئ، ولا يدنسها حيض، فالرحم ملتزقة، إذ ليس فيه لسوى الإحليل مجرى. قال: فهي تلبس سبعين حلة ويرى زوجها مخ ساقها من وراء حللها وبدنها؟ قال: نعم كما يرى أحدكم الدراهم إذا ألقيت في ماء صاف قدره قيد رمح.

قال: فكيف ينعم أهل الجنة بما فيها من النعيم وما منهم أحد إلا وقد افتقد ابنه أو أباه أو حميمه أو أمه؟ فإذا افتقدوهم في الجنة لم يشكوا في مصيرهم إلى النار، فما يصنع بالنعيم من يعلم أن حميمه في النار يعذب؟ قال (عليه السلام): إن أهل العلم قالوا:

إنهم ينسون ذكرهم، وقال بعضهم: انتظروا قدومهم ورجوا أن يكونوا بين الجنة و النار في أصحاب الأعراف.

قال: فأخبرني عن الشمس أين تغيب؟ قال: ان بعض العلماء قالوا: إذا انحدرت أسفل القبة دار بها الفلك إلى بطن السماء صاعدة أبدا إلى أن تنحط إلى موضع مطلعها - يعني أنها تغيب في عين حامئة ثم تخرق الأرض راجعة إلى موضع مطلعها - فتحير تحت العرش حتى يؤذن لها بالطلوع، ويسلب نورها كل يوم ويتجلل نورا آخر.

قال: فالكرسي أكبر أم العرش؟ قال: كل شئ خلقه الله تعالى في جوف الكرسي خلا عرشه فإنه أعظم من أن يحيط به الكرسي.

قال: فخلق النهار قبل الليل؟ قال: نعم خلق النهار قبل الليل، والشمس قبل القمر، والأرض قبل السماء، ووضع الأرض قبل الحوت، والحوت في الماء، والماء في صخرة مجوفة، والصخرة على عاتق ملك، والملك على الثرى، والثرى على الريح العقيم، والريح على الهواء، والهواء تمسكه القدرة، وليس تحت الريح العقيم إلا الهواء والظلمات ولا وراء ذلك سعة ولا ضيق ولا شئ يتوهم، ثم خلق الكرسي فحشاه السماوات والأرض، والكرسي أكبر من كل شئ خلق، ثم خلق العرش فجعله أكبر من الكرسي.

بيان: هذا الخبر وإن كان مرسلا لكن أكثر أجزائه أوردها الكليني والصدوق متفرقة في المواضع المناسبة لها، وسياقه شاهد صدق على حقيته.

قوله (عليه السلام): (إثبات العيان) أي كإثبات العيان والمشادة. قوله (عليه السلام): (وأبصرته) الاسناد مجازي، أو المراد بالابصار البصائر. قوله (عليه السلام): (ليس للمحال جواب) أي أي ما فرضت من ظهوره تعالى للابصار محال، ومن أتى بالمحال ليس له جواب، وفي بعض النسخ: (ليس للمحيل جواب) أي لمن أتى بالمحال، وفي بعضها (للمحل) أي لا يمكن الجواب عن تلك المسألة على وجه يوافق فهمك، لأنك سألت عن قدرة الله على المحال، فإن أجبت بأنه محال توهمت أن ذلك من نقص القدرة.

قوله (عليه السلام): (والقديم لا يكون حديثا) أي ما يكون وجوده أزليا لا يكون محدثا معلولا، فيكون واجب الوجود بذاته فلا يعتريه التغير والفناء، وقد نسب إلى بعض الحكماء أنه قال: المبدع الأول هو مبدع الصور فقط دون الهيولي، فإنها لم تزل مع المبدع، فأنكر عليه سائر الحكماء وقالوا: إن الهيولي لو كانت أزلية قديمة لما قبلت الصور، ولما تغيرت من حال إلى حال، ولما قبلت فعل غيرها، إذ الأزلي لا يتغير.

قوله (عليه السلام): (فمن أين جاءت هذه الألوان المختلفة) لعل هذا الكلام مبني على ما زعموا من أن كل حادث لا بد له من منشأ ومبدء يشاكله ويناسبه في الذات والصفات، فألزمه (عليه السلام) ما يعتقده، أو المراد أن الاحتياج إلى المادة إن كان لعجز الصانع تعالى عن إحداث شئ لم يكن فلابد من وجود الأشياء بصفاتها في المادة حتى يخرجها منها، وهذا محال لاستلزامه كون المادة ذات حقائق متبائنة، واتصافها بصفات متضادة، وإن قلتم: إنها مشتملة على بعضها فقد حكمتم بإحداث بعضها من غير مادة فليكن الجميع كذلك، وإن قلتم: إن جوهر المادة يتبدل جوهرا آخر و أعراضها أعراضا آخر فقد حكمتم بفناء ما هو أزلي وهذا محال كما مر، وبحدوث شئ آخر من غير شئ وهذا مستلزم للمطلوب.

وأما ما ذكره (عليه السلام) في الحياة والموت فيرجع إلى ما ذكرنا، وملخصه أنه لا يخلو إما أن تكون مادة الكل حيا بذاته أو ميتا بذاته، أو تكون الأشياء من أصلين:

أحدهما حي بذاته، والآخر ميت بذاته، وهذا أيضا يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون كل شئ مأخوذا من كل من الحي والميت، والثاني أن يكون الحي مأخوذا من الحي و الميت مأخوذا من الميت، فأبطل (عليه السلام) الأول بأنه لو حصل الميت بذاته عن الحي بذاته يلزم زوال الحياة الأزلية عن هذا الجزء من المادة وقد مر امتناعه، أو تبدل الحقيقة التي يحكم العقل بديهة بامتناعه ولو قيل بإعدام الحي وإنشاء الميت فيلزم المفسدة الأولى مع الاقرار بالمدعى وهو حدوث الشئ لامن شئ وبهذا يبطل الثاني وكذا الثالث، لان الجزء الحي من المادة يجري فيه ما سبق إذا حصل منه ميت وأشار إليه بقوله: (لان الحي لا يجئ منه ميت) وأشار إلى الرابع بقوله: (ولا يجوز أن يكون الميت قديما) وبه يبطل الثاني والثالث أيضا، وتقريره أن الأزلي لابد أن يكون واجب الوجود بذاته كاملا بذاته، لشهادة العقول بأن الاحتياج والنقص من شواهد الامكان المحوج إلى المؤثر والموجد فلا يكون الأزلي ميتا.

قوله (عليه السلام): (واضطرار النفس) عطف على دوران الفلك. قوله: (أمختلف هو أم مؤتلف) أي أهو مركب من أجزاء مختلفة الحقيقة، أم من أجزاء متفقة الحقيقة، فأجاب (عليه السلام) بنفيهما.

قوله (عليه السلام): (فلا يكون دار عمل دار جزاء) أي لا يصلح كون دار العمل دار جزاء، لان الاختيار والتكليف يقتضي كون دار العمل مشوبا بالراحة والآلام والصحة والأسقام، ولا تكون ذات نعم خالصة ليصلح لكونها محل جزاء للمطيعين، ولا يكون عقوباتها خالصة وإلا لزم الالجاء وينافي التكليف فلا يصلح كونها دار عقاب للعاصين والكافرين.

قوله (عليه السلام): (أنه بمنزلة الطب) أي أن الله تعالى كما جعل لبعض الأدوية المضرة تأثيرا في البدن ثم جعل في بعض الأدوية ما يدفع ضرر تلك الأدوية فكذلك جعل لبعض

الا عمال تأثيرا في أبدان الخلق وعقولهم، فهذا هو السحر، وأجرى على لسان الأنبياء و الأوصياء آيات وأدعية وأسماء وأعمالا تدفع ضرر ذلك عنهم، فالمراد بقوله: (فجاء الطبيب) أي العالم بما يدفع السحر بالآيات والأدعية، ويحتمل أن يكون بعض أنواع السحر يدفع بعمل الطب أيضا.

قوله (عليه السلام): (إن المرض على وجوه شتى) لعله (عليه السلام) جعل مرض الأطفال من القسم الأول، لأنه ابتلاء للأبوين لينظر كيف صبرهم وشكرهم، والحاصل أنه (عليه السلام) أبطل ما توهمه السائل وبنى عليه كلامه من أن المرض لا يكون إلا عقوبة لذنب.

قوله (عليه السلام): (وأشربة وبية) أي مورثة للوباء وهو الطاعون، وأصله الهمز. قوله:

(شاخ) أي صار شيخا، ودق بصره أي ضعف، أي ضعف، أو على بناء المجهول أي عمى قوله (عليه السلام):

(ولم يألوا) أي ولم يقصروا.

قوله (عليه السلام): (غرلا) هو جميع الاغرل بمعنى الأقلف: الذي لم يختتن. ويقال:

مرجت الدابة أمرجها بالضم مرجا: إذا أرسلتها ترعى، وقال قوم: فعل قوم: فعل وأفعل فيه بمعنى.

قوله عليه السلام: (أكثر من معرفة من تجب عليه معرفته) أي الطبيعة التي يقولون إنها الصانع، أو الدهر، ويحتمل أن يكون هذا بيان مذاهب جماعة منهم يقولون بالصانع وأنه حل في الأجسام كما يدل عليه ما ذكره آخرا.

قوله (عليه السلام): (على غير الحقيقة) أي بغير صانع ومدبر، لان ما جعلوه صانعا فهو ليس بصانع حقيقة، وأما شباهتهم بالنصارى فمن جهة قولهم بالحلول، وإن الأرواح بعد كمالها تتصل بالأجرام الفلكية. قوله: (لم يزل ومعه طينة مؤذية) قال صاحب الملل والنحل: الديصانية أصحاب ديصان أثبتوا أصلين: نورا وظلاما، فالنور يفعل الخير قصدا واختيارا، والظلام يفعل الشر طبعا واضطرارا، فما كان من خير ونفع وطيب وحسن فمن النور، وما كان من شر وضر ونتن وقبح فمن الظلام،

واختلفوا في المزاج والخلاص فزعم بعضهم أن النور داخل الظلمة والظلمة تلقاه بخشونة وغلظ فتأذى بها وأحب أن يرققها ويلينها ثم يتخلص منها، وليس ذلك لاختلاف جسمها، ولكن كما أن المنشار جنسه حديد وصفيحته لينة وأسنانه خشنة فاللين في النور، والخشونة في الظلمة، وهما جنس واحد فتلطف للنور بلينة حتى يدخل تلك الفرح، فما أمكنه إبتلك الخشونة، فلا يتصور الوصول إلى كمال ووجود إلا بلين وخشونة.

وقال بعضهم: بل الظلام احتال حتى تشبث بالنور من أسفل صفيحته فاجتهد النور حتى يتخلص منه ويدفعها عن نفسه فاعتمد عليه فلحج فيه، وذلك بمنزلة الانسان الذي يريد الخروج من وحل وقع فيه فيعتمد على رجله ليخرج فيزداد ولوجا فيه، فاحتاج النور إلى زمان ليعالج التخلص منه والتفرد بعالمه.

وقال بعضهم: إن النور إنما دخل الظلام اختيارا ليصلحها ويستخرج منها أجزاء صالحة لعالمه، فلما دخل تشبث به زمانا فصار يفعل الجور والقبيح اضطرارا لا اختيارا، ولو انفرد في عالمه ما كان يحصل منه إلا الخير المحض والحسن البحت، وفرق بين الفعل الضروري وبين الفعل الاختياري انتهى.

وقد مر منا القول في بيان اختلاف مذاهبهم وتطبيق الخبر عليها في كتاب التوحيد. قوله (عليه السلام): (أتاهم بزمزمة) الزمزمة: الصوت البعيد له دوي، والمراد أنه أتاهم بكلام غير مفهوم بعيد عن الأذهان مبائن للحق. قوله (عليه السلام): (فرقا بينهما) لما كانت الميتة نوعين: إحداهما ما أخل فيها بأصل الذبح، والثانية ما أخل فيها بشرائط الذبح فأشار (عليه السلام) إلى الثانية بقوله: (فرقا بينها) والحاصل أن الحكمة فيه غرض يتعلق بأديان الناس لا بأبدانهم، وأشار إلى الأولى بقوله: (والميتة قد جمد فيها الدم) وتنفس البدن كناية عن العرق.

قوله (عليه السلام): (إن من خرج من بطن أمه أمس) حاصله أن الأنبياء يخبرون الناس بما كان وما يكون، فلو كان كما زعمه السائل أنى لهم علم ذلك؟. قوله: (فما ليس بشئ لا يقدر على أن يخلق شيئا وهو ليس بشئ) هذا إبطال للشق الأول و هو أن يكون خلق نفسه، وهو مبني على ما يحكم به العقل من تقدم العلة على المعلول بالوجود، ولما كان الشق الثاني متضمنا لما هو المطلوب وهو كون الصانع سوى هذه الممكنات الحادثة، ولما هو غير المطلوب وهو كون صانعه مثله في الحدوث أبطل هذا بقوله: (وكذلك ما لم يكن فيكون) أي لا يمكن أن يكون صانعه شيئا لم يكن فوجد، وهو بحيث إذا سئل لا يعلم كيف ابتدأ نفسه، لان الممكن الذي اكتسب الوجود من غيره وهو في معرض الزوال لا يتأتى منه إيجاد غيره.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.