بحارالانوار · أبواب احتجاجات أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما صدر عنه من جوامع العلوم
باب 12 مناظرات محمد بن علي الباقر واحتجاجاته عليه السلام
ج ۱۰، ص ۱۴۸–۱۶۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
1 - تفسير علي بن إبراهيم: حدثني أبي، عن إسماعيل بن أبان، عن عمرو بن عبد الله الثقفي قال أخرج هشام بن عبد الملك أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام من المدينة إلى الشام، وكان ينزله معه، فكان يقعد مع الناس في مجالسهم، فبينا هو قاعد وعنده جماعة من الناس يسألونه إذ نظر إلى النصارى يدخلون في جبل هناك فقال: ما لهؤلاء القوم؟ ألهم عيد اليوم؟ قالوا لا يا ابن رسول الله، ولكنهم يأتون عالما لهم في هذا الجبل في كل سنة في هذا اليوم فيخرجونه ويسألونه عما يريدون وعما يكون في عامهم، قال أبو جعفر: وله علم؟
فقالوا: من أعلم الناس، قد أدرك أصحاب الحواريين من أصحاب عيسى (عليه السلام)، قال:
فهلم أن نذهب إليه، فقالوا: ذلك إليك يا ابن رسول الله، قال فقنع أبو جعفر رأسه بثوبه ومضى هو وأصحابه فاختلطوا بالناس حتى أتوا الجبل، قال: فقعد أبو جعفر وسط النصارى هو وأصحابه، فأخرج النصارى بساطا ثم وضعوا الوسائد، ثم دخلوا فأخرجوا ثم ربطوا عينيه فقلب عينيه كأنهما عينا أفعي، ثم قصد نحو أبي جعفر (عليه السلام) فقال له
أسنا أنت أو من الأمة المرحومة؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): من الأمة المرحومة، قال:
أفمن علمائهم أنت أو من جهالهم؟ قال: لست من جهالهم، قال النصراني أسألك أو تسألني؟ قال أبو جعفر (عليه السلام): سلني فقال: يا معشر النصارى رجل من أمة محمد يقول: سلني! إن هذا لعالم بالمسائل.
ثم قال: يا عبد الله أخبرني عن ساعة ما هي من الليل ولا هي من النهار أي ساعة هي؟ قال أبو جعفر (عليه السلام): ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، قال النصراني: فإذا لم يكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن أي الساعات هي؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): من ساعات الجنة وفيها تفيق مرضانا، فقال النصراني: أصبت، فأسألك أو تسألني؟ قال أبو جعفر (عليه السلام): سلني، قال: يا معاشر النصارى إن هذا لملي بالمسائل أخبرني عن أهل الجنة كيف صاروا يأكلون ولا يتغوطون أعطني مثله في الدنيا، فقال أبو جعفر (عليه السلام): هو هذا الجنين في بطن أمه يأكل مما تأكل أمه ولا يتغوط، قال النصراني: أصبت، ألم تقل: ما أنا من علمائهم؟ قال أبو جعفر (عليه السلام): إنما قلت لك:
ما أنا من جهالهم، قال النصراني: فأسألك أو تسألني؟ قال: يا معشر النصارى والله لأسألنه يرتطم فيها كما يرتطم الحمار في الوحل، فقال: اسأل، قال: أخبرني عن رجل دنا من امرأته فحملت بابنين جميعا، حملتمها في ساعة واحدة وماتا في ساعة واحدة، ودفنا في ساعة واحدة في قبر واحد، فعاش أحدهما خمسين ومائة سنة، وعاش الآخر خمسين سنة، من هما؟ قال أبو جعفر (عليه السلام).
هما عزير وعزره، كان حمل أمهما ما وصفت، ووضعتهما على ما وصفت، وعاش عزره وعزير، فعاش عزره وعزير ثلاثين سنة، ثم أمات الله عزيرا مائة سنة و
بقي عزره يحيا، ثم بعث الله عزيرا فعاش مع عزره عشرين سنة. قال النصراني يا معشر النصارى ما رأيت أحدا قط أعلم من هذا الرجل، لا تسألوني عن حرف و هذا بالشام، ردوني، فردوه إلى كهفه ورجع النصارى مع أبي جعفر (عليه السلام). بيان: قوله: (وربطوا عينيه) أي قد كانوا ربطوهما قبل أن يخرجوه، فلما حلوا الرباط قلبهما ونظر إليهم، ويحتمل أن يكونوا ربطوا جفني عينيه العلياوين إلى فوق ليتمكن من النظر من كثرة الكبر. ويقال: رطمه: إذا أدخله في أمر لا يخرج منه فارتطم. والوحل: الطين.
2 - بصائر الدرجات: محمد بن الحسين، عن البزنطي، عن عبد الكريم، عن محمد بن مسلم قال دخلت أنا وأبو جعفر (عليه السلام) مسجد الحرام فإذا طاوس اليماني يقول لأصحابه:
تدرون متى قتل نصف الناس؟ فسمعه أبو جعفر (عليه السلام) يقول: نصف الناس، قال: إنما هو ربع الناس، إنما هو آدم، وحواء، وقابيل، وهابيل، قال: صدقت يا ابن رسول الله، قال: أتدري ما صنع بالقاتل؟ قال: لا، قال محمد بن مسلم: قلت في نفسي هذه والله مسألة قال: فغدوت إليه في منزله فلبس ثيابه واسرج له قال: فبدأني بالحديث قبل أن أسأله فقال: يا محمد بن مسلم إن بالهند أو بتلقاء الهند رجل يلبس المسوح مغلولة يده إلى عنقه، موكل به عشرة رهط، تفني الناس ولا يفنون، كلما ذهب واحد جعل مكانه آخر يدور مع الشمس حيث ما دارت، يعذب بحر الشمس وزمهرير البرد حتى تقوم الساعة
قال: وقلت: ومن ذا جعلني الله فداك؟ قال: ذاك قابيل.
3 - الخرائج: روي عن الصادق (عليه السلام) أن عبد الملك بن مروان كتب إلى عامله بالمدينة في رواية هشام بن عبد الملك -: أن وجه إلي محمد بن علي، فخرج أبي و أخرجني معه فمضينا حتى أتينا مدين شعيب، فإذا نحن بدير عظيم وعلى بابه أقوام عليهم ثياب صوف خشنة، فألبسني والدي ولبس ثيابا خشنة، فأخذ بيدي حتى جئنا وجلسنا عند القوم فدخلنا مع القوم الدير، فرأينا شيخا قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فنظر إلينا فقال لأبي: أنت منا أم من هذه الأمة المرحومة؟ قال: لابل من هذه الأمة المرحومة، قال: عن علمائها أو من جهالها؟ قال أبي: من علمائها، قال:
أسألك عن مسألة؟ قال: سل، قال: أخبرني عن أهل الجنة إذا دخلوها وأكلوا من نعيمها هل ينقص من ذلك شئ؟ قال: لا، قال الشيخ: ما نظيره؟ قال أبي:
أليس التوراة والإنجيل والزبور والفرقان يؤخذ منها ولا ينقص منها شئ؟ قال: أنت من علمائها. ثم قال: أهل الجنة هل يحتاجون إلى البول والغائط؟ قال أبي: لا، قال وما نظير ذلك؟ قال أبي: أليس الجنين في بطن أمه يأكل ويشرب ولا يبول ولا يتغوط؟ قال: صدقت. قال: وسأل عن مسائل فأجاب أبي. ثم قال الشيخ: أخبرني عن توأمين ولدا في ساعة، وماتا في ساعة، عاش أحدهما مائة وخمسين سنة، وعاش الآخر خمسين سنة، من كانا؟ وكيف قصتهما؟
قال أبي: هما عزير وعزره، أكرم الله تعالى عزيرا بالنبوة عشرين سنة، وأماته مائة سنة، ثم أحياه فعاش بعده ثلاثين سنة، وماتا في ساعة واحدة، فخر الشيخ مغشيا عليه، فقال: فقام أبي وخرجنا من الدير، فخرج إلينا جماعة من الدير وقالوا: يدعوك
شيخنا فقال أبي: مالي بشيخكم من حاجة، فإن كان له عندنا حاجة فليقصدنا، فرجعوا ثم جاؤوا به واجلس بين يدي أبي فقال: ما اسمك؟ قال (عليه السلام): محمد، قال: أنت محمد النبي؟ قال لا أنا ابن بنته؟ قال: ما اسم أمك؟ قال: أمي فاطمة، قال: من كان أبوك؟
قال: اسمه علي، قال: أنت ابن إليا بالعبرانية وعلي بالعربية؟ قال: نعم، قال: ابن شبر أو شبير؟ قال: إني ابن شبير، قال الشيخ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن جدك محمدا - (صلى الله عليه وآله) - رسول الله.
ثم ارتحلنا حتى أتينا عبد الملك، فنزل من سريره واستقبل أبي وقال: عرضت لي مسألة لم يعرفها العلماء فأخبرني إذا قتلت هذه الأمة إمامها المفروض طاعته عليهم أي عبرة يريهم الله في ذلك اليوم؟ قال أبي: إذا كان كذلك لا يرفعون حجرا إلا ويرون تحته دما عبيطا، فقبل عبد الملك رأس أبي وقال: صدقت، إن في يوم قتل فيه أبوك علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان على باب أبي مروان حجر عظيم فأمر أن يرفعوه فرأينا تحته دما عبيطا يغلي، وكان لي أيضا حوض كبير في بستاني وكان حافته حجارة سوداء فأمرت أن ترفع ويوضع مكانها حجارة بيض، وكان في ذلك اليوم قتل الحسين (عليه السلام) فرأيت دما عبيطا يغلي تحتها أتقيم عندنا ولك من الكرامة ما تشاء أم ترجع؟
قال أبي: بل أرجع إلى قبر جدي، فأذن له بالانصراف، فبعث قبل خروجنا بريدا يأمر أهل كل منزل أن لا يطعمونا شيئا ولا يمكنونا من النزول في بلد حتى نموت جوعا، فكلما بلغنا منزلا طردونا وفنى زادنا حتى أتينا مدين شعيب، وقد أغلق بابه فصعد أبي جبلا هناك مطلا على البلد أو مكانا مرتفعا عليه فقرأ: (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أربكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم
مؤمنين) ثم رفع صوته وقال: والله أنا بقية الله، فأخبروا الشيخ بقدومنا وأحوالنا فحملوه إلى أبي وكان لهم معهم من الطعام كثير فأحسن ضيافتنا، فأمر الوالي بتقييد الشيخ فقيدوه ليحملوه إلى عبد الملك لأنه خالف أمره، قال الصادق (عليه السلام): فاغتممت لذلك وبكيت، فقال والدي: ولا بأس من عبد الملك بالشيخ ولا يصل إليه فإنه يتوفى أول منزل ينزله، وارتحلنا حتى رجعنا إلى المدينة بجهد
4 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت جالسا في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أقبل رجل فسلم فقال: من أنت يا عبد الله؟ فقلت: رجل من أهل الكوفة، فقلت:
فما حاجتك؟ فقال لي: أتعرف أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام)؟ قلت: نعم، قال: فما حاجتك إليه؟ فقال: هيأت له أربعين مسألة أسأله عنها فما كان من حق أخذته، وما كان من باطل تركته، قال أبو حمزة: فقلت: هل تعرف ما بين الحق والباطل؟ فقال: نعم، فقلت له: فما حاجتك إليه إذا كنت تعرف ما بين الحق والباطل؟ فقال لي: يا أهل الكوفة أنتم قوم ما تطاقون، إذا رأيت أبا جعفر (عليه السلام) فأخبرني، فما انقطع كلامه حتى أقبل أبو جعفر (عليه السلام) وحوله أهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحج، فمضى حتى جلس مجلسه وجلس الرجل قريبا منه قال أبو حمزة: فجلست بحيث أسمع الكلام وحوله عالم من الناس، فلما قضى حوائجهم وانصرفوا التفت إلى الرجل فقال له: من أنت؟ فقال: أنا قتادة بن دعامة البصري، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): أنت فقيه أهل البصرة؟ قال: نعم، فقال له أبو جعفر
(عليه السلام): ويحك يا قتادة إن الله تعالى خلق خلقا من خلقه، فجعلهم حججا على خلقه، وهم أوتاد في أرضه، قوام بأمره، نجباء في علمه، اصطفاهم قبل خلقه أظلة عن يمين عرشه.
قال: فسكت قتادة طويلا ثم قال: أصلحك الله والله لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدام واحد منهم ما اضطرب قد أمك! فقال أبو جعفر (عليه السلام): أتدري أين أنت؟ بين يدي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ويسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الطلاة وإيتاء الزكاة، فأنت ثم، ونحن أولئك، فقال قتادة: صدقت والله جعلني الله فداك، والله ما هي بيوت حجارة ولا طين قال قتادة: فأخبرني عن الجبن، فتبسم أبو جعفر (عليه السلام) وقال: رجعت مسائلك إلى هذا؟ قال: ضلت عني فقال: لا بأس به، فقال: إنه ربما جعلت فيه إنفحة الميت، قال: ليس بها بأس إن الإنفحة ليست لها عروق ولا فيها دم ولا لها عظم، إنما تخرج من بين فرث ودم، ثم قال: وإنما الا نفحة بمنزلة دجاجة ميتة خرجت منها بيضة، فهل تأكل تلك البيضة؟ فقال القتادة: لا ولا آمر بأكلها، فقال له أبو جعفر (عليه السلام):
ولم؟ قال: لأنها من الميتة، قال له: فإن حضنت تلك البيضة فخرجت منها دجاجة أتأكلها؟ قال: نعم، قال: فما حرم عليك البيضة وأحل لك الدجاجة؟ ثم قال: فكذلك الإنفحة مثل البيضة، فاشتر الجبن من أسواق المسلمين من أيدي المصلين ولا تسأل عنه إلا أن يأتيك من يخبرك عنه
5 - تفسير العياشي: عن محمد بن هاشم، عمن أخبره، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال له الأبرش الكلبي: بلغني أنك قلت في قول الله (يوم تبدل الأرض) إنها تبدل خبزة، فقال أبو جعفر (عليه السلام) صدقوا، تبدل الأرض خبزة نقيه في الموقف يأكلون منها، فضحك الأبرش، وقال: أما لهم شغل بما هم فيه عن أكل الخبز؟! فقال: ويحك في أي المنزلتين هم أشد شغلا وأسوأ حالا، إذا هم في الموقف أو في النار يعذبون؟ فقال: لا في النار، فقال: ويحك وإن الله يقول: لآكلون من شجر من زقوم * فمالؤن منها البطون * فشاربون عليه من الحميم * فشاربون شرب الهيم) قال: فسكت وفي خبر آخر عنه فقال: وهم في النار لا يشغلون عن أكل الضريع وشرب الحميم وهم في العذاب، كيف يشغلون عنه في الحساب؟.
6 - مناقب ابن شهرآشوب: سأل طاوس اليماني الباقر (عليه السلام): متى هلك ثلث الناس؟ فقال (عليه السلام) يا أبا عبد الرحمن لم يمت ثلث الناس قط، يا شيخ أردت أن تقول: متى هلك ربع الناس؟
وذلك يوم قتل قابيل هابيل، كانوا أربعة: آدم، وحواء، وهابيل، وقابيل، فهلك ربعهم، قال: فأيهما كان أبا الناس؟ القاتل أو المقتول؟ قال: لا واحد منهما، أبوهم شيث.
وسأله عن شئ قليله حلال وكثيرة حرام في القرآن، قال: نهر طالوت إلا من اغترف غرفة بيده وعن صلاة مفروضة بغير وضوء، وصوم لا يحجز عن أكل وشرب فقال (عليه السلام): الصلاة على النبي، والصوم قوله تعالى: (إني نذرت للرحمن صوما) وعن شئ يزيد وينقص ، فقال (عليه السلام): القمر، وعن شئ يزيد ولا ينقص فقال: البحر، وعن شئ ينقص ولا يزيد فقال: العمر، وعن طائر طار مرة ولم يطر قبلها ولا بعدها، قال (عليه السلام):
طور سيناء قوله تعالى: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة) وعن قوم شهدوا بالحق وهم كاذبون، قال (عليه السلام): المنافقون حين قالوا: نشهد إنك لرسول الله
7 - محمد بن المنكدر: رأيت الباقر (عليه السلام) وهو متكئ على غلامين أسودين، فسلمت عليه فرد علي على بهر، وقد تصبب عرقا فقلت: أصلحك الله لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال في طلب الدنيا؟ فخلى الغلامين من يده وتساند وقال: لو جاءني أنا في طاعة من طاعات الله أكف بها نفسي عنك وعن الناس، وإنما كنت أخاف الله لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله فقلت: رحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني.
8 - وكان عبد الله بن نافع بن الأزرق يقول: لو عرفت أن بين قطريها أحدا تبلغني إليه الإبل يخصمني بأن عليا (عليه السلام) قتل أهل النهروان وهو غير ظالم لرحلتها إليه، قيل له: إيت ولده محمد الباقر (عليه السلام)، فأتاه فسأله فقال (عليه السلام) بعد كلام: الحمد لله الذي أكرمنا بنبوته، واختصنا بولايته، يا معشر أولاد المهاجرين والأنصار من كان عنده منقبة في أمير المؤمنين (عليه السلام) فليقم وليحدث، فقاموا ونشروا من مناقبه،
فلما انتهوا إلى قوله: (لأعطين الراية) الخبر سأله أبو جعفر (عليه السلام) عن صحته فقال:
هو حق لاشك فيه ولكن عليا أحدث الكفر بعد فقال أبو جعفر (عليه السلام): أخبرني عن الله أحب علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوم أحبه وهو يعلم أنه يقتل أهل النهروان، أم لم يعلم؟ إن قلت: لاكفرت فقال: قد علم، قال: فأحبه على أن يعمل بطاعته، أم على أن يعمل بمعصيته؟ قال: على أن يعمل بطاعته، فقال أبو جعفر (عليه السلام): قم مخصوما، فقام وهو يقول: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) الله يعلم حيث يجعل رسالته
9 - وفي حديث نافع بن الأزرق أنه سأل الباقر (عليه السلام) عن مسائل منها قوله تعالى: (واسئل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) من الذي يسأله محمد، وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة؟ قال فقرأ أبو جعفر (عليه السلام) (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) ثم ذكر اجتماعه بالمرسلين والصلاة بهم
10 - وتكلم بعض رؤساء الكيسانية مع الباقر (عليه السلام) في حياة محمد بن الحنفية قال له: ويحك ما هذه الحماقة؟ أنتم أعلم به أم نحن؟ قد حدثني أبي علي بن الحسين عليهما السلام أنه شهد موته وغسله وكفنه والصلاة عليه وإنزاله في قبره، فقال: شبه على أبيك كما شبه عيسى بن مريم على اليهود، فقال له الباقر (عليه السلام): أفنجعل هذه الحجة قضاء بيننا وبينك؟ قال: نعم، قال: أرأيت اليهود الذين شبه عيسى (عليه السلام) عليهم كانوا أولياءه أو أعداءه قال: بل كانوا أعداءه، قال: فكان أبي عدو محمد بن الحنفية فشبه له؟ قال: لا، وانقطع ورجع عما كان عليه.
11 - وجاءه رجل من أهل الشام وسأله عن بدء خلق البيت، فقال (عليه السلام): إن الله تعالى لما قال للملائكة: (إني جاعل في الأرض خليفة) فردوا عليه بقولهم: (أتجعل فيها) وساق الكلام إلى قوله تعالى: (وما كنتم تكتمون) فعلموا أنهم وقعوا في الخطيئة
فعاذوا بالعرش فطافوا حوله سبعة أشواط، يسترضون ربهم عز وجل فرضي عنهم، و قال لهم: اهبطوا إلى الأرض فابنوا لي بيتا يعوذ به من أذنب من عبادي ويطوف حوله كما طفتم أنتم حول عرشي فأرضي عنه كما رضيت عنكم فبنوا هذا البيت، فقال له الرجل: صدقت يا أبا جعفر، فما بدؤ هذا الحجر؟ قال: إن الله تعالى لما أخذ ميثاق بني آدم أجرى نهرا أحلى من العسل وألين من الزبد، ثم أمر القلم استمد من ذلك وكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر فهذا الاستلام الذي ترى إنما هو بيعة على إقرارهم، وكان أبي إذا استلم الركن قال:
(اللهم أمانتي أديتها، وميثاقي تعاهدته ليشهد لي عندك بالوفاء) فقال الرجل: صدقت يا أبا جعفر، ثم قام فلما ولى قال الباقر (عليه السلام) لابنه الصادق (عليه السلام): اردده علي، فتبعه إلى الصفا فلم يره، فقال الباقر (عليه السلام): أراه الخضر (عليه السلام)
12 - رجال الكشي: محمد بن قولويه، عن محمد بن بندار القمي، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عباد بن بشير، عن ثوير بن أبي فاختة قال: خرجت حاجا فصحبني عمر بن ذر القاضي وابن قيس الماصر والصلت بن بهرام وكانوا إذا
نزلوا منزلا قالوا: انظر الآن فقد حررنا أربعة آلاف مسألة نسأله نسأل أبا جعفر (عليه السلام) منها عن ثلاثين كل يوم، وقد قلدناك ذلك، قال ثوير: فغمني ذلك حتى إذا دخلنا المدينة فافترقنا فنزلت أنا على أبي جعفر فقلت له: جعلت فداك إن ابن ذر وابن قيس الماصر والصلت صحبوني وكنت أسمعهم يقولون: قد حررنا أربعة آلاف مسألة نسأل أبا جعفر (عليه السلام) عنها فغمني ذلك فقال أبو جعفر (عليه السلام): ما يغمك من ذلك؟ فإذا جاؤوا فأذن لهم فلما كان من غد دخل مولى لأبي جعفر (عليه السلام) فقال: جعلت فداك إن بالباب ابن ذر ومعه قوم، فقال لي أبو جعفر (عليه السلام): يا ثوير قم فأذن لهم، فقمت فأدخلتهم، فلما دخلوا سلموا وقعدوا ولم يتكلموا، فلما طال ذلك أقبل أبو جعفر (عليه السلام) يستفتيهم الأحاديث وأقبلوا لا يتكلمون، فلما رأى ذلك أبو جعفر (عليه السلام) قال لجارية له يقال لها سرحة: هاتي الخوان فلما جاءت به فوضعته قال أبو جعفر (عليه السلام) الحمد لله الذي جعل لكل شئ حدا ينتهي إليه حتى أن لهذا الخوان حدا ينتهي إليه، فقال ابن ذر:
وما حده؟ قال: إذا وضع ذكر اسم الله، وإذا رفع حمد الله، قال: ثم أكلوا ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): اسقيني فجاءته بكوز من أدم فلما صار في يده قال: الحمد الله الذي جعل لكل شئ حدا ينتهي إليه حتى أن لهذا الكوز حدا ينتهي إليه، فقال ابن ذر:
وما حده؟ قال: يذكر اسم الله عليه إذا شرب، ويحمد الله عليه إذا فرغ، ولا يشرب من عند عروته، ولامن كسر إن كان فيه قال: فلما فرغوا أقبل عليهم يستفتيهم الأحاديث فلا يتكلمون، فلما رأى ذلك أبو جعفر (عليه السلام) قال: يا ابن ذر ألا تحدثنا ببعض ما سقط إليكم من حديثنا؟ قال: بلى يا ابن رسول الله، قال: إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من آخر: كتاب الله، وأهل بيتي، إن تمسكتم بهما لن تضلوا. فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا ابن ذر إذا لقيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ما خلفتني في الثقلين؟ فماذا تقول؟ قال: فبكى ابن ذر حتى رأيت دموعه تسيل على لحيته، ثم قال: أما الأكبر فمزقناه، وأما الأصغر فقتلناه، فقال أبو جعفر (عليه السلام): إذا تصدقه يا ابن ذر لا والله لا تزول قدم يوم القيامة حتى يسأل عن ثلاث:
عن عمره فيما أفناه، عن ماله أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت. قال:
فقاموا وخرجوا، فقال أبو جعفر (عليه السلام) لمولى: اتبعهم فانظر ما يقولون، قال: فتبعهم ثم رجع فقال: جعلت فداك قد سمعتهم يقولون لابن ذر: ما على هذا خرجنا معك فقال: ويلكم اسكتوا ما أقول إن رجلا يزعم أن الله يسألني عن ولايته، وكيف أسأل رجلا يعلم حد الخوان وحد الكوز؟
13 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن ابن محبوب، عن الثمالي، عن أبي الربيع قال: حججت مع أبي جعفر (عليه السلام) في السنة التي حج فيها هشام بن عبد الملك، وكان معه نافع بن الأزرق مولى عمر بن الخطاب فنظر نافع إلى أبي جعفر في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس، فقال لهشام: يا أمير المؤمنين من هذا الذي يتكافأ عليه الناس؟ فقال: هذا نبي أهل الكوفة! هذا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين فقال نافع: لآتينه ولأسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن وصي نبي، فقال هشام: فاذهب إليه فسله فلعلك أن تخجله فجاء نافع فاتكأ على الناس ثم أشرف على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا محمد بن علي إني قد قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وقد عرفت حلالها وحرامها قد جئت أسألك عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي، أو وصي نبي، أو ابن وصي نبي فرفع إليه أبو جعفر (عليه السلام) رأسه فقال: سل. فقال: أخبرني كم بين عيسى ومحمد من سنة؟ قال: أخبرك بقولي أم بقولك؟ قال: أخبرني بالقولين جميعا، قال: أما بقولي فخمسمائة سنة، وأما بقولك فستمائة سنة. قال: فأخبرني عن قول الله تعالى:
(واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) من الذي سأل محمد (صلى الله عليه وآله) وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة؟ قال: فتلا أبو جعفر (عليه السلام) هذه الآية: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد
الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا) فكان من الآيات التي أراها الله محمدا (صلى الله عليه وآله) حين أسرى به إلى بيت المقدس أن حشر الله الأولين والآخرين من النبيين و المرسلين، ثم أمر جبرئيل (عليه السلام) فأذن شفعا وأقام شفعا ثم قال في إقامته: حي على خير العمل، ثم تقدم محمد (صلى الله عليه وآله) فصلى بالقوم، فأنزل الله تعالى عليه (واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): علام تشهدون؟ وما كنتم تعبدون؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، اخذت على ذلك مواثيقنا وعهودنا، قال نافع: صدقت يا ابن رسول الله يا أبا جعفر، أنتم والله أوصياء رسول الله وخلفاؤه في التوراة، و أسماؤكم في الا نجيل وفي الزبور وفي القرآن، وأنتم أحق بالامر من غيركم.
14 - أقول: وروى السيد المرتضى رحمه الله في كتاب الفصول عن الشيخ رحمه الله عن أحمد بن محمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بكير بن أعين قال: جاء رجل إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقال له: يا أبا جعفر:
ما تقول في امرأة تركت زوجها وإخوتها لأمها وأختها لأبيها؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) للزوج النصف ثلاثة أسهم من ستة أسهم، وللاخوة من الام الثلث سهمان من ستة، و للأخت من الأب ما بقي وهو السدس سهم من ستة. فقال له الرجل: فإن فرائض زيد و فرائض العامة والقضاة على غير ذلك يا أبا جعفر، يقولون: للأخت من الأب ثلاثة أسهم من ستة إلى ثمانية، فقال له أبو جعفر، (عليه السلام): ولم قالوا ذلك؟ قال: لان الله تعالى يقول: (إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك) فقال أبو جعفر (عليه السلام): فإن كان الأخت أخا؟ قال: ليس له إلا السدس، فقال أبو جعفر (عليه السلام):
فمالكم نقصتم الأخ إن كنتم تحتجون للأخت بأن الله تعالى قد سمى لها النصف فإن الله تعالى قد سمى للأخ أيضا الكل، والكل أكثر من النصف، قال الله تعالى:
فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) فلا تعطون الذي جعل الله له الجميع في فرائضكم شيئا، وتعطونه السدس في موضع، وتعطون الذي جعل الله تعالى له النصف تاما؟! فقال الرجل: وكيف نعطي الأخت أصلحك الله النصف ولا نعطي الأخ شيئا؟
فقال أبو جعفر عليه السلام: تقولون في أم وزوج وإخوة لأم وأخت لأب فتعطون الزوج النصف ثلاثة أسهم من ستة تعول إلى تسعة، والام السدس، والاخوة من الام الثلث والأخت من الأب النصف ثلاثة يرتفع من ستة إلى تسعة، فقال: كذلك يقولون، فقال: إن كانت الأخت أخا لأب؟ قال: ليس له شئ، فقال الرجل لأبي جعفر (عليه السلام):
فما تقول أنت رحمك الله؟ قال: فليس للاخوة من الأب والام ولا للاخوة من الام و لا للاخوة من الأب مع الام شئ.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.