بحارالانوار · كتاب الصلاة
باب فضل المساجد وأحكامها وآدابها
ج ۸۰، ص ۳۳۸–۳۶۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
الأعراف: وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد.
التوبة: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون * إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين * أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين.
وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا.
وقال تعالى: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين و إرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون * لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين.
يونس: واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة.
الحج: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا.
الجن: وأن المساجد لله فلا تدع مع الله أحدا.
تفسير: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله) في تفسير العسكري عليه السلام هي مساجد خيار المؤمنين بمكة، منعوهم عن التعبد فيها بأن ألجأوا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الخروج عن مكة، وفي تفسير علي بن إبراهيم وغيره عن الصادق عليه السلام أنهم قريش حين منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله دخول مكة والمسجد الحرام، وروي عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام أنه أراد جميع الأرض لقول النبي صلى الله عليه وآله جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا.
أقول: اللفظ يقتضي العموم في المسجد والمانع والذكر.
(وسعى في خرابها) أي في خراب تلك المساجد، لئلا تعمر بطاعة الله (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) في تفسير الإمام عليه السلام أنه وعد للمؤمنين بالنصرة، و استخلاص المساجد منهم، وقد أنجز وعده بفتح مكة لمؤمني ذلك العصر، وسينجزه لعامة المؤمنين حين ظهور القائم عليه السلام، وقيل المعنى: كان حقهم بحسب حالهم أن لا يدخلوها إلا خائفين من المؤمنين، فكيف جاز لهم أن يمنعوا المؤمنين، وقيل:
إلا خائفين من أن ينزل عليهم عذاب، لاستحقاقهم ذلك، وقيل: ما كان لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوع فضلا عن أن يجترؤا على تخريبها.
فيستفاد منها استحباب دخولها بالخضوع والخشوع والخشية من الله تعالى، كما
هو حال العبد الواقف بين يدي سيده، وقيل: معناه النهي عن تمكينهم من الدخول في المساجد، وروى العياشي عن محمد بن يحيى 1 يعني لا يقبلون الايمان إلا والسيف على رؤسهم.
(لهم في الدنيا خزي) قتل وسبي أو ذلة بضرب الجزية، وقيل: أي بعد قيام القائم، والأولى التعميم بكل ما يصير سببا لمذلتهم في الدنيا.
أقول: تدل الآية بعمومها على عدم جواز منع ما يذكر الله به من الصلوات والدعوات وتلاوة القرآن ونشر العلوم الدينية وأمثالها في المساجد، وحرمة السعي في خرابها الصوري بهدمها، وإدخالها في الملك وغير ذلك، بل تعطيلها، وكل ما يوجب ذهاب رونقها و إحداث البدع فيها، وكل ما ينافي وضعها وحصول الذكر فيها.
﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ على بعض المحتملات يدل على رجحان إتيان المساجد، وسيأتي في باب القبلة.
(ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) أي ما كانوا أهل ذلك، ولا جاز لهم، أو ما صح ولا استقام لهم عمارة شئ من المساجد فضلا عن المسجد الحرام، و هو صدرها ومقدمها، وقيل: هو المراد كما هو الظاهر على قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب مسجد الله لقوله تعالى فيما بعد (وعمارة المسجد الحرام) وإنما جمع لأنها قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامرها كعامر جميعها، أو لان كل بقعة منه مسجد.
(شاهدين على أنفسهم بالكفر) باظهار كفرهم، ونصبهم الأصنام حول البيت وقيل: هي اعترافهم بملة من ملل الكفر كالنصراني بأنه نصراني وروي في الجوامع أن المسلمين عيروا أسارى بدر، ووبخ علي عليه السلام العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وآله و قطيعة الرحم، فقال العباس: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا؟ فقالوا: أو لكم محاسن؟ قال: نعم، إنا نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج
ونفك العاني، فنزلت.
(أولئك حبطت أعمالهم) التي هي العمارة والسقاية والحجابة وفك العناة التي يفتخرون بها أو مطلقا بما قارنها من الشرك (وفي النار هم خالدون) لأجله، وفيها دلالة على بطلان أعمال الكفار وعدم صحة شئ منها ويمكن أن يفهم منها جواز منعهم من مثل العمارة.
(إنما يعمر مساجد الله) الحصر إما إضافي بالنسبة إلى أولئك المشركين، أو مطلق الكفرة، فهذه الأوصاف لتفخيم شأن عمارة مساجد الله، وتعظيم عاملها، وأنه ينبغي أن يكون على هذه الأوصاف، ولبيان بعد أولئك عن عملها، أو المراد عمارتها حق العمارة التي لا يوفق لها إلا هؤلاء الموصوفون باعتبار قوة إيمانهم، وكمال إخلاصهم أو المراد أنه لا يستقيم ولا يصح عمارة مساجد الله من أحد على طريق الولاية عليها إلا ممن كان كذلك، فان الظاهر أن أولئك المفتخرين أرادوا نحو ذلك، وأنهم ولاة المسجد الحرام، فيختص بالنبي والأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم. على أن الظاهر من قوله (ولم يخش إلا الله) عدم سبق الفسق، بل ولا ذنب فكيف الكفر، و قيل: إنهم كانوا يخشون الأصنام ويرجونها، فأريد نفي تلك الخشية.
(فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها، وأملوا عاقبتها بأن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع، مع استشعار الخشية والتقوى اهتداؤهم دائر بين عسى ولعل، فما بال المشركين يقطعون أنهم مهتدون ويأملون عند الله الحسنى.
وقيل في هذا الكلام ونحوه لطف للمؤمنين في ترجيح الخشية، ورفض الاغترار بالله، وقيل عسى إشارة إلى حال المؤمنين وأنهم مع ذلك في دعواهم للهداية، وعد نفوسهم من المهتدين على هذا الحال، فما بال الكفار يقطعون لأنفسهم بالاهتداء، ثم ذلك للمؤمنين إما أن يكون لرجحان الخشية وقوتها، أو على سبيل التأدب والتواضع أو نظرا منهم إلى مرتبة أعلى ودرجة أسنى.
ثم في الآية حث عظيم على تعمير المساجد، وتعظيم شأنه، وقيل: المراد بالتعمير بناؤها وإصلاح ما يستهدم منها، وتزيينها وفرشها، وإزالة ما يكره النفس منه مثل كنسها والاسراج فيها، وقيل: المراد شغلها بالعبادة مثل الصلاة والذكر، وتلاوة القرآن ودرس العلوم الدينية وتجنبها من أعمال الدنيا، واللهو واللعب، وعمل الصنايع، وحديث الدنيا ولعل التعميم أولى.
(أجعلتم سقاية الحاج) قد مضى تفسيرها ونزولها في مفاخرة أمير المؤمنين عليه السلام بسبق الايمان، والعباس بالسقاية وشيبة بالحجابة، وفضل الايمان على تلك الأمور ظاهر لا سيما إذا لم تكن مع الايمان، فإنها باطلة محبطة كما مر.
(فلا يقربوا المسجد الحرام) استدل به على عدم جواز إدخال النجاسة المسجد الحرام، وهو غير بعيد للتفريع، وإن أمكن المناقشة فيه، وأما الاستدلال به على عدم جواز دخولهم شيئا من المساجد فهو ضعيف.
(والذين اتخذوا مسجدا) في المجمع والجوامع روي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قبا وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله حسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف وقالوا نبني مسجدا نصلي فيه ولا نحضر جماعة محمد فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قبا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وهو يتجهز إلى تبوك: إنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: إني على جناح سفر، ولما انصرف من تبوك نزلت، فأرسل من هدم المسجد و أحرقه وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة.
(ضرارا) مضارة للمؤمنين أصحاب مسجد قبا (وكفرا) وتقوية للكفر الذي كانوا يضمرون (وإرصادا) أي وإعدادا أو ترقبا لمن حارب الله ورسوله من قبل، يعني أبا عامر الراهب، قيل بنوه على أن يؤمهم فيه أبو عامر إذا قدم من الشام، في الجوامع
أنه كان قد ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح، فلما قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة حسده وحزب عليه الأحزاب، ثم هرب بعد فتح مكة وخرج إلى الروم وتنصر، وكان هؤلاء يتوقعون رجوعه إليهم، وأعدوا هذا المسجد له ليصلي فيه، ويظهر على رسول الله صلى الله عليه وآله لأنه كان يقاتل رسول الله صلى الله عليه وآله في غزواته إلى أن هرب إلى الشام ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله صلى الله عليه وآله ومات بقنسرين وحيدا.
(وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى) أي ما أردنا ببنائه إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة والذكر، والتوسعة على المصلين (والله يشهد إنهم لكاذبون) في حلفهم (لا تقم فيه أبدا) أي لا تصل فيه أبدا يقال: فلان يقوم بالليل أي يصلي (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم) من أيام وجوده، وفي الكافي عن الصادق عليه السلام وفي العياشي عن الباقر والصادق عليهما السلام يعني مسجد قبا، وكذا ذكره علي بن إبراهيم أيضا، وقيل:
أسسه رسول الله صلى الله عليه وآله وصلى فيه أيام مقامه بقبا، وقيل هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله و قال في المجمع: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: هو مسجدي هذا وقيل: هو كل مسجد بني للاسلام وأريد به وجه الله تعالى.
(أحق أن تقوم فيه) أي أولى بأن تصلي فيه (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين) روى العياشي عن الصادق عليه السلام أنه الاستنجاء وفي المجمع عن الباقر والصادق عليهما السلام يحبون أن يتطهروا بالماء عن الغائط والبول، وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لأهل قبا: ما تفعلون في طهركم؟ فان الله قد أحسن إليكم الثناء؟ قالوا: نغسل أثر الغائط، فقال أنزل الله فيكم (والله يحب المتطهرين).
أقول: قد مضى تفسير تلك الآيات وتأويلها والقصص المتعلقة بها بأسانيدها
في المجلد السادس، والغرض من إيرادها هنا الاستدلال بها على اشتراط القربة في صحة وقف المساجد وفضلها، وجواز تخريب ما بني منها لغرض فاسد، بل وجوبه وعدم جواز الصلاة فيما بني لذلك إن أوجب ترويج بدعتهم، وتشييد غرضهم، ولعل فيها إيماء إلى رجحان الصلاة في مسجد بانوها ومجاوروها والمصلون فيها من الأتقياء وأهل الطهارة والنظافة، وإلى رجحان الطهارة والنظافة لدخولها.
فان قيل: ما ذكر يستلزم عدم جواز الصلاة في البيع والكنايس، والمساجد التي بناها المخالفون، قلت: لو استلزم الصلاة فيها ما اشترطناه في عدم جوازها كان الامر كذلك وما ورد من الرخصة لعلها مختصة بغير تلك الصورة.
فان قيل: إذا كان الوقف باطلا كانت ملكا لهم، فلا يجوز الصلاة فيها بغير إذنهم قلت: إنهم يقصدون القربة في بنائها ووقفها، لكنهم أخطأوا في أن مستحقه من وافق مذهبهم، فوقفهم صحيح، وظنهم فاسد، ولا يعلم أنهم شرطوا في الوقف عدم عبادة غير أهل ملتهم فيها، ولو ثبت أنهم شرطوا ذلك أيضا فيمكن أن يقال بصحة وقفهم، وبطلان شرطهم المبتني على ظنهم الفاسد بخلاف مسجد الضرار، فإنه لم تكن فيها قربة أصلا ولو قيل ببطلان الوقف أيضا ففي البيع والكنايس لا يضر ذلك، لان الملك للمسلمين وإنما قرروهم فيها لمصلحة، بل يمكن قول مثل ذلك في مساجد المخالفين أيضا كما يظهر من كثير من الاخبار أن الأرض للامام، وبعد ظهور الحق يخرجهم منها أذلة وهم صاغرون.
وبالجملة تجويز الصلاة في تلك المواضع للشيعة، وتقريرهم عليها في أعصار الأئمة عليهم السلام يكفينا للجواز، وإن كان الاخوط عدم الصلاة فيها إذا علم اشتراطهم عدم صلاة الشيعة فيها عند الوقف، وهذا نادر.
وقال الشهيد في الذكرى: يجوز اتخاذ المساجد في البيع والكنايس لرواية العيص ابن القاسم عن أبي عبد الله عليه السلام في البيع والكنايس، هل يصلح نقضها لبناء المساجد؟
فقال: نعم، ثم قال: المراد بنقضها نقض ما لابد منه في تحقق المسجدية كالمحراب
وشبهه، ويحرم نقض الزائد لابتنائها للعبادة، ويحرم أيضا اتخاذها في ملك أو طريق، لما فيه من تغيير الوقف المأمور باقراره، وإنما يجوز اتخاذها مساجد إذا باد أهلها، أو كانوا أهل حرب، فلو كانوا أهل ذمة حرم التعرض لها انتهى.
أقول: يمكن أن يقرأ نقضها بالضم أو الكسر بمعنى آلات بنائها ولا يخلو من بعد، وتجويز النقض يؤيد ما ذكرنا من عدم صحة الوقف.
﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ قال الطبرسي - ره -: اختلف في ذلك، فقيل:
لما دخل موسى مصر بعد ما أهلك الله فرعون، أمروا باتخاذ مساجد يذكر فيها اسم الله، وأن يجعلوا مساجدهم نحو القبلة، أي الكعبة عن الحسن. ونظيره (في بيوت أذن الله أن ترفع) الآية وقيل: إن فرعون أمر بتخريب مساجد بني إسرائيل، ومنعهم من الصلاة، فامروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم يصلون فيها، خوفا من فرعون وذلك قوله (واجعلوا بيوتكم قبلة) أي صلوا في بيوتكم لتأمنوا من الخوف
عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم، قيل: معناه اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا عن ابن جبير انتهى.
وروى علي بن إبراهيم عن الكاظم عليه السلام 1 قال: لما خافت بنو إسرائيل جبابرتها أوحى الله إلى موسى وهارون أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة، قال أمروا أن يصلوا في بيوتهم انتهى، ويدل على رجحان الصلاة في البيوت في الجملة، وفي بعض الأحوال واتخاذ المساجد في البيوت، فيمكن حمله على حال التقية، أو على النافلة لرجحانها في البيت، وقد ورد لا تجعلوا بيوتكم مقابر أي لا تصلى فيها أصلا كالقبور.
﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ أي بتسلط المؤمنين منهم على الكافرين (لهدمت) أي لخربت باستيلاء المشركين على أهل الملل (صوامع وبيع وصلوات و مساجد) قال: في المجمع أي صوامع في أيام شريعة عيسى عليه السلام وبيع في أيام شريعة موسى عليه السلام ومساجد في أيام شريعة محمد صلى الله عليه وآله أي لهدم في كل شريعة المكان الذي يصلى فيه، وقيل: البيع للنصارى في القرى، والصوامع في الجبال والبوادي، ويشترك فيها الفرق الثلاث والمساجد للمسلمين، والصلوات كنيسة اليهودي وقال ابن عباس والضحاك وقتادة:
الصلوات كنائس اليهود يسمونها صلاة فعرب، وقرء جعفر بن محمد عليهما السلام بضم الصاد واللام وقال الحسن: أراد بذلك عين الصلاة وهدم الصلاة بقتل فاعليها ومنعهم من
إقامتها، وقيل المراد بالصلوات المصليات كما قال: ﴿ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ 1 وأراد المساجد.
(يذكر فيها اسم الله كثيرا) قال الهاء تعود إلى المساجد، وقيل: إلى جميع المواضع التي تقدمت لان الغالب فيها ذكر الله، ويدل على فضل المساجد وتعميرها وذم تخريبها وتعطيلها وفضل إيقاع الذكر بأنواعه فيها كثيرا.
﴿وأن المساجد لله﴾ قال في المجمع أي لا تذكروا مع الله في المواضع التي بنيت للعبادة والصلاة أحدا على وجه الاشتراك في عبادته، كما تفعل النصارى في بيعهم والمشركون في الكعبة، قال الحسن من السنة عند دخول المسجد أن يقال: لا إله إلا الله لا أدعو مع الله أحدا، وقيل: المساجد مواضع السجود من الانسان، وهي الجبهة والكفان وأصابع الرجلين وعينا الركبتين، وهي لله تعالى إذ خلقها وأنعم بها، فلا ينبغي أن يسجد بها لاحد سوى الله، وقيل: المراد بالمساجد البقاع كلها، وذلك لان الأرض كلها جعلت للنبي صلى الله عليه وآله مسجدا ويدل على استحباب اتخاذ المساجد ووجوب الاخلاص في العبادة فيها على بعض الوجوه.
1 - مجالس الشيخ: عن الحسين بن عبيد الله الغضائري، عن التلعكبري، عن محمد بن همام، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن خالد الطيالسي، عن زريق ابن الزبير الخلقاني قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: شكت المساجد إلى الله تعالى الذين لا يشهدونها من جيرانها، فأوحى الله عز وجل إليها: وعزتي وجلالي لا قبلت لهم صلاة واحدة، ولا أظهرت لهم في الناس عدالة، ولا نالتهم رحمتي، ولا جاوروني في جنتي.
بيان: يدل على فضل عظيم لاتيان المساجد، بل على وجوبه لكن لم نر قائلا به وأما أصل الرجحان والفضل في الجملة فهو إجماعي بل يمكن أن يعد من ضروريات الدين، وظاهر كثير من الاخبار أن الشهود للجماعة، وأن التهديد في تركه لتركها، و على المشهور يمكن حملها على الجماعة الواجبة كالجمعة أو على ما إذا تركه مستخفا به غير معتقد لفضله، والأحوط عدم الترك لغير عذر، لا سيما إذا انعقدت فيها جماعة لا عذر في ترك حضورها.
وعدم إظهار العدالة لعله إشارة إلى ما ورد في خبر ابن أبي يعفور من أن الذي يوجب على الناس توليته وإظهار عدالته في الناس التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحافظ مواقيتهن باحضار جماعة المسلمين وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلا هم إلا لعلة.
2 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم، ورفع أصواتكم إلا بذكر الله تعالى، وبيعكم وشراءكم وسلاحكم، وجمروها في كل سبعة أيام، وضعوا المطاهر على أبوابها.
وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليمنعن أحدكم مساجدكم يهودكم ونصاراكم وصبيانكم، أو ليمسخن الله تعالى قردة وخنازير ركعا سجدا.
بيان: لا خلاف في كراهة تمكين المجانين والصبيان لدخول المساجد، وربما يقيد الصبي بمن لا يوثق به، أما من علم منه ما يقتضي الوثوق به لمحافظته على التنزه من النجاسات وأداء الصلوات، فإنه لا يكره تمكينه، بل يستحب تمرينه ولا بأس به والمشهور بين الأصحاب كراهة رفع الصوت في المسجد مطلقا وإن كان في القرآن، للاخبار المطلقة، واستثنى في هذا الخبر ذكر الله، وكذا فعله ابن الجنيد، ولعله المراد في سائر الأخبار لحسن رفع الصوت بالاذان والتكبير والخطب والمواعظ فيها، وإن كان الأحوط عدم رفع الصوت فيما لم يتوقف الانتفاع به عليه، ومعه يقتصر على ما يتأدى
به الضرورة.
والمشهور كراهة البيع والشراء، فان زاحم المصلين أو تضمن تغيير هيئة المسجد فلا يبعد التحريم، وبه قطع جماعة، وأما السلاح فالمراد به تشهيره أو عمله، والأحوط تركهما وروى الشيخ عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن سل السيف وعن بري النبل في المسجد، وقال إنما بني لغير ذلك وقال ابن الجنيد ولا يشهر فيه السلاح. واستحباب التجمير لم أره في غير هذا الخبر، والدعائم ولا بأس بالعمل به.
وأما جعل المطاهر أي محل تطهير الحدث والخبث على أبوابها، فقد ذكر الأصحاب استحبابه، وأيد بأنها لو جعلت داخلها لتأذى المسلمون برائحتها، وهو مطلوب الترك ومنع ابن إدريس من جعل الميضاة في وسط المسجد، قال في الذكرى: وهو حق إن لم يسبق المسجد وهو حسن، وذكر العلامة والمتأخرون عنه كراهة الوضوء من البول والغائط في المسجد لرواية رفاعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء في المسجد فكرهه من الغائط والبول، وحكم الشيخ في النهاية بعدم جواز ذلك، وتبعه ابن إدريس ومنع في المبسوط عن إزالة النجاسة في المساجد وعن الاستنجاء من البول والغائط قال في الذكرى: وكأنه فسر الرواية بالاستنجاء ولعله مراده في النهاية وهو حسن.
وأما منع اليهود والنصارى فهو على الوجوب على المشهور قال في الذكرى:
لا تجوز لاحد من المشركين الدخول في المساجد على الاطلاق، ولا عبرة باذن المسلم له لان المانع نجاسته للآية، فان قلت لا تلويث هنا، قلت: معرض له غالبا، وجاز اختصاص هذا التغليظ بالكافر، وقول النبي صلى الله عليه وآله من دخل المسجد فهو آمن منسوخ بالآية، وكذا ربط ثمامة في المسجد إن صح انتهى.
ويحتمل أن تكون القوم الممسوخة من النصاب والمخالفين، وقد مسخوا بتركهم
الولاية فلم يبق فيهم شئ من الانسانية، وقد مسح الصادق عليه السلام يده على عين بعض شيعته فرآهم في الطواف بصورة القردة والخنازير.
3 - اعلام الدين، للديلمي: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
كونوا في الدنيا أضيافا واتخذوا المساجد بيوتا، وعودوا قلوبكم الرقة، وأكثروا من التفكر والبكاء من خشية الله، واجعلوا الموت نصب أعينكم، وما بعده من أهوال القيامة، تبنون مالا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، فاتقوا الله الذي إليه ترجعون.
4 - مجالس الصدوق: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن سعد ابن طريف، عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يقول: من اختلف إلى المسجد أصاب إحدى الثمان: أخا مستفادا في الله، أما علما مستطرفا، أو آية محكمة، أو رحمة منتظرة، أو كلمة ترده عن ردى، أو يسمع كلمة تدله على هدى، أو يترك ذنبا خشية أو حياء.
مجالس الشيخ: عن المفيد، عن الحسين بن عبيد الله، عن الصدوق مثله.
ثواب الأعمال، والخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن سعد الإسكاف، عن زياد بن عيسى، عن أبي الجارود، عن ابن نباتة مثله.
نهاية الشيخ: عن ابن أبي عمير مثله.
اعلام الدين: للديلمي عنه عليه السلام مثله.
بيان: (أخا مستفادا في الله) أي يكون استفادة اخوته وتحصيلها لله، لا للأغراض
الباطلة (فان الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) وقيل: أي يمكن أن يستفاد منه العلم والعمل، والكمالات المقربة إلى الله (أو أصاب أخا في الله عز وجل) يمكن أن يستفيد منه، ففي الكلام على الوجهين الأخيرين حذف وإيصال، والأول أظهر.
(مستطرفا) أي علما يعد حسنا طريفا بديعا أو علما لم يكن عنده فيكون عنده طريفا، قال في القاموس المستطرف الحديث من المال، وامرأة طرف الحديث حسنته يستطرفه من يسمعه (أو آية محكمة) أي واضحة الدلالة، يمكن لأكثر الناس أو مثله فهمها، والانتفاع بها، أو غير منسوخة إذ ليس كثير انتفاع بالآيات المنسوخة (أو رحمة منتظرة) بالفتح أي ينتظرها الناس أو بالكسر أي تنتظر القابل كما روي إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها، وقيل: يمكن أن يكون كناية عن العبادات من الصلوات وغيرها، لا سيما الجماعات، ورؤية العلماء والصلحاء، وزيارتهم، و التبرك بمجالستهم.
(ترده عن ردى) أي ضلالة كان مقيما عليها فيتركها، أو مريدا لها فلا يرتكبها (على هدى) أي سبيل هداية يسلكها أو يثبت عليها إن كان فيها قبله (أو يترك ذنبا خشية) من الله أو من الناس أو الأعم في المسجد أو مطلقا وكذا الحياء يحتمل الجميع، قال في الذكرى: كأن الثامنة ترك الذنب حياء، يعني من الله أو من الملائكة أو من الناس كما أن الخشية كذلك، ويجوز أن تكون الخشية من الله والحياء من الناس.
5 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام كان يكسر المحاريب إذا رآها، ويقول: كأنها مذابح اليهود.
وبهذا الاسناد عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام رأى مسجدا بالكوفة قد شرف فقال: كأنه بيعة، وقال: إن المساجد لا تشرف تبنى جما.
ايضاح: حكم الأصحاب بكراهة المحاريب الداخلة، وهي قسمان الأول الداخلة في المسجد بأن يبنى جداران في قبلة المسجد ويسقف ليدخله الامام، وكان خلفاء الجور يفعلون ذلك خوفا من أعاديهم، والثاني الداخلة في البناء بأن يبنى في أصل حائط المسجد موضع يدخله الامام، والكسر الوارد في الخبر بالأول أنسب، وإن احتمل الثاني أيضا بهدم الجدار، والأكثر اقتصروا على الأول مع أن الثاني أولى بالمنع، والشهيد الثاني - ره -: عمم الحكم بالنسبة إليهما، وقيد الدخول في الحائط بكونه كثيرا، وبعض المتأخرين قصروا الحكم بالكراهة بالثاني، ولعله أوجه، وإن كان الأحوط تركهما. وقال في النهاية المذبح واحد المذابح، وهي المقاصير وقيل:
المحاريب، وفي القاموس المذابح المحاريب والمقاصير، وبيوت كتب النصارى، الواحد كمقعد انتهى.
والمشهور كراهة الشرف للمساجد، وهي ما يجعل في أعلى الجدران فتخرج عن الاستواء، وقال في النهاية: الجماء التي لا قرن لها، ومنه حديث ابن عباس أمرنا أن نبني المدائن شرفا، والمساجد جما: الشرف التي طولت أبنيتها بالشرف واحدها شرفة، والجم التي لا شرف لها، وجم جمع أجم شبه الشرف بالقرون.
6 - غيبة الشيخ: عن الفضل بن شاذان، عن عبد الرحمان بن أبي هاشم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: إذا قام القائم دخل الكوفة وأمر بهدم المساجد الأربعة حتى يبلغ أساسها، ويصيرها عريشا كعريش موسى، ويكون المساجد كلها جما لا شرف لها، كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله تمام الخبر.
توضيح: قال الجوهري: العرش والعريش ما يستظل به، وعرش يعرش ويعرش عرشا أي بنى بناء من خشب وبئر معروشة وكروم معروشات، والعريش عريش الكرم، و العريش شبه الهودج وليس به، يتخذ ذلك للمرأة تقعد فيه على بعيرها، والعريش خيمة من خشب وثمام والجمع عرش، مثال قليب وقلب، ومنه قيل لبيوت مكة العرش لأنها عيدان تنصب ويظلل عليها.
7 - قرب الإسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: قال: علي عليه السلام ليس لجار المسجد صلاة إذا لم يشهد المكتوبة في المسجد، إذا كان فارغا صحيحا.
بيان: ظاهره وجوب إيقاع المكتوبة في المسجد، وحمل على تأكيد الاستحباب وفوت فضل الصلاة لما مر من الاخبار، والتقييد بالمكتوبة يدل على عدم الاهتمام في إيقاع النافلة فيه، والمشهور بين الأصحاب أن النافلة في المنزل أفضل، ونسبه في المنتهى إلى علمائنا مؤذنا بالاجماع، وقال في المعتبر إنه فتوى علمائنا ونقل عن الشهيد الثاني - ره - أنه رجح في بعض فوائده رجحان فعلها أيضا في المسجد كالفريضة ولعله أقوى لعموم الاخبار ولما روي في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي صلاة النفل في المسجد، نعم يشعر بعض الأخبار باستحباب أن يأتي بشئ من صلاته في البيت.
وقال الشهيد - ره - في الذكرى: وقال ابن الجنيد: روي عن الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا صلاة لمن لم يصل في المسجد مع المسلمين إلا من علة ولا غيبة لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا، ومن رغب عن جماعة المسلمين سقطت عدالته، ووجب هجرانه، وإن رفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذره، ومن لزم جماعة المسلمين حرمت عليهم غيبته، وثبتت عدالته، ومن قربت داره من المسجد لزمه من حضور الجماعة ما لا يلزم من بعد منه.
قال : ويستحب أن يقرء في دخوله المسجد (إن في خلق السماوات والأرض) إلى
قوله (لا يخلف الميعاد) تمام خمس آيات، وآية الكرسي والمعوذتين وآية السخرة ويحمد الله ويصلى على محمد وآله وأنبياء الله وملائكته ورسله، ويسأل الله الدخول في رحمته، ويسلم على الحاضرين فيه، وإن كانوا في صلاة، فان كانوا ممن ينكر ذلك سلم خفيا على الملائكة فيصلي ركعتين قبل جلوسه، ولا بأس بقتل الحية والعقرب فيه ولا يتخذ متجرا ولا مجلس حديث، ولا يحدث فيه بالهزل، ولا بمآثر الجاهلية ولا يرفع فيه الصوت إلا بذكر الله، ولا يشهر فيه السلاح.
قال: ويستحب أن يجعل الانسان لنفسه حظارة من صلاته النوافل في منزله، ولا يجعله كالقبر له، انتهى كلام ابن الجنيد - ره - وإنما ذكرناه بطوله لكثرة فوائده، ولأنه من القدماء، وأكثر كلامه على ما ظهر لنا من التتبع مأخوذ من النصوص المعتبرة مع أن كثير مما ذكره هنا مما لا مدخل للآراء فيها، وبعضها ورد به رواية.
8 - كامل الزيارة: لابن قولويه، عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن بعض أصحابه يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت نكون بمكة أو بالمدينة أو بالحير أو المواضع التي يرجى فيها الفضل، فربما يخرج الرجل يتوضؤ فيجئ آخر فيصير مكانه؟ قال: من سبق إلى موضع فهو أحق به يومه وليله.
ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد مثله.
بيان ذكر أكثر الأصحاب أن من سبق إلى مكان من المسجد أو المشهد فهو أولى به ما دام باقيا فيه، فلو فارقه ولو لحاجة كتجديد طهارة وإزالة نجاسة بطل حقه، و إن كان ناويا للعود، إلا أن يكون رحله أو شئ من أمتعته ولو سبحة وما يشد به وسطه وخفه باقيا في الموضع، وقيد الشهيد - ره - مع ذلك نية العود، فلو فارق لا بنيته سقط حقه، وإن كان رحله باقيا، واحتمل الشهيد الثاني قدس سره بقاء الحق حينئذ لاطلاق النص والفتوى، ثم تردد على تقدير سقوط حقه في جواز دفع الرحل أم لا، وعلى تقدير الجواز في الضمان وعدمه، ثم قال: وعلى تقدير بقاء الحق
لبقائه أو بقاء رحله فان أزعج مزعج فلا شبهة في إثمه، وهل يصير أولى بعد ذلك يحتمله لسقوط حق الأول بالمفارقة، وعدمه للنهي فلا يترتب عليه حق، ويتفرع على ذلك صحة صلاة الثاني وعدمها.
واشترط الشهيد في الذكرى في بقاء حقه مع بقاء الرحل أن لا يطول المكث، وفي التذكرة استقرب بقاء الحق مع المفارقة لعذر كإجابة داع، وتجديد وضوء، و قضاء حاجة، وإن لم يكن له رحل، قالوا ولو استبق اثنان دفعة إلى مكان واحد و لم يمكن الجمع بينهما أقرع، ومنهم من توقف في ذلك.
وقال الشهيد الثاني: ولا فرق في ذلك كله بين المعتاد لبقعة معينة وغيره، وإن كان اعتياده لدرس وإمامة، ولا بين المفارق في أثناء الصلاة وغيره للعموم، واستقرب في الدروس بقاء أولوية المفارق في أثنائها اضطرارا إلا أن يجد مكانا مساويا للأول أو أولى منه، محتجا بأنها صلاة واحدة فلا يمنع من إتمامها.
هذا ما ذكره الأصحاب والذي يظهر من الرواية الأولوية مطلقا في يوم وليلة إن حملنا الواو على معناها، وإن حملناها على معنى أو كما هو الشايع أيضا فإن كان يوما فبقية اليوم، وإن كان ليلة فبقية الليلة ويؤيد الأخير ما رواه الكليني عن طلحة ابن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام سوق المسلمين كمسجدهم، فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل، وروى بعض أصحابنا عن النبي صلى الله عليه وآله إذا قام أحدكم من مجلسه في المسجد فهو أحق به إلى الليل، وعلى الأول يمكن الجمع بحمل خبر الصادق عليه السلام على ما كان المعتاد في ذلك المسجد بقاء الرحل تمام اليوم مع ليلته، وعدم قضاء وطره بدون ذلك، وحمل غيره على غير ذلك، ولعل حمله على معنى أو أظهر.
وعلى أي الوجهين، ليس في تلك الأخبار تقييد ببقاء الرحل، نعم يظهر من الخبر الأول إرادة العود من كلام السائل، والأحقية الواردة في الجواب أيضا تشعر بنية العود، إذ مع عدمها لا نزاع، وقطع المحقق بعدم بطلان حقه إن كان قيامه لضرورة كتجديد طهارة
أو إزالة نجاسة أو ضرورة إلى التخلي، وإن لم يكن رحله باقيا وهو قوي ويفرض الاشكال في بعض الصور كما إذا كان رحله أو الموضع الذي عينه واقعا في مكان الجماعة، ولو لم يقف أحد مكانه تحصل الفرجة بين الصفوف وقد نهي عن ذلك لا سيما إذا علم أنه لا يحضر إلا بعد انقضاء الصلاة، فلا يبعد حينئذ جواز رفع رحله والصلاة في موضعه، ثم يكون بعد حضوره أولى أو كما إذا بسط ثوبا في مكان من المشهد تحتاج الزوار إليه للدعاء أو الزيارة أو الصلاة، وغاب زمانا طويلا وعطل المكان والزوار وأشباه ذلك، والأحوط له عدم فعل ذلك، ولغيره رعاية حقه في المدة المذكورة في الخبر مهما أمكن، ولو كان رحله في مكان لا يحتاج إليه المصلون والزوار، فالأحوط بل الأظهر عدم جواز التعرض له مطلقا إلا مع اليأس عن عوده، لعدم جواز التصرف في ملك الغير بغير إذنه من غير ضرورة.
9 - قرب الإسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: قال إن المساكين كانوا يبيتون في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله.
ومنه: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن النوم في المسجد الحرام قال: لا بأس.
وسألته عن النوم في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله قال: لا يصلح.
ومنه: عن محمد بن خالد الطيالسي، عن إسماعيل بن عبد الخالق قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النوم في المسجد الحرام، فقال: هل بد للناس من أن يناموا في المسجد الحرام؟ لا بأس به، قلت الريح تخرج من الانسان؟ قال: لا بأس.
توفيق : اعلم أن أكثر الأصحاب قطعوا بكراهة النوم في المسجد مطلقا و استدلوا بما رواه الشيخ عن أبي أسامة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام قول الله عز وجل
﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ قال: سكر النوم، بناء على أن المراد بالصلاة مواضعها، وقد مر بعض القول فيه.
وذهب المحققون من المتأخرين إلى قصر الكراهة على النوم في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله، لما رواه الشيخ في الحسن عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما تقول في النوم في المساجد؟ فقال: لا بأس إلا في المسجدين: مسجد النبي صلى الله عليه وآله والمسجد الحرام، قال: وكان يأخذ بيدي في بعض الليالي فيتنحى ناحية ثم يجلس، فيتحدث في المسجد الحرام، فربما نام، فقلت له في ذلك، فقال إنما يكره في المسجد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فأما الذي في هذا الموضع فليس به بأس.
فالخبر الأول يمكن حمله على الضرورة، لان المساكين مضطرون إلى ذلك، أو كان ذلك قبل بناء الصفة، وحمله على غير مسجده صلى الله عليه وآله بعيد، والثاني يمكن حمله على زوائد المسجد الحرام أو يقال النوم في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله أشد كراهة منه، لان فيه سوء أدب بالنسبة إلى ضريحه المقدس أيضا، والخبر الأخير حمله على الزوائد أظهر، ويمكن حمله على الضرورة أيضا، وأما خروج الريح فالعامة يكرهون ذلك، لما رووا أنه تتأذى به الملائكة، والخبر يدل على عدم الكراهة.
10 - قرب الإسناد: بالاسناد عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال:
سألته عن بيت كان حشا زمانا، هل يصلح أن يجعل مسجدا؟ قال: إذا نظف وأصلح فلا بأس.
بيان: لعل المراد بالتنظيف والاصلاح إخراج النجاسات، والتراب النجس، وحك الجدار إذا كان نجسا، بحيث لا يبقى فيه نجاسة أصلا أو بالقاء التراب عليه
أيضا، ويحتمل الاكتفاء بالقاء التراب كما سيأتي، وهو الظاهر من كلام المنتهى، حيث قال: لا بأس بوضع المسجد على بئر غائط أو بالوعة إذا طم وانقطعت رائحته، لان الموذي يزول، فتزول الكراهية، ثم ذكر مثل هذه الرواية بأسانيد ثم قال: لا يقال:
قد روى الشيخ عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الأرض كلها مسجد إلا بئر غائط أو مقبرة، لأنا نقول بموجبه إذ بئر الغائط إنما يتخذ مسجدا مع الطم وانقطاع الرائحة.
11 - كتاب الغارات: لإبراهيم بن محمد الثقفي باسناده عن هارون بن خارجة قال: قال لي جعفر بن محمد عليهما السلام: كم بين منزلك ومسجد الكوفة؟ فأخبرته، فقال: ما بقي ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد صالح إلا وقد صلى فيه، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله مر به ليلة أسري به، فاستأذن ربه فصلى فيه ركعتين، والصلاة الفريضة فيه ألف صلاة، والنافلة خمس مائة صلاة، والجلوس فيه من غير تلاوة القرآن عبادة، فأته ولو زحفا.
بيان: الزحف مشي الصبي باسته، وفي التهذيب في رواية أخرى: وإن الجلوس فيه بغير تلاوة ولا ذكر لعبادة، ولو علم الناس ما فيه لاتوه ولو حبوا.
12 - كتاب الغارات: عن حبة العرني وميثم التمار قالا: جاء رجل إلى علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إني قد تزودت زادا وابتعت راحلة وقضيت شأني يعني حوائجي، فأرتحل إلى بيت المقدس؟ فقال له: كل زادك، وبع راحلتك، وعليك بهذا المسجد يعني مسجد الكوفة، فإنه أحد المساجد الأربعة: ركعتان فيه تعدل عشرا فيما سواه من المساجد، البركة منه على اثني عشر ميلا من حيث ما أتيته وقد ترك من اسه ألف ذراع، وفي زاويته فار التنور، وعند الأسطوانة الخامسة صلى
إبراهيم الخليل عليه السلام، وقد صلى فيه ألف نبي وألف وصي، وفيه عصى موسى، وشجرة يقطين، وفيه هلك يغوث ويعوق، وهو الفاروق، ومنه يسير جبل الأهواز، وفيه مصلى نوح عليه السلام، ويحشر منه يوم القيامة سبعون ألفا لا عليهم حساب ولا عذاب، ووسطه على روضة من رياض الجنة، وفيه ثلاث أعين يزهرن: تذهب الرجس، وتطهر المؤمنين عين من لبن، وعين من دهن، وعين من ماء جانبه الأيمن ذكر وجانبه الأيسر مكر، لو يعلم الناس ما فيه لاتوه ولو حبوا.
بيان: (فيما سواه) أي من المساجد المباركة كمسجد الأقصى ومسجد السهلة فلا ينافي الألف، أو الاختلاف باعتبار اختلاف الصلوات والمصلين، ولعل التخصيص بالألف لكونهم من أعاظم الأنبياء والأوصياء أو هم الذين صلوا فيه ظاهرا بحيث اطلع عليه الناس وشاهدوهم، وأما سائرهم عليهم السلام فصلوا فيه كما صلى فيه نبينا صلى الله عليه وآله، ولعل المراد بكون عصى موسى عليه السلام فيه كونها مدفونة فيه في الأزمان السالفة، حتى وصل إلى أئمتنا عليهم السلام لئلا ينافي الاخبار التي مضت في كتاب الإمامة أنها عندهم عليهم السلام مع سائر آثار الأنبياء، ويحتمل أن تكون مودعة هناك، وهي تحت أيديهم كلما أرادوا أخذوها، وأما شجرة يقطين فيمكن أن يكون هناك منبتها إذ يظهر من بعض الأخبار أنه خرج من الفرات (ويسير جبل أهواز) لم أره في غير هذا الخبر.
قوله (ويحشر منه) أي من جنبه يعني الغري كما صرح به في غيره، والظاهر أن الأعين يظهرن في زمن القائم عليه السلام وكون جانبه الأيسر مكرا، لان فيه كانت منازل الخلفاء والظلمة، كما قال الصدوق - ره - في الفقيه يعني منازل الشياطين، وقال في النهاية: الحبو أن يمشي على يديه وركبتيه أو استه.
13 - كتاب الغارات: باسناده عن الأعمش، عن ابن عطية قال: قال لهم علي عليه السلام إن بالكوفة مساجد مباركة، ومساجد ملعونة، فأما المباركة فان منها
مسجد غنى، وهو مسجد مبارك، والله إن قبلته لقاسطة، ولقد أسسه رجل مؤمن، و إنه لفي صرة الأرض، وإن بقعته لطيبة، ولا تذهب الليالي والأيام حتى تنفجر فيه عين، وحتى يكون على جنبيه جنتان، وأهله ملعونون، وهو مسلوب عنهم، و مسجد جعفي مسجد مبارك، وربما اجتمع فيه أناس من الغيب يصلون فيه، ومسجد ابن ظفر مسجد مبارك، والله إن طباقه لصخرة خضراء ما بعث الله من نبي إلا فيها تمثال وجهه، وهو مسجد سهلة، ومسجد الحمراء ، وهو مسجد يونس بن متى عليه السلام ولتنفجرن فيه عين تطهر السبخة وما حوله.
وأما المساجد الملعونة فمسجد الأشعث، ومسجد جرير، ومسجد ثقيف، ومسجد سماك بني على قبر فرعون من الفراعنة.
بيان: روى مثله في التهذيب عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام وفيه (حتى تنفجر فيه عينان، وتكون عليه جنتان) وهو أظهر، ولعله إشارة إلى ما في سورة الرحمن والظاهر أنه المسجد الكبير المعروف الان بمسجد الكوفة، لاشتراك أكثر الفضائل كما سيأتي ويحتمل أن يكون غيره كما يظهر من بعض الأخبار، ومسجد الحمراء لعله الموضع المعروف الان بقبر يونس عليه السلام.
14 - كنز الكراجكي: عن محمد بن أحمد بن شاذان، عن أبيه، عن محمد بن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن زياد، عن المفضل بن عمر، عن يونس بن يعقوب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ملعون ملعون من لم يوقر المسجد، تدري يا يونس لم عظم الله حق المساجد، وأنزل هذه الآية (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنايسهم أشركوا بالله تعالى فأمر الله سبحانه نبيه أن يوحد الله فيها ويعبده.
15 - عدة الداعي: روى سعدان بن مسلم، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان إذا طلب الحاجة طلبها عند زوال الشمس، فإذا أراد ذلك قدم
شيئا فتصدق به، وشم شيئا من طيب، وراح إلى المسجد فدعا في حاجته بما شاء.
16 - العدة واعلام الدين: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: الجلسة في الجامع خير لي من الجلسة في الجنة فان الجنة فيها رضا نفسي، والجامع فيها رضا ربي.
17 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن الحسن بن موسى الخشاب عن علي بن أسباط، عن بعض رجاله قال: قال أبو عبد الله عليه السلام جنبوا مساجدكم الشراء والبيع والمجانين والصبيان والضالة والاحكام والحدود ورفع الصوت.
العلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن الخشاب مثله.
بيان: ذكر الأصحاب كراهة تعريف الضالة وطلبها في المسجد، وهذه الرواية يحتملهما بل يشملهما، وروى في الفقيه مرسلا أن النبي صلى الله عليه وآله سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فقال: قولوا لا رد الله عليك، فإنها لغير هذا بنيت، والتجويز الوارد في رواية علي بن جعفر الآتية لا ينافي الكراهة، وأما الاحكام فالمشهور فيها الكراهة وحكم الشيخ في الخلاف وابن إدريس بعدم الكراهة، واستقر به العلامة في المختلف محتجا بأن الحكم طاعة فجاز إيقاعها في المساجد الموضوعة في الطاعات وبأن أمير المؤمنين عليه السلام حكم في مسجد الكوفة، وقضى فيه بين الناس، ودكة القضاء معروفة فيه إلى يومنا هذا، وأجاب عن الرواية بالطعن في السند لاحتمال أن يكون متعلق النهي إنفاذ الاحكام، كالحبس على الحقوق، والملازمة فيها عليها، وقال الراوندي: الحكم المنهي عنه ما كان فيه جدل وخصومة وربما قيل دوام الحكم فيها مكروه، وأما إذا اتفق في بعض الأحيان فلا، ويمكن تخصيص الكراهة بما يكون الجلوس لأجل ذلك بخلاف ما إذا كان الجلوس للعبادة فاتفق صدور الدعوى، والوجهان الأخيران لا ينفعان
في الجمع بين الاخبار، إذ الظاهر من دكة القضاء والمشهور في ذلك وقوع الحكم فيها غالبا بل لم يذكر موضع آخر لجلوسه عليه السلام للحكم فيه أقول: ويحتمل تخصيص المنع بأوقات الصلوات، فإنها توجب شغل خواطر المصلين أو بغير المعصوم، فإنه يحتمل فيهم الخطا وكذا المشهور في إقامة الحدود الكراهة لاحتمال تلويث المسجد بخروج الحدث، كما ذكر في المنتهى، وأيضا فيه شغل الخواطر وتفرق بال المصلين.
18 - قرب الإسناد: عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته أينشد الشعر في المسجد؟ قال: لا بأس.
وسألته عن الضالة ينشد في المسجد؟ قال: لا بأس.
وسألته عن السيف هل يصلح أن يعلق في المسجد؟ قال: أما في القبلة فلا، وأما في جانب فلا بأس.
بيان: قال الفيروزآبادي: أنشد الضالة عرفها واسترشد عنها، ضد: والشعر قرأه وتناشدوا أنشد بعضهم بعضا، والنشدة بالكسر الصوت، والنشيد رفع الصوت، وقال الجزري نشدت الضالة فأنا ناشد إذا طلبتها، وأنشدتها فأنا منشد إذا عرفتها، ومنه الحديث قال لرجل ينشد ضالة في المسجد أيها الناشد غيرك الواجد قال ذلك تأديبا له حيث طلب ضالته في المسجد، وهو من النشيد رفع الصوت انتهى.
والمشهور بين الأصحاب كراهة إنشاد الشعر في المساجد، لما رواه الشيخ في الصحيح على الظاهر عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من سمعتموه ينشد الشعر في المساجد فقولوا له: فض الله فاك، إنما نصبت المساجد للقرآن وحملوا هذه الرواية على الجواز، وهو لا ينافي الكراهة.
وقال في الذكرى بعد إيراد الرواية: وليس ببعيد حمل إباحة إنشاد الشعر على ما يقل منه وتكثر منفعته، كبيت حكمة أو شاهد على لغة في كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وآله
وشبهه، لأنه من المعلوم أن النبي كان ينشد بين يديه البيت والابيات من الشعر في المسجد ولم ينكر ذلك، وألحق به الشيخ على - ره - مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومراثي الحسين عليه السلام.
أقول: ما ذكراه لا يخلو من قوة ويؤيده استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام بالاشعار في الخطب، وكانت غالبا في المسجد، وما نقل من إنشاد المداحين كحسان وغيره أشعارهم عندهم عليهم السلام، ولان مدحهم عليهم السلام عبادة عظيمة والمسجد محلها، فيخص المنع بالشعر الباطل، لما روي في الصحيح عن علي بن يقطين أنه سأل أبا الحسن عليه السلام عن إنشاد الشعر في الطواف، فقال: ما كان من الشعر لا بأس به.
وأما تعليق السلاح في المسجد فقد حكم الشهيد بكراهته حيث قال في البيان و يكره تعليق السلاح في المسجد إلا لسبب وروى في التهذيب بسند صحيح عن الحلبي قال: سألته عليه السلام أيعلق الرجل السلاح في المسجد؟ فقال: نعم، وأما المسجد الأكبر فلا، فان جدي نهى رجلا يبري مشقصا في المسجد، ولعل التعليل مبني على أن النهي عن بري المشقص إنما كان لكونه سلاحا لا لكونه صنعة، ويحتمل أن يكون من (علق القوس: إذا جعل لها علاقة) وحمل خبر علي بن جعفر على هذا بعيد، والمسجد الأعظم المراد به المسجد الحرام أو كل جامع للبلد، ولعل فيه أشد كراهة لا سيما إذا كان في القبلة، لما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام لا يصلين أحدكم وبين يديه سيف فان القبلة أمن.
19 - المجازات النبوية: للسيد الرضي قال صلى الله عليه وآله: ابنوا المساجد واجعلوها جما.
ومنه: قال صلى الله عليه وآله: إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار إذا انقبضت واجتمعت: وقال السيد - ره -: قوله صلى الله عليه وآله جما استعارة
لان المراد ابنوها ولا تتخذوا لها شرفا فشبهها صلى الله عليه وآله بالكباش الجم وهي التي قرونها صغار خافية.
قوله صلى الله عليه وآله: لينزوي، هذا الكلام مجاز، وفيه قولان أحدهما أن المسجد يتنزه عن النخامة وهي البصقة بمعنى أنه يجب أن يكرم عنها، فإذا رؤيت عليه كانت شانئة له وزارئة عليه وكان معها بمنزلة الرجل ذي الهيئة يشمئز مما يهجنه وأصل الانزواء الانحراف مع تقبض وتجمع. والقول الاخر أن يكون المراد أهل المسجد فأقيم المسجد في الذكر مقامهم لما كان مشتملا عليهم، فالمعنى أن أهل المسجد ينقبضون من النخامة إذا رأوها فيه ذهابا به عن الأدناس وصيانة له عن الأدران.
بيان: قال في النهاية: في شرح تلك الرواية (لينزوي) أي ينضم ويتقبض، و قيل أراد أهل المسجد وهم الملائكة انتهى، وذكر الأكثر كراهة التنخم والبصاق في المسجد، واستحباب سترهما بالتراب أو بالحصا، وقد ورد بجواز البصاق روايات مثل ما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: الرجل يكون في المسجد في الصلاة فيريد أن يبصق؟ فقال: عن يساره، وإن كان في غير صلاة فلا يبزق حذاء القبلة، ويبزق عن يمينه وشماله.
وعن طلحة بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: لا يبزق أحدكم في الصلاة قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبزق عن يساره، وتحت قدمه اليسرى.
وعن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان أبو جعفر عليه السلام يصلي في المسجد فيبصق أمامه وعن يمينه وعن شماله وخلفه عن الحصا ولا يغطيه.
فيمكن حمل ما عدا الأخير على كون بعضها أشد كراهة، أو على حال الضرورة والأخير على أنه لبيان الجواز، أو يكون مختصا بهم عليهم السلام لتشرف المسجد ببصاقهم.
ثم الظاهر من الاخبار أن البصاق أخف كراهة، ويمكن المناقشة في كراهته
أيضا وسيأتي الاخبار فيهما، وذكر الأصحاب كراهة قتل القمل في المساجد، واستحباب ستره بالتراب، لكن اعترف أكثر المتأخرين بعدم اطلاعهم على نص فيهما.
20 - المحاسن: عن محمد بن عيسى، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان لعلي عليه السلام بيت ليس فيه شئ إلا فراش وسيف ومصحف، وكان يصلي فيه، أو قال كان يقيل فيه.
بيان: على الرواية الأولى المؤيدة بسائر الاخبار، يدل على استحباب اتخاذ بيت في الدار للصلاة، وعلى الرواية الثانية يدل ظاهرا على جواز القيلولة في البيت وحده.
21 - المحاسن: عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة، عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: كان علي عليه السلام قد جعل بيتا في داره ليس بالصغير ولا بالكبير، لصلاته، وكان إذا كان الليل ذهب معه بصبي لا يبيت معه فيصلي فيه.
22 - قرب الإسناد: عن محمد بن خالد الطيالسي، عن ابن بكير عنه عليه السلام مثله.
بيان: يدل على استحباب أن لا يكون في البيت وحده في الليل، وإن كان في الصلاة، كما دل عليه غيره، بل يكون معه أحد وإن كان صبيا، أو الطفل متعين إذا كان مصليا لبعده عن الرياء، وعدم منافاته لكمال الخشوع، والاقبال على العبادة لعدم الاحتشام منه، ويؤيده أن في رواية الطيالسي أخذ صبيا لا يحتشم منه كما سيأتي قوله عليه السلام (لا يبيت معه) أي لم يكن في سائر الليل عنده، لأنه عليه السلام كان مع أزواجه وسراياه ولم يكن يناسب كونه نائما [إلا] معهم، ويحتمل أن يكون ليبيت.
23 - مكارم الأخلاق: عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى (خذوا زينتكم عند كل
مسجد) قال: تعاهدوا نعالكم عند أبواب المسجد.
تنقيح: ذكر الأصحاب استحباب تعاهد النعال عند دخول المساجد، وفسروا باستعلام حاله استظهارا للطهارة، والحق به ما كان مظنة النجاسة كالعصا، واستدل عليه بما رواه الشيخ عن القداح، عن جعفر، عن أبيه أن عليا عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم قال الجوهري: التعهد التحفظ بالشئ، وتجديد العهد به، وهو أفصح من قولك تعاهدت، لان التعاهد إنما يكون بين اثنين.
أقول: ورود الرواية عن أفصح الفصحاء يدل على خطأ الجوهري. بل يطلق التفاعل فيما لم يكن بين اثنين للمبالغة، إذ ما يكون بين اثنين يكون المبالغة والاهتمام فيه أكثر، ويحتمل أن يكون المراد بتعاهد النعل أن يحفظ عند أمين ونحوه لئلا يشتغل قلبه في حال الصلاة به، ولعل ما فهمه القوم أظهر.
24 - مجالس الشيخ: عن الحسين بن عبيد الله، عن التلعكبري، عن محمد بن همام عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن خالد الطيالسي، عن رزيق الخلقاني قال:
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: صلاة الرجل في منزله جماعة تعدل أربعا وعشرين صلاة، وصلاة الرجل جماعة في المسجد تعدل ثمانيا وأربعين صلاة مضاعفة في المسجد، وإن الركعة في المسجد الحرام ألف ركعة في سواه من المساجد، وإن الصلاة في المسجد فردا بأربع وعشرين صلاة، والصلاة في منزلك فردا هباء منثورا لا يصعد منه إلى الله شئ، ومن صلى في بيته جماعة رغبة عن المساجد فلا صلاة له، ولا لمن صلى معه، إلا من علة تمنع من المسجد.
25 - ثواب الأعمال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن جعفر، عن موسى بن عمران، عن الحسين بن يزيد، عن حماد بن عمرو، عن أبي الحسن
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.