پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب الطهارة

6 - باب التيمم وآدابه وأحكامه

ج ۷۸، ص ۱۳۰–۱۶۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۷۸

6 - * " باب " * * " (التيمم وآدابه وأحكامه) " * الآيات: النساء: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا.

المائدة: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و أيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ولعلكم تشكرون.

تفسير: قد تقدم الكلام في صدري الآيتين الكريمتين في مبحثي الوضوء والغسل، ولنذكر هنا ما يتعلق منهما بالتيمم.

اعلم أنه سبحانه قدم في الآيتين حكم الواجدين للماء القادرين على استعماله ثم أتبع ذلك بأصحاب الاعذار فقال تعالى: " وإن كنتم مرضى " وحمله الأصحاب على المرض الذي يضر معه استعمال الماء، والذي يوجب العجز عن السعي إليه أو عن استعماله وظاهر الآية يشمل كل ما يصدق عليه اسم المرض لكن علماؤنا رضي الله عنهم مختلفون في اليسير، ومثلوه بالصداع ووجع الضرس، ولعله للشك

في تسمية مثل ذلك مرضا عرفا، فذهب المحقق والعلامة إلى أنه غير مبيح للتيمم، وبعض المتأخرين على إيجابه له، ولعله أقوى، فإنه أشد من الشين وقد أطبقوا على إيجابه التيمم.

" أو على سفر " أي متلبسين به إذ الغالب عدم وجود الماء في أكثر الصحاري " أو جاء أحد منكم من الغائط " هو كناية عن الحدث، إذ الغائط المكان المنخفض من الأرض، وكانوا يقصدونه للحدث لتغيب فيه أشخاصهم عن الرائين

فكنى عن الحدث بالمجئ من مكانه، وتسمية الفقهاء العذرة بالغائط من تسمية الحال باسم المحل، وقيل إن لفظة " أو " ههنا بمعنى الواو والمراد والله أعلم أو كنتم مسافرين وجاء أحد منكم من الغائط.

" أو لامستم النساء " المراد جماعهن كما في قوله تعالى " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن " واللمس والمس بمعنى كما قاله اللغويون، وسيأتي الاخبار في تفسير اللمس بالوطي، وقد نقل الخاص والعام عن ابن عباس أنه كان يقول: إن الله سبحانه حيي كريم يعبر عن مباشرة النساء بملامستهن، وذهب الشافعي إلى أن المراد مطلق اللمس لغير محرم، وخصه مالك بما كان عن شهوة وأما أبو حنيفة فقال: المراد الوطي لا المس.

وقوله تعالى " فلم تجدوا ماء " يشمل ما لو وجد ماء لا يكفيه للغسل وهو جنب أو للوضوء وهو محدث حدثا أصغر، فعند علمائنا يترك الماء وينتقل فرضه إلى التيمم وقول بعض العامة يجب عليه أن يستعمله في بعض أعضائه ثم يتيمم لأنه واجد للماء ضعيف إذ وجوده على هذا التقدير كعدمه، ولو صدق عليه أنه واجد للماء لما جاز له التيمم كذا قيل .

وقال الشيخ البهائي قدس الله سره: للبحث فيه مجال، فقوله سبحانه " فلم تجدوا ماء " يراد به والله أعلم ما يكفي الطهارة، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى في كفارة اليمين " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام " أي فمن لم يجد إطعام عشرة مساكين ففرضه الصيام، وقد حكم الكل بأنه لو وجد إطعام أقل من عشرة لم يجب عليه ذلك، و انتقل فرضه إلى الصوم انتهى.

وقال الشهيد الثاني: ربما حكي عن الشيخ في بعض أقواله التبعيض، واحتمل العلامة في النهاية وجوب صرف الماء إلى بعض أعضاء الجنب، لجواز وجود ما يكمل طهارته

وسقوط الموالاة بخلاف المحدث والمعتمد ما ذكره في التذكرة والمنتهى من عدم الفرق مسندا ذلك إلى الأصحاب، لعدم التمكن من الطهارة المائية، فتكون ساقطة.

ولا يخفى أن البحث إنما هو فيمن هو مكلف بطهارة واحدة، أعني الجنب وذا الحدث الأصغر المذكورين في الآية، أما الحائض مثلا فإنها لو وجدت مالا يكفي لغسلها ووضوئها معا فإنها تستعمله فيما يكفيه وتتيمم عن الآخر.

ثم لا يخفى أن المتبادر من قوله سبحانه " فلم تجدوا ماء " كون المكلف غير واجد للماء، بأن يكون في موضع لا ماء فيه، فيكون ترخيص من وجد الماء ولم يتمكن من استعماله في التيمم لمرض ونحوه مستفادا من السنة المطهرة ويكون المرضى غير داخلين في خطاب " فلم تجدوا " لأنهم يتيممون وإن وجدوا الماء.

كذا في كلام بعض المفسرين، ويمكن أن يراد بعدم وجدان الماء عدم التمكن من استعماله وإن كان موجودا، فيدخل المرضى في خطاب لم تجدوا، ويسرى الحكم إلى كل من لا يتمكن من استعماله كفاقد الثمن أو الآلة، والخائف من لص أو سبع ونحوهم، وهذا التفسير وإن كان فيه تجوز إلا أنه هو المستفاد من كلام محققي المفسرين من الخاصة والعامة كالشيخ الطبرسي وصاحب الكشاف، وأيضا فهو غير مستلزم لما هو خلاف الظاهر من تخصيص خطاب " فلم تجدوا " بغير المرضى مع ذكر الأربعة على نسق واحد.

واعلم أن الفقهاء اختلفوا فيمن وجد من الماء ما لا يكفيه للطهارة إلا

بمزجه بالمضاف، بحيث لا يخرج من الاطلاق، هل يجب عليه عليه المزج والطهارة به أم يجوز له ترك المزج واختيار التيمم؟ فجماعة من المتأخرين كالعلامة وأتباعه على الأول، وجمع من المتقدمين كالشيخ وأتباعه على الثاني، ولعل ابتناء القولين على التفسيرين السابقين، فالأول على الثاني، والثاني على الأول، إذ يصدق على من هذا حاله أنه غير واجد لما يكفيه للطهارة على الأول، فيندرج تحت قوله سبحانه " فلم تجدوا ماء " بخلاف الثاني فإنه متمكن منه.

وبعض المحققين بنى القول الأول على كون الطهارة بالماء واجبا مطلقا فيجب المزج إذ ما لا يتم الواجب المطلق إلا به - وهو مقدور - واجب، والثاني على أنها واجب مشروط بوجود الماء وتحصيل مقدمة الواجب المشروط غير واجب.

واعلم أن ههنا إشكالا مشهورا وهو أنه سبحانه جمع بين هذه الأشياء في الشرط المرتب عليه جزاء واحد هو الامر بالتيمم: مع أن سببية الأولين للترخص بالتيمم والثالث والرابع لوجوب الطهارة عاطفا بينها بأو: المقتضية لاستقلال كل واحد منها في ترتب الجزاء، مع أنه ليس كذلك إذ متى لم يجتمع أحد الآخرين مع واحد من الأولين، لم يترتب الجزاء وهو وجوب التيمم.

وأجيب عنه بوجوه: الأول ما أومأنا إليه سابقا من أن أو في قوله تعالى

" أو جاء " بمعنى الواو كما قيل في قوله تعالى " وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ".

الثاني قال البيضاوي: وجه هذا التقسيم أن المترخص بالتيمم إما محدث أو جنب، والحال المقتضية له في غالب الامر إما مرض أو سفر، والجنب لما سبق

ذكره اقتصر على بيان حاله، والحدث لما لم يجرد ذكره ذكر من أسبابه ما يحدث بالذات وما يحدث بالعرض، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب، و بيان العذر مجملا، وكأنه قيل: وإن كنتم جنبا مرضى أو على سفر أو محدثين جئتم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء. وهذا الوجه لا يوافق ما ثبت عندنا من أن المراد بالملامسة الجماع.

الثالث قال في الكشاف جوابا عن هذا الاشكال ، قلت: أراد سبحانه أن يرخص للذين وجب عليهم التطهر وهم عادمون للماء في التيمم بالتراب، فخص أولا من بينهم مرضاهم وسفرهم، لأنهم المتقدمون في استحقاق بيان الرخصة لهم، لكثرة السفر والمرض، وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة، ثم عم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء، لخوف عدو أو سبع، أو عدم آلة استقاء أو إزهاق في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك مما لا يكثر كثرة المرض والسفر انتهى.

وقيل في توضيح كلامه: إن القصد إلى الترخيص في التيمم لكل من وجب عليه التطهر، ولم يجد الماء، فقيد عدم الوجدان راجع إلى الكل، وقيد وجوب التطهر المكنى عنه بالمجئ من الغائط أو الملامسة اللذين هما من أغلب أسباب وجوب التطهر معتبر في الكل حتى المرضى والمسافرين، وذكرهما تخصيص بعد التعميم، بناء على زيادة استحقاقهما للترخيص، وغلبة المرض والسفر على سائر أسباب الرخصة، فكأنه قيل: إن جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء خصوصا المرضى والمسافرين فتيمموا، ووجه سببية مضمون الشرط لمضمون الجزاء ظاهر.

هذا، ولكن ينبغي أن يعتبر عدم وجدان الماء بعدم القدرة على استعماله ليفيد ترخيص المريض الواجد للماء العاجز عن الاستعمال، ويصح أن المرض سبب من الأسباب الغالبة، وإلا فهو باعتبار العجز عن الحركة والوصول إلى الماء

من الأسباب النادرة لا الغالبة.

وقيل جعل عدم الوجدان قيدا للجميع لا يخلو من شئ لأنه إذا جمع بين الأشياء في سلك واحد ويكون شئ واحد وهو عدم الوجدان قيدا للجميع، كان المناسب أن يكون لكل واحد منها مع قطع النظر عن القيد مناسبة ظاهرة مع الترخيص بالتيمم، وذلك منتف في الأخيرين إلا عند جعل عدم الوجدان قيدا مختصا، وكلام صاحب الكشاف غير آب عن ذلك، فالأحسن أن يقال: قوله سبحانه " فلم تجدوا ماء " قيد للأخيرين مختص بهما لكنه في الأولين مراد بمعاونة المقام، فإنه سبحانه لما أمر بالوضوء والغسل، كان ههنا مظنة سؤال يخطر بالبال فكأن سائلا يقول: إذا كان الانسان مسافرا لا يجد الماء أو مريضا يخاف من استعماله الضرر، فما حكمه؟ فأجاب جل شانه ببيان حكمه، وضم سائر المعذورين فكأنه قال: وإن كنتم في حال الحدث والجنابة مرضى تستضرون باستعمال الماء، أو مسافرين غير واجدين للماء، أو كنتم جنبا أو محدثين غير واجدين للماء - وإن لم تكونوا مرضى أو على سفر - فتيمموا صعيدا.

والتصريح بالجنابة والحدث ثانيا مع اعتبارهما في المريض والمسافر أيضا لئلا يتوهم اختصاص الحكم المذكور بالجنب، لكونه بعده.

وقد يقال في قوله سبحانه أو لامستم النساء في موقع كنتم جنبا مع التفنن والخروج عن التكرار تنبيه على أن الامر ههنا ليس مبنيا على استيفاء الموجب في ظاهر اللفظ فلا يتوهم أيضا حصر موجب الوضوء في المجئ من الغائط، وعلى كل حال فيه تنبيه على أن كونهم محدثين ملحوظ في إيجاب الوضوء.

قوله جل وعلا " فتيمموا صعيدا [طيبا " أي اقصدوا صعيدا] واختلف كلام أهل اللغة في الصعيد: -

فبعضهم كالجوهري قال: هو التراب، ووافقه ابن فارس في المجمل، و نقل ابن دريد في الجمهرة عن أبي عبيدة: أنه التراب الخالص الذي لا يخالطه سبخ ولا رمل، ونقل الطبرسي عن الزجاج أن الصعيد ليس هو التراب، إنما هو وجه الأرض، ترابا كان أو غيره، سمى صعيدا لأنه نهاية ما يصعد من باطن الأرض، و قريب منه ما نقله الجوهري عن ثعلب، وكذا ما نقل المحقق في المعتبر عن الخليل عن ابن الاعرابي، ولاختلاف أهل اللغة في الصعيد اختلف فقهاؤنا في التيمم بالحجر لمن تمكن من التراب، فمنعه المفيد وأتباعه لعدم دخوله في اسم الصعيد، وجوز

الشيخ في المبسوط والمحقق والعلامة التيمم بالحجر نظرا إلى دخوله تحت الصعيد المذكور في الآية.

واختلف المفسرون في المراد بالطيب فيها، فبعضهم على أنه الظاهر، و بعضهم على أنه الحلال، وآخرون على أنه المنبت دون مالا ينبت كالسبخة، و أيدوه بقوله تعالى " والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه " والأول هو مختار مفسري أصحابنا قدس الله أرواحهم.

وقوله " فامسحوا بوجوهكم " قد يدعى أن فيه دلالة على أن أول أفعال التيمم مسح الوجه، لعطفه بالفاء التعقيبية على قصد الصعيد من دون توسط الضرب على الأرض، فيتأيد به ما ذهب إليه العلامة في النهاية من جواز مقارنة نية التيمم لمسح الوجه، وأن ضرب اليدين على الأرض بمنزلة اغتراف الماء في الوضوء، وفيه كلام.

والباء في قوله سبحانه " بوجوهكم " للتبعيض، كما مر في حديث زرارة وقد تقدم الكلام في كون الباء للتبعيض في باب كيفية الوضوء فالواجب في التيمم مسح بعض الوجه وبعض اليدين، كما ذهب إليه جمهور علمائنا وأكثر الروايات ناطقة به، وذهب علي بن بابويه - رحمه الله - إلى وجوب استيعاب الوجه واليدين إلى المرفقين كالوضوء، عملا ببعض الاخبار، ومال المحقق في المعتبر إلى التخيير بين استيعاب الوجه واليدين وبين الاكتفاء ببعض كل منهما كالمشهور، ومال العلامة في المنتهى إلى استحباب الاستيعاب.

وأما العامة فمختلفون أيضا فالشافعي يقول بمقالة علي بن بابويه، و ابن حنبل باستيعاب الوجه فقط، والاكتفاء بظاهر الكفين، ولأبي حنيفة قولان أحدهما كالشافعي والآخر الاكتفاء بأكثر أجزاء الوجه واليدين، وذهب الزهري منهم إلى وجوب مسح اليدين إلى الإبطين لأنهما حدا في الوضوء إلى المرفقين

ولم يحدا في التيمم بشئ، فوجب استيعاب ما يصدق عليه اليد، وهذا القول مما انعقد إجماع الأمة على خلافه.

وكلمة " من " في قوله سبحانه " منه " في الآية الثانية، تحتمل أربعة أوجه:

الأول أنها لابتداء الغاية، والضمير عائد إلى الصعيد، فالمعنى أن المسح يبتدي من الصعيد أو من الضرب عليه.

الثاني للسببية وضمير " منه " للحدث المفهوم من الكلام السابق. كما يقال تيممت من الجنابة، وكقوله تعالى " مما خطيئاتهم أغرقوا " وقول الشاعر " وذلك من نبأ جاءني " وقول الفرزدق: " يغضي حياء ويغضى من مهابته " و يحتمل إرجاع الضمير إلى عدم وجدان الماء، وإلى المجموع.

ويرد عليه أنه خلاف الظاهر ومتضمن لارجاع الضمير إلى الابعد مع إمكان الارجاع إلى الأقرب، مع استلزامه أن يجعل لفظة " منه " تأكيدا لا تأسيسا إذ السببية تفهم من الفاء، ومن جعل المسح في معرض الجزاء، وتعليقه بالوصف المناسب المشعر بالعلية.

الثالث أنها للتبعيض، وضمير " منه " للصعيد، كما تقول أخذت من الدراهم وأكلت من الطعام.

الرابع أن تكون للبدلية كما في قوله تعالى: " أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة " وقوله سبحانه: " لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون " وقوله جل شأنه " لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا " أي بدل طاعته أو رحمته وحينئذ يرجع الضمير إلى الماء، والمعنى فلم تجدوا ماء فتيمموا الصعيد بدل الماء، وهذا أيضا لا يخلو من بعد، مع أن قوما من النحاة أنكروا

مجئ " من " للبدلية، فقالوا: التقدير أرضيتم بالحياة الدنيا بدلا من الآخرة، فالمفيد للبدلية متعلقها المحذوف، وكذا الأخيران، وإن كان هذا أيضا يجري ههنا لكنه خلاف الظاهر.

والظاهر أن حملها على التبعيض أقرب من الجميع، مع موافقته للأخبار الصحيحة ، ولذا اختاره صاحب الكشاف الذي هو المقتدى في العربية وخالف الحنفية القائلين بعدم اشتراط العلوق، مع توغله في متابعة أقوالهم وتهالكه في نصرة مذاهبهم، قال في الكشاف:

فان قلت: قولهم إنها لابتداء الغاية، قول متعسف، فلا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب، إلا معنى التبعيض؟ قلت: هو كما تقول، والاذعان للحق أحق من المراء.

وقد يقال: عدم فهم العرب من هذه الأمثلة إلا ما ذكره، قد يكون للغرض المعروف عندهم من التدهين والتنظيف، ونحو ذلك، مع إمكان المنع عند الاطلاق في قوله من التراب، على أنه يمكن أن يقال: إنها في الأمثلة كلها للابتداء، كما هو الأصل فيها، وأما التبعيض فإنما جاء من لزوم تعلق شئ من الدهن والماء باليد، فيقع المسح به، ونحوه التراب إن فهم، فلا يلزم مثله في الصعيد الأعم من التراب والصخر.

قيل: والانصاف أنها إن استعملت فيما يصلح للعلوق، وإن كان باعتبار غالب أفراده، كان المتبادر منها التبعيض، وإن استعملت فيما لا يصلح لذلك كان المفهوم منها الابتدائية، وعدم صلاحية المقام لغيرها قرينة عليها.

وما يقال من أن حملها على التبعيض غير مستقيم، لان الصعيد يتناول الحجر كما صرح به أئمة اللغة والتفسير ، وحملها على الابتداء تعسف، وليس ببعيد حملها على السببية، وقد جعل التعليل من معاني " من " صاحب مغني اللبيب وعلى تقدير أن لا يكون حقيقة فلا أقل من أن يكون مجازا، ولابد من ارتكاب المجاز هنا، إما في الصعيد أو في " من " ولا ريب أن التوسع في حروف

الجر أكثر.

فمندفع لبعد هذا الاحتمال كما عرفت، وقرب الحمل على التبعيض، و تبادره إلى الذهن، وان سلمنا استلزامه حمل الصعيد على المعني المجازي، فارتكاب هذا المجاز أولى لما عرفت.

فظهر أن ظاهر الآية موافق لما ذهب إليه ابن الجنيد، من اشتراط علوق شئ من التراب بالكفين ليمسح به، ويتأيد بذلك ما ذهب إليه المفيد وأتباعه من عدم جواز التيمم بالحجر.

وقد ختم سبحانه الآية الأولى بقوله: " إن الله كان عفوا رحيما " ويفهم منه التعليل لما سبقه من ترخيص ذوي الأعذار في التيمم فهو واقع موقع قوله جل شأنه في الآية الثانية " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج " يعني أن من عادته العفو عنكم، والمغفرة لكم، فهو حقيق بالتسهيل عليكم والتخفيف عنكم.

وقد اختلف المفسرون في المراد من التطهير في قوله: " ولكن يريد ليطهركم " قيل: المراد به التطهير من الحدث بالتراب، عند تعذر استعمال الماء وقيل تنظيف الأبدان بالماء فهو راجع إلى الوضوء والغسل، وقيل المراد التطهير من الذنوب بما فرض من الوضوء والغسل والتيمم، ويؤيده ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن الوضوء يكفر ما قبله، وقيل المراد تطهير القلب عن التمرد من طاعة الله سبحانه، لان إمساس هذه الأعضاء بالماء والتراب لا يعقل له فائدة إلا محض الانقياد والطاعة.

وقوله تعالى: " وليتم نعمته عليكم " أي بما شرعه لكم مما يتضمن تطهير أجسادكم أو قلوبكم، أو تكفير ذنوبكم، واللامات في الافعال الثلاثة للتعليل، ومفعول يريد محذوف في الموضعين، وقوله تعالى: " ولعلكم تشكرون " أي على نعمائه المتكاثرة التي من جملتها ما يترتب على ما شرعه في هذه الآية الكريمة أو لعلكم تؤدون شكره بالقيام بما كلفكم به فيها . والله يعلم.

ثم اعلم أنه يمكن أن يكون الحكمة في تكرار حكم التيمم في الكتاب

العزيز في آيتين متشابهتين، واشتمالهما على أنواع التأكيد علمه سبحانه بانكار عمر وأتباعه هذا الحكم بمحض الاستبعاد، بل معاندة لله ولرسوله كما سيأتي، وبيناه مفصلا في كتاب الفتن في باب بدعه لعنه الله.

1 - ائعلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن التيمم فوضع يديه على التراب ثم نفضهما، ومسح وجهه ويديه فوق الكف.

والعلة في ترك مسح الرأس والرجلين في التيمم أن الله فرض الطهور بالماء فجعل غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس والرجلين، وفرض الصلاة أربع ركعات ثم جعل للمسافر ركعتين وكذلك للذي لا يقدر على الماء مسح الوجه واليدين، وترك مسح الرأس والرجلين، كما ترك للمسافر ركعتين.

2 - الهداية: من كان جنبا أو على غير وضوء، ووجب الصلاة ولم يجد الماء فليتمم، كما قال الله " فتيمموا صعيدا طيبا " والصعيد الموضع المرتفع، والطيب الذي ينحدر عنه الماء، والتيمم هو أن يضرب الرجل بيديه على الأرض مرة واحدة وينفضهما، ويمسح بهما جبينه وحاجبيه، ويمسح على ظهر كفيه.

والنظر إلى الماء ينقض التيمم.

ولا بأس بأن يصلي الرجل بتيمم واحد صلوات الليل والنهار كلها ما لم يحدث أو يصيب ماء ومن تيمم وصلى ثم وجد الماء فقد مضت صلاته فليتوضأ لصلاة أخرى.

ومن كان في مفازة ولم يجد الماء، ولم يقدر على التراب، وكان معه لبد جاف تيمم منه أو من عرف دابته، ومن أصابته جنابة فخاف على نفسه التلف إن اغتسل فإنه إن كان جامع فليغتسل، وإن أصابه ما أصابه، وإن احتلم فليتم، والمجدور إذا أصابته جنابة يؤمم لان مجدورا أصابته جنابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فغسل فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخطأتم ألا يممتموه.

3 - قرب الإسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل تصيبه الجنابة ولا يقدر على ماء، فيصيبه المطر هل يجزيه ذلك أم هل يتيمم؟ قال: إن غسله أجزأه، وإلا عليه التيمم.

قال: قلت: أيهما أفضل؟ أيتيمم أو يمسح بثلج وجهه وجسده ورأسه؟ قال: الثلج إن بل رأسه وجسده أفضل، وإن لم يقدر على أن يغتسل تيمم.

ومنه: عن محمد بن الوليد وعن عبد الله بن بكير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب فلم يصب الماء أيتيمم ويصلي؟ قال: لا حتى آخر الوقت إنه إن فاته الماء لم تفته الأرض.

بيان: يدل على رجحان التأخير إلى آخر الوقت، لكن فيه إشعار برجاء زوال العذر، ولا خلاف ظاهرا في عدم جواز التيمم قبل دخول وقت الغاية، ونقلوا الاجماع عليه، واختلفوا في جواز التيمم في سعة الوقت على أقوال ثلاثة:

الأول: وجوب التأخير إلى آخر الوقت، وإليه ذهب الأكثر، بل نقلوا عليه الاجماع.

الثاني: الجواز في أول الوقت مطلقا، وهو المنسوب إلى الصدوق والجعفي وقواه العلامة في المنتهى والتحرير، والشهيد في البيان، وقال البزنطي في الجامع على ما نقل عنه الشهيد: لا ينبغي لاحد أن يتيمم إلا في آخر وقت الصلاة، وفيه إشعار بالاستحباب.

الثالث: ما اختاره ابن الجنيد، وهو جواز التقديم عند العلم أو الظن الغالب بفوت الماء أو امتداد العذر إلى آخر الوقت، واختاره العلامة في عدة من كتبه لكن إنما قيد بالعلم، ولم يذكر الظن، وإليه يؤمي كلام ابن أبي عقيل، و الثاني لا يخلو من قوة وبعده الثالث.

4 - الخصال: عن محمد بن جعفر البندار، عن مجاهد بن أعين، عن أبي بكير

ابن أبي العوام، عن يزيد، عن سليمان التميمي، عن سيار، عن أبي أمامة قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله فضلت بأربع: جعلت لامتي الأرض مسجدا وطهورا، وأيما رجل من أمتي أراد الصلاة فلم يجد ماء ووجد الأرض فقد جعلت له مسجدا و طهورا الحديث.

5 - ومنه ومن العلل:، عن محمد بن علي بن شاه، عن محمد بن جعفر البغدادي، عن أبيه، عن أحمد بن السخت، عن محمد بن الأسود الوراق، عن أيوب بن سليمان، عن أبي البختري، عن محمد بن حميد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عز وجل: جعلت لك ولأمتك الأرض كلها مسجدا وترابها طهورا، تمام الخبر.

ايضاح: احتج المرتضى رضي الله عنه على أن الصعيد هو التراب بقول النبي صلى الله عليه وآله: " جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا " ولو كانت اجزاء الأرض طهورا وإن لم تن ترابا لكان ذكر التراب واقعا في غير محله، وأجاب عنه في المعتبر بأنه تمسك بدلالة الخطاب وهي متروكة، وأجاب عنه الشيخ البهائي قدس سره بأن مراده أن النبي في معرض التسهيل والتخفيف، وبيان امتنان الله سبحانه عليه، وعلى ههذ الأمة المرحومة، فلو كان مطلق وجه الأرض من الحجر ونحوه طهورا لكان ذكر التراب مخلا بانطباق الكلام على الغرض المسوق له، وكان المناسب لمقتضى الحال أن يقول: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " انتهى.

ويرد عليه أن ما ذكره لا يخرجه عن كونه استدلالا بالمفهوم، بل ما ذكره لو تم لكان دليلا على حجية المفهوم في هذا المقام، مع أنه يحتمل أن يكون الفائدة في ذكر التراب التصريح بشموله لكل تراب، وإن كان منفصلا عن الأرض ورفع توهم حذف مضاف غير المدعي.

والحق أن ما ذكره السيد متين، لكن لابد من التأويل مع وجود المعارض القوي.

6 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد، عن حريز، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل مضى في باب الوضوء حيث قال:

ثم قال الله تعالى: " فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم " غ لما وضع عمن لم يجد الماء، أثبت مكان الغسل مسحا، لأنه قال:

" بوجوهكم " ثم وصل بها " وأيديكم " ثم قال: " منه " أي من ذلك التيمم، لأنه علم أن ذلك أجمع لم يجر على الوجه، لأنه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف ولا يعلق ببعضها، ثم قال: " وما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج " و الحرج الضيق.

7 - فقه الرضا: قال عليه السلام: اعلموا رحمكم الله أن التيمم غسل المضطر ووضوؤه، وهو نصف الوضوء في غير ضرورة إذا لم يوجد الماء، وليس له أن يتيمم حتى يأتي إلى آخر الوقت أو إلى أن يتخوف خروج وقت الصلاة.

وصفة التيمم للوضوء والجنابة وساير أبواب الغسل واحد، وهو أن تضرب بيديك على الأرض ضربة واحدة، ثم تمسح بهما وجهك [من حد الحاجبين إلى الذقن وروي من] موضع السجود: من مقام الشعر إلى طرف الأنف، ثم تضرب بهما أخرى فتمسح بهما الكفين من حد الزند، وروي من أصول الأصابع، تمسح باليسرى اليمنى، وباليمنى إلي سرى، على هذه الصفة.

وأروي إذا أردت التيمم اضرب كفيك على الأرض ضربة واحدة، ثم تضع إحدى يديك على الأخرى، ثم تمسح بأطراف أصابعك وجهك من فوق حاجبيك وبقي ما بقي، ثم تضع أصابعك اليسرى على أصابعك اليمنى من أصل الأصابع من فوق الكف. ثم تمرها على مقدمها على ظهر الكف ثم تضع أصابعك

اليمنى على أصابعك اليسرى، فتصنع بيدك اليمنى ما صنعت بيدك اليسرى على اليمنى مرة واحدة.

فهذا هو التيمم، وهو الوضوء التام الكامل في وقت الضرورة، فإذا قدرت على الماء انتقض التيمم، وعليك إعادة الوضوء والغسل بالماء، لما تستأنف الصلاة اللهم إلا أن تقدر على الماء وأنت في وقت من الصلاة التي صليتها بالتيمم فتطهر وتعيد الصلاة.

ونروي أن جبرئيل عليه السلام نزل إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله في الوضوء بغسلين ومسحين: غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس والرجلين، ثم نزل في التيمم باسقاط المسحين، وجعل مكان موضع الغسل مسحا.

ونروي عنه عليه السلام أنه قال: رب الماء ورب الصعيد واحد.

وليس للمتيمم أن يتيمم إلا في آخر الوقت، وإن تيمم وصلى قبل خروج الوقت، ثم أدرك الماء وعليه الوقت، فعليه أن يعيد الصلاة والوضوء، وإن مر بماء فلم يتوضأ وقد كان تيمم وصلى في آخر الوقت وهو يريد ماء آخر، فلم يبلغ الماء حتى حضرت الصلاة الأخرى، فعليه أن يعيد التيمم، لان ممره بالماء نقض تيممه.

وقد يصلي بتيمم واحد خمس صلوات، ما لم يحدث حدثا ينقض به الوضوء، وتتيمم للجنابة، والحائض تتيمم مثل تيمم الصلاة.

إن الله عز وجل فرض الطهر، فجعل غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس والرجلين، وفرض الصلاة أربع ركعات، فجعل للمسافر ركعتين، ووضع عنه الركعتين، ليس فيهما القراءة، وجعل للذي لا يقدر على الماء التيمم مسح الوجه واليدين، ورفع عنه مسح الرأس والرجلين.

وقال الله تبارك وتعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " والصعيد الموضع المرتفع عن الأرض، والطيب الذي ينحدر عنه الماء، وقد روي أنه يمسح الرجل على جبينيه وحاجبيه، ويمسح على ظهر كفيه، فإذا كبرت في صلاتك تكبيرة

الافتتاح، واتيت بالماء فلا تقطع الصلاة، ولا تنقض تيممك، وامض في صلاتك.

تبيين: اعلم أن الأصحاب قد اختلفوا في عدد الضربات في التيمم، فقال الشيخان في النهاية والمبسوط والمقنعة: ضربة للوضوء، وضربتان للغسل، و هو اختيار الصدوق وسلار وأبي الصلاح وابن إدريس وأكثر المتأخرين.

وقال المرتضى في شرح الرسالة: الواجب ضربة واحدة في الجميع، وهو اختيار ابن الجنيد وابن أبي عقيل والمفيد في المسائل العزية.

ونقل عن المفيد في الأركان اعتبار الضربتين في الجميع، وحكاه العلامة في المنتهى والمختلف والمحقق في المعتبر عن علي بن بابويه وظاهر كلامه في الرسالة اعتبار ثلاث ضربات: ضربة باليدين للوجه، وضربة باليسار لليمين، و ضربة باليمين لليسار، ولم يفرق بين الوضوء والغسل، وحكى في المعتبر القول بالضربات الثلاثة عن قوم منا.

ومنشأ الخلاف اختلاف الاخبار: فعلى المشهور جمعوا بينها بحمل أخبار الضربة على بدل الوضوء، والضربتين على بدل الغسل، للمناسبة، ولرواية غير دالة على الفرق، ومنهم من جمع بينها بحمل الضربتين على الاستحباب وهو أظهر في الجمع.

والأصوب عندي حمل أخبار الضربتين على التقية لأنه قال الطيبي في

شرح المشكاة في شرح حديث عمار: إن في الخبر فوائد منها أن في التيمم تكفي ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو مذهب علي وابن عباس وعمار، وجمع من التابعين ، وذهب عبد الله بن عمر وجابر من التابعين والأكثرون من فقهاء الأمصار إلى أن التيمم ضربتان انتهى.

فظهر من هذا أن القول المشهور بين المخالفين ضربتان، وأن الضربة مشهور عندهم من مذهب أمير المؤمنين عليه السلام وعمار التابع له في جميع الأحكام وابن عباس الموافق له في أكثرها، فتبين أن أخبار الضربة أقوى وأخبار الضربتين حملها على التقية أولى، وإن كان الأحوط الجمع بينهما فيهما، ولعل اختلاف أجزاء هذا الخبر أيضا للتقية.

ثم اعلم أن معظم الأصحاب عبروا بلفظ الضرب وهو الوضع [المشتمل على اعتماد يحصل به مسماه عرفا، فلا يكفي الوضع المجرد عنه، وبعضهم عبر بلفظ الوضع] كالشيخ في النهاية والمبسوط واختاره الشهيد وجماعة، والتعبير في الاخبار مختلف والضرب أحوط بل أقوى.

واستحباب نفض اليدين بعد الضرب مذهب الأصحاب، وأجمعوا على عدم وجوبه، واستحب الشيخ مسح إحدى اليدين بالأخرى بعد النفض، وذكر في هذا الخبر مكان النفض.

واعتبر أكثر الأصحاب كون مسح الوجه بباطن الكفين معا، ونقل عن ابن الجنيد أنه اجتزء باليد اليمنى لصدق المسح، وهو كذلك بالنظر إلى الآية لكن ظاهر الاخبار المبينة لها الأول.

وقالوا: يعتبر في المسح كونه بباطن الكف اختيارا لأنه المعهود، فلو مسح بالظهر اختيارا أو بآلة لم يجز، نعم لو تعذر المسح بالباطن أجزأ الظاهر، والأحوط ضم التولية معه.

وظاهر الأصحاب أنه يشترط في ضرب اليدين أن يكونا دفعة، فلو ضرب إحدى يديه ثم أتبعه بالأخرى لم يجز. ومسح الجبهة من قصاص شعر الرأس

إلى طرف الأنف الاعلى كأنه متفق عليه بين الأصحاب وأوجب بعضهم الجبينين أيضا، والصدوق مسح الحاجبين أيضا، وقد عرفت أن أباه قال يمسح جميع الوجه قال في الذكرى: وفي كلام الجعفي إشعار به. والمشهور في اليدين أن حدهما الزند، ونقل ابن إدريس عن بعض الأصحاب أن المسح على اليدين من أصول الأصابع إلى رؤوسها.

وقال علي بن بابويه: امسح يديك من المرفقين إلى الأصابع، وقال الصدوق في بيان التيمم للجنابة: ومسح يده فوق الكف قليلا، ويحتمل أن يكون مراده الابتداء من فوق الكف من باب المقدمة، أو أراد عدم وجوب الاستيعاب.

وأما أنه إذا تمكن من استعمال الماء في غير الصلاة ينتقض تيممه، ولو فقد الماء بعد ذلك يجب عليه إعادة التيمم، فقد قال في المعتبر: إنه إجماع أهل العلم، ومن تيمم تيمما صحيحا وصلى ثم خرج الوقت لم يجب عليه القضاء. وقال في المنتهى: وعليه إجماع أهل العلم.

ونقل عن السيد المرتضى أن الحاضر إذا تيمم لفقد الماء وجب عليه الإعادة إذا وجده، والأقوى سقوط القضاء مطلقا. ولو تيمم وصلى مع سعة الوقت ثم وجد الماء في الوقت، فان قلنا باختصاص التيمم بآخر الوقت بطلت صلاته مطلقا وإن قلنا بجوازه مع السعة، فالأقوى عدم الإعادة كما اختاره المحقق في المعتبر والشهيد في الذكرى، ونقل عن ابن الجنيد وابن أبي عقيل القول بوجوب الإعادة لاخبار حملها على الاستحباب طريق الجمع، وأما أنه يكفيه تيمم واحد لصلوات متعددة، فلا خلاف فيه ظاهرا بين الأصحاب.

ولو وجد الماء بعد الدخول في الصلاة، فقد اختلف فيه كلام الأصحاب على أقوال: الأول أنه يمضي في صلاته، ولو تلبس بتكبيرة الاحرام، كما دل عليه هذا الخبر، وهو مختار الأكثر، الثاني أنه يرجع ما لم يركع، وإليه ذهب الصدوق والشيخ في النهاية وجماعة، الثالث أنه يرجع ما لم يقرأ، ذهب إليه سلار، الرابع وجوب القطع مطلقا إذا غلب على ظنه سعة الوقت بقدر الطهارة

والصلاة، وعدم وجوب القطع إذا لم يمكنه ذلك، واستحباب القطع ما لم يركع نقله الشيخ عن ابن حمزة، الخامس ما نقله الشهيد أيضا، عن ابن الجنيد، حيث قال: وإذا وجد المتيمم الماء بعد دخوله في الصلاة قطع ما لم يركع الركعة الثانية، فان ركعها مضى في صلاته، فان وجده بعد الركعة الأولى وخاف ضيق الوقت أن يخرج إن قطع، رجوت أن يجزيه إن لا يقطع صلاته، وأما قبله فلابد من قطعها مع وجود الماء.

ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات، ويمكن الجمع بينها بحمل أخبار المضي على الجواز، وأخبار القطع قبل الركوع على الاستحباب، بل القطع بعده أيضا والمسألة قليلة الجدوى إذ الفرض نادر.

8 - العلل والخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: لا ينام المسلم وهو جنب، ولا ينام إلا على طهور، فإن لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد فان روح المؤمن تروح إلى الله عز وجل فيلقاها ويبارك عليها، فإن كان أجلها قد حضر، جعلها في مكنون رحمته، وإن لم يكن أجلها قد حضر بعث بها مع امنائه من ملائكته، فيردوها في جسده.

9 - المحاسن: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن عبيد الله الحلبي أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يمر بالركية وليس معه دلو قال: ليس عليه أن يدخل الركية، لان رب الماء هو رب الأرض فليتيمم بيان: الركية البئر، وحمل على ما إذا كان في النزول إليها مشقة كثيرة أو كان مستلزما لافساد الماء، والمراد بعدم الدلو عدم مطلق الآلة، وذكر الدلو

لأنه الفرد الشايع، فلو أمكنه بل طرف عمامته مثلا ثم عصرها والوضوء بمائها لوجب عليه، وفيه إشارة إلى جواز التيمم بغير التراب.

10 - السرائر: نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن سكين وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إن فلانا أصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات، فقال: قتلوه ألا سألوا، ألا يمموه إن شفاء العي السؤال.

ايضاح: في القاموس الجدر خروج الجدري بضم الجيم، وفتحها لقروح في البدن تنفط وتقيح، وقد جدر وجدر كعني ويشدد، فهو مجدور ومجدر قوله: " فغسلوه " أي أمروه بالغسل أي أفتوه به، أو ولوا غسله، وعلى الثاني يدل على أن المفتي ضامن إذا أخطأ ولعله في الآخرة مع التقصير أو عدم الصلاحية، والعي بالكسر يحتمل أن يكون صفة مشبهة عن عيي، إذا عجز ولم يهتد إلى العلم بالشئ، وأن يكون مصدرا، وفي بعض نسخ الحديث إن آفة العي السؤال، فعلى الأول المعنى أن الجاهل ربما يتأبى عن السؤال ويترفع عنه ويعده آفة. وعلى الثاني المعنى أن السؤال آفة العي، فكما أن الآفة تفني الشئ وتذهبه كذلك السؤال يذهب العي، وما هنا أظهر موافقا للفقيه ولروايات العامة.

قال في النهاية في الحديث شفاء العي السؤال، العي الجهل، وقد عيي به يعيى عياء.

11 - المحاسن: عن أبي إسحاق الثقفي ومحمد بن مروان جميعا، عن أبان بن عثمان عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله أعطى محمدا صلى الله عليه وآله شرايع نوح و إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام إلى أن قال: وجعل له الأرض مسجدا وطهورا الحديث.

12 - تفسير علي بن إبراهيم: في قوله تعالى " ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم " قال: إن الله كان قد فرض على بني إسرائيل الغسل و الوضوء، ولم يحل لهم التيمم ولم يحل لهم الصلاة إلا في البيع والكنايس و المحاريب، وكان الرجل إذا أذنب خرج نفسه منتنا فيعلم أنه أذنب وإذا أصاب أحدهم شيئا من بدنه البول قطعوه، ولم يحل لهم المغنم، فرفع ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله عن أمته.

13 - السرائر: نقلا من كتاب حريز، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أرأيت المواقف إن لم يكن على وضوء كيف يصنع؟ ولا يقدر على النزول؟ قال: يتيمم من لبد دابته أو سرجه أو معرفة دابته، فان فيها غبارا.

بيان: المواقف كمقاتل لفظا ومعنى، واللبد بكسر اللام وإسكان الباء الموحدة ما يوضع تحت السرج، والمعرفة - كمرحلة - موضع العرف من الفرس، وهو بالضم شعر عنقه، وذكر الأصحاب أن مع فقد للتراب وما في معناه يجب التيمم بغبار الثوب أو عرف الدابة أو لبد السرج أو غير ذلك مما فيه غبار قال في المعتبر وهو مذهب علمائنا وأكثر العامة، وإنما يجوز التيمم بالغبار مع فقد التراب كما نص عليه الأكثر وربما ظهر من عبارة المرتضى في الجمل جوازه مع وجوده وهو بعيد.

ثم المشهور التخيير بين كل ما فيه غبار كما هو ظاهر الخبر، وقال الشيخ في النهاية: للتيمم مراتب فأولها التراب، فان فقده فالحجر، فان فقد تيمم بغبار عرف دابته أو لبد سرجه، فإن لم يكن معه دابة تيمم بغبار ثوبه، فإن لم يكن معه شئ من ذلك تيمم بالوحل، وقال ابن إدريس: التراب ثم الحجر ثم غبار

الثوب، ثم غبار العرف واللبد، ثم الوحل، وأطلق الشيخ التيمم بغبار الثوب و ظاهر المفيد وسلار وجوب النفض والتيمم بالغبار الخارج منه، وربما يشترط الاحساس بالغبار، وظاهر الخبر وجود الغبار فيها كما هو ظاهر الأكثر أما إخراجه أو ظهوره للحس فلا، وإن كان الأحوط السعي في إخراجه.

14 - السرائر: نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن العبيدي، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يجنب في السفر، فلا يجد إلا الثلج أو ماء جامدا، قال: هو بمنزلة الضرورة يتيمم، ولا أرى أن يعود إلى هذه الأرض التي توبق دينه.

المحاسن: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن عبيد الله ابن علي الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

بيان: قال المفيد لو لم يوجد إلا الثلج فليكسره وليتوضأ بمائه، وإن خاف على نفسه من ذلك يضع بطن راحته اليمنى على الثلج، ويحركه عليه باعتماد ثم يرفعها بما فيها من نداوة يمسح بها وجهه، ثم يضع راحته اليسرى على الثلج ويصنع بها كما صنع باليمنى، ويمسح بها يده اليمنى من مرفقه إلى أطراف الأصابع كالدهن إلى آخر ما ذكره ثم قال: وإن كان محتاجا إلى التطهر بالغسل صنع بالثلج كما صنع به عند وضوئه، وقال الشيخ ما يقاربه.

والمنقول عن علم الهدى أنه يتيمم بنداوته، وهو المنسوب إلى ابن الجنيد وسلار، وقال آخرون بسقوط الطهارة، واختار العلامة مذهب الشيخ.

وقال المحقق في المعتبر: والتحقيق عندي أنه إن أمكن الطهارة بالثلج بحيث يكون به غاسلا فإنه يكون مقدما على التراب، بل مساويا للماء في التخيير عند الاستعمال، وإن قصر عن ذلك لم يكف في حصول الطهارة، وكان التراب معتبرا دونه، ولا عبرة بالدهن، لأنه لا يسمى غسلا، فلا يحصل به الطهارة

الشرعية إلا أن يراد بالدهن ما يجري على العضو، وإن كان قليلا انتهى، ولا يخفى متانته.

ثم إنه ينقل عن السيد - رحمه الله - أنه استدل بهذه الرواية على مذهبه ولا يخفى ما فيه، إذ الظاهر أن المراد بها التيمم بالتراب، وقوله فلا يجد إلا الثلج أي مما يصح الاغتسال به قوله عليه السلام: " توبق دينه " أي تذهبه من قولهم أو بقت الشئ أي أهلكته، ويدل على أن من صلى بتيمم وإن كان مضطرا فصلاته ناقصة، وأنه يجب عليه إزالة هذا النقص عن صلاته المستقبلة بالخروج عن ذلك المحل إلى محل لا يضطر فيه إلى ذلك.

وربما يستنبط منه وجوب المهاجرة عن بلاد التقية إلى بلاد يمكنه فيها تركها بل عن البلاد التي لا يتمكن من أقام فيها من القيام التام بوظائف الطاعات، و إعطاء الصلاة، بل سائر العبادات حقها من الخشوع والإقبال على الحق جل شأنه فضلا عن البلاد التي لا يسلم المقيم فيها يوما من الاعمال السيئة، والأقوال الشنيعة ولا يكاد ينفك عن الصفات الذميمة المهلكة من الغل والحسد والتكبر وحب الجاه والرياسة، وفقنا الله وسائر المؤمنين لإقامة شرايع الدين في مقام أمين لا يستولي فيه الشياطين على المؤمنين.

15 - المحاسن: في رواية حفص بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أوي إلى فراشه فذكر أنه على غير طهر وتيمم من دثاره وثيابه، كان في صلاة ما ذكر الله.

بيان: رواه في التهذيب مرسلا عن الصادق عليه السلام أنه قال: من تطهر ثم أوي إلى فراشه بات وفراشه كمسجده، فان ذكر أنه ليس على وضوء فتيمم من دثاره كائنا ما كان، لم يزل في صلاة ما ذكر الله عز وجل، وفي الفقيه

فليتيمم من دثاره كائنا ما كان، ورواه في ثواب الأعمال عن محمد بن كردوس عنه عليه السلام مثل الفقيه.

فعلى ما في التهذيب: لعل المعنى كائنا ما كان [الدثار سواء كان فيه غبار أم لا، أو كائنا ما كان] النائم، سواء قدر على القيام والوضوء أم لا، وعلى ما في الفقيه فالظاهر أن المراد سواء كان متوضئا أو متيمما أو المراد أنه إذا ذكر الله فسواء توضأ أو تيمم أم لا فهو في صلاة، ويمكن أن يعمم أيضا بحيث يشمل غير حالة النوم أيضا، والظاهر هو الأول. فالمراد أنه إذا تطهر ولم يذكر يكتب له ثواب الكون في المسجد، وإن ذكر يكتب له ثواب الصلاة.

وعلى الاحتمالين الآخرين الظاهر أن كون فراشه كمسجده كناية عن أنه يكتب له ثواب الصلاة، وعلى ما هنا الظاهر اشتراط الطهارة والذكر معا في الثواب المذكور وظاهر الخبر اشتراط التيمم بالذكر في الدثار لا مطلقا وهو خلاف المشهور.

16 - السرائر: نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن عثمان بن عيسى، عن معاوية بن شريح قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده، فقال:

يصيبنا الدمق والثلج ونريد أن نتوضأ ولا نجد إلا ماء جامدا فكيف أتوضأ أدلك به جلدي؟ قال: نعم.

17 - ومنه: عن الكتاب المذكور، عن محمد بن أحمد العلوي، عن العمركي عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل الجنب أو على غير وضوء، لا يكون معه ماء وهو يصيب ثلجا وصعيدا أيهما أفضل أيتيمم أم يمسح بالثلج وجهه؟ قال: الثلج إذا بل رأسه وجسده أفضل، فإن لم يقدر على أن يغتسل به فليتيمم.

بيان: دلالة الخبرين على ما ذهب إليه المفيد ظاهر ويمكن حملهما على الجريان ليوافق المشهور.

18 - السرائر: نقلا من كتاب نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الله ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أتى عمار بن ياسر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إني أجنبت الليلة، فلم يكن معي ماء، قال: كيف صنعت؟ قال: طرحت ثيابي وقمت على الصعيد، فتمعكت فيه، فقال: هكذا يصنع الحمار، إنما قال الله عز وجل " فتيمموا صعيدا طيبا " فضرب بيديه على الأرض ثم ضرب إحداهما على الأخرى، ثم مسح بجبينيه ثم مسح كفيه كل واحدة على الأخرى، مسح باليسرى على اليمنى وباليمنى على اليسرى.

توضيح: يدل على الاكتفاء في بدل الجنابة بالضربة الواحدة، وتمعك الدابة تقلبها في التراب، وهذا منه صلى الله عليه وآله إما مطايبة أو تأديب على ترك القياس، فإنه قاس التيمم بالغسل وعدم التقصير في طلب علم ما تكثر الحاجة إليه، وعلى الأول يدل على جواز جريان أمثالها بين الأصدقاء.

19 - المحاسن: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن عبيد الله بن علي الحلبي أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل إذا أجنب ولم يجد الماء، قال يتيمم بالصعيد، فإذا وجد الماء فليغتسل ولا يعيد الصلاة.

20 - السرائر: نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن جعفر بن بشير، عن عبد الله بن عاصم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وسئل عن رجل تيمم وقام في الصلاة، فاتي بماء قال: إن كان ركع فليمض في صلاته، وإن لم يكن ركع فلينصرف وليتوضأ.

21 - ومنه: عن الكتاب المذكور، عن علي بن السندي، عن حماد عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل صلى ركعة على تيمم ثم جاء رجل ومعه قربتان من ماء، فقال: يقطع الصلاة ويتوضأ ثم يبني على واحدة.

22 - ومنه: عن الكتاب المذكور، عن علي بن السندي، عن صفوان عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الرجل يكون مع أهله في السفر فلا يجد الماء يأتي أهله؟ فقال: ما أحب أن يفعل ذلك إلا أن يكون شبقا أو يخاف على نفسه، قلت: يطلب بذلك اللذة ، قال: هو حلال، قلت: فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن أبا ذر سأله عن هذا فقال: ائت أهلك تؤجر، فقال: يا رسول الله واوجر؟ فقال: كما أنك إذا أتيت الحرام أزرت فكذلك إذا أتيت الحلال اجرت فقال: ألا ترى أنه إذا خاف على نفسه فأتى الحلال اجر.

بيان: قوله عليه السلام: " أزرت " كذا في النسخ، والقياس وزرت أو أوزرت.

وعلى تقدير عدم التصحيف لعله أتى به كذلك لمزاوجة اجرت، قال الجزري الوزر الحمل والثقل، وأكثر ما يطلق في الحديث على الذنب والاثم ومنه: الحديث ارجعن مأجورات غير مأزورات، أي غير آثمات، وقياسه موزورات يقال: وزر فهو موزور، وإنما قال: مأزورات للازدواج بمأجورات، ونحوه قال الجوهري.

ويدل الحديث على جواز إحداث الجنابة عند عدم الماء، أو عدم التمكن من استعماله كمرض ونحوه، ونقل المحقق في المعتبر عليه الاجماع

وربما يوهم الخبر تقييد الجواز بالشبق أو الخوف على النفس من الوقوع في الحرام لكن ظاهره الجواز، وإن كان لمحض الالتذاذ.

ثم اعلم أن المشهور بين الأصحاب عدم الفرق بين متعمد الجنابة وغيره، في تسويغ التيمم له عند التضرر بالماء وقال المفيد: إن أجنب نفسه مختارا وجب عليه الغسل، وإن خاف منه على نفسه ولم يجزه التيمم، وأسند في المعتبر إلى الشيخين القول بعدم جواز التيمم، وإن خاف التلف أو زيادة المرض، وأسند في المنتهى إلى الشيخ القول بأن المتعمد وجب عليه الغسل، وإن لحقه برد، إلا أن يخاف على نفسه التلف.

وقال في المبسوط والنهاية: يتيمم عند خوف البرد على نفسه، ويعيد الصلاة عند الاغتسال، إذا كانت الجنابة عمدا، والمنقول عن ظاهر ابن الجنيد عدم إجزاء التيمم للمتعمد، والأشهر جواز التيمم مطلقا وعدم الإعادة وهو أقوى.

22 - السرائر: نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين عن صفوان، عن العلا، عن محمد، عن أحدهما عليهما السلام أنه سئل عن الرجل يقيم بالبلاد الأشهر ليس فيها ماء من أجل المراعي وصلاح الإبل؟ قال: لا.

ومنه: نقلا من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب، عن العلا وأبي أيوب وابن بكير كلهم عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام مثله.

بيان: قوله: من أجل المراعي يمكن تعلقه بقوله: " ليس فيها ماء " أي لا ماء فيها لصلاح الإبل ومرعاه، فيكون النهي للاضرار بالإبل، وإتلاف المال، ويحتمل تعلقه بيقيم فالمراد أنه يسكن البلدة أو القرية لرعي الإبل في نواحيها، والماء في البلد قليل قد لا يفي بالوضوء والغسل والاستنجاء وتنظيف الثوب والجسد، فالنهي لعدم التمكن من هذه الأمور الضرورية فيكون مثل قوله: " ولا أرى أن يعود إلى هذه الأرض التي توبق دينه " ولعل الشيخ فهم هذا المعنى حيث أورده في التهذيب

في باب التيمم.

23 - كتاب سليم بن قيس: بالأسانيد التي ذكرناها في صدر الكتاب عنه عن أمير المؤمنين عليه السلام فيما ذكره من بدع عمر قال عليه السلام: والعجب لجهله وجهل الأمة أنه كتب إلى جميع عماله أن الجنب إذا لم يجد الماء فليس له أن يصلي، وليس له أن يتيمم بالصعيد حتى يجد الماء، وإن لم يجده حتى يلقى الله. وفي رواية أخرى: وإن لم يجده سنة، ثم قبل الناس ذلك منه ورضوا به، وقد علم وعلم الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أمر عمارا وأمر أبا ذر أن يتيمما من الجنابة ويصليا، وشهدا به عنده وغيرهما، فلم يقبل ذلك ولم يرفع به رأسا.

24 - نوادر الراوندي: عن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني، عن محمد بن الحسن التميمي، عن سهل بن أحمد الديباجي، عن محمد بن محمد بن الأشعث، عن موسى ابن إسماعيل بن موسى، عن أبيه، عن جده موسى، عن أبيه جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تمسحوا بالأرض فإنها أمكم وهي بكم برة.

بيان: لعل المراد بالتمسح التيمم عند الضرورة، ويحتمل أن يكون المراد التمسح على وجه البركة، أو يكون كناية عن الجلوس عليها، ويؤيد الأخيرين ما رواه الراوندي أيضا أنه أقبل رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أحدهما لصاحبه:

اجلس على اسم الله تعالى والبركة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اجلس على استك، فأقبل يضرب الأرض بعصا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تضربها فإنها أمكم وهي بكم برة.

والخبر مذكور في روايات العامة أيضا قال في النهاية: فيه: " تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة " أراد به التيمم، وقيل: أراد مباشرة ترابها بالجباه في السجود من غير حائل، ويكون هذا أمر تأديب واستحباب، لا وجوب، وقوله: " فإنها بكم برة " أي مشفقة عليكم، كالوالدة البرة بأولادها يعني أن منها خلقكم، و

فيها معاشكم، وإليها بعد الموت معادكم.

25 - ونوادر الراوندي: بالاسناد المتقدم قال: قال علي عليه السلام: من أخذته سماء شديدة والأرض مبتلة، فليتيمم من غيرها، أو من غبار ثوبه أو غبار سرجه أو أكفافه.

بيان: كفة كل شئ بالضم طرته وحاشيته.

26 - النوادر: بالاسناد المتقدم عنه عن آبائه عليهم السلام قال: سئل علي عليه السلام عن رجل يكون في زحام في صلاة جمعة، أحدث ولا يقدر على الخروج فقال: يتيمم ويصلي معهم ويعيد.

تأييد وتوجيه ذهب الشيخ في النهاية والمبسوط إلى أن من منعه زحام الجمعة عن الخروج يتيمم ويصلي، ويعيد إذا وجد الماء، ومستنده ما رواه في التهذيب بسند فيه ضعف عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام، عن علي عليه السلام أنه سئل عن رجل يكون وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من المسجد من كثرة الناس، قال: يتيمم ويصلي معهم، ويعيد إذا انصرف. وبسند موثق عن سماعة عنه عليه السلام مثله.

والمشهور عدم الإعادة، وحملها بعضهم على الاستحباب، ولا يبعد حملها على ما إذا كانت الصلاة مع المخالفين ولم يمكنه الخروج ولا ترك الصلاة تقية، فلذا يعيد، بقرينة ذكر عرفة في الروايتين والوقت فيه غير مضيق، وحملها على ما إذا لم يمكنه الخروج إلى آخر الوقت بعيد، ولذا خص الشيخ الحكم بالجمعة مع اشتمال الروايتين على عرفة

أيضا وإن لم يبعد تجويز التيمم والصلاة لادراك فضل الجماعة، لا سيما الجماعة المشتملة على تلك الكثرة العظيمة الواقعة في مثل هذا اليوم الشريف، لكن لم أر قائلا به وهذا الاشكال عن خبر النوادر مندفع، والأحوط الفعل والإعادة في الجمعة.

27 - النوادر: بالاسناد المتقدم عنه عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام:

يجوز التيمم بالجص والنورة، ولا يجوز بالرماد، لأنه لم يخرج من الأرض فقيل له: أيتيمم بالصفا البالية على وجه الأرض؟ قال: نعم.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.