پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · باب 2 احتجاج النبي ms02727 صلى

باب 2 احتجاج النبي ms02727 صلى

ج ۹، ص ۳۰۹–۳۳۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۹

فقالت رؤساء اليهود: حدث عن مواضع الحجة: حجة نبوتك ووصية علي أخيك، هذا دعواك الأباطيل وإغراؤك قومنا بنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ولكن الله عز وجل قد أذن لنبيه أن يدعو بالأموال التي خنتموها هؤلاء الضعفاء ومن يليهم فيحضرها ههنا بين يديه، وكذلك يدعو حسباناتكم فيحضرها لديه ويدعو من واطأتموه على اقتطاع أموال الضعفاء فتنطق باقتطاعهم جوارحهم، وكذلك تنطق باقتطاعكم جوارحكم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا ملائكة ربي احضروني أصناف الأموال التي اقتطعها هؤلاء الظالمون لعوامهم، فإذا الدراهم في الأكياس والدنانير وإذا الثياب والحيوانات وأصناف الأموال منحدرة عليهم من حالق حتى استقرت بين أيديهم.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ايتوني بحسبانات هؤلاء الظالمين الذين غالطوا بها هؤلاء الضعفاء فإذا الادراج تنزل عليهم، فلما استقرت على الأرض قال: خذوها، فأخذوها وقرؤوا فيها: نصيب كل قوم كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا ملائكة ربي اكتبوا تحت اسم كل واحد من هؤلاء ما سرقوه منه وبينوه، فظهرت كتابة بينه: لا بل نصيب كل قوم (واحد خ ل) كذا وكذا، فإذا أنهم قد خانوهم عشرة أضعاف (أمثال خ ل) ما دفعوا إليهم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا ملائكة ربي ميزوا بين هذه الأموال الحاضرة كل ما فضل عما بينه هؤلاء الظالمون لنؤدي إلى مستحقه، فاضطربت تلك الأموال وجعلت ينفصل بعض من بعض حتى تميزت أجزاء كما ظهرت في الكتاب المكتوب وبين أنهم سرقوه واقتطعوه، فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى من حضر من عوامهم نصيبه وبعث إلى من غاب منهم فأعطاه وأعطى ورثة من قد مات، وفضح الله اليهود الرؤساء وغلب الشقاء على بعضهم وبعض العوام، ووفق الله بعضهم.

فقال له الرؤساء الذين هموا بالاسلام: نشهد يا محمد أنك النبي الأفضل وأن أخاك هذا وصيك هو الوصي الأجل الأكمل، فقد فضحنا الله بذنوبنا، أرأيت إن تبنا مما اقتطعنا (أقلعنا خ ل) ماذا يكون حالنا؟.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا أنتم في الجنان رفقاؤنا، وفي الدنيا وفي دين الله إخواننا ويوسع الله أرزاقكم، وتجدون في مواضع هذه الأموال التي اخذت منكم أضعافها وينسى هؤلاء الخلق فضيحتكم حتى لا يذكرها أحد منهم.

فقالوا: فإنا نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك يا محمد عبده ورسوله وصفيه وخليله، وأن عليا أخوك ووزيرك والقيم بدينك والنائب عنك والمناضل دونك، وهو منك بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا بني بعدك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فأنتم المفلحون. ثم قال الله تعالى: " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم " أن بعثت موسى وهارون إلى أسلافكم بالنبوة فهديناهم إلى نبوة محمد - صلى الله عليه وآله - وصية علي - عليه السلام - وإمامة عترته الطيبين، وأخذنا عليكم بذلك العهود والمواثيق التي إن وفيتم بها كنتم ملوكا في جنابه، مستحقين لكراماته ورضوانه " وأني فضلتكم على العالمين " هناك، أي فعلته بأسلافكم فضلتهم دينا ودنيا، أما تفضيلهم في الدين فلقبولهم ولاية محمد وعلي وآلهما الطيبين، وأما في الدنيا فبأن ظللت عليهم الغمام، وأنزلت عليهم المن والسلوى وسقيتهم من حجر ماء عذبا، وفلقت لهم البحر فأنجيتهم وأغرقت أعداءهم فرعون وقومه وفضلتهم بذلك على عالمي زمانهم الذين خالفوا طرائقهم وحادوا عن سبيلهم.

ثم قال عز وجل لهم: فإذا كنت قد فعلت هذا بأسلافكم في ذلك الزمان لقبولهم ولاية محمد صلى الله عليه وآله فبالأحرى أن أزيدكم فضلا في هذا الزمان إذا أنتم وفيتم بما اخذ من العهد والميثاق عليكم، ثم قال الله عز وجل: " واتقوا يوما لا تجزي

نفس عن نفس شيئا " لا تدفع عنه (عنها خ ل) عذابا قد استحقه عند النزع " ولا تقبل منها شفاعة " ولا تشفع لها بتأخير الموت عنها " ولا يؤخذ منها عدل " لا يقبل فداء مكانه يمات ويترك هو.

قال الصادق عليه السلام: وهذا يوم الموت فإن الشفاعة والفداء لا يغني عنه، وأما في القيامة فإنا وأهلنا نجزي عن شيعتنا كل جزاء. بيان: قوله: (احتجنوا) بالنون قال الجوهري: حجنت الشئ واحتجنة: إذا جذبته بالمحجن إلى نفسك، ومنه قول قيس ابن عاصم: عليكم بالمال واحتجانه هو ضمكه إلى نفسك وإمساكك إياه.

وقال الجزري: فيه: (ما أقطعك العقيق لتحتجنه) أي تملكه دون الناس، والاحتجان جمع الشئ وضمه إليك، ومنه: واحتجناه دون غيرنا انتهى.

وفى بعض النسخ بالباء، أي احتجبوا بالأموال، والأول أظهر. ويقال: اقتطع من ماله قطعة: أخذه. والحالق: الجبل المرتفع، ويقال: جاء من حالق أي من مكان مشرف.

قوله عليه السلام: (ما سرقوه منه وبينوه) أي وما بينوه وأظهروه وأعطوه مستحقه، أو هو بصيغة الامر خطابا للملائكة وهو أظهر. والمناضلة: المراماة: والمراد هنا مطلق الجهاد. قوله: (وحادوا) أي مالوا.

11 - تفسير الإمام العسكري: قوله عز وجل: " ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون " قال الإمام عليه السلام:

قال الله عز وجل: " ثم قست قلوبكم " عست وجفت ويبست من الخير والرحمة قلوبكم معاشر اليهود " من بعد ذلك " من بعد ما بينت من الآيات الباهرات في زمان موسى، ومن الآيات المعجزات التي شاهدتموها من محمد صلى الله عليه وآله

" فهي كالحجارة " اليابسة لا ترشح برطوبة ولا ينتفض منها ما ينتفع به، أي أنكم لا حق الله تؤدون، ولا من أموالكم ولا من حواشيها تتصدقون، ولا بالمعروف تتكرمون وبه تجودون، ولا الضيف تقرون، ولا مكروبا تغيثون، ولا بشئ من الانسانية تعاشرون وتعاملون " أو أشد قسوة " إنما هي في قساوة الأحجار أو أشد قسوة أبهم على السامعين ولم يبين لهم، كما يقول القائل: أكلت خبزا أو لحما، وهو لا يريد به أني لا أدري ما أكلت، بل يريد أن يبهم على السامع حتى لا يعلم ماذا أكل وإن كان يعلم أنه ما قد أكل، وليس معناه: بل أشد قسوة، لان هذا استدراك غلط، وهو عز وجل يرتفع أن يغلط في خبر ثم يستدرك على نفسه الغلط، لأنه العالم بما كان وبما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وإنما يستدرك الغلط على نفسه المخلوق المنقوص، ولا يريد به أيضا: فهي كالحجارة أو أشد قسوة، أي وأشد قسوة، لان هذا تكذيب الأول بالثاني، لأنه قال: فهي كالحجارة في الشدة لا أشد منها ولا ألين، فإذا قال بعد ذلك: أو أشد فقد رجع عن قوله الأول، لأنه ليس بأشد، وهذا مثل لمن يقول: لا يجئ من قلوبكم خير لا قليل ولا كثير، فأبهم عز و جل في الأول حيث قال: " أو أشد " وبين في الثاني أن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة لا بقوله: " أو أشد قسوة " بل بقوله تعالى: " وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار " أي فهي في القساوة بحيث لا يجئ منها الخير، وفي الحجارة ما يتفجر منه الأنهار فيجئ بالخير والغياث لبني آدم " وإن منها " من الحجارة " لما يشقق فيخرج منه الماء " وهو ما يقطر منها الماء، فهو خير منها دون الأنهار التي يتفجر من بعضها، وقلوبهم لا يتفجر منها الخيرات ولا يشقق فيخرج منها قليل من الخيرات وإن لم يكن كثيرا، ثم قال عز وجل: " وإن منها " يعني من الحجارة " لما يهبط من خشية الله " إذا اقسم عليها باسم الله وبأسماء أوليائه: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من

آلهم صلى الله عليهم، وليس في قلوبكم شئ من هذه الخيرات " وما الله بغافل عما تعملون " بل عالم به يجازيكم عنه بما هو به عادل عليكم وليس بظالم لكم، يشدد حسابكم ويؤلم عقابكم، وهذا الذي وصف الله تعالى به قلوبهم ههنا نحو ما قال في سورة النساء " أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا " وما وصف به الأحجار ههنا نحو ما وصف في قوله تعالى: " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله " وهذا التقريع من الله تعالى لليهود والناصب، واليهود جمعوا الامرين واقترفوا الخطيئتين، فغلظ على اليهود ما وبخهم به رسول الله صلى الله عليه وآله.

فقال جماعة من رؤسائهم وذوي الألسن والبيان منهم: يا محمد إنك تهجونا و تدعي على قلوبنا ما الله يعلم منها خلافه، إن فيها خيرا كثيرا: نصوم ونتصدق و نواسي الفقراء.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما الخير ما أريد به وجه الله تعالى وعمل على ما أمر الله تعالى به، وأما ما أريد به الرياء والسمعة ومعاندة رسول الله صلى الله عليه وآله وإظهار العناد له والتمالك والشرف عليه فليس بخير، بل هو الشر الخالص، وبال على صاحبه يعذبه الله به أشد العذاب.

فقالوا له: يا محمد أنت تقول هذا ونحن نقول: بل ما ننفقه إلا لابطال أمرك و دفع رياستك ولتفريق أصحابك عنك، وهو الجهاد الأعظم نؤمل به من الله الثواب الأجل الاجسم، وأقل أحوالنا أنا تساوينا في الدعوى معك، فأي فضل لك علينا؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا إخوة اليهود إن الدعاوي يتساوى فيها المحقون والمبطلون ولكن حجج الله ودلائله تفرق بينهم فتكشف عن تمويه المبطلين، وتبين عن حقائق المحقين، ورسول الله محمد لا يغتنم جهلكم ولا يكلفكم التسليم له بغير حجة، ولكن يقيم عليكم حجة الله التي لا يمكنكم دفاعها ولا تطيقون الامتناع من موجبها، ولو ذهب محمد يريكم آية من عنده لشككتم وقلتم: إنه متكلف مصنوع محتال فيه معمول أو متواطأ عليه، وإذا اقترحتم أنتم فأراكم ما تقترحون لم يكن لكم أن تقولوا:

معمول أو متواطأ عليه أو متأتى بحيلة ومقدمات، فما الذي تقترحون؟ فهذا رب

العالمين قد وعدني أن يظهر لكم ما تقترحون ليقطع معاذير الكافرين منكم، ويزيد في بصائر المؤمنين منكم.

قالوا: قذ أنصفتنا يا محمد، فإن وفيت بما وعدت من نفسك من الانصاف وإلا فأنت أول راجع من دعواك النبوة، وداخل في غمار الأمة، ومسلم لحكم التوراة لعجزك عما نقترحه عليك وظهور باطل دعواك فيما ترومه من جهتك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصدق بيني وبينكم لا الوعيد، اقترحوا ما أنتم مقترحون، ليقطع معاذيركم فما تسألون.

فقالوا له: يا محمد زعمت أنه ما في قلوبنا شئ من مواساة الفقراء ومعاونة الضعفاء والنفقة في إبطال الباطل وإحقاق المحق، وأن الأحجار ألين من قلوبنا، وأطوع لله منا، وهذه الجبال بحضرتنا فهلم بنا إلى بعضها فاستشهده على تصديقك وتكذيبنا، فإن نطق بتصديقك فأنت المحق يلزمنا اتباعك، وإن نطق بتكذيبك أو صمت فلم يرد جوابك فاعلم أنك المبطل في دعواك المعاند لهواك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: نعم هلموا بنا إلى أيها شئتم فاستشهده ليشهد لي عليكم، فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه.

فقالوا: يا محمد هذا الجبل فاستشهده، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للجبل: إني أسألك بجاه محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم خفف الله العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على تحريكه وهم خلق كثير لا يعرف عددهم غير الله عز وجل، وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم تاب الله على آدم وغفر خطيئته وأعاده إلى مرتبته، وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم وسؤال الله بهم رفع إدريس في الجنة مكانا عليا لما شهدت لمحمد بما أودعك الله بتصديقه على هؤلاء اليهود في ذكر قساوة قلوبهم وتكذيبهم في جحدهم لقول محمد رسول الله صلى الله عليه وآله،

فتحرك الجبل وتزلزل وفاض عنه الماء ونادى: يا محمد أشهد أنك رسول رب العالمين، وسيد الخلائق أجمعين، وأشهد أن قلوب هؤلاء اليهود كما وصفت أقسى من الحجارة لا يخرج منها خير كما قد يخرج من الحجارة الماء سيلا أو تفجرا، وأشهد أن هؤلاء كاذبون عليك فيما به يقذفونك من الفرية على رب العالمين. توضيح: أقول: تمامه في أبواب معجزات النبي صلى الله عليه وآله. ويقال: عسا الشئ:

إذا يبس وصلب. قوله: (الصدق بيني وبينكم) أي يجب أن نصدق فيما نقول ونأتي به ولا نكتفي بالوعد والوعيد، وفي بعض النسخ: ينبئ عنكم وهو أظهر.

12 - تفسير الإمام العسكري: قوله تعالى: " أفتطمعون أن يؤمنوا لكم " الآية، قال الإمام عليه السلام:

فلما بهر رسول الله صلى الله عليه وآله هؤلاء اليهود بمعجزته وقطع معاذيرهم بواضح دلالته لم يمكنهم مراجعته في حجته ولا إدخال التلبيس عليه في معجزاته قالوا: يا محمد قد آمنا بأنك الرسول الهادي المهدي، وأن عليا أخوك هو الوصي والولي، وكانوا إذا خلوا باليهود الآخرين يقولون لهم: إن إظهارنا له الايمان به أمكن لنا من مكروهه، و أعون لنا على اصطلامه واصطلام أصحابه، لأنهم عند اعتقادهم أننا معهم يقفوننا على أسرارهم ولا يكتموننا شيئا، فنطلع عليهم أعداءهم فيقصدون أذاهم بمعاونتنا و مظاهرتنا في أوقات اشتغالهم واضطرابهم وأحوال تعذر المدافعة والامتناع من الأعداء عليهم، وكانوا مع ذلك ينكرون على سائر اليهود الاخبار للناس عما كانوا يشاهدونه من آياته ويعاينونه من معجزاته، فأظهر الله محمدا رسوله على قبح اعتقادهم وسوء دخيلاتهم (دخلاتهم خ ل) وعلى إنكارهم على من اعترف بمشاهده من آيات محمد و واضح بيناته وباهر معجزاته، فقال عز وجل: " أفتطمعون " أنت وأصحابك من علي عليه السلام وآله الطيبين " أن يؤمنوا لكم " هؤلاء اليهود الذين هم بحجج الله قد بهرتموهم، وبآيات الله ودلائله الواضحة قد قهرتموهم " أن يؤمنوا لكم " ويصدقونكم

بقلوبهم ويبدوا في الخلوات لشياطينهم شريف أحوالكم " وقد كان فريق منهم " يعني من هؤلاء اليهود من بني إسرائيل " يسمعون كلام الله " في أصل جبل طور سيناء و أوامره ونواهيه " ثم يحرفونه " عما سمعوه إذا أدوه إلى من وراءهم من سائر بني إسرائيل " من بعد ما عقلوه " وعلموا أنهم فيما يقولونه كاذبون " وهم يعلمون " أنهم في قيلهم كاذبون. ثم أظهر الله على نفاقهم الآخر فقال: " وإذا لقوا الذين آمنوا " كانوا إذا لقوا سلمان والمقداد وأبا ذر وعمارا قالوا: " آمنا " كإيمانكم إيمانا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله مقرونا بالايمان بإمامة أخيه علي بن أبي طالب عليه السلام، وبأنه أخوه الهادي، ووزيره المؤاتي، وخليفته على أمته، ومنجز عدته والوافي بذمته، والناهض بأعباء سياسته، وقيم الخلق، الذاب لهم عن سخط الرحمن، الموجب لهم إن أطاعوه رضى الرحمن، وأن خلفاءه من بعده هم النجوم الزاهرة، والأقمار النيرة، والشمس المضيئة الباهرة، وأن أولياءهم أولياء الله، وأن أعداءهم أعداء الله، ويقول بعضهم:

نشهد أن محمدا صاحب المعجزات، ومقيم الدلالات الواضحات - وساق الحديث كما سيأتي في أبواب معجزات الرسول صلى الله عليه وآله، وباب غزوة بدر إلى قوله -: فلما أفضى بعض هؤلاء اليهود إلى بعض قالوا: أي شئ صنعتم؟ أخبرتموهم بما فتح الله عليكم

من الدلالات على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وإمامة أخيه علي بن أبي طالب عليه السلام " ليحاجوكم به عند ربكم " بأنكم كنتم قد علمتم هذا وشاهدتموهم فلم تؤمنوا به ولم تطيعوه، وقدروا بجهلهم أنهم إن لم يخبروهم بتلك الآيات لم يكن له عليهم حجة في غيرها، ثم قال عز وجل: " أفلا تعقلون " أن هذا الذي يخبرونهم به مما فتح الله عليكم من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وآله حجة عليكم عند ربكم، قال الله تعالى: " أو لا يعلمون " يعني أولا يعلم هؤلاء القائلون لإخوانهم: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم " أن الله يعلم ما يسرون " من عداوة محمد صلى الله عليه وآله ويضمرونه من أن إظهارهم الايمان به أمكن لهم من اصطلامه وإبادة أصحابه " وما يعلنون " من الايمان ظاهرا ليؤنسوهم ويقفوا به على أسرارهم فيذيعونها بحضرة من يضرهم، وأن الله لما علم ذلك دبر لمحمد صلى الله عليه وآله تمام أمره ببلوغ غاية ما أراده الله ببعثه، وأنه يتم أمره وأن نفاقهم وكيدهم لا يضره.

قوله تعالى: " ومنهم أميون " الآية، قال الإمام عليه السلام: ثم قال الله تعالى:

يا محمد ومن هؤلاء اليهود أميون لا يقرؤون الكتاب ولا يكتبون كالأمي، منسوب إلى الام (أمه خ ل) أي هو كما خرج من بطن أمه لا يقرء ولا يكتب، لا يعلمون الكتاب المنزل من السماء ولا المتكذب به ولا يميزون بينهما " إلا أماني " أي إلا أن يقرأ عليهم ويقال لهم: إن هذا كتاب الله وكلامه، ولا يعرفون إن قرئ من الكتاب خلاف ما فيه " وإن هم إلا يظنون " أي ما يقول لهم رؤساؤهم من تكذيب محمد صلى الله عليه وآله في نبوته وإمامة علي عليه السلام سيد عترته يقلدونهم مع أنه محرم عليهم تقليدهم. ثم قال عز وجل: " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم " الآية، قال

الإمام عليه السلام: قال الله عز وجل لقوم من هؤلاء اليهود كتبوا صفة زعموا أنها صفة النبي صلى الله عليه وآله وهو خلاف صفته، وقالوا للمستضعفين: هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان: إنه طويل، عظيم البدن والبطن، أصهب الشعر، ومحمد بخلافه، وهو يجئ بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة، وإنما أرادوا بذلك لتبقى لهم على ضعفائهم رياستهم، وتدوم لهم منهم إصاباتهم، ويكفوا أنفسهم مؤونة خدمة رسول الله صلى الله عليه وآله و خدمة علي عليه السلام وأهل خاصته، فقال الله عز وجل: " فويل لهم مما كتبت أيديهم " من هذه الصفات المحرفات المخالفات لصفة محمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام، الشدة لهم من العذاب في أسوأ بقاع جهنم " وويل لهم " الشدة من العذاب ثانية لهم مضافة إلى الأولى " مما يكسبونه " من الأموال التي يأخذونها إذ أثبتوا عوامهم على الكفر بمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله، والجحد لوصية أخيه علي ولي الله عليه السلام.

وقالوا: " لن تمسنا النار إلا أياما معدودة " الآية، قال الإمام عليه السلام: قال الله عز وجل: " وقالوا " يعني اليهود المظهرين للايمان، المسرين للنفاق، المدبرين على رسول الله صلى الله عليه وآله وذويه بما يظنون أن فيه عطبهم " لن تمسنا النار إلا أياما معدودة " وذلك أنه كان لهم أصهار وإخوة رضاع من المسلمين يسرون كفرهم عن محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وإن كانوا به عارفين، صيانة لهم لأرحامهم وأصهارهم، قال لهم هؤلاء: ولم تفعلون هذا النفاق الذي تعلمون أنكم به عند الله مسخوط عليكم معذبون؟ أجابهم ذلك اليهود بأن مدة ذلك العذاب نعذب به لهذه الذنوب أياما معدودة تنقضي، ثم نصير بعد في النعمة في الجنان، فلا نتعجل المكروه في الدنيا للعذاب الذي هو بقدر أيام ذنوبنا، فإنها تفنى وتنقضي، ونكون قد حصلنا لذات الحرية من الخدمة ولذات نعمة الدنيا، ثم لا نبالي بما يصيبنا بعد، فإنه إذا لم يكن دائما فكأنه قد فنى.

فقال الله عز وجل: " قل " يا محمد " أتخذتم عند الله عهدا " أن عذابكم على كفركم

بمحمد صلى الله عليه وآله ودفعكم لآياته في نفسه وفي علي عليه السلام وسائر خلفائه وأوليائه منقطع غير دائم؟ بل ما هو إلا عذاب دائم لا نفاد له، فلا تجتروا على الآثام والقبائح من الكفر بالله وبرسوله وبوليه المنصوب بعده على أمته، ليسوسهم ويرعاهم سياسة الوالد الشفيق الرحيم الكريم لولده، ورعاية الحدب المشفق على خاصته " فلن يخلف الله وعده " عهده، فلذلك أنتم بما تدعون من فناء عذاب ذنوبكم هذه في حرز " أم تقولون على الله ما لا تعلمون " بل أنتم في أيهما ادعيتم كاذبون.

13 - تفسير الإمام العسكري: " ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل " الآية، قال الإمام عليه السلام: قال الله عز وجل وهو يخاطب هؤلاء اليهود الذين أظهر محمد صلى الله عليه وآله الطيبين المعجزات لهم عند تلك الجبال ويوبخهم: " ولقد آتينا موسى الكتاب " التوراة المشتمل على أحكامنا وعلى ذكر فضل محمد وآله الطيبين، وإمامة علي بن أبي طالب وخلفائه بعده، وشرف أحوال المسلمين له، وسوء أحوال المخالفين عليه " وقفينا من بعده بالرسل " وجعلنا رسولا في أثر رسول " وآتينا " أعطينا " عيسى بن مريم البينات " الآيات الواضحات: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والانباء بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم " وأيدناه بروح القدس " وهو جبرئيل عليه السلام، وذلك حين رفعه من روزنة بيته إلى السماء، وألقى شبهه على من رام قتله فقتل بدلا منه، وقيل: هو المسيح.

14 - تفسير الإمام العسكري: قوله عز وجل: " وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون " قال الإمام عليه السلام: قال الله تعالى: " وقالوا " يعني اليهود الذين أراهم رسول الله صلى الله عليه وآله المعجزات المذكورات عند قوله: " فهي كالحجارة " الآية: " قلوبنا غلف " أوعية للخير، والعلوم قد أحاطت بها واشتملت عليها، ثم هي مع ذلك لا نعرف لك يا محمد فضلا مذكورا في شئ من كتب الله، ولا على لسان أحد من أنبياء الله، فقال الله تعالى ردا عليهم: " بل " ليس كما يقولون أوعية للعلوم ولكن قد " لعنهم الله " أبعدهم

الله من الخير " فقليلا ما يؤمنون " قليل إيمانهم، يؤمنون ببعض ما أنزل الله ويكفرون ببعض، فإذا كذبوا محمدا في سائر ما يقول فقد صار ما كذبوا به أكثر وما صدقوا به أقل، وإذا قرئ " غلف " فإنهم قالوا: قلوبنا غلف، في غطاء فلا نفهم كلامك وحديثك، نحو ما قال الله تعالى: " وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب " وكلا القراءتين حق، وقد قالوا بهذا وبهذا جميعا.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: معاشر اليهود أتعاندون رسول رب العالمين؟ و تأبون الاعتراف بأنكم كنتم بذنوبكم من الجاهلين؟ إن الله لا يعذب بها أحدا ولا يزيل عن فاعل هذا عذابه أبدا، إن آدم عليه السلام لم يقترح على ربه المغفرة لذنبه إلا بالتوبة، فكيف تقترحونها أنتم مع عنادكم؟. توضيح: قال الطبرسي رحمه الله: القراءات المشهورة " غلف " بسكون اللام، وروي في الشواذ " غلف " بضم اللام عن أبي عمرو، فمن قرأ بتسكين اللام فهو جمع الأغلف، يقال للسيف إذا كان في غلاف: أغلف، ومن قرأ بضم اللام فهو جمع غلاف فمعناه: أن قلوبنا أوعية العلم فما بالها لا تفهم؟.

15 - تفسير الإمام العسكري: قوله عز وجل: " قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة " إلى قوله: " والله بصير بما يعملون " قال الإمام عليه السلام: قال الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام إن الله تعالى لما وبخ هؤلاء اليهود على لسان رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وقطع معاذيرهم، و أقام عليهم الحجج الواضحة بأن محمدا صلى الله عليه وآله سيد النبيين وخير الخلائق أجمعين، وأن عليا عليه السلام سيد الوصيين وخير من يخلفه بعده في المسلمين، وأن الطيبين من آله هم القوام بدين الله والأئمة لعباد الله عز وجل، وانقطعت معاذيرهم وهم لا يمكنهم إيراد حجة ولا شبهة فجاؤوا إلى أن كابروا فقالوا: لا ندري ما تقول، ولكنا نقول:

إن الجنة خالصة لنا من دونك يا محمد ودون علي ودون أهل دينك وأمتك،

وإنا بكم مبتلون وممتحنون، ونحن أولياء الله المخلصون وعباده الخيرون، و مستجاب دعاؤنا غير مردود علينا بشئ من سؤالنا ربنا، فلما قالوا ذلك قال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: " قل " يا محمد لهؤلاء اليهود " إن كانت لكم الدار الآخرة " الجنة ونعيمها " خالصة من دون الناس " محمد وعلي والأئمة عليهم الصلاة والسلام وسائر الأصحاب ومؤمني الأمة وإنكم بمحمد وذريته ممتحنون، وإن دعاءكم مستجاب غير مردود " فتمنوا الموت " للكاذبين منكم ومن مخالفيكم، فإن محمدا وعليا وذريتهما يقولون: إنهم أولياء الله عز وجل من دون الناس الذين يخالفونهم في دينهم، وهم المجاب دعاؤهم، فإن كنتم معاشر اليهود كما تدعون فتمنوا الموت للكاذبين منكم ومن مخالفيكم " إن كنتم صادقين " بأنكم أنتم المحقون، المجاب دعاؤكم على مخالفيكم، فقولوا: اللهم أمت الكاذب منا ومن مخالفينا، ليستريح منه الصادقون، ولتزداد حجتك وضوحا بعد أن قد صحت ووجبت.

ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ما عرض هذا عليهم: لا يقولها أحد منكم إلا قد غص بريقه فمات مكانه - وكانت اليهود علماء بأنهم هم الكاذبون، وأن محمدا صلى الله عليه وآله وعليا عليه السلام ومصدقيهما هم الصادقون - فلم يجسروا أن يدعوا بذلك لعلمهم بأنهم إن دعوا فهم الميتون، فقال تعالى: " ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم " يعني اليهود لن يتمنوا الموت للكاذب بما قدمت أيديهم من الكفر بالله، وبمحمد رسوله و نبيه وصفيه، وبعلي أخي نبيه ووصيه، وبالطاهرين من الأئمة المنتجبين، قال الله تعالى: " والله عليم بالظالمين " اليهود إنهم لا يجسرون أن يتمنوا الموت للكاذب لعلمهم أنهم هم الكاذبون، ولذلك أمرك أن تبهرهم بحجتك، وتأمرهم أن يدعوا على الكاذب ليمتنعوا من الدعاء ويتبين للضعفاء أنهم هم الكاذبون. ثم قال: يا محمد " ولتجدنهم " يعني هؤلاء اليهود " أحرص الناس على حياة " وذلك لأياسهم من نعيم

الآخرة لانهماكهم في كفرهم الذين يعلمون أنهم لاحظ لهم معه في شئ من خيرات الجنة " ومن الذين أشركوا " قال تعالى: هؤلاء اليهود أحرص الناس على حياة، وأحرص من الذين أشركوا على حياة، يعني المجوس لأنهم لا يرون النعيم إلا في الدنيا، ولا يؤملون خيرا في الآخرة، فلذلك هم أشد الناس حرصا على حياة، ثم وصف اليهود فقال: " يود أحدهم " يتمنى أحدهم " أن يعمر ألف سنة وما هو " أي التعمير ألف سنة " بمزحزحه " بمباعده من العذاب " أن يعمر " تعميره، وإنما قال: " وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر " ولم يقل: وما هو بمزحزحه فقط؟ لأنه لو قال: وما هو بمزحزحه من العذاب والله بصير لكان يحتمل أن يكون وما هو يعني وده وتمنيه بمزحزحه، فلما أراد وما تعميره قال: وما هو بمزحزحه أن يعمر، ثم قال: " والله بصير بما يعملون " فعلى حسبه يجازيهم ويعدل عليهم ولا يظلمهم.

قال الحسن بن علي عليه السلام: لما كاعت اليهود عن هذا التمني وقطع الله معاذيرهم قالت طائفة منهم - وهم بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وقد كاعوا وعجزوا -: يا محمد فأنت والمؤمنون المخلصون لك مجاب دعاؤكم؟ وعلي أخوك ووصيك أفضلهم وسيدهم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بلى.

قالوا: يا محمد فإن كان هذا كما زعمت فقل لعلي يدعوا الله لابن رئيسنا هذا فقد كان من الشباب جميلا نبيلا وسيما قسميا: لحقه برص وجذام وقد صار حمى لا يقرب، ومهجورا لا يعاشر، يناول الخبز على أسنة الرماح. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ايتوني به، فاتي به، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه منه إلى منظر فظيع سمج قبيح كريه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا حسن ادع الله له بالعافية، فإن الله يجيبك فيه، فدعا له فلما كان بعد (عند خ ل) فراغه من دعائه إذا الفتى قد زال عنه كل مكروه وعاد إلى أفضل ما كان عليه من النبل والجمال والوسامة والحسن في المنظر.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للفتى: يا فتى آمن بالذي أغاثك من بلائك. قال الفتى:

قد آمنت - وحسن إيمانه - فقال أبوه: يا محمد ظلمتني وذهبت مني بابني، يا ليته كان أجذم

أبرص كما كان ولم يدخل في دينك، فإن ذلك كان أحب إلي.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لكن الله عز وجل قد خلصه من هذه الآفة وأوجب له نعيم الجنة. قال أبوه: يا محمد ما كان هذا لك ولا لصاحبك، إنما جاء وقت عافيته فعوفي، فإن كان صاحبك هذا - يعني عليا - مجابا في الخير فهو أيضا مجاب في الشر فقل له:

يدعو علي بالجذام والبرص، فإني أعلم أنه لا يصيبني، ليتبين لهؤلاء الضعفاء الذين قد اغتروا بك أن زواله عن ابني لم يكن بدعائه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا يهودي اتق الله وتهنأ بعافية الله إياك، ولا تتعرض للبلاء ولما لا تطيقه، وقابل النعمة بالشكر، فإن من كفرها سلبها: ومن شكرها امترى مزيدها. فقال اليهودي: من شكر نعم الله تكذيب عدو الله المفتري عليه، وإنما أريد بهذا أن اعرف ولدي أنه ليس مما قلت له وادعيته قليل ولا كثير، وأن الذي أصابه من خير لم يكن بدعاء علي صاحبك.

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا يهودي هبك قلت: إن عافية ابنك لم يكن بدعاء علي عليه السلام، وإنما صادف دعاؤه وقت مجئ عافيته، أرأيت لو دعا علي عليه السلام عليك بهذا البلاء الذي اقترحته فأصابك أتقول: إن ما أصابني لم يكن بدعائه، ولكنه صادف دعاؤه وقت بلائي؟ قال: لا أقول هذا، لان هذا احتجاج مني على عدو الله في دين الله واحتجاج منه علي، والله أحكم من أن يجيب إلى مثل هذا فيكون قد فتن عباده و دعاهم إلى تصديق الكاذبين.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهذا في دعاء علي عليه السلام لابنك كهو في دعائه عليك، لا يفعل الله تعالى ما يلبس به على عباده دينه ويصدق به الكاذب عليه، فتحير اليهودي لما بطلت عليه شبهته وقال: يا محمد ليفعل علي هذا بي إن كنت صادقا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: يا أبا حسن قد أبى الكافر إلا عتوا وتمردا وطغيانا، فادع عليه بما اقترح، وقل: اللهم ابتله ببلاء ابنه من قبل، فقالها فأصاب اليهودي داء ذلك الغلام مثل ما كان فيه الغلام من الجذام والبرص، واستولى عليه الألم

والبلاء، وجعل يصرخ ويستغيث ويقول: يا محمد قد عرفت صدقك فأقلني.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو علم الله صدقك لنجاك، ولكنه عالم بأنك لا تخرج عن هذا الحال إلا ازددت كفرا، ولو علم أنه إن نجاك آمنت به لجاد عليك بالنجاة، فإنه الجواد الكريم.

ثم قال عليه السلام: فبقي اليهودي في ذلك الداء والبرص أربعين سنة آية للناظرين، وعبرة للمعتبرين، وعلامة وحجة بينة لمحمد صلى الله عليه وآله باقية للغابرين، وعبرة للمتكبرين، وبقي ابنه كذلك معافى صحيح الأعضاء والجوارح ثمانين سنة عبرة للمعتبرين، وترغيبا للكافرين في الايمان، وتزهيدا لهم في الكفر والعصيان.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله حين حل البلاء باليهودي بعد زوال البلاء عن ابنه: عباد الله وإياكم والكفر لنعم الله فإنه مشوم على صاحبه، ألا وتقربوا إلى الله بالطاعات يجزل لكم المثوبات، وقصروا أعماركم في الدنيا بالتعرض لأعداء الله في الجهاد لتنالوا طول أعمار الآخرة في النعيم الدائم الخالد، وابذلوا أموالكم في الحقوق اللازمة ليطول غناؤكم في الجنة. فقام ناس فقالوا: يا رسول الله نحن ضعفاء الأبدان قليلو الاعمار الأموال لا نفي بمجاهدة الأعداء، ولا تفضل أموالنا عن نفقات العيالات، فماذا نصنع؟

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا فليكن صدقاتكم من قلوبكم وألسنتكم.

قالوا: كيف يكون ذلك يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وآله: أما القلوب فتقطعونها (فتعقدونها خ ل) على حب الله وحب محمد رسول الله وحب علي ولي الله ووصي رسول الله، وحب المنتجبين للقيام بدين الله، وحب شيعتهم ومحبيهم، وحب إخوانكم المؤمنين، والكف عن اعتقادات العداوات والشحناء والبغضاء، وأما الألسنة فتطلقونها بذكر الله تعالى بما هو أهله، والصلاة على نبيه محمد وآله الطيبين، فإن الله تعالى بذلك يبلغكم أفضل الدرجات وينيلكم به المراتب العاليات.

بيان: كاع عنه أي هاب وجبن. والوسيم: الحسن الوجه، وكذا القسيم بمعناه. ويقال: هذا شئ حمى على فعل أي محظور لا يقرب، ويقال: امترى الريح السحاب أي استدره.

16 - تفسير الإمام العسكري: قوله عز وجل: " ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون " قال الإمام عليه السلام: قال الله تعالى: " ولقد أنزلنا إليك " يا محمد " آيات بينات " دالات على صدقك في نبوتك، مبينات عن إمامة علي عليه السلام أخيك ووصيك وصفيك، موضحات عن كفر من شك فيك أو في أخيك أو قابل أمر واحد منكما بخلاف القبول والتسليم. ثم قال: " وما يكفر بها " بهذه الآيات الدالات على تفضيلك وتفضيل علي عليه السلام بعدك على جميع الورى " إلا الفاسقون " الخارجون عن دين الله وطاعته من اليهود الكاذبين، والنواصب المتسمين بالمسلمين.

قال الإمام عليه السلام: قال علي بن الحسين عليهما السلام: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما آمن به عبد الله بن سلام بعد مسائله التي سألها رسول الله صلى الله عليه وآله وجوابه إياه عنها قال له: يا محمد بقيت واحدة وهي المسألة الكبرى والغرض الأقصى: من الذي يخلفك بعدك ويقضي ديونك وينجز عداتك ويؤدي أماناتك ويوضح عن آياتك وبيناتك؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أولئك أصحابي قعود، فامض إليهم فسيدلك النور الساطع في دائرة غرة ولي عهدي وصفحة خديه، وسينطق طومارك بأنه هو الوصي وستشهد جوارحك بذلك.

فصار عبد الله بن سلام إلى القوم فرأى عليا عليه السلام يسطع من وجهه نور يبهر نور الشمس، ونطق طوماره وأعضاء بدنه كل يقول: يا ابن سلام هذا علي بن أبي طالب عليه السلام المالئ جنان الله بمحبيه ونيرانه بشانئيه، الباث دين الله في أقطار الأرض وآفاقها، والنافي الكفر عن نواحيها وأرجائها، فتمسك بولايته تكن سعيدا، وأثبت على التسليم له تكن رشيدا.

فقال عبد الله بن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا - صلى الله عليه وآله - عبده ورسوله المصطفى، وأمينه المرتضى، وأميره على جميع الورى،

وأشهد أن عليا عليه السلام أخوه وصفيه، ووصيه القائم بأمره، المنجز لعداته، المؤدي لأماناته، الموضح لآياته وبيناته، الدافع للأباطيل بدلائله ومعجزاته، وأشهد أنكما اللذان بشر بكما موسى ومن قبله من الأنبياء، ودل عليكما المختارون من الأصفياء، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: قد تمت الحجج وانزاحت العلل وانقطعت المعاذير فلا عذر لي إن تأخرت عنك، ولا خير في إن تركت التعصب لك.

ثم قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن سمعوا بإسلامي وقعوا في، فاخبأني عندك، وإذا جاؤوك فسلهم عني لتسمع قولهم في قبل أن يعلموا بإسلامي وبعده لتعلم أحوالهم، فخبأه رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته ثم دعا قوما من اليهود فحضروه وعرض عليهم أمره فأبوا، فقال: بمن ترضون حكما بيني وبينكم؟ قالوا:

بعبد الله بن سلام. قال: وأي رجل هو؟ قالوا: رئيسنا وابن رئيسنا، وسيدنا وابن سيدنا، وعالمنا وابن عالمنا، وورعنا وابن ورعنا، وزاهدنا وابن زاهدنا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أرأيتم إن آمن بي أتؤمنون؟ قالوا: قد أعاذه الله من ذلك ثم أعادها وأعادوها. فقال: اخرج عليهم يا عبد الله وأظهر ما قد أظهره الله لك من أمر محمد صلى الله عليه وآله، فخرج عليهم وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المذكور في التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وسائر كتب الله، المدلول فيها عليه وعلى أخيه علي بن أبي طالب عليه السلام، فلما سمعوه يقول ذلك قالوا: يا محمد سفيهنا وابن سفيهنا، وشرنا وابن شرنا، وفاسقنا وابن فاسقنا، و جاهلنا وابن جاهلنا، كان غائبا عنا فكرهنا أن نغتابه.

فقال عبد الله: هذا الذي كنت أخافه يا رسول الله، ثم إن عبد الله حسن إسلامه و لحقه القصد الشديد من جيرانه من اليهود، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في حمارة القيظ في مسجده يوما إذ دخل عليه عبد الله بن سلام وقد كان بلال أذن للصلاة والناس بين قائم

وقاعد وراكع وساجد فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى وجه عبد الله فرآه متغيرا وإلى عينيه دامعتين، فقال: مالك يا عبد الله؟ فقال: يا رسول الله قصدتني اليهود وأساءت جواري، وكل ماعون لي استعاروه مني وكسروه وأتلفوه، وما استعرت منهم منعونيه، ثم زاد أمرهم بعد هذا فقد اجتمعوا وتواطؤوا وتحالفوا على أن لا يجالسني منهم أحد، ولا يبايعني ولا يشاريني ولا يكلمني ولا يخالطني، وقد تقدموا بذلك إلى من في منزلي، فليس يكلمني أهلي، وكل جيراننا يهود وقد استوحشت منهم، فليس لي انس بهم، والمسافة ما بيننا وبين مسجدك هذا ومنزلك بعيدة، فليس يمكنني في كل وقت يلحقني ضيق صدر منهم أن أقصد مسجدك أو منزلك، فلما سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله غشيه ما كان يغشاه عند نزول الوحي عليه من تعظيم أمر الله تعالى، ثم سري عنه وقد انزل عليه: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ".

قال: يا عبد الله بن سلام " إنما وليكم الله " وناصركم الله على اليهود القاصدين بالسوء لك " ورسوله " إنما وليك وناصرك " والذين آمنوا الذين " صفتهم أنهم " يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " أي وهم في ركوعهم، ثم قال: يا عبد الله بن سلام " ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا " من تولاهم ووالى أولياءهم وعادى أعداءهم ولجأ عند المهمات إلى الله ثم إليهم " فإن حزب الله " جنده " هم الغالبون " لليهود وسائر الكافرين، أي فلا يهمنك يا ابن سلام، فإن الله تعالى وهؤلاء أنصارك، وهو كافيك شرور أعدائك وذائد عنك مكائدهم، فقال رسول الله صلى الله وآله وسلم: يا عبد الله بن

سلام ابشر فقد جعل الله لك أولياء خيرا منهم: الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.

فقال عبد الله: من هؤلاء الذين آمنوا؟ فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى سائل فقال: هل أعطاك أحد شيئا الآن؟ قال: نعم ذلك المصلي، أشار إلي بإصبعه: أن خذ الخاتم، فأخذته فنظر إليه وإلى الخاتم فإذا هو خاتم علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله الله أكبر هذا وليكم بعدي وأولى الناس بعدي علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: ثم لم يلبث عبد الله إلا يسيرا حتى مرض بعض جيرانه وافتقر وباع داره فلم يكن لها مشتريا غير عبد الله، واسر آخر من جيرانه فالجئ إلى بيع داره فلم يجد لها مشتريا غير عبد الله، ثم لم يبق من جيرانه من اليهود أحد إلا دهته داهية واحتاج من أجلها إلى بيع داره، فملك عبد الله تلك المحلة، وقلع الله تعالى شأفة اليهود وحول عبد الله إلى تلك الدور قوما من خيار المهاجرين وكانوا له أناسا وجلاسا، ورد الله كيد اليهود في نحورهم، وطيب الله عيش عبد الله بإيمانه برسوله وموالاته لعلي ولي الله عليه السلام.

قوله عز وجل: " أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون " قال الإمام عليه السلام: قال الباقر عليه السلام: قال الله تعالى وهو يوبخ هؤلاء اليهود الذين تقدم ذكرهم وعنادهم وهؤلاء النصاب الذين نكثوا ما اخذ من العهد عليهم فقال: " أوكلما عاهدوا عهدا " وواثقوا وعاقدوا ليكونن لمحمد طائعين ولعلي بعده مؤتمرين وإلى أمره صابرين " نبذه " نبذ العهد " فريق منهم " وخالفه، قال الله تعالى: " بل أكثرهم " أكثر هؤلاء اليهود والنواصب " لا يؤمنون " في مستقبل أعمارهم لا يرعون ولا يتوبون مع مشاهدتهم للآيات ومعاينتهم للدلالات.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اتقوا الله عباد الله، واثبتوا على ما أمركم به رسول الله صلى الله عليه وآله

من توحيد الله ومن الايمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله رسول الله، ومن الاعتقاد بولاية علي عليه السلام ولي الله، ولا يغرنكم صلاتكم وصيامكم وعبادتكم السالفة إنما تنفعكم إن وافيتم العهد والميثاق ، فمن وفا وفي له وتفضل بالافضال عليه، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه والله ولي الانتقام منه، وإنما الاعمال بخواتيمها، هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وآله لكل أصحابه وبها أوصى حين صار إلى الغار. بيان: حمارة القيظ بتشديد الراء: شدة حره. وفي المثل: استأصل الله شأفته أي أذهبه الله.

17 - تفسير الإمام العسكري: قوله عز وجل: " ولما جاءهم رسول من عند الله " إلى قوله: " لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون " قال الإمام عليه السلام: قال الصادق عليه السلام: " ولما جاءهم " جاء اليهود ومن يليهم من النواصب " رسول من عند الله " مصدق لما معهم القرآن مشتملا على فضل محمد وعلي عليهما السلام، وإيجاب ولايتهما وولاية أوليائهما وعداوة أعدائهما " نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله " اليهود التوراة وكتب أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام " وراء ظهورهم " تركوا العمل بما فيها وحسدوا محمدا صلى الله عليه وآله على نبوته، و عليا على وصيته، وجحدوا ما وقفوا عليه من فضائلهما كأنهم لا يعلمون، وفعلوا فعل من جحد ذلك والرد له، فعل من لا يعلم، مع علمهم بأنه حق " واتبعوا " هؤلاء اليهود والنواصب " ما تتلو " ما تقرء " الشياطين على ملك سليمان " وزعموا أن سليمان بذلك السحر والتدبير والنيرنجات نال ما ناله من الملك العظيم فصدوهم به عن سبيل الله، وذلك أن اليهود الملحدين والنواصب المشركين (المشاركين خ ل) لهم في إلحادهم لما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله فضائل علي وشاهدوا منه ومن علي عليه السلام المعجزات التي أظهرها الله تعالى لهم على أيديهما أفضى بعض اليهود والنصاب إلى بعض وقالوا: ما محمد إلا طالب الدنيا بحيل ومخاريق وسحر ونير نجات تعلمها وعلم عليا بعضها، فهو

يريد أن يتملك علينا حياته، ويعقد الملك لعلي بعده، وليس ما يقوله عن الله بشئ، إنما هو تقوله، فيعقد علينا وعلى ضعفاء عباد الله بالسحر والنيرنجات التي تعلمها، وأوفر الناس حظا من هذا السحر سليمان بن داود الذي ملك بسحره الدنيا كلها من الجن والإنس والشياطين، ونحن إذا تعلمنا بعض ما كان تعلمه سليمان بن داود تمكنا من إظهار مثل ما أظهره محمد وعلي، وادعينا لأنفسنا ما يجعله محمد لعلي، وقد استغنينا عن الانقياد لعلي، فحينئذ ذم الله الجميع من اليهود والنواصب فقال عز وجل: " نبذوا كتاب الله " الآمر بولاية محمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام " وراء ظهورهم " فلم يعملوا به " واتبعوا ما تتلو " كفرة " الشياطين " من السحر والنيرنجات " على ملك سليمان " الذين يزعمون أن سليمان ملك به، ونحن أيضا به نظهر العجائب حتى تنقاد لنا الناس ونستغني عن الانقياد لعلي، قالوا: وكان سليمان كافرا وساحرا ماهرا، بسحره ملك ما ملك وقدر على ما قدر، فرد الله تعالى عليهم وقال: " وما كفر سليمان " ولا استعمل السحر كما قاله هؤلاء الكافرون " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " أي بتعليمهم الناس السحر الذي نسبوه إلى سليمان كفروا.

18 - تفسير الإمام العسكري: قوله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم " قال الإمام عليه السلام: قال: موسى بن جعفر عليهما السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة وكثر حوله المهاجرون والأنصار وكثرت عليه المسائل وكانوا يخاطبونه بالخطاب الشريف العظيم الذي يليق به صلى الله عليه وآله، وذلك أن الله تعالى كان قال لهم " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله بهم رحيما، وعليهم عطوفا، وفي إزالة الآثام عنهم مجتهدا، حتى أنه كان ينظر إلى كل من كان يخاطبه فيعمل على أن يكون صوته مرتفعا على صوته ليزيل عنه ما توعده الله به

من إحباط أعماله، حتى أن رجلا أعرابيا ناداه يوما وهو خلف حائط بصوت له جهوري:

يا محمد، فأجابه صلى الله عليه وآله بأرفع من صوته، يريد أن لا يأثم الاعرابي بارتفاع صوته، فقال له الاعرابي: أخبرني عن التوبة إلى متى تقبل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أخا العرب إن بابها مفتوح لابن آدم لا ينسد (يسد خ ل) حتى تطلع الشمس من مغربها، وذلك قوله تعالى: " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك " وهو طلوع الشمس من مغربها " لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ".

وقال موسى بن جعفر عليهما السلام: فكانت (وكانت خ) هذه اللفظة: " راعنا من ألفاظ المسلمين الذين يخاطبون بها رسول الله صلى الله عليه وآله يقولون: راعنا، أي أرع أحوالنا واسمع منا نسمع منك، وكان في لغة اليهود: اسمع لا سمعت، فلما سمع اليهود المسلمين يخاطبون بها رسول الله يقولون: راعنا ويخاطبون بها قالوا: كنا نشتم محمدا صلى الله عليه وآله إلى الآن سرا فتعالوا الآن نشتمه جهرا، وكانوا يخاطبون رسول الله صلى الله عليه وآله ويقولون:

راعنا، يريدون شتمه، فتفطن لهم سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، أراكم تريدون سب رسول الله توهمونا أنكم تجرون في مخاطبته مجرانا والله لا سمعتها (أسمعها خ ل) من أحد منكم إلا ضربت عنقه، ولولا أني أكره أن أقدم عليكم قبل التقدم والاستيذان له ولأخيه ووصيه علي بن أبي طالب عليه السلام القيم بأمور الأمة نائبا عنه لضربت عنق من قد سمعته منكم يقول هذا، فأنزل الله تعالى: يا محمد " من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع و انظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا " وأنزل:

" يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم " لا تقولوا: راعنا فإنها لفظة يتوصل بها أعداؤكم من اليهود إلى سب رسول الله صلى الله عليه وآله

وسبكم وشتمكم، وقولوا: انظرنا، أي قولوا بهذه اللفظة لا بلفظة راعنا فإنه ليس فيها ما في قولكم: راعنا، ولا يمكنهم أن يتوصلوا بها إلى الشتم كما يمكنهم بقولكم:

راعنا " واسمعوا " إذا قال لكم رسول الله صلى الله عليه وآله قولا وأطيعوا " وللكافرين " يعني اليهود الشاتمين لرسول الله صلى الله عليه وآله " عذاب أليم " وجيع في الدنيا إن عادوا لشتمهم، وفي الآخرة بالخلود في النار.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عباد الله هذا سعد بن معاذ من خيار عباد الله آثر رضى الله على سخط قراباته وأصهاره من اليهود، أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، و غضب لمحمد صلى الله عليه وآله رسول الله ولعلي ولي الله ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله أن يخاطبا بما لا يليق بجلالتهما، فشكر الله له لتعصبه (لغضبه خ ل) لمحمد صلى الله عليه وآله وعلي وبوأه في الجنة منازل كريمة وهيأ له فيها خيرات واسعة لا تأتي الألسن على وصفها ولا القلوب على توهمها والفكر فيها، ولسلكة من مناديل موائده في الجنة خير من الدنيا بما فيها وزينتها ولجينها وجواهرها وسائر أموالها ونعيمها، فمن أراد أن يكون فيها رفيقه وخليطه فليتحمل غضب الأصدقاء والقرابات وليؤثر لهم رضى الله في الغضب لمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله، وليغضب إذا رأى الحق متروكا ورأي الباطل معمولا به، وإياكم و الهوينا فيه مع التمكن والقدرة وزوال التقية، فإن الله لا يقبل لكم عذرا عند ذلك.

19 - تفسير الإمام العسكري: قوله عز وجل: " ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم " قال الإمام عليه السلام: قال علي بن موسى الرضا عليهما السلام: إن الله ذم اليهود والمشركين و

النواصب. فقال: " ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب " اليهود والنصارى " ولا المشركين " ولا من المشركين الذين هم نواصب يغتاظون لذكر الله وذكر محمد وفضائل علي عليه السلام، وإبانته عن شريف فضله ومحله " أن ينزل عليكم من خير من ربكم " من الآيات الزائدات في شرف محمد وعلي وآلهما الطيبين عليهم صلوات الله وسلامه، ولا يودون أن ينزل دليل معجز من السماء يبين عن محمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام، فهم لأجل ذلك يمنعون أهل دينهم من أن يحاجوك مخافة أن تبهرهم حجتك وتفحمهم معجزاتك فيؤمن بك عوامهم أو يضطربون على رؤسائهم، فلذلك يصدون من يريد لقاءك يا محمد، ليعرف أمرك بأنه لطيف خلاق ساحر اللسان، لا تراك ولا يراك خير لك، وأسلم لدينك ودنياك، فهم بمثل هذا يصدون العوام عنك.

ثم قال الله عز وجل: " والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم " على من يوفقه لدينه ويهديه إلى موالاتك وموالاة أخيك علي بن أبي طالب عليه السلام. قال فلما قرعهم بهذا رسول الله صلى الله عليه وآله حضره منهم جماعة فعاندوه (فكذبوه خ ل) وقالوا: يا محمد إنك تدعي على قلوبنا خلاف ما فيها، ما نكره أن ينزل عليك حجة تلزم الانقياد لها فننقاد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما إن عاندتم محمدا ههنا فستعاندون رب العالمين إذا أنطق صحائفكم بأعمالكم، وتقولون: ظلمتنا الحفظة وكتبوا علينا ما لم نجترمه (نجزمه خ) فعند ذلك يستشهد جوارحكم فتشهد عليكم.

فقالوا: لا تبعد شاهدك فإنه فعل الكذابين، بيننا وبين القيامة بعد، أرنا في أنفسنا ما تدعي لنعلم صدقك، ولن تفعله لأنك من الكذابين.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: استشهد جوارحهم، فاستشهدها علي عليه السلام فشهدت كلها عليهم أنهم لا يودون أن ينزل على أمة محمد صلى الله عليه وآله على لسان محمد صلى الله عليه وآله خير من عند ربكم (ربهم خ ل) آية بينة وحجة معجزة لنبوته وإمامة أخيه علي عليه السلام مخافة أن تبهرهم حجته، ويؤمن به عوامهم، ويضطرب عليه كثير منهم. فقالوا: يا محمد لسنا نسمع هذه الشهادة التي تدعي أنها تشهد بها جوارحنا.

فقال صلى الله عليه وآله: يا علي هؤلاء من الذين قال الله: " إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية " ادع عليهم بالهلاك، فدعا عليهم علي عليه السلام بالهلاك، فكل جارحة نطقت بالشهادة على صاحبها انفتقت حتى مات مكانه.

فقال قوم آخرون حضروا من اليهود: ما أقساك يا محمد قتلتهم أجمعين! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كنت ألين على من اشتد عليه غضب الله، أما إنهم لو سألوا الله بمحمد وعلي وآلهما الطيبين أن يمهلهم ويقيلهم لفعل بهم، كما كان فعل بمن كان قبل من عبدة العجل لما سألوا الله بمحمد وعلي وآلهما الطيبين، وقال لهم على لسان موسى: لو كان دعا بذلك على من قتل لا عفاه الله من القتل كرامة لمحمد وعلي وآلهما الطيبين عليهم السلام.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.