بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
114 باب الكذب وروايته وسماعه
ج ۶۹، ص ۲۳۱–۲۶۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
يحرفون الكلم من بعد مواضعه - إلى قوله تعالى: سماعون للكذب.
التوبة: فأعقبهم نفاقا في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون.
النحل: وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون.
الكهف: إن يقولون إلا كذبا.
الحج: واجتنبوا قول الزور.
الأحزاب: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في
المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا.
الزمر: إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار.
المؤمن: إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب.
الجاثية: ويل لكل أفاك أثيم.
1 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم عن إسحاق بن عمار، عن أبي النعمان قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا أبا النعمان لا تكذب علينا كذبة فتسلب الحنيفية، ولا تطلبن أن تكون رأسا فتكون ذنبا، ولا تستأكل الناس بنا فتفتقر، فإنك موقوف لا محالة ومسؤول، فان صدقت صدقناك وإن كذبت كذبناك.
بيان: " كذبة " أي كذبة واحدة فكيف الأكثر، والكذب الاخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه، سواء طابق الاعتقاد أم لا، على المشهور، وقيل: الصدق مطابقة الاعتقاد، والكذب خلافه وقيل: الصدق مطابقة الواقع والاعتقاد معا والكذب خلافه، والكلام فيه يطول، ولا ريب في أن الكذب من أعظم المعاصي وأعظم أفراده وأشنعها الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة عليهم السلام.
" فتسلب الحنيفية " الحنيفية مفعول ثان لتسلب أي الملة المحمدية المائلة عن الضلالة إلى الاستقامة، أو من الشدة إلى السهولة، أي خرج عن كمال الملة والدين ولم يعمل بشرايطها لا أنه يخرج من الملة حقيقة، وقد مر نظائره، أو هو محمول على ما إذا تعمد ذلك، لاحداث بدعة في الدين، أو للطعن على الأئمة الهادين.
وفي النهاية الحنيف المائل إلى الاسلام، الثابت عليه، والحنيفية عند العرب من كان على دين إبراهيم وأصل الحنف الميل، ومنه الحديث بعثت بالحنيفية السمحة السهلة انتهى.
والكذب يصدق على العمد والخطأ، لكن الظاهر أن الأتم يتبع العمد والكذب عليهم يشمل افتراء الحديث عليهم، وصرف حديثهم إلى غير مرادهم والجزم به، ونسبة فعل إليهم لا يرضون به، أو ادعاء مرتبة لهم لم يدعوها كالربوبية وخلق العالم، وعلم الغيب، أو فضلهم على الرسول صلى الله عليه وآله وأمثال ذلك أو نسبة ما يوجب النقص إليهم كفعل ينافي العصمة وأشباهه.
" ولا تطلبن أن تكون رأسا فتكون ذنبا " الفاء متفرع على الطلب وهو يحتمل وجوها:
الأول: أن يكون الذنب كناية عن الذل والهوان عند الله وعند الصالحين من عباده.
الثاني: أن يكون المراد به التأخر في الآخرة عمن طلب الرياسة عليهم وقد نبه على ذلك بتشبيه حسن وهو أن الركبان المترتبين الذاهبين في طريق إذا بدا لهم الرجوع أو اضطروا إليه يقع لضيق الطريق لا محالة المتأخر متقدما والمتقدم متأخرا، وكذا القطيع من الغنم وغيره إذا رجعوا ينعكس الترتيب.
الثالث: أن يكون المعنى تكون ذنبا وذليلا ولا يتحصل مرادك في الدنيا أيضا فان الطالب لكل مرتبة من مراتب الدنيا يصير محروما منها غالبا، والهارب من شئ منها تدركه.
الرابع: أن يكون المعنى أن الرياسة في الدنيا لأوساط الناس، لا يكون إلا بالتوسل برئيس أعلى منه إما في الحق أو في الباطل، ولما كان في غير دولة الحق لا يمكن التوسل بأهل الحق في ذلك، فلابد من التوسل بأهل الباطل فيكون ذنبا وتابعا لهم ومن أعوانهم وأنصارهم، محشورا في الآخرة معهم، لقوله تعالى: " احشروا الذين ظلموا وأزواجهم " إلا أن يكون مأذونا من قبل إمام الحق خصوصا أو عموما، ويفعل
ذلك بنيابتهم على الوجه الذي أمروا به، وهذا في غاية الندرة، وأكثر الوجوه مما خطر بالبال، والله أعلم بحقيقة الحال.
وربما يقرء " ذئبا " بالهمزة بدل النون أي آكلا للناس أموالهم، وهو مخالف للنسخ المضبوطة.
" ولا تستأكل الناس بنا " أي لا تطلب أكل أموال الناس بوضع الاخبار الكاذبة فينا، أو بافتراء الاحكام ونسبتها إلينا " فتفتقر " أي في الدنيا والآخرة والأخير أنسب بما هنا، لكن كان في ما مضى " ولا تقل فينا مالا نقول في أنفسنا فإنك موقوف ".
2 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن ابن مهران، عن ابن عميرة، عمن حدثه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول لولده:
اتقوا الكذب الصغير منه والكبير، في كل جد وهزل، فان الرجل إذا كذب في الصغير اجترئ على الكبير، أما علمتم أن رسول الله قال: ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقا، وما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كذابا.
بيان: في المصباح جد في الامر يجد جدا من باب ضرب وقتل اجتهد فيه والاسم الجد بالكسر، ومنه يقال فلان محسن جدا أي نهاية ومبالغة وجد في الكلام جدا من باب ضرب هزل، والاسم منه الجد بالكسر أيضا، والأول هو المراد هنا للمقابلة، وهزل في كلامه هزلا من باب ضرب مزح ولعب والفاعل هازل وهزال مبالغة، والظاهر أن كل واحد من الجد والهزل متعلق بالصغير والكبير وتخصيص الأول بالصغير، والثاني بالكبير بعيد.
وظاهره حرمة الكذب في الهزل أيضا ويؤيده عمومات النهي عن الكذب مطلقا ولم أذكر تصريحا من الأصحاب في ذلك، وروي من طريق العامة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك فويل له ثم ويل له، وروى أنه صلى الله عليه وآله كان يمزح ولا يقول إلا حقا ولا يؤذي قلبا ولا يفرط فيه.
فالمزاح على حد الاعتدال مع عدم الكذب والأذى لا حرج فيه بل هو من خصال الايمان ولا ريب أن ترك الكذب في المزاح إذا لم يكن من المعاريض المجوزة التي يكون مقصود القائل فيها حقا كما سيأتي أولى وأحوط، لكن الحكم بالتحريم بمجرد هذه الأخبار مشكل، لا سيما إذا لم يترتب عليه مفسدة ويظهر خلافه قريبا، وإنما المقصود محض المطايبة فان أكثر هذه الأخبار مسوقة لبيان مكارم الأخلاق والزجر عن مساويها أعم من أن تكون واجبة أو مندوبة محرمة أو مكروهة، والمراد بالكبير إما الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة عليهم السلام كما سيأتي أنها من الكبائر أو الأعم منها ومما تعظم مفسدته وضرره على المسلمين وقوله " اجترئ على الكبير " أي على الكبير من الكذب بأحد المعنيين أو الكبير من المعاصي أعم من الكذب وغيره، فان الكذب كثيرا ما يؤدي إلى ذنوب غيره كما أن الصدق يؤدي إلى البر والعمل الصالح حتى يكتب صديقا.
ويخطر بالبال وجه آخر: وهو أن يكون المراد بالكبير الرب العليم القدير أي لا تجتر على الكذب الصغير بأنه صغير فإنه معصية الله، ومعصية الكبير كبيرة وما سيأتي بالأول أنسب قال الراغب الصديق من كثر منه الصدق، وقيل بل يقال ذلك: لمن لم يكذب قط، وقيل بل لمن لا يأتي منه الكذب لتعوده الصدق وقيل من صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله، والصديقون هم قوم دون الأنبياء في الفضيلة، وقيل: لعل معنى يكتب على ظاهره، فإنه يكتب في اللوح المحفوظ أو في دفتر الأعمال أو في غيرهما أن فلانا صديق وفلانا كذاب ليعرفهما الناظرون إليه بهذين الوصفين، أو معناه يحكم لهما بذلك أو يوجب لهما استحقاق الوصف بصفة الصديقين وثوابهم، وصفة الكذابين وعقابهم، أو معناه أنه يلقي ذلك في قلوب المخلوقين ويشهره بين المقربين.
3 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عز وجل جعل للشر
أقفالا وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب شر من الشراب.
بيان: الشر في الأول صفة مشبهة وفي الثاني أفعل التفضيل، والمراد بالشراب جميع الأشربة المسكرة، وكان المراد بالأقفال الأمور المانعة من ارتكاب الشرور من العقل وما يتبعه ويستلزمه من الحياء من الله ومن الخلق والتفكر في قبحها وعقوباتها ومفاسدها الدنيوية والأخروية، والشراب يزيل العقل، وبزوالها ترتفع جميع تلك الموانع، فتفتح جميع الأقفال، وكأن المراد بالكذب الذي هو شر من الشراب، الكذب على الله وعلى حججه عليهم السلام فإنه تالي الكفر وتحليل الأشربة المحرمة ثمرة من ثمرات هذا الكذب فان المخالفين بمثل ذلك حللوها.
وقيل: الوجه فيه أن الشرور التابعة للشراب تصدر بلا شعور، بخلاف الشرور التابعة للكذب وقد يقال: الشر في الثاني أيضا صفة مشبهة و " من " تعليلة والمعنى أن الكذب أيضا شر ينشأ من الشراب، لئلا ينافي ما سيأتي في كتاب الأشربة أن شرب الخمر أكبر الكبائر.
3 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن الحسن الصيقل قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا قد روينا عن أبي جعفر عليه السلام في قول يوسف عليه السلام: " أيتها العير إنكم لسارقون " فقال:
والله ما سرقوا وما كذب، وقال إبراهيم " بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " فقال: والله ما فعلوا وما كذب.
قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما عندكم فيها يا صيقل؟ قال: قلت: ما عندنا فيها إلا التسليم، قال : فقال: إن الله أحب اثنين وأبغض اثنين أحب الخطر فيما بين الصفين وأحب الكذب في الاصلاح، وأبغض الخطر في الطرقات، وأبغض الكذب
في غير الاصلاح، إن إبراهيم عليه السلام إنما قال: " بل فعله كبيرهم هذا " إرادة الاصلاح ودلالة على أنهم لا يعقلون، وقال يوسف عليه السلام: إرادة الاصلاح.
بيان: " في قول يوسف عليه السلام " هذا لم يكن قول يوسف عليه السلام وإنما كان قول مناديه، ونسب إليه لوقوعه بأمره، والعير بالكسر الإبل تحمل الميرة ثم غلب على كل قافلة، " وقال إبراهيم عليه السلام " عطف على الجملة السابقة بتقدير روينا وقيل: قال: هنا مصدر فان القال والقيل مصدران كالقول فهو عطف على " قول يوسف ". " بل فعله كبيرهم " أريد بالكبير الكبير في الخلقة أو التعظيم، قيل كانت لهم سبعون صنما مصطفة، وكان ثمة صنم عظيم مستقبل الباب من ذهب في عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، ولعل إرجاع الضمير المذكر العاقل إلى الأصنام من باب التهكم أو باعتبار أنها تعقل وتفهم وتجيب بزعم عبادها.
وأما ضمير الجمع في قوله " والله ما فعلوا " فراجع إلى الكبير، باعتبار إرادة الجنس الشامل للتعدد ولو فرضا، أو إلى الأصنام للتنبيه على اشتراك الجميع في عدم صلاحية صدور ذلك الفعل منه، وقيل: إنما أتى بالجمع لمناسبة ما سرقوا أو مبنى على أن الفعل الصادر عن أحد من الجماعة قد ينسب إلى الجميع نحو قوله تعالى: " فنادته الملائكة " بناء على أن المنادي جبرئيل فقط، وقيل: ويمكن أن يكون إرجاع ضمير " فاسألوهم " أيضا من هذا القبيل إذ لو كان المقصود نطق كل واحد في الزمان المستقبل، تكون زيادة " كانوا " في المضارع لغوا، وإن كان العرض النطق في الزمان الماضي لا يترتب عليه صحة السؤال، إذ لا يلزم من جواز نطقهم قبل الكسر جواز ذلك بعده.
" أحب الخطر في ما بين الصفين " في النهاية يقال خطر البعير بذنبه يخطر إذا رفعه وحطه إنما يفعل ذلك عند الشبع والسمن ومنه حديث مرحب فخرج يخطر بسيفه يهزه معجبا بنفسه متعرضا للمبارزة، أو أنه كان يخطر في
مشيته أي يتمايل ويمشي مشية المعجب، وسيفه في يده أي كان يخطر سيفه معه.
" إرادة الاصلاح " لعل المراد إرادة إصلاح حال قومه برجوعهم عن عبادة الأصنام، وجه الدلالة أن العاقل إذا تفكر في نسبة الكسر إليها وعلم أنه لا يصح ذلك إلا من ذي شعور عاقل قادر وعلم أن هذه الأوصاف منتفية منها وعلم أنها لا تقدر على دفع الاستخفاف والضرر من أنفسها علم أنها ليست بمستحقة للألوهية والعبادة، ويكون ذلك داعيا إلى الرجوع عنها ورفض العبادة لها.
وللعلماء فيه وجوه أخرى:
الأول: أنه من المعاريض التي يقصد بها الحق وإلزام الخصم وتبكيته فلم يكن قصده عليه السلام أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم وإنما قصد أن يقرره لنفسه على أسلوب تعريضي مع الاستهزاء والتبكيت كما لو قال لك من لا يحسن الخط فيما كتبته بخط رشيق: أنت كتبت؟ فقلت: بل كتبته أنت، كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته لصاحبك الأمي والتعريض مما يجوز عقلا ونقلا لمصلحة جلب نفع أو دفع ضرر أو استهزاء في موضعه ونحوها.
الثاني: أنه عليه السلام غاظته الأصنام حين رآها مصطفة مزينة، وكان غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم وتوقيرهم له، فأسند الفعل إليه، لأنه هو السبب في استهانته وكسره لها والفعل كما يسند إلى المباشر يسند إلى السبب أيضا.
الثالث: أن ذلك حكاية لما يقود إليه مذهبهم كأنه قال: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فان من حق من يعبد ويدعي إليه أن يقدر على أمثال هذه الأفعال لا سيما الكبير الذي يستنكف أن يعبد معه هذه الصغار.
الرابع: ما وري عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله: " بل فعله " ثم يبتدئ " كبيرهم هذا " أي فعله من فعله وهذا من باب التورية إذ له ظاهر وباطن، وباطنه ما ذكر، وظاهره إسناد الفعل إلى الكبير، وفهمهم تعلق به ومراده عليه السلام
هو الباطن.
الخامس: ما روي عن بعضهم أنه كان يقف عند قوله: " كبيرهم " ثم يبتدئ بقول: " هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " وأراد بالكبير نفسه، لان الانسان أكبر من كل صنم، وهذا أيضا من باب التورية وقيل: إنه يتم بدون الوقف أيضا بأن يكون هذا إشارة إلى نفسه المقدسة، والمغايرة بين المشير والمشار إليه كاف بحسب الاعتبار.
السادس: إن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم فيكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطا بكونهم ناطقين، فلما لم يكونوا ناطقين لم يكونوا فاعلين، والغرض منه تسفيه القوم وتقريعهم وتوبيخهم لعبادة من لا يسمع ولا ينطق ولا يقدر أن يخبر من نفسه بشئ.
ويؤيده ما روي في كتاب الاحتجاج أنه سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل في قصة إبراهيم: " قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " قال: ما فعله كبيرهم، وما كذب إبراهيم، قيل: وكيف ذلك فقال: إنما قال:
إبراهيم فاسألوهم إن كانوا ينطقون ان نطقوا فكبيرهم فعل، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا، فما نطقوا وما كذب إبراهيم.
وقال البيضاوي: وما روي أن لإبراهيم عليه السلام ثلاث كذبات تسمية للمعاريض كذبا لما شابهت صورتها صورته.
" وقال يوسف عليه السلام إرادة الاصلاح " كأن المراد الاصلاح بينه وبين إخوته في حبس أخيه بنيامين عنده، وإلزامهم ذلك بحيث لا يكون لهم محل منازعة ولم يتيسر له ذلك إلا بأمرين: أحدهما نسبة السرقة وثانيهما التمسك بحكم آل يعقوب في السارق، وهو استرقاق السارق سنة، وكان حكم ملك مصر أن يضرب السارق ويغرم ما سرق، فلم يتمكن من أخذ أخيه في دين الملك، فلذلك أمر فتيانه بأن يدسوا الصاع في رحل أخيه وأن ينسبوا السرقة إليه وأن يستفتوا في
جزاء السارق منهم " فقالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه " أي أخذ السارق نفسه هو جزاؤه لا غير.
فلما فتشوا وجدوا الصاع في رحل أخيه، فأخذوا برقبته، وحكموا برقيته، ولم يبق لاخوته محل منازعة في حبسه، إلا أن قالوا على سبيل التضرع والالتماس: " فخذ أحدنا مكانه إنا نريك من المحسنين " فردهم بقوله:
" معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون " قيل: أراد أنا إذا أخذنا غيره لظالمون في مذهبكم لان استعباد غير من وجد الصاع في رحله ظلم عندكم، أو أراد أن الله أمرني وأوحى إلى أن آخذ بنيامين فلو أخذت غيره كنت عاملا بخلاف الوحي، وللعلماء أيضا وجوه أخرى:
الأول أن ذلك النداء لم يكن بأمره بل نادوا من عند أنفسهم لأنهم لما لم يجدوا الصاع غلب على ظنهم أنهم أخذوه.
الثاني: أنهم لم ينادوا أنكم سرقتم الصاع فلعل المراد أنكم سرقتم يوسف من أبيه، يدل عليه ما رواه الصدوق في العلل باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في تفسير هذه الآية: إنهم سرقوا يوسف من أبيه الا ترى أنهم حين قالوا:
ماذا تفقدون؟ قالوا: نفقد صواع الملك، ولم يقولوا: سرقتم صاع الملك.
الثالث: لعل المراد من قولهم: إنكم لسارقون الاستفهام كما في قوله حكاية عن إبراهيم: " هذا ربي " وإن كان ظاهره الخبر وأيد ذلك بأن في مصحف ابن مسعود " أإنكم " بالهمزتين.
وقال بعض الأفاضل: حاصل الجواب أن لكل من الصدق والكذب معنيين أحدهما لغوي والاخر عرفي، فالأول هو الموافق للواقع، والمخالف للواقع والثاني الموافق للحق، والمخالف للحق، والمراد بالحق رضا الله تعالى فكما
يمكن أن لا يكون الصادق اللغوي، صادقا عرفيا كما قال تعالى: " فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون " فكذلك يمكن أن لا يكون الكاذب اللغوي كاذبا عرفيا كما ذكره عليه السلام في هذا الخبر.
5 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن صفوان، عن أبي مخلد السراج، عن عيسى بن حسان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوما إلا كذبا في ثلاثة: رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه، أو رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا، يريد بذلك الاصلاح ما بينهما، أو رجل وعد أهله شيئا وهو لا يريد أن يتم لهم.
بيان: يوما لعل الابهام لاحتمال أن يكون السؤال في القبر أو في القيامة ويحتمل الدنيا أيضا فان للناس أن يعيروه بذلك " إلا كذبا " المراد به الكذب اللغوي فهو موضوع عنه أي إثمه مرفوع عنه لا يأثم عليه. " يلقى هذا بغير ما يلقي به هذا " كأن يقول لكل منهما: التقصير منك وهو غير مقصر في حقك أو يلقي كلا منهما بكلام غير الكلام الذي سمع من الاخر فيه من الشتم وإظهار العداوة وهذا أنسب معنى، والأول لفظا.
و " ما " في قوله: " ما بينهما " موصولة وهو مفعول الاصلاح " أو رجل وعد أهله " فيه أن الوعد من قبيل الانشاء والصدق والكذب إنما يكونان في الخبر ولعله باعتبار أنه يلزم إذا لم يف به أن يعتذر بما يتضمن الكذب، كأن يقول: نسيت أو لم يمكنني وأمثال ذلك، باعتبار ما يستلزمه من الاخبار ضمنا بإرادة الوفاء، هذا بحسب ما هو أظهر عندي في الوعد لكن ظاهر أكثر العلماء أنه من قبيل الخبر وسيأتي الكلام فيه في باب خلف الوعد.
قال الراغب: الصدق والكذب أصلهما في القول ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في القول، ولا يكونان من القول
إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام (الاستفهام والامر والدعاء) ولذلك قال: " ومن أصدق من الله قيلا " " ومن أصدق من الله حديثا " " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد " وقد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام كالاستفهام والامر والدعاء، وذلك نحو قول القائل: أزيد في الدار فان في ضمنه إخبارا بكونه جاهلا بحال زيد، وكذا إذا قال: واسني في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة، وإذا قال: لا تؤذني ففي ضمنه أنه يؤذيه انتهى.
ثم اعلم أن مضمون الحديث متفق عليه بن الخاصة والعامة، فروى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب في الاصطلاح بين الناس، وفي صحيح مسلم قال ابن شهاب وهو أحد رواته: لم أسمع يرخص في شئ مما يقول الناس كذبا إلا في ثلاث الحرب والاصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها.
قال عياض: لا خلاف في جوازه في الثلاث وإنما يجوز في صورة ما يجوز منه فيها، فأجاز قوم فيها صريح الكذب، وأن يقول ما لم يكن لما فيه من المصالح ويندفع فيها الفساد، قالوا: وقد يجب لنجاة مسلم من القتل، وقال بعضهم: لا يجوز فيها التصريح بالكذب، وإنما يجوز فيها التورية بالمعاريض، وهي شئ يخلص من المكروه والحرام إلى الجايز إما لقصد الاصلاح بين الناس أو لدفع ما يضر أو لغير ذلك، وتأول المروي على ذلك وقال: مثل أن يعد زوجته أن يفعل لها ويحسن إليها، ونيته إن قدر الله تعالى، أو يأتيها فهذا بلفظ محتمل وكلمة مشتركة تفهم من ذلك ما يطيب قلبها وكذلك في الاصلاح بين الناس ينقل لهؤلاء من هؤلاء الكلام المحتمل، وكذلك في الحرب مثل أن يقول لعدوه: انحل حزام سرجك ويريد فيما مضى، ويقول لجيش عدوه: مات أميركم، ليذعر قلوبهم
ويعني النوم أو يقول لهم غدا يأتينا مدد، وقد أعد قوما من عسكره ليأتوا في صورة المدد، أو يعني بالمدد الطعام، فهذا نوع من الخدع الجايزة والمعاريض المباحة.
وقال القرطبي: لعل ما استند في منعه التصريح بقاعدة حرمة الكذب وتأويله الأحاديث بحملها على المعاريض ما يعضده دليل، وأما الكذب ليمنع مظلوما من الظلم عليه فلم يختلف فيه أحد من الأمم لا عرب ولا عجم ومن الكذب الذي يجوز بين الزوجين الاخبار بالمحبة والاغتباط، وإن كان كذبا لما فيه من الاصلاح ودوام الألفة.
6 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي، عن محمد بن مالك، عن عبد الاعلى مولى آل سام قال:
حدثني أبو عبد الله عليه السلام بحديث فقلت له: جعلت فداك أليس زعمت لي الساعة كذا وكذا؟ فقال: لا، فعظم ذلك علي فقلت: بلى والله زعمت، فقال: لا والله ما زعمته، قال: فعظم علي فقلت: بلى والله قد قلته، قال: نعم قد قلته أما عملت أن كل زعم في القرآن كذب.
بيان: في القاموس الزعم مثلثة القول الحق والباطل والكذب ضد، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه والزعمي الكذاب والصادق، وزعمتني كذا ظننتني والتزعم التكذب وأمر مزعم كمقعد، لا يوثق به، وفي النهاية فيه أنه ذكر أيوب عليه السلام فقال: إذا كان مر برجلين يتزاعمان وقال الزمخشري: معناه أنهما يتحادثان بالزعمات وهي ما لا يوثق به من الأحاديث، ومنه الحديث بئس مطية الرجل زعموا، معناه ان الرجل إذا أراد المسير إلى بلد والظعن في حاجة ركب مطية حتى يقضي إربه، فشبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه ويتوصل به إلى غرضه من قوله: زعموا كذا وكذا، بالمطية التي يتوسل بها إلى الحاجة، وإنما يقال: زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه، وإنما يحكي عن الألسن على البلاغ فذم من الحديث ما هذا سبيله، والزعم بالضم والفتح قريب من الظن.
وقال في المصباح: زعم زعما من باب قتل وفي الزعم ثلاث لغات فتح الزاي للحجاز، وضمها لأسد، وكسرها لبعض قيس، ويطلق بمعنى القول، ومنه زعمت الحنيفية، وزعم سيبويه أي قال، وعليه قوله تعالى: " أو تسقط السماء كما زعمت " أي كما أخبرت، ويطلق على الظن يقال: في زعمي كذا، وعلى الاعتقاد ومنه قوله تعالى: " زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا " قال الأزهري:
وأكثر ما يكون الزعم فيما يشك فيه، ولا يتحقق، وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب، وقال المرزوقي: أكثر ما يستعمل في ما كان باطلا وفيه ارتياب وقال ابن القوطية: زعم زعما قال خبرا لا يدري أحق هو أو باطل، قال الخطابي:
ولذا قيل: زعم مطية الكذب، وزعم من غير مزعم، قال غير مقول صالح وادعى ما لا يمكن انتهى.
أقول: وإذا علمت ذلك، ظهر لك أن الزعم إما حقيقة لغوية أو عرفية أو شرعية في الكذب، أو ما قيل بالظن أو بالوهم من غير علم وبصيرة، فإسناده إلى من لا يكون قوله إلا عن حقيقة ويقين، ليس من دأب أصحاب اليقين، وإن كان مراده مطلق القول أو القول عن علم فغرضه عليه السلام تأديبه وتعليمه آداب الخطاب مع أئمة الهدى وساير أولي الألباب، واما الحكم بكون ذلك كذبا وحراما فهو مشكل إذ غاية الأمر أن يكون مجازا ولا حجر فيه. وأما يمينه عليه السلام على عدم الزعم فهو صحيح لأنه قصد به الحقيقة أو المجاز الشايع وكأنه من التورية والمعاريض لمصلحة التأديب أو تعليم جواز مثل ذلك للمصلحة فان المعبر في ذلك قصد المحق في المتخاصمين كما ذكره الأصحاب، وكأنه لذلك ذكر المصنف رحمه الله الخبر في هذا الباب وإن كان مع قطع النظر عن ذلك له مناسبة خفية له فتأمل.
قوله عليه السلام: " إن كل زعم في القرآن كذب " أي أطلق في مقام
إظهار كذب المخبر به، فلا ينافي ذلك قوله تعالى حاكيا عن المشركين: " أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا " فإنهم أشاروا بقوله: زعمت إلى قوله تعالى:
" إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء " فان ما أشاروا إليه بقوله: زعمت، حق لكنهم أوردوه في مقام التكذيب، ويمكن أيضا تخصيصه بما ذكره الله من قبل نفسه سبحانه غير حاك من غيره كما قال تعالى: " زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا " وقال سبحانه: " بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا " وقال: " أين شركائي الذين كنتم تزعمون " وقال: " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ".
7 - الكافي: العدة. عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن أبي إسحاق الخراساني، قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إياكم والكذب فان كل راج طالب، وكل خائف هارب.
بيان: فيه إما إرسال أو إضمار بأن يكون ضمير قال راجعا إلى الصادق عليه السلام أو الرضا عليه السلام " إياكم والكذب " أراد عليه السلام لا تكذبوا في ادعائكم الرجاء والخوف من الله سبحانه، وذلك لان كل راج طالب لما يرجو ساع في أسبابه وأنتم لستم كذلك، وكل خائف هارب مما يخاف منه مجتنب مما يقربه منه، وأنتم لستم كذلك. وهذا مثل قوله عليه السلام الذي رواه في نهج البلاغة أنه عليه السلام قال بعد كلام طويل لمدع كاذب انه يرجو الله: يدعي بزعمه انه يرجو الله كذب والعظيم، ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله. وكل من رجا عرف رجاؤه في عمله، إلا رجاء الله فإنه مدخول، وكل خوف محقق إلا خوف الله فإنه معلول، يرجو الله في الكبير، ويرجو العباد في الصغير، فيعطي العبد ما لا يعطي الرب، فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع لعباده، أتخاف أن تكون
في رجائك له كاذبا أو تكون لا تراه للرجاء موضعا؟ وكذلك إن هو خاف عبدا من عبيده أعطاه من خوفه لا يعطي ربه، فجعل خوفه من العباد نقدا، وخوفه من خالقه ضمارا ووعدا.
وقال بعضهم: حذر من الكذب على الله وعلى رسوله وعلى غيرهما في ادعاء الدين مع ترك العمل به، ورغب في الصدق بأن الكذب ينافي الايمان، وذلك لان الكاذب لم يطلب الثواب، وكل من لم يطلب الثواب فهو ليس براج بحكم المقدمة الأولى، ولم يهرب من العقاب وكل من لم يهرب من العقاب فهو ليس بخائف بحكم المقدمة الثانية، ومن انتفى عنه الخوف والرجاء فهو ليس بمؤمن كما هو المقرر عند أهل الايمان انتهى، وارتكب أنواع التكلف لقلة التتبع والمقصود ما ذكرنا.
8 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه. عمن ذكره، عن محمد بن عبد الرحمان ابن أبي ليلى، عن أبيه. عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الكذب هو خراب الايمان.
بيان: الحمل على المبالغة أي هو سبب خراب الايمان وقد يقرء بتشديد الراء بصيغة المبالغة.
9 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم عن أبان الأحمر، عن فضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أول من يكذب الكذاب الله عز وجل، ثم الملكان اللذان معه، ثم هو يعلم أنه كاذب.
بيان: لفظة ثم إما للترتيب الرتبي ويحتمل الزماني أيضا إذ علم الله مقدم على إرادته أيضا ثم بالهام الله يعلم الملكان المقربان أو عند الإرادة تظهر منه رائحة خبيثة. يعلم الملكان قبحه وكذبه كما يظهر من بعض الأخبار، ويمكن أن يكون
علم الملكين لمصاحبتهما له وعلمهما بأحواله، بناء على عدم تبدلهما في كل يوم كما هو ظاهر أكثر الاخبار، وأما تأخر علمه فلانه ما لم يتم الكلام لا يعلم يقينا صدور الكذب منه.
10 - الكافي: عن علي بن الحكم (عن أبان) عن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الكذاب يهلك بالبينات ويهلك أتباعه بالشبهات.
بيان: أريد بالكذاب في هذا الحديث إما مدعي الرياسة بغير حق، وسبب هلاكه بالبينات إفتاؤه بغير علم مع علمه بجهله، وسبب إهلاك أتباعه بالشبهات تجويز كونه عالما وعدم قطعهم بجهله، فهم في شبهة من أمره أو من يضع الحديث ويبتدع في الدين فهو يهلك نفسه بأمر يعلم كذبه، وأتباعه يهلكون بالشبهة والجهالة لحسن ظنهم به، واحتمالهم صدقه، والوجهان متقاربان.
11 - الكافي: عن محمد بن يحيى. عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي نجران عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن آية الكذاب بأن يخبرك خبر السماء والأرض والمشرق والمغرب، فإذا سألته عن حرام الله وحلاله لم يكن عنده شئ.
بيان: " بأن يخبرك " كأن الباء زائدة أو التقدير تعلم بأن يخبرك وإنما كان هذا آية الكذاب لأنه لو كان علمه بالوحي والالهام لكان أحرى بأن يعلم الحلال والحرام، لان الحكيم العلام يفيض على الأنام ما هم أحوج إليه من الحقائق والاحكام، وكذا لو كان بالوراثة عن الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ولو كان بالكشف فعلى تقدير إمكان حصوله لغير الحجج عليهم السلام فالعلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه لا يحصل لاحد إلا بالتقوى وتهذيب السر من رذائل الأخلاق. قال الله تعالى:
" واتقوا الله ويعلمكم الله " ولا يحصل التقوى إلا بالاقتصار على الحلال
والاجتناب عن الحرام. ولا يتيسر ذلك إلا بالعلم بالحلال والحرام، فمن أخبر عن شئ من حقائق الأشياء ولم يكن عنده معرفة بالحلال والحرام، فهو لا محالة كذاب يدعى ما ليس له.
12 - الكافي: عن علي، عن أبيه. عن ابن أبي عمير. عن منصور بن يونس، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الكذبة لتفطر الصائم، قلت:
وأينا لا يكون ذلك منه؟ قال: ليس حيث ذهبت إنما ذلك الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة عليهم السلام.
بيان: يدل على إن الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة عليهم السلام يفسد الصوم كما ذهب إليه جماعة من الأصحاب، وهم اختلفوا فقيل: يجب به القضاء والكفارة. وقيل: القضاء خاصة، والمشهور انه لا يفسد، وان نقص به ثوابه وفضله، وتضاعف به العذاب والعقاب.
13 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن بعض أصحابه رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر الحائك لأبي عبد الله عليه السلام أنه ملعون فقال: إنما ذلك الذي يحوك الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله.
بيان: قوله: " أنه ملعون " بفتح الهمزة بدل اشتمال للحائك، ويحتمل أن يكون للحديث عنده عليه السلام موضوعا ولم يمكنه إظهاره ذلك تقية، فذكر له تأويلا يوافق الحق ومثل ذلك في الاخبار كثير يعرف ذلك من اطلع على اسرار أخبارهم عليهم السلام واستعارة الحياكة لوضع الحديث شايعة بين العرب والعجم.
14 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن القاسم بن عروة، عن عبد الحميد الطائي، عن الأصبغ بن نباته قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لا يجد عبد طعم الايمان حتى يترك الكذب هزله وجده بيان: وجدان طعم الايمان كناية عن كماله، وترتب الثمرات العظيمة عليه
ولا يكون ذلك إلا بوصوله درجة اليقين، وصاحب اليقين المشاهد لمثوبات الآخرة وعقوباتها دائما، لا يجترئ على شئ من المعاصي، لا سيما الكذب الذي هو من كبائرها.
15 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الكذاب هو الذي يكذب في الشئ؟ قال:
لا، ما من أحد إلا يكون ذاك منه، ولكن المطبوع على الكذب.
بيان: " المطبوع على الكذب " المجبول عليه، بحيث صار عادة له ولا يتحرز عنه ولا يبالي به ولا يندم عليه، ومن لا يكون كذلك لا يصدق عليه الكذاب مطلقا فإنه صيغة مبالغة أو المراد الكذاب الذي يكتبه الله كذابا كما مر أو الكذاب الذي ينبغي أن يجتنب مواخاته كما سيأتي وفيه إيماء إلى أن الكذب مطلقا ليس من الكبائر وفي القاموس طبع على الشئ بالضم جبل.
16 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن الحسين بن طريف عن أبيه، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال عيسى بن مريم صلوات الله عليه: من كثر كذبه ذهب بهاؤه.
بيان: ذهب بهاؤه أي حسنه وجماله ووقره عند الله سبحانه وعند الخلق، فان الخلق وإن لم يكونوا من أهل الملة يكرهون الكذب ويقبحونه ويتنفرون من أهله.
17 - الكافي: [عنه] عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن سالم رفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام، ينبغي للرجل المسلم أن يجتنب مواخاة الكذاب فإنه يكذب حتى يجئ بالصدق فلا يصدق.
بيان: " حتى يجئ بالصدق فلا يصدق " الظاهر إنه على بناء المفعول من التفعيل أي لكثرة ما ظهر لك من كذبه لا يمكنك تصديقه فيما يأتي به من الصدق
أيضا، فلا تنتفع بمؤاخاته ومصاحبته، مع أنه جذاب لطبع الجليس إلى طبعه. ويخطر بالبال أنه يحتمل أن يكون المراد به أن هذا الرجل المواخي يكذب نقلا عن الأخ الكذاب لاعتماده عليه، ثم يظهر كذب ما أخبر به حتى لا يعتمد الناس على صدقه أيضا كما ورد في الخبر كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع، وما سيأتي في البابين يؤيد المعنى الأول، وربما يقرء " يصدق " على بناء المجرد أي إذا أخبر بصدق يغيره ويدخل فيه شيئا يصير كذبا.
18 - الكافي: عنه عن ابن فضال، عن إبراهيم بن محمد الأشعري، عن عبيد ابن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن مما أعان الله [به] على الكذابين النسيان.
بيان: " إن مما أعان الله على الكذابين " أي أضرهم به وفضحهم فان كثيرا ما يكذبون في خبر ثم ينسون ويخبرون بما ينافيه ويكذبه فيفتضحون بذلك عند الخاصة والعامة، قال الجوهري: في الدعاء رب أعني ولا تعن علي.
19 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الكلام ثلاثة: صدق وكذب وإصلاح بين الناس، قال: قيل له: جعلت فداك ما الاصلاح بين الناس؟ قال: تسمع من الرجل كلاما يبلغه فتخبث نفسه فتقول: سمعت من فلان قال فيك من الخير كذا وكذا خلاف ما سمعت منه.
بيان: " تسمع من الرجل كلاما " كأن " من " بمعنى " في " كما في قوله تعالى: " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة " أي فيه وكذا قالوا في قوله سبحانه:
" أروني ماذا خلقوا من الأرض " أي في الأرض، ويحتمل أن يكون تقدير الكلام تسمع من رجل كلاما في حق رجل آخر يذمه به فيبلغ الرجل الثاني ذلك
الكلام فتخبث نفسه على الأول أي يتغير عليه ويبغضه، فتلقى الرجل الثاني فتقول سمعت من الرجل الأول فيك كذا وكذا من مدحه خلاف ما سمعت منه من ذمه والتكلف فيه من جهة إرجاع ضمير يبلغه إلى الرجل الثاني وهو غير مذكور في الكلام، لكنه معلوم بقرينة المقام.
وهذا القول وإن كان كذبا لغة وعرفا جايز لقصد الاصلاح بين الناس، وكأنه لا خلاف فيه عند أهل الاسلام والظاهر أنه لا تورية ولا تعريض فيه وإن أمكن أن يقصد تورية بعيدة كأن ينوي أنه كان حقه أن يقول كذا ولو صافيته لقال فيك كذا لكنه بعيد، وقد اتفقت الأمة على أنه لو جاء ظالم ليقتل رجلا مختفيا ليقتله ظلما أو يطلب وديعة مؤمن ليأخذها غصبا وجب الاخفاء على من علم ذلك، فلو أنكرها فطولب باليمين ظلما يجب عليه أن يحلف.
لكن قالوا: إذا عرف التورية بما يخرج به عن الكذب وجبت التورية، كأن يقصد ليس عندي مال يجب علي أداؤه إليك، أو لا أعلم علما يلزمني الاخبار به وأمثال ذلك.
وقالوا: إذا لم يعرفها وجب الحلف والكذب بغير تورية أيضا فإنه وإن كان قبيحا إلا أن إذهاب حق الادمي أشد قبحا من حق الله تعالى في الكذب أو اليمين الكاذبة، فيجب ارتكاب أخف الضررين، ولان اليمين الكاذب عند الضرورة مأذون فيه شرعا كمطلق الكذب النافع بخلاف مال الغير، فإنه لا يباح إذهابه بغير إذنه مع إمكان حفظه، فأمثال هذا الكذب ليست بمذمومة في نفس الامر، بل إما واجبة أو مندوبة ويدل الحديث على أن الكذب شرعا إنما يطلق على ما كان مذموما، فغير المذموم قسم ثالث من الكلام يسمى إصلاحا فهو واسطة بين الصدق والكذب.
20 - الكافي: عن الأشعري: عن محمد بن عبد الجبار، عن الحجال، عن ثعلبة، عن معمر بن عمرو، عن عطا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا كذب على مصلح ثم تلا " أيتها العير إنكم لسارقون " ثم قال: والله ما سرقوا وما كذب
ثم تلا " بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " ثم قال: والله ما فعلوه وما كذب.
تكملة: قال بعض المحققين: اعلم أن الكذب ليس حراما لعينه، بل لما فيه من الضرر على المخاطب، أو على غيره، فان أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشئ على خلاف ما هو به، فيكون جاهلا، وقد يتعلق به ضرر غيره، ورب جهل فيه منفعة ومصلحة. فالكذب تحصيل لذلك الجهل، فيكون مأذونا فيه وربما كان واجبا كما لو كان في الصدق قتل نفس بغير حق.
فنقول: الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب، جميعا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح، إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا، وواجب إن كان المقصود واجبا كما إن عصمة دم المسلم واجبة. فمهما كان في الصدق سفك دم مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب، ومهما كان لا يتم مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب، فالكذب مباح إلا أنه ينبغي أن يحترز عنه ما يمكن، لأنه إذا فتح على نفسه باب الكذب فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغني عنه، وإلى ما لم يقتصر فيه على حد الواجب ومقدار الضرورة، فكان الكذب حراما في الأصل إلا لضرورة.
والذي يدل على الاستثناء ما روي عن أم كلثوم قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يرخص في شئ من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول يريد الاصلاح والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها. وقالت أيضا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس بكذاب من أصلح بين اثنين
فقال خيرا أو نما خيرا.
وقالت أسماء بنت يزيد: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما.
وروى عن أبي كاهل قال: وقع بين رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله كلام حتى تصادما فلقيت أحدهما فقلت: مالك ولفلان فقد سمعته يحسن الثناء عليك، ولقيت الاخر فقلت له مثل ذلك حتى اصطلحا ثم قلت: أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين، فأخبرت النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا أبا كاهل أصلح بين الناس ولو بالكذب.
وقال عطاء بن يسار: قال رجل للنبي: أكذب أهلي؟ قال: لا خير في الكذب قال: أعدها وأقول لها؟ قال: لا جناح عليك.
وعن النواس بن سمعان الكلابي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مالي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار؟ كل الكذب مكتوب كذبا لا محالة إلا أن يكذب الرجل في الحرب فان الحرب خدعة أو يكون بين رجلين شحناء فيصلح بينهما أو يحدث امرأته يرضيها.
وقال علي عليه السلام: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله فلان أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فالحرب خدعة.
فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء، وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به مقصود صحيح له أو لغيره، أما ماله فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله فله أن ينكر أو يأخذ السلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله ارتكبها فله أن ينكرها، ويقول ما زنيت ولا شربت، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، وذلك لان إظهار الفاحشة فاحشة أخرى.
فللرجل أن يحفظ دمه وماله الذي يؤخذ ظلما وعرضه بلسانه وإن كان كاذبا. وأما عرض غيره فبأن يسأل عن سر أخيه فله أن ينكره وأن يصلح بين [اثنين وأن يصلح بين] الضرات من نسائه بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه، أو كانت امرأته
لا نطيعه إلا بوعد ما لا يقدر عليه فيعدها الحال تطييبا لقلبها أو يعتذر إلى انسان بالكذب وكان لا يطيب قلبه إلا بانكار ذنب وزيادة تودد فلا بأس به.
ولكن الحد فيه أن الكذب محذور. ولكن لو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور، فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر، ويزن بالميزان القسط، فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعا في الشرع من الكذب، فله الكذب وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق، وقد يتقابل الأمران بحيث يتردد فيهما، وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى، لان الكذب مباح بضرورة أو حاجة مهمة فإذا شك في كون الحاجة مهمة فالأصل التحريم فيرجع إليه.
ولأجل غموض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الانسان من الكذب ما أمكنه، وكذلك مهما كانت الحاجة له، فيستحب أن يترك أغراضه ويهجر الكذب، فأما إذا تعلق بغرض غيره. فلا يجوز المسامحة بحق الغير والاضرار به وأكثر كذب الناس إنما هو لحظوظ أنفسهم، ثم هو لزيادات المال والجاه ولأمور ليس فواتها محذورا حتى أن المرأة ليحكي من زوجها ما تتفاخر به وتكذب لأجل مراغمة الضرات وذلك حرام.
قالت أسماء: سمعت امرأة تسأل رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: إن لي ضرة وأنا أتكثر من زوجي بما لا يفعل اضارها بذلك فهل لي فيه شئ؟ فقال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، وقال النبي صلى الله عليه وآله: من تطعم بما لم يطعم، وقال لي وليس له، وأعطيت ولم يعط، كان كلابس ثوبي زور يوم القيامة، ويدخل في هذا فتوى العالم بما لا يتحققه، ورواية الحديث الذي ليس يثبت فيه، إذ غرضه أن يظهر فضل نفسه، فهو لذلك يستنكف من أن يقول: لا أدري وهذا حرام ومما يلتحق بالنساء الصبيان فان الصبي إذا كان لا رغبة له في المكتب إلا بوعد ووعيد وتخويف، كان ذلك مباحا.
نعم، روينا في الاخبار أن ذلك يكتب كذبة، ولكن الكذب المباح أيضا
يكتب ويحاسب عليه، ويطالب لتصحيح قصده فيه، ثم يعفى عنه، لأنه إنما أبيح بقصد الاصلاح، ويتطرق إليه غرور كثيرة، فإنه قد يكون الباعث له حظه وغرضه الذي هو مستغن عنه، وإنما يتعلل ظاهرا بالاصلاح، فلهذا يكتب.
وكل من أتى بكذبة فقد وقع في خطر الاجتهاد ليعلم أن المقصود الذي كذب له هل هو أهم في الشرع من الصدق أو لا، وذلك غامض جدا، فالحزم في تركه إلا أن يصير واجبا لا يجوز تركه كما يؤدي إلى سفك دم أو ارتكاب معصية، كيف كان.
وقد ظن ظانون أنه يجوز وضع الاخبار في فضائل الأعمال وفي التشديد في المعاصي، وزعموا أن القصد منه صحيح وهو خطأ محض إذ قال صلى الله عليه وآله: من كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار، وهذا لا يترك إلا لضرورة، ولا ضرورة ههنا. إذ في الصدق مندوحة عن الكذب، ففيما ورد من الآيات والاخبار كفاية عن غيرها.
وقول القائل: إن ذلك قد تكرر على الاسماع وسقط وقعها، وما هو جديد على الاسماع فوقعه أعظم فهذا هوس إذ ليس هذا من الأغراض التي تقاوم محذور الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى الله تعالى ، ويؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة [فلا يقاوم خير هذا بشره أصلا، فالكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله من الكبائر التي لا يقاومها شئ.
ثم قال:] قد نقل عن السلف أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وعن ابن عباس وغيره أما في المعاريض ما يغني الرجل عن الكذب، وإنما أرادوا من ذلك إذا أضطر الانسان إلى الكذب، فأما إذا لم يكن حاجة وضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا، ولكن التعريض أهون.
ومثال المعاريض ما روي أن مطرفا دخل على زياد فاستبطاه فتعلل بمرض فقال:
ما رفعت جنبي منذ فارقت الأمير إلا ما رفعني الله، وقال إبراهيم: إذا بلغ الرجل عنك
شئ فكرهت أن تكذب فقل إن الله ليعلم ما قلت من ذلك من شئ، فيكون قوله " ما " حرف النفي عند المستمع وعنده للابهام.
وكان النخعي لا يقول لابنته أشتري لك سكرا بل يقول أرأيت لو اشتريت سكرا فإنه ربما لا يتفق وكان إبراهيم إذا طلبه في الدار من يكرهه قال للجارية: قولي له اطلبه في المسجد، وكان لا يقول ليس ههنا لئلا يكون كاذبا، وكان الشعبي إذا طلب في البيت وهو يكرهه فيخط دائرة ويقول للجارية ضع الإصبع فيها وقولي ليس ههنا.
وهذا كله في موضع الحاجة فأما مع عدم الحاجة فلا، لان هذا تفهيم للكذب، وإن لم يكن اللفظ كذبا، وهو مكروه على الجملة، كما روي عن عبد الله ابن عتبة قال: دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز فخرجت وعلي ثوب فجعل الناس يقولون: هذا كساء أمير المؤمنين! فكنت أقول جزى الله أمير المؤمنين خيرا، فقال لي يا بني اتق الكذب إياك والكذب وما أشبهه فنهاه عن ذلك لان فيه تقريرا لهم على ظن كاذب لأجل غرض المفاخرة. وهو غرض باطل، فلا فائدة فيه.
نعم المعاريض مباح لغرض خفيف كتطييب قلب الغير بالمزاح كقوله صلى الله عليه وآله لا تدخل الجنة عجوز، وفي عين زوجك بياض، ونحملك على ولد البعير. وأما الكذب الصريح فكما يعتاده الناس من مداعبة الحمقى بتغريرهم بأن امرأة قد رغبت في تزويجك، فإن كان فيه ضرر يؤديه إلى إيذاء قلب فهو حرام، وإن لم يكن إلا مطايبة فلا يوصف صاحبها بالفسق، ولكن ينقص ذلك من درجة إيمانه، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يستكمل المرء الايمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وحتى يجتنب الكذب في مزاحه.
وأما قوله صلى الله عليه وآله إن الرجل يتكلم بالكلمة يضحك بها الناس يهوي بها أبعد من الثريا أراد به ما فيه غيبة مسلم أو إيذاء قلب، دون محض المزاح.
ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق ما جرت به العادة في المبالغة كقوله قلت
لك كذا مائة مرة، وطلبتك مائة مرة، فإنه لا يراد بها تفهيم المرات بعددها، بل تفهيم المبالغة، فإن لم يكن طلب إلا مرة واحدة كان كاذبا وإن طلب مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة، فلا يأثم، وإن لم يبلغ مائة، وبينهما درجات يتعرض مطلق اللسان بالمبالغة فيها لخطر الكذب.
وربما يعتاد الكذب فيه ويتساهل به أن يقال كل الطعام لاحد فيقول: لا أشتهيه وذلك منهي عنه، وهو حرام، إن لم يكن فيه غرض صحيح قال مجاهد: قالت أسماء بنت عميس: كنت صاحبة عائشة التي هيأتها وأدخلتها على رسول الله صلى الله عليه وآله ومعي نسوة قال: فوالله ما وجدنا عنده قوتا إلا قدحا من لبن فشرب ثم ناوله عائشة قالت: فاستحييت الجارية فقلت: لا تردين يد رسول الله خذي منه، قالت: فأخذته على حياء فشربت منه ثم قال: ناولي صواحبك فقلن: لا نشتهيه، فقال: لا تجمعن جوعا وكذبا قالت: فقلت: يا رسول الله إن قالت أحدنا لشئ يشتهيه: لا نشتهيه أيعد ذلك كذبا؟ قال: إن الكذب ليكتب حتى يكتب الكذيبة كذيبة.
وقد كان أهل الورع يحترزون عن التسامح بمثل هذا الكذب، قال الليث ابن سعد: كانت ترمص عينا سعيد بن المسيب حتى يبلغ الرمص خارج عينيه فيقال له: لو مسحت هذا الرمص فيقول: فأين قول الطبيب وهو يقول لي: لا تمس عينيك فأقول: لا أفعل، وهذه من مراقبة أهل الورع، ومن تركه انسل لسانه عن اختياره فيكذب ولا يشعر.
وعن خوات التيمي قال: قد جاءت أخت الربيع بن خثيم عائدة إلى بني لي فانكبت عليه فقالت: كيف أنت يا بني، فجلس الربيع فقال: أرضعته؟ فقالت لا، قال: ما عليك لو قلت يا ابن أخي فصدقت.
ومن العادة أن يقول " يعلم الله " فيما لا يعلمه قال عيسى: إن من أعظم الذنوب عند الله أن يقول العبد إن الله يعلم لما لا يعلم، وربما يكذب في حكاية المنام والاثم فيه عظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن من أعظم الفري أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يرى عينيه في المنام ما لم تريا أو يقول علي ما لم أقل، وقال صلى الله عليه وآله: من
كذب في حلمه كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعرتين.
21 - أمالي الصدوق: عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أقل الناس مروة من كان كاذبا.
أقول: قد مضى بعض الأخبار في باب جوامع المكارم، وبعضها في باب العدالة.
22 - أمالي الصدوق: عن ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن محمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله كثرة المزاح تذهب بماء الوجه، وكثرة الضحك يمحو الايمان، وكثرة الكذب تذهب بالبهاء.
23 - أمالي الصدوق: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا سوء أسوء من الكذب.
24 - أمالي الصدوق: العطار: عن أبيه، عن ابن يزيد، عن القندي، عن أبي وكيع، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور، عن علي عليه السلام قال: لا يصلح من الكذب جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيته ثم لا يفي له، إن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال أحدكم يكذب حتى يقال كذب وفجر، وما يزال أحدكم يكذب حتى لا يبقى في قلبه موضع أبرة صدق، فيسمى عند الله كذابا.
25 - أمالي الصدوق: عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: شر الرواية رواية الكذب.
26 - أمالي الصدوق: عن أبيه، عن سعد، عن أبي هاشم، عن الدهقان، عن درست، عن
عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تمزح فيذهب نورك، ولا تكذب فيذهب بهاؤك، وإياك وخصلتين الضجر والكسل، فإنك إن ضجرت لم تصبر على حق وإن كسلت لم تؤد حقا.
قال: وكان المسيح عليه السلام يقول: من كثر همه سقم بدنه، ومن ساء خلقه عذب نفسه. ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر كذبه ذهب بهاؤه، ومن لاحا الرجال ذهبت مروته.
27 - علل الشرائع أمالي الطوسي: عن أمير المؤمنين عليه السلام ألا فاصدقوا فان الله مع الصادقين وجانبوا الكذب فان الكذب مجانب الايمان، ألا وإن الصادق على شفا منجاة و كرامة ألا وإن الكاذب على شفا مخزاة وهلكة.
28 - أمالي الطوسي: عن المفيد، عن ابن قولويه، عن محمد بن همام، عن أحمد بن إدريس عن ابن عيسى، عن الحسن بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن فيمن ينتحل هذا الامر لمن يكذب حتى يحتاج الشيطان إلى كذبه.
29 - علل الشرائع: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن هارون بن مسلم، عن علي بن الحكم، عن حسين بن الحسن الكندي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الرجل ليكذب الكذبة فيحرم بها صلاة الليل، فإذا حرم صلاة الليل حرم بها الرزق.
30 - معاني الأخبار: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، رفعه إلى أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لإبليس كحلا ولعوقا وسعوطا فكحله النعاس، ولعوقه الكذب، وسعوطه الكبر.
31 - الخصال: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن ابن مرار، عن يونس رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي أنهاك عن ثلاث خصال عظام الحسد والحرص والكذب.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.