بحارالانوار · المجلد الثالث
باب 21 نفى العبث وما يوجب النقص من الاستهزاء والسخرية والمكر
ج ۶، ص ۴۸–۵۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
النساء " 4 " يخادعون الله وهو خادعهم 142.
الأنفال " 8 " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين 30.
التوبة " 9 " فيسخرون منهم سخر الله منهم 79.
يونس " 10 " قل الله أسرع مكرا 21.
الرعد " 13 " وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا 42.
النمل " 27 " ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون 50.
الطارق " 86 " إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا * فمهل الكافرين أمهلهم رويدا
15 - 17.
تفسير: قال البيضاوي: " الله يستهزئ بهم ": يجازيهم على استهزائهم، سمي جزاء
الاستهزاء باسمه كما سمي جزاء السيئة سيئة إما لمقابلة اللفظ باللفظ، أو لكونه مماثلا له في القدر، أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم، فيكون كالمستهزئ بهم، أو ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء والغرض منه، أو يعاملهم معاملة المستهزئ: أما في الدنيا فبإجراء أحكام المسلمين عليهم، واستدراجهم بالامهال وزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان ، وأما في الآخرة فبأن يفتح لهم وهم في النار بابا إلى الجنة فيسرعون نحوه، فإذا صاروا إليه سد عليهم الباب، وذلك قوله تعالى: " فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ". " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " من مد الجيش وأمده: إذا زاده وقواه، لا من المد في العمر، فإنه يعدى باللام، والمعتزلة قالوا: لما منعهم الله ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم وسدهم طريق التوفيق على أنفسهم فتزايدت بسببه قلوبهم رينا وظلمة، وتزايد قلوب المؤمنين انشراحا ونورا، أو مكن الشيطان من إغوائهم فزادهم طغيانا، أسند ذلك إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى المسبب، وأضاف الطغيان إليهم لئلا يتوهم أن إسناد الفعل إليه على الحقيقة، ومصداق ذلك أنه لما أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي، وقال: " وإخوانهم يمدونهم في الغي " وقيل:
أصله: نمد لهم بمعنى نملي لهم، ونمد في أعمارهم كي ينتبهوا ويطيعوا، فما زادوا إلا طغيانا وعمها، فحذفت اللام وعدي الفعل بنفسه، كما في قوله تعالى: " واختار موسى قومه " أو التقدير: يمدهم استصلاحا وهم مع ذلك يعمهون في طغيانهم.
وقال في قوله تعالى: " يخادعون الله ": الخدع أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكروه لتنزله عما هو بصدده، وخداعهم مع الله ليس على ظاهره لأنه لا تخفى عليه خافية، ولأنهم لم يقصدوا خديعته، بل المراد إما مخادعة رسوله على حذف المضاف أو على أن معاملة الرسول معاملة الله من حيث إنه خليفته كما قال: " ومن يطع الرسول فقد أطاع الله " وإما أن صورة صنعهم مع الله من إظهار الايمان واستبطان الكفر وصنع الله معهم بإجراء أحكام المسلمين عليهم استدراجا لهم، وامتثال الرسول والمؤمنين أمر الله في إخفاء حالهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنيع المتخادعين.
وقال في قوله تعالى: " ويمكر الله ": برد مكرهم، أو بمجازاتهم عليه، أو بمعاملة
الماكرين معهم، بأن أخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فقتلوا. " والله خير الماكرين " إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره، وإسناد أمثال هذا إنما يحسن للمزاوجة، ولا يجوز إطلاقها ابتداءا لما فيه من إيهام الذم. وقال في قوله: " سخر الله منهم ": جازاهم على سخريتهم.
1 - التوحيد، معاني الأخبار، عيون أخبار الرضا (ع): المعاذي، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه قال: سألت الرضا عليه السلام عن قول الله عز وجل: " سخر الله منهم " وعن قوله: " الله يستهزئ بهم " وعن قوله: " ومكروا ومكر الله " وعن قوله: " يخادعون الله وهو خادعهم " فقال: إن الله عز وجل لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع ولكنه عز وجل يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. " يد ص 154، ن ص
71 - 72 " الإحتجاج: مرسلا مثله. " ص 224 "
2 - تفسير الإمام العسكري: " يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون " قال موسى بن جعفر عليهما السلام: لما نصب النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام يوم غدير خم وأمر عمر وتمام تسعة من رؤساء المهاجرين والأنصار أن يبايعوه بإمرة المؤمنين ففعلوا ذلك وتواطؤوا بينهم أن يدفعوا هذا الامر عن علي عليه السلام وأن يهلكوهما، كان من مواطاتهم أن قال أولهم: ما اعتددت بشئ كاعتدادي بهذه البيعة ولقد رجوت أن يفسح الله بها لي في قصور الجنان ويجعلني فيها من أفضل النزال والسكان!!. وقال ثانيهم: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما وثقت بدخول الجنة والنجاة من النار إلا بهذه البيعة والله ما يسرني إن نقضتها أو نكثت بعدما أعطيت وإن لي طلاع ما بين الثرى إلى العرش لآلي رطبة وجواهر فاخرة. وقال ثالثهم: والله يا رسول الله لقد صرت من الفرح بهذه البيعة ومن السرور الفسيح من الآمال في رضوان الله ما أيقنت أنه لو كانت ذنوب أهل الأرض كلها علي لمحصت عني بهذه البيعة - وحلف على ما قال من ذلك - ثم تتابع بمثل هذا الاعتذار من بعدهم من الجبابرة والمتمردين، فقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وآله: " يخادعون الله
يعني يخادعون رسول الله صلى الله عليه وآله بأيمانهم خلاف ما في جوانحهم " والذين آمنوا " كذلك أيضا الذين سيدهم وفاضلهم علي بن أبي طالب عليه السلام. ثم قال:
" وما يخدعون إلا أنفسهم " ما يضرون بتلك الخديعة إلا أنفسهم فإن الله غني عنهم وعن نصرتهم، ولولا إمهاله لهم ما قروا على شئ من فجورهم وطغيانهم " وما يشعرون " أن الامر كذلك وأن الله يطلع نبيه على نفاقهم وكذبهم وكفرهم ويأمره بلعنهم في لعنة الظالمين الناكثين، وذلك اللعن لا يفارقهم، في الدنيا يلعنهم خيار عباد الله، وفي الآخرة يبتلون بشدائد عقاب الله " وإذا لقوا الذين آمنوا " إلى قوله: " يعمهون " قال موسى عليه السلام: وإذا لقي هؤلاء الناكثون للبيعة، المواطؤن على مخالفة علي عليه السلام ودفع الامر عنه، الذين آمنوا قالوا آمنا كإيمانكم، إذا لقوا سلمان والمقداد و أبا ذر وعمار قالوا آمنا بمحمد وسلمنا له بيعة علي وفضله كما آمنتم، وأن أولهم وثانيهم وثالثهم إلى تاسعهم ربما كانوا يلتقون في بعض طرقهم مع سلمان وأصحابه فإذا لقوهم اشمأزوا منهم وقالوا: هؤلاء أصحاب الساحر والأهوج - يعنون محمدا و عليا عليهما السلام - فيقول أولهم: انظروا كيف أسخر منهم وأكف عاديتهم عنكم، فإذا التقوا قال أولهم: مرحبا بسلمان بن الاسلام، ويمدحه بما قال النبي صلى الله عليه وآله فيه، وكذا كان يمدح تمام الأربعة، فلما جازوا عنهم كان يقول الأول كيف رأيتم سخريتي لهؤلاء وكفي عاديتهم عني وعنكم، فيقول له: لا نزال بخير ما عشت لنا، فيقول لهم: فهكذا فلتكن معاملتكم لهم إلى أن تنتهزوا الفرصة فيهم مثل هذا، فإن اللبيب العاقل من تجرع على الغصة حتى ينال الفرصة، ثم يعودون إلى أخدانهم من المنافقين المتمردين المشاركين لهم في تكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله فيما أداه إليهم عن الله عز وجل من ذكر تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام ونصبه إماما على كافة المسلمين، قالوا لهم: إنا معكم فيما واطأناكم عليه من دفع علي عن هذا الامر إن كانت لمحمد كائنة، فلا يغرنكم ولا يهولنكم ما تسمعونه منا من تقريظهم وترونا نجترئ عليهم من مداراتهم فإنا نحن مستهزؤون بهم، فقال الله عز وجل: " الله يستهزئ بهم " يجازيهم جزاء استهزائهم في الدنيا
والآخرة " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " يمهلهم ويتأتى بهم ويدعوهم إلى التوبة، ويعدهم إذا تابوا المغفرة، وهم يعمهون لا يرعوون عن قبيح ولا يتركون أذى بمحمد وعلي يمكنهم إيصاله إليهما إلا بلغوه.
قال العالم عليه السلام: أما استهزاء الله بهم في الدنيا فهو إجراؤه إياهم على ظاهر أحكام المسلمين لاظهارهم السمع والطاعة، وأما استهزاؤه بهم في الآخرة فهو أن الله عز وجل إذا أقرهم في دار اللعنة والهوان وعذبهم بتلك الألوان العجيبة من العذاب وأقر هؤلاء المؤمنين في الجنان بحضرة محمد صفي الله الملك الديان أطلعهم على هؤلاء المستهزئين بهم في الدنيا حتى يروا ما هم فيه من عجائب اللعائن وبدائع النقمات فيكون لذتهم وسرورهم بشماتتهم كلذتهم وسرورهم بنعيمهم في جنان ربهم، فالمؤمنون يعرفون أولئك الكافرين المنافقين بأسمائهم وصفاتهم، والكافرون والمنافقون ينظرون فيرون هؤلاء المؤمنين الذين كانوا بهم في الدنيا يسخرون لما كانوا من موالاة محمد وعلي و آلهما يعتقدون، فيرونهم في أنواع الكرامة والنعيم، فيقول هؤلاء المؤمنون المشرفون على هؤلاء الكافرين المنافقين: يا فلان! ويا فلان! ويا فلان! - حتى ينادوهم بأسمائهم - ما بالكم في مواقف خزيكم ماكثون؟ هلموا إلينا نفتح لكم أبواب الجنان لتخلصوا من عذابكم وتلحقوا بنا، فيقولون: يا ويلنا أنى لنا هذا؟ فيقول المؤمنون: انظروا إلى هذه الأبواب، فينظرون إلى أبواب من الجنان مفتحة يخيل إليهم أنها إلى جهنم التي فيها يعذبون، ويقدرون أنهم يتمكنون من أن يخلصوا إليها فيأخذون في السباحة في بحار حميمها، وعدوا من بين أيدي زبانيتها، وهم يلحقونهم يضربونهم بأعمدتهم و مرزباتهم وسياطهم فلا يزالون هكذا يسيرون هناك، وهذه الأصناف من العذاب تمسهم حتى إذا قدروا أن قد بلغوا تلك الأبواب وجدوها مردومة عنهم، و
تدهدههم الزبانية بأعمدتها فتنكسهم إلى سواء الجحيم، ويستلقي أولئك المؤمنون على فرشهم في مجالسهم يضحكون منهم، مستهزئين بهم، فذلك قول الله عز وجل:
" فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون ".
بيان: قال في القاموس : الهوج محركة: طول في حمق وطيش وتسرع، والهوجاء:
الناقة المسرعة.
أقول: سيأتي تمام الخبر في موضعه إن شاء الله تعالى.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.