بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
1 باب الثعلب والأرنب والذئب والأسد
ج ۶۲، ص ۷۰–۸۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
" ومن عاد فينتقم الله منه " قال: إن رجلا انطلق وهو محرم فأخذ ثعلبا فجعل يقرب النار إلى وجهه، وجعل الثعلب يصيح ويحدث من استه، وجعل أصحابه ينهونه عما يصنع، ثم أرسله بعد ذلك فبينما الرجل نام إذ جاءته حية فدخلت في فيه فلم تدعه حتى جعل يحدث كما أحدث الثعلب ثم خلت عنه.
2 - دلائل الطبري: عن محمد بن الحسن عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القاسم عن هشام بن سالم عن محمد بن مسلم قال: كنت مع أبي جعفر عليه السلام بين مكة والمدينة نسير أنا على حمار لي وهو على بغلة له إذ أقبل ذئب من رأس الجبل حتى انتهى إلى أبي جعفر عليه السلام فحبس له البغلة حتى دنا منه فوضع يده على قربوس السرج ومد عنقه إليه، وأدنى أبو جعفر عليه السلام اذنه منه ساعة، ثم قال له: امض فقد فعلت، فرجع مهرولا، فقلت: جعلت فداك لقد رأيت عجبا، فقال: هل تدري ما قال؟ قلت: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، فقال: ذكر أن زوجته في هذا الجبل وقد عسر عليها ولادتها فادع الله عز وجل أن يخلصها وأن لا يسلط شيئا من نسلي
على أحد من شيعتكم أهل البيت، فقلت: قد فعلت.
3 - ومنه: عن القاضي أبي الفرج المعافى عن الحسين بن القاسم الكوكبي عن أحمد بن وهب عن عمرو بن محمد الأزدي عن ثمامة بن أشرس عن محمد بن راشد عن أبيه قال: جاء رجل إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال: يا بن رسول الله حكيم بن عباس الكلبي ينشد الناس بالكوفة هجاءكم، فقال: هل علقت منه بشئ؟ قال: بلى فأنشده:
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة * ولم نر مهديا على الجذع يصلب وقستم بعثمان عليا سفاهة * وعثمان خير من علي وأطيب فرفع أبو عبد الله عليه السلام يديه إلى السماء وهما ينتفضان رعدة فقال: اللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبك، قال: فخرج حكيم من الكوفة فأدلج فلقيه الأسد فأكله، فجاؤوا بالبشير أبا عبد الله عليه السلام وهو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك فخر لله ساجدا وقال: الحمد لله الذي صدقنا وعده.
بيان: في النهاية: في حديث حليمة: ركبت أتانا لي فخرجت أما الركب حتى ما يعلق بها أحد منهم أي ما يتصل بها ويلحقها، وفي حديث ابن مسعود: إن أميرا كان بمكة يسلم تسليمتين فقال: أنى علقها فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يفعلها أي من أين تعلمها وممن أخذها.
4 - الدلائل: عن الحسين عن أحمد بن محمد عن محمد بن علي عن محمد بن عمرو بن
ميثم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه خرج إلى ضيعة له مع بعض أصحابه فبينما هم يسيرون إذا ذئب قد أقبل إليه، فلما رأى غلمانه أقبلوا إليه قال: دعوه فان له حاجة.
فدنا منه حتى وضع كفه على دابته وتطاول بخطمه وطأطأ رأسه أبو عبد الله عليه السلام فكلمه الذئب بكلام لا يعرف، فرد عليه أبو عبد الله عليه السلام مثل كلامه، فرجع يعدو، فقال له أصحابه: قد رأينا عجبا، فقال: إنه أخبرني أنه خلف زوجته خلف هذا الجبل في كهف وقد ضربها الطلق وخاف عليها فسألني الدعاء لها بالخلاص وأن يرزقه الله ذكرا يكون لنا وليا ومحبا، فضمنت له ذلك، قال:
فانطلق أبو عبد الله عليه السلام وانطلقنا معه إلى ضيعته وقال: إن الذئب قد ولد له جرو ذكر، قال: فمكثنا في ضيعته معه شهرا ثم رجع مع أصحابه فبينا هم راجعون إذا هم بالذئب وزوجته وجروه فعووا في وجه أبي عبد الله عليه السلام فأجابهم بمثله، ورأوا أصحاب أبي عبد الله عليه السلام الجرو وعلموا أنه قد قال لهم الحق، وقال لهم أبو عبد الله عليه السلام: تدرون ما قالوا؟ قالوا: لا، قال: كانوا يدعون الله لي ولكم بحسن الصحابة، ودعوت لهم بمثله، وأمرتهم أن لا يؤذوا لي وليا ولا لأهل بيتي فضمنوا لي ذلك.
5 - ومنه: عن محمد بن هارون التلعكبري عن أبيه عن محمد بن همام عن أحمد ابن الحسين المعروف بابن أبي القاسم عن أبيه عن بعض رجاله عن الحسن بن علي ابن يقطين عن سعدان بن مسلم عن المفضل بن عمر قال: كان المنصور قد وفد بأبي عبد الله عليه السلام إلى الكوفة فلما أذن له قال لي: يا مفضل هل لك في مرافقتي؟ فقلت:
نعم جعلت فداك، قال: إذا كانت الليلة فصر إلي، فلما كان في نصف الليل خرج وخرجت معه فإذا أنا بأسدين مسرجين ملجمين، قال: فخرجت فضرب بيده إلى
عيني فشدها ثم حملني رديفا فأصبح بالمدينة وأنا معه، فلم يزل في منزله حتى قدم عياله.
6 - ومنه: بالاسناد عن أحمد بن الحسين عن أخيه عن بعض رجاله عن عبد الله ابن محمد بن منصور بن نوح عن إسماعيل بن جابر عن أبي خالد الكابلي قال:
دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي: يا أبا خالد خذ رقعتي فأت غيضة قد سماها فانشرها، فأي سبع جاء معك فجئني به، قال: قلت: اعفني جعلت فداك، قال:
فقال لي: اذهب يا أبا خالد، قال: فقلت في نفسي : يا أبا خالد لو أمرك جبار عنيف ثم خالفته إذا كيف يكون حالك؟ قال: ففعلت ذلك حتى إذا صرت إلى الغيضة ونشرت الرقعة جاء معي واحد منها، فلما صار بين يدي أبي عبد الله عليه السلام نظرت إليه واقفا ما يحرك من شعره شعرة، فأومأ بكلام لم أفهمه، قال: فلبثت عنده وأنا متعجب من سكون السبع بين يديه، فقال لي: يا أبا خالد مالك تتفكر؟ قال: قلت:
أفكر في إعظام السبع، قال: ثم مضى السبع فما لبثت إلا وقتا قليلا حتى طلع السبع ومعه كيس في فيه، قال: قلت: جعلت فداك إن هذا لشئ عجيب، قال:
يا أبا خالد هذا كيس وجه به إلي فلان مع المفضل بن عمر، واحتجت إلى ما فيه وكان الطريق مخوفا فبعثت هذا السبع فجاء به، قال: فقلت في نفسي: والله لا أبرح حتى يقدم المفضل بن عمر وأعلم ذلك، قال: فضحك أبو عبد الله عليه السلام ثم قال لي:
نعم يا أبا خالد لا تبرح حتى يأتي المفضل، قال: فتداخلني والله من ذلك حيرة، ثم
قلت: أقلني جعلت فداك، وأقمت أياما، ثم قدم المفضل وبعث إلي أبو عبد الله عليه السلام فقال المفضل: جعلني الله فداك إن فلانا بعث معي كيسا فيه مال، فلما صرت في موضع كذا وكذا جاء سبع وحال بيننا وبين رحالنا فلما مضى السبع طلبت الكيس في الرحل فلم أجده، قال أبو عبد الله عليه السلام: يا مفضل أتعرف الكيس؟ قال: نعم جعلني الله فداك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا جارية هاتي الكيس فأتت به الجارية، فلما نظر إليه المفضل قال: نعم هذا هو الكيس، ثم قال: يا مفضل تعرف السبع؟
قال: جعلني الله فداك كان في قلبي في ذلك الوقت رعب، فقال له: ادن مني، فدنا منه ثم وضع يده على ثم قال لأبي خالد: امض برقعتي إلى الغيضة فائتنا بالسبع، فلما صرت إلى الغيضة ففعلت مثل الفعل الأول جاء السبع معي، فلما صار بين يدي أبي عبد الله عليه السلام نظرت إلى إعظامه إياه فاستغفرت في نفسي ثم قال: يا مفضل هذا هو، قال: نعم جعلني الله فداك، فقال: يا مفضل أبشر فأنت معنا.
بيان: كأن وضع اليد لذهاب الرعب.
7 - المهج: عن المفضل بن الربيع قال: اصطبح الرشيد يوما ثم استدعى حاجبه فقال له: امض إلى علي بن موسى العلوي وأخرجه من الحبس وألقه بركة السباع - وساق الحديث إلى أن قال: - لما انتهيت إلى البركة فتحت بابها وأدخلته فيها وفيها أربعون سبعا - وساق الحديث إلى قال: - فعدت إليه فإذا هو قائم يصلي والسباع حوله. إلى آخر الخبر الطويل الذي تقدم في باب معجزاته عليه السلام.
وقال السيد رضي الله عنه: ربما كان هذا الحديث عن الكاظم عليه السلام لأنه كان محبوسا عند الرشيد لكني ذكرت هذا كما وجدته.
8 - الاختصاص: عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن عبد الرحمن بن
أبي هاشم عن سالم بن مكرم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام مع أصحابه في طريق مكة فمر به ثعلب وهم يتغدون فقال علي بن الحسين عليه السلام لهم: هل لكم أن تعطوني موثقا من الله لا تهيجون هذا الثعلب حتى أدعوه فيجئ إلينا؟ فحلفوا له فقال: يا ثعلب تعال - أو قال: ائتنا - فجاء الثعلب حتى وقع بين يديه فطرح إليه عراقا فولى به ليأكله، فقال لهم: هل لكم أن تعطوني موثقا من الله وأدعوه أيضا فيجئ؟ فأعطوه، فدعا فجاء فكلح رجل منهم في وجهه فخرج يعدو؟ فقال علي بن الحسين عليه السلام: من الذي خفر ذمتي؟ فقال رجل منهم:
يا بن رسول الله أنا كلحت في وجهه ولم أدر فأستغفر الله فسكت.
أقول: قال الدميري: الثعلب معروف والأنثى ثعلبة والجمع ثعالب وأثعل، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله " شر السباع هذه الأثعل " يعني الثعالب.
ومن حيلته في طلب الرزق أنه يتماوت وينفخ بطنه ويرفع قوائمه حتى يظن أنه مات، فإذا قرب منه حيوان وثب عليه وصاده، وحيلته هذه لا تتم في كلب الصيد، وقيل: للثعلب مالك تعدو أكثر من الكلب؟ فقال: أعدو لنفسي والكلب يعدو لغيره.
قال الجاحظ: ومن العجب في قسمة الأرزاق أن الذئب يصيد الثعلب فيأكله والثعلب يصيد القنفذ ويأكله، والقنفذ يصيد الأفعى ويأكلها، والأفعى تصيد العصفور وتأكله، والعصفور يصيد الجراد ويأكله، والجراد يلتمس فراخ الزنابير ويأكلها، والزنبور يصيد النحلة، والنحلة يصيد الذبابة ويأكلها، والذبابة تصيد البعوضة وتأكلها، والعنكبوت يصيد الذبابة ويأكلها، والذئب يطلب أولاد الثعلب، فإذا ولد
وضع أوراق العنصل على باب وجاره ليهرب الذئب منها.
وعن أبي هريرة قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وآله في الصلاة عن ثلاث: نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كاقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب.
9 - الاختصاص: عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القاسم عن هشام بن سالم عن محمد بن مسلم قال: كنت مع أبي جعفر عليه السلام بين مكة والمدينة وأنا أسير على حمار لي وهو على بغلة له إذ أقبل ذئب من رأس الجبل حتى انتهى إلى أبي جعفر عليه السلام فحبس البغلة ودنا الذئب منه حتى وضع يده على قربوس سرجه ومد عنقه إلى اذنه، وأدنى أبو جعفر عليه السلام اذنه منه ساعة ثم قال له: امض فقد فعلت، فرجع مهرولا، فقلت له: رأيت عجيبا، قال:
وتدري ما قال؟ قلت: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، قال: إنه قال: يا بن رسول الله إن زوجتي في ذلك الجبل وقد تعسر عليها ولادها فادع الله أن يخلصها وأن لا يسلط شيئا من نسلي على أحد من شيعتكم، فقلت: قد فعلت.
10 - حياة الحيوان: الذئب يهمز ولا يهمز وأصله الهمز والأنثى ذئبة وجمع القلة أذؤب والكثير ذئاب وذؤبان، والأسد والذئب يختلفان في الجوع والصبر عليه فالأسد شديد النهم حريص شره، وهو مع ذلك يحتمل أن يبقى أياما لا يأكل شيئا، والذئب وإن كان أقفر منزلا وأقل خصبا وأكثر كدا إذا لم يجد شيئا اكتفى بالنسيم فيقتات به، وجوفه يذيب العظم المصمت ولا يذيب نوى التمر، ومن عجيب
أمره أنه ينام بإحدى عينيه والأخرى يقظي حتى تكتفي العين النائمة من النوم ثم يفتحها وينام بالأخرى ليحترس باليقظي وتستريح النائمة، ومتى وطئ ورق العنصل مات من ساعته، وعداوته للغنم بحيث أنه إذا اجتمع جلد شاة مع جلد ذئب تمعط جلد الشاة، والذئب إذا غلب عليه الجوع عوى فتجتمع له الذئاب ويقف بعضها إلى بعض فمن ولي منها وثب الباقون عليه فأكلوه، وإذا عرض للانسان وخاف العجز عنه عوا عواء استغاثة فتسمعه الذئاب فتقبل على الانسان إقبالا واحدا وهم سواء في الحرص على أكله، فان أدمى الانسان واحدا منها وثب الباقون على المدمى فمزقوه وتركوا الانسان.
وروى الحاكم في مستدركه عن أبي سعيد قال: بينما راع يرعى بالحرة إذ عدا الذئب على شاة فحال الراعي بين الذئب وبينها فأقعى الذئب على ذنبه وقال: يا عبد الله تحول بيني وبين رزق ساقه الله إلي، فقال الرجل: يا عجباه ذئب يكلمني، فقال:
ألا أخبرك بأعجب مني؟ رسول الله صلى الله عليه وآله بنى الحرتين يخبر الناس بأنباء ما سبق فزوى الراعي شياهه إلى زاوية من زوايا المدينة ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الناس فقال: صدق والذي نفسي بيده.
قال ابن عبد البر وغيره: كلم الذئب من الصحابة ثلاثة: رافع بن عميرة، وسلمة بن الأكوع، وأهبان بن أوس الأسلمي، قال: ولذلك تقول العرب: هو كذئب أهبان، يتعجبون منه، وذلك أن أهبان بن أوس المذكور كان في غنم له فشد الذئب على شاة منها فصاح به أهبان فأقعى له الذئب وقال: أتنزع مني رزقا رزقنيه الله تعالى؟ فقال أهبان: ما سمعت ولا رأيت أعجب من هذا ذئب يتكلم؟
فقال: أتعجب من هذا ورسول الله صلى الله عليه وآله بين هذه النخلات - وأومأ بيده إلى
المدينة - يحدث بما كان ويكون ويدعو إلى الله وعبادته ولا يجيبونه، قال:
فجئت النبي صلى الله عليه وآله وأخبرته بالقصة وأسلمت، قال النبي صلى الله عليه وآله: حدث به الناس.
قال عبد الله بن أبي داود السجستاني الحافظ: فيقال لأهبان: مكلم الذئب، ولأولاده أولاد مكلم الذئب، ومحمد بن الأشعث الخزاعي من ولده، واتفق مثل ذلك لرافع بن عميرة وسلمة بن الأكوع.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: كانت امرأتان معهما ابناهما إذ جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، فقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك أنت، فتحاكما إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى، فخرجتا إلى سليمان بن داود عليه السلام فأخبرتاه بذلك فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا، يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى.
قال أبو هريرة: والله ما سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية.
وفي تاريخ ابن النجار عن وهب بن منبه قال: بينما امرأة من بني إسرائيل على ساحل البحر تغسل ثيابها وصبي لها يدب بين يديها إذا جاء سائل فأعطته لقمة من رغيف كان معها، فما كان بأسرع من أن جاء ذئب فالتقم الصبي فجعلت تعدو خلفه وهي تقول: يا ذئب ابني يا ذئب ابني، فبعث الله ملكا انتزع الصبي من فم الذئب ورمى به إليها، وقال: لقمة بلقمة.
وهو في الحلية عن مالك بن دينار قال: أخذ السبع صبيا لا مرأة فتصدقت بلقمة فالقيها السبع فنوديت: لقمة بلقمة.
وقال: الأرنب واحدة الأرانب، وهو حيوان يشبه العناق قصير اليدين طويل الرجلين، وهو اسم جنس يطلق على الذكر والأنثى، ويقال: إنها إذا رأت البحر
ماتت، ولذلك لا توجد بالسواحل، وهذا لا يصح عندي.
وتزعم العرب في أكاذيبها أن الجن تهرب منها لموضع حيضها، والتي تحيض من الحيوان أربع: المرأة والضبع والخفاش والأرنب، ويقال: إن الكلبة تحيض ومن أمثالهم المشهورة قولهم: " في بيته يؤتى الحكم " وهو مما وضعته العرب على ألسنة البهائم:
قالوا: إن الأرنب التقطت تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا يختصمان إلى الضب، فقالت الأرنب: يا أبا حسل! فقال: سميعا دعوت، قالت : أتيناك لنختصم، قال: عادلا حكمتما، قالت: فاخرج إلينا، قال: في بيته يؤتى الحكم، قالت: إني وجدت تمرة، قال: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب، قال: لنفسه بغى الخير، قالت: فلطمته، قال: أخذت بحقك، قالت: فلطمني: قال:
حر انتصر، قالت: فاقض بيننا، قال: قد قضيت. فذهبت أقواله كلها مثلا.
ومثل هذا إن عدي بن أرطاة أتى شريحا القاضي في مجلس حكمه فقال: أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط، قال: اسمع مني، قال: للاستماع جلست، قال:
إني تزوجت امرأة، قال: بالرفاء والبنين، قال: وشرط أهلها أني لا أخرج من بيتهم، قال: أوف لهم بالشرط، قال: فاني أريد الخروج، قال: في حفظ الله، قال:
فاقض بيننا، قال: قد فعلت، قال: فعلى من حكمت؟ قال: على ابن أمك، قال:
بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالتك.
وقال: الأسد من السباع معروف، وجمعه أسود وأسد وأسد، والأنثى أسدة وله أسماء كثيرة، قال ابن خالويه: للأسد خمسمائة اسم وصفة، وزاد عليه علي بن قاسم اللغوي مائة وثلاثين اسما، وهو أشرف الحيوان المتوحشة إذ منزلته منها منزلة الملك المهاب لقوته وشجاعته وقساوته وشهامته وشراسة خلقه، ولذلك يضرب بها
المثل في القوة والنجدة والبسالة وشدة الاقدام والصولة، وقيل لحمزة: أسد الله، ويقال: من نبل الأسد أنه اشتق لحمزة من اسمه، وللأسد من الصبر على الجوع وقلة الحاجة إلى الماء ما ليس لغيره من السباع، ولا يأكل من فريسة غيره، وإذا شبع من فريسته تركها ولم يعد إليها، وإذا جاع ساءت أخلاقه، وإذا امتلأ من الطعام ارتاض، ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب، وهو ينهش ولا يأكل، وريقه قليل جدا، ولذلك يوصف بالبخر ويوصف بالشجاعة والجبن، فمن جبنه أنه يفرق من صوت الديك ونقر الطست ومن السنور، ويتحير عند رؤية النار، وهو شديد البطش ولا يألف شيئا من السباع لأنه لا يرى فيها ما يكافئه، ومتى وضع جلدها على شئ من جلودها تساقطت شعورها، ولا يدنو من المرأة الطامث ولو بلغه الجهد ويعمر كثيرا، وعلامة كبرة سقوط أسنانه.
وفي الحلية لأبي نعيم قال: بلغني أن الأسد لا يأكل إلا من أتى محرما.
وروى محمد بن المنكدر عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله أنه ركبت سفينة في البحر فانكسرت فركبت لوحا فأخرجني إلى أجمة فيها أسد، فأقبل إلي فقلت: أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا تائه، فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق ثم همهم فظننت أنه السلام.
ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله على عتبة بن أبي لهب فقال: " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " فافترسه الأسد بالزرقاء من أرض الشام.
وروى الحافظ أبو نعيم بسنده عن الأسود بن هبار قال: تعجز أبو لهب وابنه عتبة نحو الشام فخرجت معهما فنزلنا السراة قريبا من صومعة راهب فقال الراهب:
ما أنزلكم ههنا؟ هنا سباع، فقال أبو لهب: أنتم عرفتم سني وحقي، قلنا: أجل، قال: إن محمدا دعا على ابني فأجمعوا متاعكم على هذه الصومعة ثم افرشوا لابني عليه
ونوموا حوله ففعلنا ذلك، وجمعنا المتاع حتى ارتفع ودرنا حوله وبات عتبة فوق المتاع فجاء الأسد فشم وجوهنا ثم وثب فإذا هو فوق المتاع فقطع رأسه، فقال:
سيفي يا كلب ولم يقدر على غير ذلك.
وفي رواية: فضربه بيده ضربة واحدة فخدشه، فقال: قتلني، فمات من ساعته وطلبنا الأسد فلم نجده.
وإنما سماه النبي صلى الله عليه وآله كلبا لأنه شبهه في رفع رجله عند البول.
وروى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وآله قال: فر من المجذوم فرارك من الأسد.
وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وآله أخذ بيد مجذوم وقال: " بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه " وأدخلها معه الصحفة.
قال الشافعي في عيوب الزوجين: إن الجذام والبرص يعدي، وقال: إن ولد المجذوم قل ما يسلم منه.
قلت: معنى قوله: إنه يعدي أي بتأثير الله تعالى لا بنفسه، لان الله تعالى أجرى العادة بابتلاء السليم عند مخالطة المبتلى، وقد يوافق قدرا وقضاءا فيظن أنه عدوى وقد قال صلى الله عليه وآله: " لا عدوى ولا طيرة " وقوله في الولد: " قل ما يسلم منه " فقد قال الصيدلاني: معناه أن الولد قد ينزعه عرق من الأب فيصير أجذم، وقد قال صلى الله عليه وآله لرجل - قد قال له: إن امرأتي ولدت غلاما أسود -: لعل عرقا نزعه.
وبهذا الطريق يحصل الجمع بين هده الأحاديث، وجاء في الحديث أنه صلى الله عليه وآله قال: " لا يورد ذو عاهة على مصح " والذي ذكره أنه صلى الله عليه وآله أتاه مجذوم ليبايعه فلم
يمد يده إليه، بل قال: أمسك يدك فقد بايعتك.
وفي مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تطيلوا النظر إلى المجذوم وإذا كلمتموه فليكن بينكم وبينه قيد رمح.
وقد ذكر الشيح صلاح الدين في القواعد أن الام إذا كان بها جذام أو برص سقط حقها من الحضانة لأنه يخشى على الولد من لبنها ومخالطتها. وروى الطبراني وغيره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أتدرون ما يقول الأسد في زئيره؟
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنه يقول: اللهم لا تسلطني على أحد من أهل المعروف.
وعن ابن عباس قال: إذا كنت بواد تخاف فيه الأسد فقل: أعوذ بدانيال وبالجب من شر الأسد انتهى.
أشار بذلك إلى ما رواه البيهقي في الشعب أن دانيال عليه السلام طرح في الجب وألقيت عليه السباع فجعلت السباع تلحسه وتبصبص إليه، فأتاه ملك فقال له دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره.
وروى ابن أبي الدنيا أن بخت نصر ضري أسدين وألقاهما في جب وأمر بدانيال فألقي عليهما، فمكث ما شاء الله، ثم اشتهى الطعام والشراب فأوحى الله تعالى إلى أرميا وهو بالشام أن يذهب إلى دانيال بطعام وشراب وهو بأرض العراق فذهب إليه حتى وقف على رأس الجب وقال: دانيال دانيال! فقال: من هذا؟
قال: إرميا، قال: ما جاء بك؟ قال: أرسلني إليك ربك، قال دانيال: " الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى سواه، والحمد لله الذي يجزي بالاحسان إحسانا، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة وغفرانا، والحمد لله الذي يكشف ضرنا بعد كربنا، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين يسوء ظننا بأعمالنا، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل منا ".
وروى ابن أبي الدنيا من وجه آخر: أن الملك الذي كان دانيال في سلطانه جاءه المنجمون وأصحاب العلم وأخبروه أنه يولد ليلة كذا وكذا غلام يفسد ملكك فأمر بقتل من ولد في تلك الليلة فلما ولد دانيال ألقته أمه في أجمة أسد، فبات الأسد ولبوته يلحسانه نجاه الله بذلك حتى بلغ ما بلغ، وكان من أمره ما قدره العزيز العليم.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.