پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثالث عشر

19 باب خبر سعد بن عبد الله ورؤيته للقائم ومسائله عنه عليه

ج ۵۲، ص ۷۷–۸۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۲

فقال ذات يوم وأنا أناظره: تبا لك ولأصحابك يا سعد إنكم معاشر الرافضة تقصدون على المهاجرين والأنصار بالطعن عليهما وتجحدون من رسول الله ولايتهما وإمامتهما هذا الصديق الذي فاق جميع الصحابة بشرف سابقته أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما أخرجه مع نفسه إلى الغار إلا علما منه بأن الخلافة له من بعده وأنه

هو المقلد لامر التأويل، والملقى إليه أزمة الأمة، وعليه المعول في شعب الصدع ولم الشعث، وسد الخلل، وإقامة الحدود، وتسريب الجيوش لفتح بلاد الشرك.

فكما أشفق على نبوته، أشفق على خلافته، إذ ليس من حكم الاستتار والتواري أن يروم الهارب من الشئ مساعدة إلى مكان يستخفي فيه ولما رأينا النبي صلى الله عليه وآله متوجها إلى الانجحار، ولم تكن الحال توجب استدعاء المساعدة من أحد استبان لنا قصد رسول الله صلى الله عليه وآله بأبي بكر إلى الغار للعلة التي شرحناها وإنما أبات عليا عليه السلام على فراشه لما لم يكن ليكترث له ولم يحفل به، ولاستثقاله له ولعلمه بأنه إن قتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها.

قال سعد: فأوردت عليه أجوبة شتى فما زال يقصد كل واحد منها بالنقض والرد علي ثم قال: يا سعد دونكها أخرى بمثلها تخطف آناف الروافض ألستم تزعمون أن الصديق المبرى من دنس الشكوك، والفاروق المحامي عن بيضة الاسلام كانا يسران النفاق، واستدللتم بليلة العقبة، أخبرني عن الصديق والفاروق أسلما طوعا أو كرها؟.

قال سعد: فاحتلت لدفع هذه المسألة عني خوفا من الالزام، وحذرا من أني إن أقررت لهما بطواعيتهما للاسلام، احتج بأن بدء النفاق ونشوه في القلب لا يكون إلا عند هبوب روائح القهر والغلبة، وإظهار البأس الشديد في حمل المرء على من ليس ينقاد له قلبه، ونحو قول الله عز وجل " فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا "

وإن قلت: أسلما كرها، كان يقصدني بالطعن إذ لم يكن ثم سيوف منتضاة كانت تريهم البأس.

قال سعد: فصدرت عنه مزورا قد انتفخت أحشائي من الغضب، وتقطع كبدي من الكرب، وكنت قد اتخذت طومارا وأثبت فيه نيفا وأربعين مسألة من صعاب المسائل لم أجد لها مجيبا، على أن أسأل فيها خير أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمد عليه السلام.

فارتحلت خلفه، وقد كان خرج قاصدا نحو مولانا بسر من رأى فلحقته في بعض المناهل، فلما تصافحنا قال: لخير لحاقك بي، قلت: الشوق ثم العادة في الأسئلة قال: قد تكافأنا على هذه الخطة الواحدة فقد برح بي القرم إلى لقاء مولانا أبي محمد عليه السلام وأريد أن أسأله عن معاضل في التأويل، ومشاكل في التنزيل.

فدونكها الصحبة المباركة، فإنها تقف بك على ضفة بحر لا تنقضي عجائبه ولا تفنى غرائبه وهو إمامنا.

فوردنا سر من رأى فانتهينا منها إلى باب سيدنا عليه السلام فاستأذنا فخرج [إلينا] الاذن بالدخول عليه، وكان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطاه بكساء طبري فيه ستون ومائة صرة من الدنانير والدراهم على كل صرة منها ختم صاحبها.

قال سعد: فما شبهت مولانا أبا محمد عليه السلام حين غشينا نور وجهه إلا ببدر قد استوفى من لياليه أربعا بعد عشر، وعلى فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة والمنظر، وعلى رأسه فرق بين وفرتين كأنه ألف بين واوين، وبين يدي مولانا رمانة ذهبية، تلمع بدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركبة عليها، قد كان أهداها إليه بعض رؤساء أهل البصرة وبيده قلم إذا أراد أن يسطر به على البياض قبض

الغلام على أصابعه، فكان مولانا عليه السلام يدحرج الرمانة بين يديه ويشغله بردها لئلا يصده عن كتبة ما أراد.

فسلمنا عليه فألطف في الجواب وأومأ إلينا بالجلوس، فلما فرغ من كتبة البياض الذي كان بيده أخرج أحمد بن إسحاق جرابه من طي كسائه فوضعه بين يديه فنظر الهادي عليه السلام إلى الغلام وقال له: يا بني فض الخاتم عن هدايا شيعتك ومواليك، فقال: يا مولاي أيجوز أن أمد يدا طاهرة إلى هدايا نجسة وأموال رجسة قد شيب أحلها بأحرمها فقال مولاي عليه السلام: يا ابن إسحاق استخرج ما في الجراب ليميز (ما) بين الأحل والأحرم منها.

فأول صرة بدأ أحمد باخراجها فقال الغلام: هذه لفلان بن فلان من محلة كذا بقم تشتمل على اثنين وستين دينارا فيها من ثمن حجيرة باعها صاحبها، وكانت إرثا له من أخيه خمسة وأربعون دينارا ومن أثمان تسعة أثواب أربعة عشر دينارا وفيها من أجرة حوانيت ثلاثة دنانير.

فقال مولانا عليه السلام: صدقت يا بني دل الرجل على الحرام منها فقال عليه السلام، فتش عن دينار رازي السكة تاريخه سنة كذا قد انطمس من نصف إحدى صفحتيه نقشه وقراضة آملية وزنها ربع دينار والعلة في تحريمها أن صاحب هذه الجملة وزن في شهر كذا من سنة كذا على حائك من جيرانه من الغزل منا وربع من فأتت على ذلك

مدة قيض (في) انتهائها لذلك الغزل سارقا فأخبر به الحائك صاحبه فكذبه واسترد منه بدل ذلك منا ونصف من غزلا أدق مما كان دفعه إليه واتخذ من ذلك ثوبا كان هذا الدينار مع القراضة ثمنه.

فلما فتح رأس الصرة صادف رقعة في وسط الدنانير باسم من أخبر عنه وبمقدارها على حسب ما قال واستخرج الدينار والقراضة بتلك العلامة.

ثم أخرج صرة أخرى فقال الغلام عليه السلام: هذه لفلان بن فلان من محلة كذا بقم تشتمل على خمسين دينارا لا يحل لنا مسها قال: وكيف ذاك؟ قال: لأنه من ثمن حنطة حاف صاحبها على أكاره في المقاسمة، وذلك أنه قبض حصته منها بكيل واف وكال ما خص الأكار بكيل بخس، فقال مولانا عليه السلام: صدقت يا بني.

ثم قال: يا ابن إسحاق احملها بأجمعها لتردها أو توصي بردها على أربابها فلا حاجة لنا في شئ منها وائتنا بثوب العجوز، قال أحمد: وكان ذلك الثوب في حقيبة لي فنسيته.

فلما انصرف أحمد بن إسحاق ليأتيه بالثوب نظر إلي مولانا أبو محمد عليه السلام فقال:

ما جاء بك يا سعد؟ فقلت: شوقني أحمد بن إسحاق إلى لقاء مولانا قال: فالمسائل التي أردت أن تسأل عنها؟ قلت: على حالها يا مولاي. قال: فسل قرة عيني - وأومأ إلى الغلام - عما بدا لك منها.

فقلت له: مولانا وابن مولانا! إنا روينا عنكم أن رسول الله صلى الله عليه وآله جعل طلاق نسائه بيد أمير المؤمنين عليه السلام حتى أرسل يوم الجمل إلى عائشة أنك قد أرهجت على الاسلام وأهله بفتنتك، وأوردت بنيك حياض الهلاك بجهلك، فان كففت عني غربك وإلا طلقتك، ونساء رسول الله صلى الله عليه وآله قد كان طلقهن وفاته.

قال: ما الطلاق؟ قلت: تخلية السبيل قال: وإذا كان وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله قد خلا لهن السبيل، فلم لا يحل لهن الأزواج؟ قلت: لان الله تبارك وتعالى حرم الأزواج عليهن، قال: وكيف وقد خلى الموت سبيلهن؟ قلت: فأخبرني يا ابن مولاي عن معنى الطلاق الذي فوض رسول الله صلى الله عليه وآله حكمه إلى أمير المؤمنين.

قال : إن الله تبارك وتعالى عظم شأن نساء النبي صلى الله عليه وآله فخصهن بشرف الأمهات، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا الحسن إن هذا الشرف باق لهن ما دمن لله على الطاعة، فأيتهن عصت الله بعدي بالخروج عليك، فأطلق لها في الأزواج وأسقطها من شرف أمومة المؤمنين.

قلت: فأخبرني عن الفاحشة المبينة التي إذا أتت المرأة بها في أيام عدتها حل للزوج أن يخرجها [من بيته]؟ قال: الفاحشة المبينة هي السحق دون الزنى فان المرأة إذا زنت وأقيم عليها الحد ليس لمن أرادها أن يمتنع بعد ذلك من التزويج بها لأجل الحد وإذا سحقت وجب عليها الرجم والرجم خزي ومن قد أمر الله عز وجل برجمه فقد أخزاه، ومن أخزاه فقد أبعده، ومن أبعده فليس لأحد أن يقربه.

قلت: فأخبرني يا ابن رسول الله عن أمر الله تبارك وتعالى لنبيه موسى عليه السلام " فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى " فان فقهاء الفريقين يزعمون أنها كانت من إهاب الميتة، فقال عليه السلام: من قال ذلك فقد افترى على موسى واستجهله في نبوته لأنه ما خلا الامر فيها من خطبين إما أن تكون صلاة موسى فيها جائزة أو غير جائزة، فان كانت صلاته جائزة جاز له لبسهما في تلك البقعة [إذ لم تكن مقدسة] وإن كانت مقدسة مطهرة فليس بأقدس وأطهر من الصلاة، وإن كانت صلاته غير جائزة فيهما، فقد أوجب على موسى عليه السلام أنه لم يعرف الحلال من الحرام، وعلم ما جاز فيه الصلاة وما لم تجز وهذا كفر.

قلت: فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما قال: إن موسى عليه السلام ناجى ربه بالواد المقدس فقال: يا رب إني قد أخلصت لك المحبة مني، وغسلت قلبي عمن سواك، وكان شديد الحب لأهله، فقال الله تبارك وتعالى: " اخلع

نعليك " أي انزع حب أهلك من قلبك إن كانت محبتك لي خالصة، وقلبك من الميل إلى من سواي مغسولا.

قلت: فأخبرني يا بن رسول الله عن تأويل " كهيعص " قال: هذه الحروف من أنباء الغيب، اطلع الله عليها عبده زكريا عليه السلام، ثم قصها على محمد صلى الله عليه وآله و ذلك أن زكريا عليه السلام سأل ربه أن يعلمه أسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرئيل عليه السلام فعلمه إياها فكان زكريا إذا ذكر محمدا وعليا وفاطمة والحسن سري عنه همه وانجلى كربه، وإذا ذكر (اسم) الحسين خنقته العبرة ووقعت عليه البهرة فقال ذات يوم:

إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعا منهم تسليت بأسمائهم من همومي وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي.

فأنبأه الله تبارك وتعالى عن قصته، وقال: " كهيعص " فالكاف اسم كربلا والهاء هلاك العترة، والياء يزيد وهو ظالم الحسين، والعين عطشه، والصاد صبره فلما سمع ذلك زكريا عليه السلام لم يفارق مسجده ثلاثة أيام ومنع فيها الناس من الدخول عليه وأقبل على البكاء والنحيب وكانت ندبته: إلهي أتفجع خير خلقك بولده، أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه، إلهي أتلبس عليا وفاطمة ثياب هذه المصيبة، إلهي أتحل كربة هذه الفجيعة بساحتهما.

ثم كان يقول: إلهي ارزقني ولدا تقر به عيني على الكبر، واجعله وارثا وصيا، واجعل محله مني محل الحسين فإذا رزقتنيه فافتني بحبه ثم أفجعني به كما تفجع محمدا حبيبك بولده، فرزقه الله يحيى عليه السلام وفجعه به.

وكان حمل يحيى ستة أشهر، وحمل الحسين عليه السلام كذلك وله قصة طويلة.

قلت: فأخبرني يا مولاي عن العلة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم قال: مصلح أو مفسد؟ قلت: مصلح، قال: فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد بما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟! قلت: بلى، قال: فهي العلة أوردها لك ببرهان يثق به عقلك.

أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله وأنزل الكتب عليهم، وأيدهم بالوحي والعصمة، إذ هم أعلا [م] الأمم وأهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى وعيسى هل يجوز مع وفور عقلهما، وكمال علمهما، إذا هما بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق، وهما يظنان أنه مؤمن؟ قلت: لا فقال: هذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه، ونزول الوحي عليه، اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلا ممن لا يشك في إيمانهم وإخلاصهم، فوقعت خيرته على المنافقين، قال الله عز وجل " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا - إلى قوله - لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ".

فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوة واقعا على الأفسد، دون الأصلح وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد، علمنا أن لا اختيار إلا لمن يعلم ما تخفي الصدور، وتكن الضمائر، ويتصرف عليه السرائر، وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار، بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح.

ثم قال مولانا عليه السلام: يا سعد وحين ادعى خصمك أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما أخرج مع نفسه مختار هذه الأمة إلى الغار إلا علما منه أن الخلافة له من بعده وأنه هو المقلد أمور التأويل، والملقى إليه أزمة الأمة، المعول عليه في لم الشعث وسد الخلل، وإقامة الحدود، وتسريب الجيوش لفتح بلاد الكفر، فكما أشفق على نبوته أشفق على خلافته، إذ لم يكن من حكم الاستتار والتواري أن يروم الهارب من البشر مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي فيه وإنما أبات عليا على فراشه، لما لم يكن يكترث له ولا يحفل به، ولاستثقاله إياه وعلمه بأنه إن قتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها.

فهلا نقضت عليه دعواه بقولك: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الخلافة بعدي ثلاثون سنة فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدون في

مذهبكم، وكان لا يجد بدا من قوله [لك]: بلى، فكنت تقول له حينئذ: أليس كما علم رسول الله صلى الله عليه وآله أن الخلافة بعده لأبي بكر، علم أنها من بعد أبي بكر لعمر، ومن بعد عمر عثمان، ومن بعد عثمان لعلي؟ فكان أيضا لا يجد بدا من قوله لك: نعم.

ثم كنت تقول له: فكان الواجب على رسول الله صلى الله عليه وآله أن يخرجهم جميعا على الترتيب إلى الغار، ويشفق عليهم كما أشفق على أبي بكر، ولا يستخف بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إياهم وتخصيصه أبا بكر باخراجه مع نفسه دونهم.

ولما قال: أخبرني عن الصديق والفاروق أسلما طوعا أو كرها؟ لم لم تقل له: بل أسلما طوعا، لأنهما كانا يجالسان اليهود ويستخبرانهم عما كانوا يجدون في التوراة وسائر الكتب المتقدمة الناطقة بالملاحم، من حال إلى حال من قصة محمد صلى الله عليه وآله ومن عواقب أمره، فكانت اليهود تذكر أن محمدا صلى الله عليه وآله يسلط على العرب كما كان بخت نصر سلط على بني إسرائيل ولابد له من الظفر بالعرب كما ظفر بخت نصر ببني إسرائيل غير أنه كاذب في دعواه.

فأتيا محمدا فساعداه على [قول] شهادة أن لا إله إلا الله، وبايعاه طمعا في أن ينال كل منهما من جهته ولاية بلد إذا استقامت أموره واستتبت أحواله، فلما أيسا من ذلك، تلثما وصعدا العقبة مع أمثالهما من المنافقين، على أن يقتلوه فدفع الله كيدهم، وردهم بغيظهم لم ينالوا خيرا، كما أتى طلحة والزبير عليا عليه السلام فبايعاه وطمع كل واحد منهما أن ينال من جهته ولاية بلد فلما أيسا نكثا بيعته، وخرجا عليه فصرع الله كل واحد منهما مصرع أشباههما من الناكثين.

قال [سعد]: ثم قام مولانا الحسن بن علي الهادي عليه السلام إلى الصلاة مع الغلام فانصرفت عنهما وطلبت أثر أحمد بن إسحاق فاستقبلني باكيا فقلت: ما أبطأك و أبكاك؟ قال: قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي إحضاره، فقلت: لا عليك فأخبره فدخل عليه وانصرف من عنده متبسما وهو يصلي على محمد وآل محمد. فقلت: ما الخبر؟ قال: وجدت الثوب مبسوطا تحت قدمي مولانا عليه السلام يصلي عليه.

قال سعد: فحمدنا الله جل ذكره على ذلك، وجعلنا نختلف بعد ذلك إلى منزل مولانا عليه السلام أياما، فلا نرى الغلام بين يديه، فلما كان يوم الوداع دخلت أنا وأحمد بن إسحاق وكهلان من أرضنا، وانتصب أحمد بن إسحاق بين يديه قائما وقال: يا ابن رسول الله قد دنت الرحلة، واشتدت المحنة، ونحن نسأل الله أن يصلى على المصطفى جدك، وعلى المرتضى أبيك، وعلى سيدة النساء أمك وعلى سيدي شباب أهل الجنة عمك وأبيك، وعلى الأئمة الطاهرين من بعدهما آبائك، وأن يصلي عليك وعلى ولدك، ونرغب إلى الله أن يعلي كعبك، ويكبت عدوك، ولا جعل الله هذا آخر عهدنا من لقائك.

قال: فلما قال هذه الكلمة، استعبر مولانا عليه السلام حتى استهلت دموعه، و تقاطرت عبراته، ثم قال: يا ابن إسحاق لا تكلف في دعائك شططا فإنك ملاق الله في صدرك هذا فخر أحمد مغشيا عليه، فلما أفاق قال: سألتك بالله وبحرمة جدك إلا شرفتني بخرقة أجعلها كفنا فأدخل مولانا عليه السلام يده تحت البساط فأخرج ثلاثة عشر درهما فقال: خذها ولا تنفق على نفسك غيرها، فإنك لن تعدم ما سألت وإن الله تبارك وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا.

قال سعد: فلما صرنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا عليه السلام من حلوان على ثلاثة فراسخ حم أحمد بن إسحاق وصارت عليه علة صعبة أيس من حياته فيها، فلما وردنا حلوان، ونزلنا في بعض الخانات، دعا أحمد بن إسحاق برجل من أهل بلده كان قاطنا بها ثم قال: تفرقوا عني هذه الليلة واتركوني وحدي، فانصرفنا عنه ورجع كل واحد منا إلى مرقده.

قال سعد: فلما حان أن ينكشف الليل عن الصبح، أصابتني فكرة ففتحت عني فإذا أنا بكافور الخادم خادم مولانا أبي محمد عليه السلام وهو يقول: أحسن الله بالخير عزاكم، وجبر بالمحبوب رزيتكم قد فرغنا من غسل صاحبكم وتكفينه فقوموا

لدفنه فإنه من أكرمكم محلا عند سيدكم، ثم غاب عن أعيننا، فاجتمعنا على رأسه بالبكاء والعويل حتى قضينا حقه وفرغنا من أمره رحمه الله.

دلائل الإمامة للطبري: عن عبد الباقي بن يزداد، عن عبد الله بن محمد الثعالبي عن أحمد بن محمد العطار، عن سعد بن عبد الله مثله.

الإحتجاج: عن سعد مثله مع اختصار في إيراد المطالب.

بيان: " لهجا " أي حريصا وكذا " كلفا " و " مغرما " بالفتح أي محبا مشتاقا و " تسريب الجيوش " بعثها قطعة قطعة و " الازورار " عن الشئ العدول عنه.

و " القرم " بالتحريك شدة شهوة اللحم والمراد هنا شدة الشوق، وقال الفيروزآبادي " الفرق " الطريق في شعر الرأس و " المفرق " كمقعد ومجلس وسط الرأس وهو الذي يفرق فيه الشعر.

قوله " قيض انتهاءها " أي هيأ انتهاء تلك المدة سارقا لذلك الغزل والاسناد مجازي وفي الاحتجاج " فأتى على ذلك زمان كثير فسرقه سارق من عنده " و " الحقيبة " ما يجعل في مؤخر القتب أو السرج من الخرج، ويقال لها بالفارسية:

الهكبة و " الارهاج " إثارة الغبار.

وقال الجوهري: غرب كل شئ حده يقال: في لسانه غرب أي حدة و غرب الفرس حدته وأول جريه، تقول: كففت من غربه، واستهلت دموعه أي سالت و " الشطط " التجاوز عن الحد قوله: في صدرك أي في رجوعك .

أقول: قال النجاشي - بعد توثيق سعد والحكم بجلالته: " لقي مولانا أبا محمد عليه السلام ورأيت بعض أصحابنا يضعفون لقاءه لأبي محمد عليه السلام ويقولون: هذه حكاية موضوعة عليه " أقول: الصدوق أعرف بصدق الاخبار والوثوق عليها من ذلك البعض الذي

لا يعرف حاله، ورد الاخبار التي تشهد متونها بصحتها بمحض الظن والوهم مع إدراك سعد زمانه عليه السلام - وإمكان ملاقاة سعد له عليه السلام إذ كان وفاته بعد وفاته عليه السلام بأربعين سنة تقريبا - ليس إلا للازراء بالاخبار وعدم الوثوق بالأخيار والتقصير في معرفة شأن الأئمة الأطهار، إذ وجدنا أن الأخبار المشتملة على المعجزات الغريبة إذا وصل إليهم، فهم إما يقدحون فيها أو في راويها، بل ليس جرم أكثر المقدوحين من أصحاب الرجال إلا نقل مثل تلك الأخبار.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.