بحارالانوار · المجلد الثالث عشر
باب
ج ۵۱، ص ۱۹۱–۲۱۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
وكذلك قولهم: ما الفرق بين وجوده بحيث لا يصل إليه أحد وبين وجوده في السماء بأن قلنا إذا كان موجودا في السماء بحيث لا يخفى عليه أخبار أهل الأرض فالسماء كالأرض وإن كان يخفى عليه أمرهم فذلك يجري مجرى عدمه، ثم يقلب عليهم في النبي صلى الله عليه وآله بأن يقال: أي فرق بين وجوده مستترا وبين عدمه وكونه في السماء فأي شئ قالوه قلنا مثله على ما مضى القول فيه.
وليس لهم أن يفرقوا بين الامرين بأن النبي صلى الله عليه وآله ما استتر من كل أحد وإنما استتر من أعدائه وإمام الزمان مستتر عن الجميع لأنا أولا لانقطع على أنه مستتر عن جميع أوليائه والتجويز في هذا الباب كاف على أن النبي صلى الله عليه وآله لما استتر في الغار كان مستترا من أوليائه وأعدائه، ولم يكن معه إلا أبو بكر وحده وقد كان يجوز أن يستتر بحيث لا يكون معه أحد من ولي ولا عدو إذا اقتضت المصلحة ذلك.
فان قيل: فالحدود في حال الغيبة ما حكمها؟ فان سقطت عن الجاني على ما يوجبها الشرع فهذا نسخ الشريعة، وإن كانت باقية فمن يقيمها؟ قلنا الحدود
المستحقة باقية في جنوب مستحقيها فان ظهر الامام ومستحقوها باقون أقامها عليهم بالبينة أو الاقرار وإن كان فات ذلك بموته كان الاثم في تفويتها على من أخاف الامام وألجأه إلى الغيبة.
وليس هذا نسخا لإقامة الحدود لان الحد إنما يجب إقامته مع التمكن وزوال المنع، ويسقط مع الحيلولة، وإنما يكون ذلك نسخا لو سقط إقامتها مع الامكان، وزوال الموانع، ويقال لهم ما تقولون في الحال التي لا يتمكن أهل الحل والعقد من اختيار الإمام، ما حكم الحدود؟ فان قلتم سقطت، فهذا نسخ على ما ألزمتمونا وإن قلتم هي باقية في جنوب مستحقيها فهو جوابنا بعينه.
فان قيل: قد قال أبو علي إن في الحال التي لا يتمكن أهل الحل والعقد من نصب الإمام يفعل الله ما يقوم مقام إقامة الحدود وينزاح علة المكلف وقال أبو هاشم إن إقامة الحدود دنياوية لا تعلق لها بالدين.
قلنا: أما ما قاله أبو علي فلو قلنا مثله ما ضرنا لان إقامة الحدود ليس هو الذي لأجله أوجبنا الامام حتى إذا فات إقامته انتقص دلالة الإمامة بل ذلك تابع للشرع، وقد قلنا إنه لا يمتنع أن يسقط فرض إقامتها في حال انقباض يد الامام أو تكون باقية في جنوب أصحابها وكما جاز ذلك جاز أيضا أن يكون هناك ما يقوم مقامها فإذا صرنا إلى ما قاله لم ينتقض علينا أصل.
وأما ما قاله أبو هاشم من أن ذلك لمصالح الدنيا فبعيد لان ذلك عبادة واجبة ولو كان لمصلحة دنياوية لما وجبت. على أن إقامة الحدود عنده على وجه الجزاء والنكال جزء من العقاب وإنما قدم في دار الدنيا بعضه، لما فيه من المصلحة، فكيف يقول مع ذلك أنه لمصالح دنياوية فبطل ما قالوه.
فان قيل: كيف الطريق إلى إصابة الحق مع غيبة الامام فان قلتم: لا سبيل إليها جعلتم الخلق في حيرة وضلالة، وشك في جميع أمورهم، وإن قلتم يصاب الحق بأدلته، قيل لكم: هذا تصريح بالاستغناء عن الامام بهذه الأدلة.
قلنا: الحق على ضربين عقلي وسمعي فالعقلي يصاب بأدلته والسمعي عليه أدلة منصوبة من أقوال النبي صلى الله عليه وآله ونصوصه وأقوال الأئمة من ولده وقد بينوا ذلك وأوضحوه، ولم يتركوا منه شيئا لا دليل عليه، غير أن هذا وإن كان على ما قلناه، فالحاجة إلى الامام قد بينا ثبوتها لان جهة الحاجة المستمرة في كل حال وزمان كونه لطفا لنا على ما تقدم القول فيه، ولا يقوم غيره مقامه، والحاجة المتعلقة بالسمع أيضا ظاهرة لان النقل وإن كان واردا عن الرسول صلى الله عليه وآله وعن آباء الإمام عليه السلام بجميع ما يحتاج إليه في الشريعة فجائز على الناقلين العدول عنه إما تعمدا وإما لشبهة فيقطع النقل أو يبقى فيمن لا حجة في نقله وقد استوفينا هذه الطريقة في تلخيص الشافي فلا نطول بذكره.
فان قيل: لو فرضنا أن الناقلين كتموا: بعض منهم الشريعة واحتيج إلى بيان الامام ولم يعلم الحق إلا من جهته، وكان خوف القتل من أعدائه مستمرا كيف يكون الحال؟ فان قلتم يظهر وإن خاف القتل، فيجب أن يكون خوف القتل غير مبيح له الاستتار، ويلزم ظهوره، وإن قلتم لا يظهر وسقط التكليف في ذلك الشئ المكتوم عن الأمة خرجتم من الاجماع لأنه منعقد على أن كل شئ شرعه النبي صلى الله عليه وآله وأوضحه فهو لازم للأمة إلى أن يقوم الساعة فان قلتم إن التكليف لا يسقط صرحتم بتكليف مالا يطاق، وإيجاب العمل بما لا طريق إليه.
قلنا: قد أجبنا عن هذا السؤال في التلخيص مستوفى وجملته أن الله تعالى لو علم أن النقل ببعض الشرع المفروض ينقطع في حال تكون تقية الامام فيها مستمرة، وخوفه من الأعداء باقيا، لأسقط ذلك عمن لا طريق له إليه، فإذا علمنا بالاجماع أن تكليف الشرع مستمر ثابت على جميع الأمة إلى قيام الساعة علمنا عند ذلك أنه لو اتفق انقطاع النقل لشئ من الشرع لما كان ذلك إلا في حال يتمكن فيها الامام من الظهور والبروز والاعلام والانذار.
وكان المرتضى - ره - يقول أخيرا: لا يمتنع أن يكون هاهنا أمور كثيرة غير واصلة إلينا هي مودعة عند الامام، وإن كان قد كتمها الناقلون ولم ينقلوها، ولم
يلزم مع ذلك سقوط التكليف عن الخلق لأنه إذا كان سبب الغيبة خوفه على نفسه من الذين أخافوه، فمن أحوجه إلى الاستتار اتي من قبل نفسه في فوت ما يفوته من الشرع، كما أنه اتي من قبل نفسه فيما يفوته من تأديب الامام وتصرفه من حيث أحوجه إلى الاستتار، ولو أزال خوفه لظهر، فيحصل له اللطف بتصرفه وتبين له ما عنده فما انكتم عنه، فإذا لم يفعل وبقي مستترا اتي من قبل نفسه في الامرين وهذا قوي يقتضيه الأصول.
وفي أصحابنا من قال: إن علة استتاره عن أوليائه خوفه من أن يشيعوا خبره، ويتحدثوا باجتماعهم معه سرورا، فيؤدي ذلك إلى الخوف من الأعداء وإن كان غير مقصود. وهذا الجواب يضعف لان عقلاء شيعته لا يجوز أن يخفى عليهم ما في إظهار اجتماعهم معه من الضرر عليه وعليهم فكيف يخبرون بذلك مع علمهم بما عليهم فيه من المضرة العامة، وإن جاز على الواحد والاثنين لا يجوز على جماعة شيعته الذين لا يظهر لهم.
على أن هذا يلزم عليه أن يكون شيعته قد عدموا الانتفاع به على وجه لا يتمكنون من تلافيه وإزالته لأنه إذا علق الاستتار بما يعلم من حالهم أنهم يفعلونه، فليس في مقدورهم الآن ما يقتضي ظهور الإمام وهذا يقتضي سقوط التكليف الذي الامام لطف فيه عنهم.
وفي أصحابنا من قال: علة استتاره عن الأولياء ما يرجع إلى الأعداء، لان انتفاع جميع الرعية من ولي وعدو بالامام إنما يكون بأن ينفذ أمره ببسط يده فيكون ظاهرا متصرفا بلا دافع ولا منازع، وهذا مما المعلوم أن الأعداء قد حالوا دونه ومنعوا منه.
قالوا: ولا فائدة في ظهوره سرا لبعض أوليائه لان النفع المبتغى من تدبير الأمة لا يتم إلا بظهوره للكل ونفوذ الامر، فقد صارت العلة في استتار الامام على الوجه الذي هو لطف ومصلحة للجميع واحدة.
ويمكن أن يعترض هذا الجواب بأن يقال: إن الأعداء وإن حالوا بينه وبين
الظهور على وجه التصرف والتدبير، فلم يحولوا بينه وبين لقاء من شاء من أوليائه على سبيل الاختصاص، وهو يعتقد طاعته ويوجب اتباع أوامره، فإن كان لا نفع في هذا اللقاء لأجل الاختصاص لأنه نافذ الامر للكل فهذا تصريح بأنه لا انتفاع للشيعة الإمامية بلقاء أئمتها من لدن وفاة أمير المؤمنين إلى أيام الحسن بن علي إلى القائم عليه السلام لهذه العلة.
ويوجب أيضا أن يكون أولياء أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته لم يكن لهم بلقائه انتفاع قبل انتقال الامر إلى تدبيره وحصوله في يده وهذا بلوغ من قائله إلى حد لا يبلغه متأمل، على أنه لو سلم أن الانتفاع بالامام لا يكون إلا مع الظهور لجميع الرعية ونفوذ أمره فيهم لبطل قولهم من وجه آخر وهو أنه يؤدي إلى سقوط التكليف الذي الامام لطف فيه عن شيعته لأنه إذا لم يظهر لهم العلة لا يرجع إليهم ولا كان في قدرتهم وإمكانهم إزالته فلا بد من سقوط التكليف عنهم لأنه لو جاز أن يمنع قوم من المكلفين غيرهم لطفهم، ويكون التكليف الذي ذلك اللطف لطف فيه مستمرا عليهم، لجاز أن يمنع بعض المكلفين غيره بقيد وما أشبهه من المشي على وجه لا يمكن من إزالته، ويكون تكليف المشي مع ذلك مستمرا على الحقيقة.
وليس لهم أن يفرقوا بين القيد وبين اللطف من حيث كان القيد يتعذر معه الفعل ولا يتوهم وقوعه وليس كذلك فقد اللطف لان أكثر أهل العدل على أن فقد اللطف كفقد القدرة والآلة وأن التكليف مع فقد اللطف فيمن له لطف معلوم كالتكليف مع فقد القدرة والآلة ووجود الموانع، وأن من لم يفعل له اللطف ممن له لطف معلوم غير مزاح العلة في التكليف كما أن الممنوع غير مزاح العلة.
والذي ينبغي أن يجاب عن السؤال الذي ذكرناه عن المخالف أن نقول: إنا أولا لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه بل يجوز أن يظهر لأكثرهم ولا يعلم كل انسان إلا حال نفسه، فإن كان ظاهرا له فعلته مزاحة وإن لم يكن ظاهرا له علم أنه إنما لم يظهر له لامر يرجع إليه وإن لم يعلمه مفصلا لتقصير من جهته وإلا لم يحسن تكليفه.
فإذا علم بقاء تكليفه عليه واستتار الامام عنه، علم أنه لامر يرجع إليه، كما يقول جماعتنا فيمن لم ينظر في طريق معرفة الله تعالى فلم يحصل له العلم وجب أن يقطع على أنه إنما لم يحصل لتقصير يرجع إليه وإلا وجب اسقاط تكليفه، وإن لم يعلم ما الذي وقع تقصيره فيه.
فعلى هذا التقدير أقوى ما يعلل به ذلك أن الامام إذا ظهر ولا يعلم شخصه وعينه من حيث المشاهدة، فلا بد من أن يظهر عليه علم معجز يدل على صدقه والعلم بكون الشئ معجزا يحتاج إلى نظر يجوز أن يعترض فيه شبهة، فلا يمنع أن يكون المعلوم من حال من لم يظهر له أنه متى ظهر وأظهر المعجز لم ينعم النظر فيدخل فيه شبهة، ويعتقد أنه كذاب ويشيع خبره فيؤدي إلى ما تقدم القول فيه.
فان قيل: أي تقصير وقع من الولي الذي لم يظهر له الامام لأجل هذا المعلوم من حاله، وأي قدرة له على النظر فيما يظهر له الامام معه وإلى أي شئ يرجع في تلافي ما يوجب غيبته.
قلنا: ما أحلنا في سبب الغيبة عن الأولياء إلا على معلوم يظهر موضع التقصير فيه وإمكان تلافيه، لأنه غير ممتنع أن يكون من المعلوم من حاله أنه متى ظهر له الامام قصر في النظر في معجزه، فإنما اتي في ذلك لتقصيره الحاصل في العلم بالفرق بين المعجز والممكن، والدليل من ذلك والشبهة، ولو كان من ذلك على قاعدة صحيحة لم يجز أن يشتبه عليه معجز الامام عند ظهوره له، فيجب عليه تلافي هذا التقصير واستدراكه.
وليس لاحد أن يقول: هذا تكليف لما لا يطاق وحوالة على غيب، لان هذا الولي ليس يعرف ما قصر فيه بعينه من النظر والاستدلال فيستدركه حتى يتمهد في نفسه ويتقرر، ونراكم تلزمونه مالا يلزمه، وذلك إنما يلزم في التكليف قد يتميز تارة ويشتبه أخرى بغيره، وإن كان التمكن من الامرين ثابتا حاصلا، فالولي على هذا إذا حاسب نفسه ورأي أن الامام لا يظهر له وأفسد أن يكون السبب في الغيبة ما ذكرناه من الوجوه الباطلة وأجناسها علم أنه لا بد من سبب يرجع إليه.
وإذا علم أن أقوى العلل ما ذكرناه علم أن التقصير واقع من جهته في صفات المعجز وشروطه، فعليه معاودة النظر في ذلك عند ذلك، وتخليصه من الشوائب وما يوجب الالتباس، فإنه من اجتهد في ذلك حق الاجتهاد، ووفى النظر شروطه فإنه لا بد من وقوع العلم بالفرق بين الحق والباطل، وهذه المواضع الانسان فيها على نفسه بصيرة، وليس يمكن أن يؤمر فيها بأكثر من التناهي في الاجتهاد والبحث والفحص والاستسلام للحق وقد بينا أن هذا نظير ما نقول لمخالفينا إذا نظروا في أدلتنا ولم يحصل لهم العلم سواء.
فان قيل: لو كان الامر على ما قلتم لوجب أن لا يعلم شيئا من المعجزات في الحال وهذا يؤدي إلى أن لا يعلم النبوة وصدق الرسول وذلك يخرجه عن الاسلام فضلا عن الايمان.
قلنا: لا يلزم ذلك لأنه لا يمتنع أن يدخل الشبهة في نوع من المعجزات دون نوع، وليس إذا دخلت الشبهة في بعضها دخل في سائرها، فلا يمتنع أن يكون المعجز الدال على النبوة لم يدخل عليه فيه شبهة، فحصل له العلم بكونه معجزا وعلم عند ذلك نبوة النبي صلى الله عليه وآله والمعجز الذي يظهر على يد الامام إذا ظهر يكون أمرا آخرا يجوز أن يدخل عليه الشبهة في كونه معجزا فيشك حينئذ في إمامته وإن كان عالما بالنبوة، وهذا كما نقول أن من علم نبوة موسى عليه السلام بالمعجزات الدالة على ثبوته إذا لم ينعم النظر في المعجزات الظاهرة على عيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وآله لا يجب أن يقطع على أنه ما عرف تلك المعجزات لأنه لا يمتنع أن يكون عارفا بها وبوجه دلالتها وإن لم يعلم هذه المعجزات واشتبه عليه وجه دلالتها.
فان قيل: فيجب على هذا أن يكون كل من لم يظهر له الامام يقطع على أنه على كبيرة تلحق بالكفر لأنه مقصر على ما فرضتموه فيما يوجب غيبة الامام عنه ويقتضي فوت مصلحته، فقد لحق الولي على هذا بالعدو.
قلنا: ليس يجب في التقصير الذي أشرنا إليه أن يكون كفرا ولا ذنبا عظيما لأنه في هذه الحال ما اعتقد الامام أنه ليس بامام ولا أخافه على نفسه وإنما قصر
في بعض العلوم تقصيرا كان كالسبب في أن علم من حاله أن ذلك الشك في الإمامة يقع منه مستقبلا والآن فليس بواقع، فغير لازم أنه يكون كافرا، غير أنه وإن لم يلزم أن يكون كفرا ولا جاريا مجرى تكذيب الامام والشك في صدقه فهو ذنب وخطأ لا ينافيان الايمان واستحقاق الثواب ولن يلحق الولي بالعدو على هذا التقدير، لان العدو في الحال معتقد في الامام ما هو كفر وكبيرة والولي بخلاف ذلك.
وإنما قلنا إن ما هو كالسبب في الكفر لا يجب أن يكون كفرا في الحال أن أحدا لو اعتقد في القادر منا بقدرة أنه يصح أن يفعل في غيره من الأجسام مبتدءا كان ذلك خطأ وجهلا ليس بكفر ولا يمتنع أن يكون المعلوم من حال هذا المعتقد أنه لو ظهر نبي يدعو إلى نبوته، وجعل معجزه أن يفعل الله تعالى على يده جسما بحيث لا يصل إليه أسباب البشر أنه لا يقبله، وهذا لا محالة لو علم أنه معجز كان يقبله، وما سبق من اعتقاده في مقدور العبد، كان كالسبب في هذا، ولم يلزم أن يجري مجراه في الكفر.
فان قيل: إن هذا الجواب أيضا لا يستمر على أصلكم لأن الصحيح من مذهبكم أن من عرف الله تعالى بصفاته وعرف النبوة والإمامة وحصل مؤمنا لا يجوز أن يقع منه كفر أصلا فإذا ثبت هذا فكيف يمكنكم أن تجعلوا علة الاستتار عن الولي أن المعلوم من حاله أنه إذا ظهر الامام فظهر علم معجز شك فيه ولا يعرفه، وإن الشك في ذلك كفر. وذلك ينقض أصلكم الذي صححتموه.
قيل: هذا الذي ذكرتموه ليس بصحيح لأن الشك في المعجز الذي يظهر على يد الامام ليس بقادح في معرفته لعين الامام على طريق الجملة وإنما يقدح في أن ما علم على طريق الجملة وصحت معرفته، هل هو هذا الشخص أم لا؟
والشك في هذا ليس بكفر لأنه لو كان كفرا لوجب أن يكون كفرا وإن لم يظهر المعجز، فإنه لا محالة قبل ظهور هذا المعجز على يده شاك فيه، ويجوز كونه إماما وكون غيره كذلك، وإنما يقدح في العلم الحاصل له على طريق الجملة
أن لو شك في المستقبل في إمامته على طريق الجملة، وذلك مما يمنع من وقوعه منه مستقبلا.
وكان المرتضى ره يقول: سؤال المخالف لنا: لم لا يظهر الامام للأولياء؟
غير لازم لا (نه) إن كان غرضه أن لطف الولي غير حاصل، فلا يحصل تكليفه فإنه لا يتوجه فان لطف الولي حاصل لأنه إذا علم الولي أن له إماما غائبا يتوقع ظهوره ساعة، ويجوز انبساط يده في كل حال فان خوفه من تأديبه حاصل، وينزجر لمكانه عن المقبحات، ويفعل كثيرا من الواجبات فيكون حال غيبته كحال كونه في بلد آخر بل ربما كان في حال الاستتار أبلغ لأنه مع غيبته يجوز أن يكون معه في بلده وفي جواره، ويشاهده من حيث لا يعرفه ولا يقف على أخباره، وإذا كان في بلد آخر ربما خفي عليه خبره فصار حال الغيبة الانزجار حاصلا عن القبيح على ما قلناه، وإذا لم يكن قد فاتهم اللطف جاز استتاره عنهم وإن سلم أنه يحصل ما هو لطف لهم ومع ذلك يقال لم لا يظهر لهم قلنا ذلك غير واجب على كل حال فسقط السؤال من أصله.
على أن لطفهم بمكانه حاصل من وجه آخر وهو أن بمكانه يثقون جميع الشرع إليهم ولولاه لما وثقوا بذلك، وجوزوا أن يخفى عليهم كثير من الشرع وينقطع دونهم، وإذا علموا وجوده في الجملة أمنوا جميع ذلك، فكان اللطف بمكانه حاصلا من هذا الوجه أيضا.
وقد ذكرنا فيما تقدم أن ستر ولادة صاحب الزمان ليس بخارق العادات إذ جرى أمثال ذلك فيما تقدم من أخبار الملوك وقد ذكره العلماء من الفرس ومن روى أخبار الدوليين، من ذلك ما هو مشهور كقصة كيخسرو وما كان من ستر أمه حملها وإخفاء ولادتها وأمه بنت ولد أفراسياب ملك الترك وكان جده كيقاووس أراد قتل ولده فسترته أمه إلى أن ولدته وكان من قصته ما هو مشهور في كتب التواريخ ذكره الطبري.
وقد نطق القرآن بقصة إبراهيم وأن أمه ولدته خفيا وغيبته في المغارة
حتى بلغ وكان من أمره ما كان، وما كان من قصة موسى عليه السلام وأن ألقته في البحر خوفا عليه وإشفاقا من فرعون عليه وذلك مشهور نطق به القرآن ومثل ذلك قصة صاحب الزمان سواء فكيف يقال إن هذا خارج عن العادات.
ومن الناس من يكون له ولد من جارية يستترها من زوجته برهة من الزمان حتى إذا حضرته الوفاة أقر به وفي الناس من يستتر أمر ولده خوفا من أهله أن يقتلوه طمعا في ميراثه، قد جرت العادات بذلك فلا ينبغي أن يتعجب من مثله في صاحب الزمان وقد شاهدنا من هذا الجنس كثيرا وسمعنا منه غير قليل فلا نطول بذكره لأنه معلوم بالعادات وكم وجدنا من ثبت نسبه بعد موت أبيه بدهر طويل ولم يكن أحد يعرفه إذا شهد بنسبه رجلان مسلمان ويكون أشهدهما على نفسه سرا عن أهله وخوفا من زوجته وأهله فوصى به فشهدا بعد موته أو شهدا بعقده على امرأة عقدا صحيحا فجاءت بولد يمكن أن يكون منه فوجب بحكم الشرع إلحاقه به والخبر بولادة ابن الحسن وارد من جهات أكثر مما يثبت الأنساب في الشرع ونحن نذكر طرفا من ذلك فيما بعد إنشاء الله تعالى.
وأما إنكار جعفر بن علي عم صاحب الزمان شهادة الامامية بولد لأخيه الحسن بن علي ولد في حياته، ودفعه بذلك وجوده بعده وأخذه تركته وحوزه ميراثه وما كان منه في حمله سلطان الوقت على حبس جواري الحسن واستبذالهن بالاستبراء من الحمل ليتأكد نفيه لولد أخيه وإباحته دماء شيعته بدعواهم خلفا له بعده كان أحق بمقامه، فليس لشبهة يعتمد على مثلها أحد من المحصلين لاتفاق الكل على أن جعفرا لم يكن له عصمة كعصمة الأنبياء فيمتنع عليه لذلك إنكار حق ودعوى باطل، بل الخطاء جائز عليه، والغلط غير ممتنع منه، وقد نطق القرآن بما كان من ولد يعقوب مع أخيهم يوسف وطرحهم إياه في الجب وبيعهم إياه بالثمن البخس وهم أولاد الأنبياء. وفي الناس من يقول: كانوا أنبياء، فإذا جاز منهم مثل ذلك مع عظم الخطاء فيه فلم لا يجوز مثله من جعفر بن علي مع ابن أخيه، وأن يفعل معه من الجحد طمعا
في الدنيا ونيلها، وهل يمنع من ذلك أحد إلا مكابر معاند.
فان قيل: كيف يجوز أن يكون للحسن بن علي ولد مع إسناده وصيته في مرضه الذي توفي فيه إلى والدته المسماة بحديث المكناة بأم الحسن بوقوفه وصدقاته وأسند النظر إليها في ذلك ولو كان له ولد لذكره في الوصية.
قيل: إنما فعل ذلك قصدا إلى تمام ما كان غرضه في إخفاء ولادته، وستر حاله عن سلطان الوقت، ولو ذكر ولده أو أسند وصيته إليه لناقض غرضه خاصة وهو احتاج إلى الاشهاد عليها وجوه الدولة وأسباب السلطان، وشهود القضاة ليتحرس بذلك وقوفه ويتحفظ صدقاته ويتم به الستر على ولده باهمال ذكره وحراسة مهجته بترك التنبيه على وجوده.
ومن ظن أن ذلك دليل على بطلان دعوى الامامية في وجود ولد للحسن عليه السلام كان بعيدا من معرفة العادات وقد فعل نظير ذلك الصادق جعفر بن محمد عليه السلام حين أسند وصيته إلى خمسة نفر أولهم المنصور إذ كان سلطان الوقت، و لم يفرد ابنه موسى عليه السلام بها إبقاء عليه، وأشهد معه الربيع وقاضي الوقت وجاريته أم ولده حميدة البربرية وختمهم بذكر ابنه موسى بن جعفر عليه السلام لستر أمره و حراسة نفسه ولم يذكر مع ولده موسى أحدا من أولاده الباقين لعله كان فيهم من يدعي مقامه بعده، ويتعلق بادخاله في وصيته، ولو لم يكن موسى ظاهرا مشهورا في أولاده معروف المكان منه، وصحة نسبه واشتهار فضله وعلمه، وكان مستورا لما ذكره في وصيته، ولاقتصر على ذكر غيره، كما فعل الحسن بن علي والد صاحب الزمان.
فان قيل: قولكم أنه منذ ولد صاحب الزمان إلى وقتنا هذا مع طول المدة لا يعرف أحد مكانه، ولا يعلم مستقره ولا يأتي بخبره من يوثق بقوله، خارج عن العادة، لان كل من اتفق له الاستتار عن ظالم لخوف منه على نفسه أو لغير ذلك من الأغراض يكون مدة استتاره قريبة ولا يبلغ عشرين سنة ولا يخفى أيضا عن الكل في مدة استتاره مكانه، ولا بد من أن يعرف فيه بعض أوليائه وأهله
مكانه أو يخبره بلقائه وقولكم بخلاف ذلك.
قلنا: ليس الامر على ما قلتم لان الامامية تقول: إن جماعة من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام قد شاهدوا وجوده في حياته وكانوا أصحابه وخاصته بعد وفاته، والوسائط بينه وبين شيعته، معروفون بما ذكرناهم فيما بعد، ينقلون إلى شيعته معالم الدين، ويخرجون إليهم أجوبته في مسائلهم فيه، ويقبضون منهم حقوقه وهم جماعة كان الحسن بن علي عليه السلام عدلهم في حياته، واختصهم امناء له في وقته، وجعل إليهم النظر في أملاكه والقيام بأموره بأسمائهم وأنسابهم وأعيانهم كأبي عمرو عثمان بن سعيد السمان، وابنه أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد، و غيرهم ممن سنذكر أخبارهم فيما بعد إنشاء الله، وكانوا أهل عقل وأمانة، وثقة ظاهرة، ودراية، وفهم، وتحصيل، ونباهة كانوا معظمين عند سلطان الوقت لعظم أقدارهم وجلالة محلهم مكرمين لظاهر أمانتهم واشتهار عدالتهم حتى أنه يدفع عنهم ما يضيفه إليهم خصومهم، وهذا يسقط قولكم إن صاحبكم لم يره أحد ودعواهم خلافه.
فأما بعد انقراض أصحاب أبيه فقد كان مدة من الزمان أخباره واصلة من جهة السفراء الذين بينه وبين شيعته ويوثق بقولهم ويرجع إليهم لدينهم وأمانتهم و ما اختصوا به من الدين والنزاهة، وربما ذكرنا طرفا من أخبارهم فيما بعد.
وقد سبق الخبر عن آبائه عليهم السلام بأن القائم له غيبتان أخراهما أطول من الأولى، فالأولى يعرف فيها خبره، والأخرى لا يعرف فيها خبره، فجاء ذلك موافقا لهذه الأخبار، فكان ذلك دليلا ينضاف إلى ما ذكرناه، وسنوضح عن هذه الطريقة فيما بعد إنشاء الله تعالى.
فأما خروج ذلك عن العادات فليس الامر على ما قالوه ولو صح لجاز أن ينقض الله تعالى العادة في ستر شخص ويخفي أمره لضرب من المصلحة وحسن التدبير لما يعرض من المانع من ظهوره.
وهذا الخضر عليه السلام موجود قبل زماننا من عهد موسى عليه السلام عند أكثر الأمة
وإلى وقتنا هذا باتفاق أهل السير، لا يعرف مستقره ولا يعرف أحد له أصحابا إلا ما جاء به القرآن من قصته مع موسى وما يذكره بعض الناس أنه يظهر أحيانا ويظن من يراه أنه بعض الزهاد، فإذا فارق مكانه توهمه المسمى بالخضر ولم يكن عرفه بعينه في الحال ولا ظنه فيها، بل اعتقد أنه بعض أهل الزمان.
وقد كان من غيبة موسى بن عمران عن وطنه وهربه من فرعون ورهطه ما نطق به القرآن ولم يظفر به أحد مدة من الزمان ولا عرفه بعينه، حتى بعثه الله نبيا و دعا إلى فعرفه الولي والعدو.
وكان من قصة يوسف بن يعقوب ما جاء به سورة في القرآن وتضمنت استتار خبره عن أبيه وهو نبي الله يأتيه الوحي صباحا ومساء يخفى عليه خبر ولده، وعن ولده أيضا حتى أنهم كانوا يدخلون عليه ويعاملونه ولا يعرفونه وحتى مضت على ذلك السنون والأزمان ثم كشف الله أمره وظهره خبره وجمع بينه وبين أبيه وإخوته وإن لم يكن ذلك في عادتنا اليوم ولا سمعنا بمثله.
وكان من قصة يونس بن متى نبي الله مع قومه وفراره منهم حين تطاول خلافهم له واستخفافهم بجفوته وغيبته عنهم وعن كل أحد حتى لم يعلم أحد من الخلق مستقره وستره الله في جوف السمكة وأمسك عليه رمقه لضرب من المصلحة إلى أن انقضت تلك المدة ورده الله إلى قومه. وجمع بينهم وبينه، وهذا أيضا خارج عن عادتنا وبعيد من تعارفنا وقد نطق به القرآن وأجمع عليه أهل الاسلام.
ومثل ما حكيناه أيضا قصة أصحاب الكهف وقد نطق بها القرآن وتضمن شرح حالهم واستتارهم عن قومهم فرارا بدينهم ولولا ما نطق القرآن به لكان مخالفونا يجحدونه دفعا لغيبة صاحب الزمان، وإلحاقهم به، لكن أخبر الله تعالى أنهم بقوا ثلاثمائة سنة مثل ذلك مستترين خائفين ثم أحياهم الله فعادوا إلى قومهم وقصتهم مشهورة في ذلك.
وقد كان من أمر صاحب الحمار الذي نزل بقصته القرآن وأهل الكتاب يزعمون أنه كان نبيا فأماته الله مائة عام ثم بعثه وبقي طعامه وشرابه لم يتغير وكان
ذلك خارقا للعادة وإذا كان ما ذكرناه معروفا كائنا كيف يمكن مع ذلك إنكار غيبة صاحب الزمان.
اللهم إلا أن يكون المخالف دهريا معطلا ينكر جميع ذلك ويحيله فلا نكلم معه في الغيبة بل ينتقل معه إلى الكلام في أصل التوحيد وأن ذلك مقدور وإنما نكلم في ذلك من أقر بالاسلام، وجوز ذلك مقدورا لله، فنبين لهم نظائره في العادات.
وأمثال ما قلناه كثيرة مما رواه أصحاب السير والتواريخ من ملوك فرس و غيبتهم عن أصحابهم مدة لا يعرفون خبره ثم عودهم وظهورهم لضرب من التدبير و إن لم ينطق به القرآن فهو مذكور في التواريخ وكذلك جماعة من حكماء الروم والهند قد كانت لهم غيبات وأحوال خارجة عن العادات لا نذكرها لان المخالف ربما جحدها على عادتهم جحد الاخبار وهو مذكور في التواريخ.
فان قيل: ادعاؤكم طول عمر صاحبكم أمر خارق للعادات مع بقائه على قولكم كامل العقل تام القوة والشباب لأنه على قولكم له في هذا الوقت الذي هو سنة سبع وأربعين وأربعمائة مائة وإحدى وتسعون سنة لان مولده على قولكم سنة ست وخمسين ومائتين ولم تجر العادة بأن يبقى أحد من البشر هذه المدة فكيف انتقضت العادة فيه، ولا يجوز انتقاضها إلا على يد الأنبياء.
قلنا: الجواب عن ذلك من وجهين أحدهما أن لا نسلم أن ذلك خارق لجميع العادات، بل العادات فيما تقدم قد جرت بمثلها وأكثر من ذلك، وقد ذكرنا بعضها كقصة الخضر عليه السلام وقصة أصحاب الكهف وغير ذلك، وقد أخبر الله عن نوح عليه السلام أنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وأصحاب السير يقولون أنه عاش أكثر من ذلك، وإنما دعا قومه إلى الله هذه المدة المذكورة بعد أن مضت عليه ستون من عمره، وروى أصحاب الاخبار أن سلمان الفارسي لقي عيسى ابن مريم وبقي إلى زمان نبينا صلى الله عليه وآله وخبره مشهور وأخبار المعمرين من العجم و العرب معروفة مذكورة في الكتب والتواريخ وروى أصحاب الحديث أن الدجال
موجود وأنه كان في عصر النبي صلى الله عليه وآله وأنه باق إلى الوقت الذي يخرج فيه وهو عدو الله فإذا جاز ذلك في عدو الله لضرب من المصلحة فكيف لا يجوز مثله في ولي الله إن هذا من العناد.
أقول: ثم ذكر ره أخبار المعمرين على ما سنذكره ثم قال:
إن كان المخالف لنا في ذلك من يحيل ذلك من المنجمين وأصحاب الطبايع فالكلام لهم في أصل هذه المسالة فان العالم مصنوع وله صانع أجرى العادة بقصر الأعمار وطولا، وأنه قادر على إطالتها وعلى إفنائها فإذا بين ذلك سهل الكلام.
وإن كان المخالف في ذلك من يسلم ذلك غير أنه يقول: هذا خارج عن العادات، فقد بينا أنه ليس بخارج عن جميع العادات، ومتى قالوا خارج عن عاداتنا قلنا وما المانع منه.
فان قيل: ذلك لا يجوز إلا في زمن الأنبياء قلنا نحن ننازع في ذلك وعندنا يجوز خرق العادات على يد الأنبياء والأئمة والصالحين وأكثر أصحاب الحديث يجوزون ذلك وكثير من المعتزلة والحشوية، وإن سموا ذلك كرامات كان ذلك خلافا في عبارة، وقد دللنا على جواز ذلك في كتبنا، وبينا أن المعجز إنما يدل على صدق من يظهر على يده ثم نعلمه نبيا أو إماما أو صالحا بقوله، وكلما يذكرونه من شبههم قد بينا الوجه فيه في كتبنا لا نطول بذكره ههنا.
فأما ما يعرض من الهرم بامتداد الزمان، وعلو السن، وتناقض بنية الانسان فليس مما لابد منه وإنما أجرى الله العادة بأن يفعل ذلك عند تطاول الزمان و لا إيجاب هناك، وهو تعالى قادر أن لا يفعل ما أجرى العادة بفعله، وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أن تطاول الأعمار ممكن غير مستحيل، وقد ذكرنا فيما تقدم عن جماعة أنهم لم يتغيروا مع تطاول أعمارهم وعلو سنهم، وكيف ينكر ذلك من يقر بأن الله تعالى يخلد المؤمنين في الجنة شبانا لا يبلون، وإنما يمكن أن ينازع في ذلك من يجحد ذلك ويسنده إلى الطبيعة وتأثير الكواكب الذي قد دل الدليل على بطلان قولهم باتفاق منا ومن خالفنا في هذه المسألة من أهل الشرع، فسقطت
الشبهة من كل وجه.
دليل آخر: ومما يدل على إمامة صاحب الزمان وصحة غيبته، ما رواه الطائفتان المختلفان، والفرقتان المتباينتان العامة والامامية أن الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وآله اثنا عشر لا يزيدون ولا ينقصون، وإذا ثبت ذلك فكل من قال بذلك قطع على الأئمة الاثني عشر الذين نذهب إلى إمامتهم، وعلى وجود ابن الحسن وصحة غيبته، لان من خالفهم في شئ من ذلك لا يقصر الإمامة على هذا العدد بل يجوز الزيادة عليها، وإذا ثبت بالاخبار التي نذكرها هذا العدد المخصوص ثبت ما أردناه.
أقول: ثم أورد - ره - من طرق الفريقين بعض ما أوردناه في باب النصوص على الاثني عشر عليهم السلام.
ثم قال رحمه الله:
فان قيل: دلوا أولا على صحة هذه الأخبار فإنها أخبار آحاد لا يعول عليها فيم طريقه العلم، وهذه مسألة علمية ثم دلوا على أن المعني بها من تذهبون إلى إمامته فان الاخبار التي رويتموها عن مخالفيكم وأكثر ما رويتموها من جهة الخاصة إذا سلمت فليس فيها صحة ما تذهبون إليه، لأنها تتضمن غير ذلك فمن أين لكم أن أئمتكم هم المرادون بها دون غيرهم.
قلنا: أما الذي يدل على صحتها فإن الشيعة الإمامية يروونها على وجه التواتر خلفا عن سلف وطريقة تصحيح ذلك موجود في كتب الامامية في النصوص على أمير المؤمنين عليه السلام والطريقة واحدة.
وأيضا فان نقل الطائفتين المختلفتين المتباينتين في الاعتقاد يدل على صحة ما قد اتفقوا على نقله، لان العادة جارية أن كل من اعتقد مذهبا وكان الطريق إلى صحة ذلك النقل فان دواعيه تتوفر إلى نقله، وتتوفر دواعي من خالفه إلى إبطال ما نقله أو الطعن عليه، والانكار لروايته، بذلك جرت العادات في مدائح الرجال وذمهم، وتعظيمهم والنقص منهم، ومتى رأينا الفرقة المخالفة لهذه الفرقة قد نقلت مثل نقلها، ولم يتعرض للطعن على نقله، ول ينكر متضمن الخبر، دل
ذلك على أن الله تعالى قد تولى نقله وسخرهم لروايته، وذلك دليل على صحة ما تضمنه الخبر.
وأما الدليل على أن المراد بالاخبار والمعني بها أئمتنا عليهم السلام فهو أنه إذا ثبت بهذه الاخبار أن الأئمة محصورة في الاثني عشر إماما وأنهم لا يزيدون ولا ينقصون، ثبت ما ذهبنا إليه، لان الأمة بين قائلين: قائل يعتبر العدد الذي ذكرناه فهو يقول إن المراد بها من نذهب إلى إمامته، ومن خالف في إمامتهم لا يعتبر هذا العدد، فالقول مع اعتبار العدد أن المراد غيرهم، خروج عن الاجماع وما أدى إلى ذلك وجب القول بفساده.
ويدل أيضا على إمامة ابن الحسن عليه السلام وصحة غيبته ما ظهر وانتشر من الاخبار الشائعة الذائعة عن آبائه عليهم السلام قبل هذه الأوقات بزمان طويل من أن لصاحب هذا الامر غيبة، وصفة غيبته، وما يجري فيها من الاختلاف، ويحدث فيها من الحوادث، وأنه يكون له غيبتان إحداهما أطول من الأخرى وأن الأولى يعرف فيها أخباره والثانية لا يعرف فيها أخباره فوافق ذلك على ما تضمنته الاخبار ولولا صحتها وصحة إمامته لما وافق ذلك، لان ذلك لا يكون إلا باعلام الله على لسان نبيه، وهذه أيضا طريقة اعتمدها الشيوخ قديما.
ونحن نذكر من الاخبار التي تضمن ذلك طرفا ليعلم صحة ما قلناه لان استيفاء جميع ما روي في هذا المعنى يطول، وهو موجود في كتب الاخبار من أراده وقف عليه من هناك.
أقول: ثم نقل الاخبار التي نقلنا عنه رحمه الله في الأبواب السابقة واللاحقة ثم قال:
فان قيل: هذه كلها أخبار آحاد لا يعول على مثلها في هذه المسألة لأنها مسألة علمية. قلنا: موضع الاستدلال من هذه الأخبار ما تضمنه الخبر بالشئ قبل كونه فكان كما تضمنه فكان ذلك دلالة على صحة ما ذهبنا إليه من إمامة ابن الحسن لان العلم بما يكون لا يحصل إلا من جهة علام الغيوب، فلو لم يرد إلا خبر واحد
ووافق مخبره ما تضمنه الخبر، لكان ذلك كافيا، ولذلك كان ما تضمنه القرآن من الخبر بالشئ قبل كونه دليلا على صدق النبي صلى الله عليه وآله وأن القرآن من قبل الله تعالى، وإن كان المواضع التي تضمن ذلك محصورة، ومع ذلك مسموعة من مخبر واحد، لكن دل على صدقه من الجهة التي قلناها، على أن الاخبار متواتر بها لفظا ومعنى.
فأما اللفظ فان الشيعة تواترت بكل خبر منه، والمعنى أن كثيرة الاخبار واختلاف جهاتها وتباين طرقها، وتباعد رواتها، تدل على صحتها، لأنه لا يجوز أن يكون كلها باطلة ولذلك يستدل في مواضع كثيرة على معجزات النبي صلى الله عليه وآله التي هي سوى القرآن وأمور كثيرة في الشرع يتواتر، وإن كان كل لفظ منه منقولا من جهة الآحاد وذلك معتمد عند من خالفنا في هذه المسألة، فلا ينبغي أن يتركوه وينسوه إذا جئنا إلى الكلام في الإمامة، والعصبية لا ينبغي أن ينتهي بالإنسان إلى حد يجحد الأمور المعلومة.
وهذا الذي ذكرناه معتبر في مدائح الرجال وفضائلهم ولذلك استدل على سخاء حاتم وشجاعة عمرو وغير ذلك بمثل ذلك وإن كان كل واحد مما يروى من عطاء حاتم ووقوف عمرو في موقف من المواقف، من جهة الآحاد وهذا واضح.
ومما يدل أيضا على إمامة ابن الحسن زائدا على ما مضى أنه لا خلاف بين الأمة أنه سيخرج في هذه الأمة مهدي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا وإذا بينا أن ذلك المهدي من ولد الحسين وأفسدنا قول من يدعي ذلك من ولد الحسين سوى ابن الحسن ثبت أن المراد به هو عليه السلام.
أقول: ثم أورد ما نقلنا عنه سابقا من أخبار الخاصة والعامة في المهدي عليه السلام ثم قال:
وأما الذي يدل على أنه يكون من ولد الحسين عليه السلام فالاخبار التي أوردناها في أن الأئمة اثنا عشر وذكر تفاصيلهم فهي متضمنة لذلك، ولان كل من اعتبر العدد الذي ذكرناها قال: المهدي من ولد الحسين عليه السلام. وهو من أشرنا إليه.
ثم أورد رحمه الله الاخبار في ذلك على ما روينا عنه ثم قال:
فان قيل: أليس قد خالف جماعة فيهم من قال: المهدي من ولد علي عليه السلام فقالوا: هو محمد بن الحنفية وفيهم من قال من السبائية هو علي عليه السلام لم يمت وفيهم من قال: جعفر بن محمد لم يمت، وفيهم من قال: موسى بن جعفر لم يمت، وفيهم من قال: الحسن بن علي العسكري عليهما السلام لم يمت، وفيهم من قال: المهدي هو أخوه محمد بن علي وهو حي باق لم يمت، ما الذي يفسد قول هؤلاء؟.
قلت: هذه الأقوال كلها قد أفسدناها بما دللنا عليه من موت من ذهبوا إلى حياته وبما بينا أن الأئمة اثنا عشر وبما دللنا على صحة إمامة ابن الحسن من الاعتبار، وبما سنذكره من صحة ولادته وثبوت معجزاته الدالة على إمامته.
فأما من خالف في موت أمير المؤمنين وذكر أنه حي باق فهو مكابر فان العلم بموته وقتله أظهر وأشهر من قتل كل أحد وموت كل انسان والشك في ذلك يؤدي إلى الشك في موت النبي وجميع أصحابه ثم ما ظهر من وصيته وأخبار النبي صلى الله عليه وآله إياه أنك تقتل وتخضب لحيتك من رأسك يفسد ذلك أيضا وذلك أشهر من أن يحتاج أن يروى فيه الاخبار.
وأما وفات محمد بن علي، ابن الحنيفة وبطلان قول من ذهب إلى إمامته فقد بينا فيما مضى من الكتاب وعلى هذه الطريقة إذا بينا أن المهدي من ولد الحسين عليه السلام بطل قول المخالف في إمامته عليه السلام.
وأما الناووسية الذين وقفوا على جعفر بن محمد عليه السلام فقد بينا أيضا فساد قولهم بما علمناه من موته، واشتهار الامر فيه، وبصحة إمامة ابنه موسى بن جعفر عليهما السلام، وبما ثبت من إمامة الاثني عشر عليهم السلام ويؤكد ذلك ما ثبت من صحة وصيته إلى من أوصى إليه، وظهور الحال في ذلك.
وأما الواقفة الذين وقفوا على موسى بن جعفر وقالوا هو المهدي فقد أفسدنا أقوالهم بما دللنا عليه من موته، واشتهار الامر فيه، وثبوت إمامة ابنه الرضا عليه السلام وفي ذلك كفاية لمن أنصف.
وأما المحمدية الذين قالوا بامامة محمد بن علي العسكري وأنه حي لم يمت، فقولهم باطل لما دللنا به على إمامة أخيه الحسن بن علي أبي القائم عليهما السلام وأيضا فقد مات محمد في حياة أبيه عليه السلام موتا ظاهرا كما مات أبوه وجده فالمخالف في ذلك مخالف في الضرورة.
وأما القائلون بأن الحسن بن علي لم يمت وهو حي باق وهو المهدي فقولهم باطل بما علمنا موته كما علمنا موت من تقدم من آبائه ، والطريقة واحدة، والكلام عليهم واحد، هذا مع انقراض القائلين به واندراسهم، ولو كانوا محقين لما انقرضوا.
أقول: وقد أورد لكل ما ذكر أحبارا كثيرة أوردناها مع غيرها في المجلدات السابقة في الأبواب التي هي أنسب بها ثم قال:
وأما من قال: إن الحسن بن علي عليه السلام يعيش بعد موته وأنه القائم بالأمر وتعلقهم بما روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " إنما سمي القائم لأنه يقوم بعد ما يموت " فقوله باطل بما دللنا عليه من موته وادعاؤهم أنه يعيش يحتاج إلى دليل ولو جاز لهم ذلك لجاز أن تقول الواقفة إن موسى بن جعفر يعيش بعد موته، على أن هذا يؤدي إلى خلو الزمان من إمام بعد موت الحسن إلى حين يحيى وقد دللنا بأدلة عقلية على فساد ذلك.
ويدل على فساد ذلك الاخبار التي مضت في أنه لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت.
وقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه اللهم إنك لا تخلي الأرض بغير حجة إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا يدل على ذلك على أن قوله " يقوم بعد ما يموت " لو صح الخبر احتمل أن يكون أراد " يقوم بعد ما يموت ذكره " ويخمل ولا يعرف، وهذا جائز في اللغة وما دللنا به على أن الأئمة اثنا عشر يبطل هذا المقال لأنه عليه السلام هو الحادي عشر، على أن القائلين بذلك قد انقرضوا ولله الحمد ولو كان حقا لما انقرض القائلون به.
وأما من ذهب إلى الفترة بعد الحسن بن علي وخلو الزمان من إمام فقولهم باطل بما دللنا عليه من أن الزمان لا يخلو من إمام في حال من الأحوال بأدلة عقلية وشرعية وتعلقهم بالفترات بين الرسل باطل لان الفترة عبارة عن خلو الزمان من نبي ونحن لا نوجب النبوة في كل حال، وليس في ذلك دلالة على خلو الزمان من إمام، على أن القائلين بذلك قد انقرضوا ولله الحمد، فسقط هذا القول أيضا.
وأما القائلون بإمامة جعفر بن علي بعد أخيه، فقولهم باطل بما دللنا عليه من أنه يجب أن يكون الامام معصوما، لا يجوز عليه الخطاء، وأنه يجب أن يكون أعلم الأمة بالاحكام وجعفر لم يكن معصوما بلا خلاف، وما ظهر من أفعاله التي تنافي العصمة أكثر من أن تحصى لا نطول بذكرها الكتاب، وإن عرض فيما بعد ما يقتضي ذكر بعضها ذكرناه، وأما كونه عالما فإنه كان خاليا منه، فكيف تثبت إمامته، على أن القائلين بهذه المقالة قد انقرضوا أيضا ولله الحمد والمنة.
وأما من قال: لا ولد لأبي محمد عليه السلام فقوله يبطل بما دللنا عليه من إمامة الاثني عشر وسياقة الامر فيهم.
وأما من زعم أن الامر قد اشتبه عليه، فلا يدري هل لأبي محمد عليه السلام ولد أم لا إلا أنهم متمسكون بالأول حتى يصح لهم الآخر فقوله باطل بما دللنا عليه من صحة إمامة ابن الحسن، وبما بينا من أن الأئمة اثنا عشر، ومع ذلك لا ينبغي التوقف بل يجب القطع على إمامة ولده، وما قدمناه أيضامن أنه لا يمضي إمام حي حتى يولد له ويرى عقبه، وما دللنا عليه من أن الزمان لا يخلو من إمام عقلا وشرعا يفسد هذا القول أيضا.
فأما تمسكهم بما روي " تمسكوا بالأول حتى يصح لكم الآخر " فهو خبر واحد ومع هذا فقد تأوله سعد بن عبد الله بتأويل قريب قال قوله " تمسكوا بالأول حتى يظهر لكم الآخر " هو دليل على إيجاب الخلف لأنه يقتضي وجوب التمسك بالأول ولا يبحث عن أحوال الآخر إذا كان مستورا غائبا في تقية حتى
يأذن الله في ظهوره، ويكون (هو) الذي يظهر أمره ويشهر نفسه، على أن القائلين بذلك قد انقرضوا والحمد لله.
وأما من قال بإمامة الحسن وقالوا: انقطعت الإمامة كما انقطعت النبوة فقولهم باطل بما دللنا عليه من أن الزمان لا يخلو من إمام عقلا وشرعا وبما بينا من أن الأئمة اثنا عشر وسنبين صحة ولادة القائم بعده، فسقط قولهم من كل وجه على أن هؤلاء قد انقرضوا بحمد الله.
وقد بينا فساد قول الذاهبين إلى إمامة جعفر بن علي من الفطحية الذين قالوا بامامة عبد الله بن جعفر لما مات الصادق عليه السلام فلما مات عبد الله ولم يخلف ولدا رجعوا إلى القول بإمامة موسى بن جعفر ومن بعده إلى الحسن بن علي فلما مات الحسن قالوا بامامة جعفر وقول هؤلاء يبطل بوجوه أفسدناها ولأنه لا خلاف بين الامامية أن الإمامة لا تجتمع في أخوين بعد الحسن والحسين وقد أوردنا في ذلك أخبارا كثيرة.
ومنها أنه لا خلاف أنه لم يكن معصوما وقد بينا أن من شرط الامام أن يكون معصوما وما ظهر من أفعاله ينافي العصمة وقد روي أنه لما ولد لأبي الحسن جعفر هنأوه به فلم يروا به سرورا، فقيل له في ذلك فقال: هون عليك أمره سيضل خلقا كثيرا، وما روي فيه وله من الأفعال والأقوال الشنيعة أكثر من أن تحصى ننزه كتابنا عن ذلك.
فأما من قال إن للخلف ولدا وأن الأئمة ثلاثة عشر فقولهم يفسد بما دللنا عليه من أن الأئمة عليهم السلام اثنا عشر، فهذا القول يجب إطراحه على أن هذه الفرق كلها قد انقرضت بحمد الله ولم يبق قائل بقولها، وذلك دليل على بطلان هذه الأقاويل انتهى كلامه قدس الله روحه.
وأقول: تحقيقاته - ره - في هذا المبحث يحتاج إلى تفصيل وتبيين وإتمام ونقض وإبرام ليس كتابنا محل تحقيق أمثال ذلك وإنما أوردنا كلامه - ره - لأنه كان داخلا فيما اشتمل عليه أصولنا التي أخذنا منها ومحل تحقيق تلك المباحث
من جهة الدلائل العقلية الكتب الكلامية وأما ما يتعلق بكتابنا من الاخبار المتعلقة بها فقد وفينا حقها على وجه لا يبقى لمنصف بل معاند مجال الشك فيها ولنتكلم فيما التزمه - ره - في ضمن أجوبة اعتراضات المخالف من كون كل من خفي عليه الامام من الشيعة في زمان الغيبة فهم مقصرون مذنبون فنقول:
يلزم عليه أن لا يكون أحد من الفرقة المحقة الناجية في زمان الغيبة موصوفا بالعدالة، لان هذا الذنب الذي صار مانعا لظهوره عليه السلام من جهتهم إما كبيرة أو صغيرة أصروا عليها، وعلى التقديرين ينافي العدالة فكيف كان يحكم بعدالة الرواة والأئمة في الجماعات، وكيف كان يقبل قولهم في الشهادات، مع أنا نعلم ضرورة أن كل عصر من الاعصار مشتمل على جماعة من الأخيار لا يتوقفون مع خروجه عليه السلام وظهور أدنى معجز منه في الاقرار بإمامته وطاعته، وأيضا فلا شك في أن في كثير من الاعصار الماضية كان الأنبياء والأوصياء محبوسين ممنوعين عن وصول الخلق إليهم، وكان معلوما من حال المقرين أنهم لم يكونوا مقصرين في ذلك بل نقول: لما اختفى الرسول صلى الله عليه وآله في الغار كان ظهوره لأمير المؤمنين صلوات الله عليه وكونه معه لطفا له، ولا يمكن إسناد التقصير إليه فالحق في الجواب أن اللطف إنما يكون شرطا للتكليف إذا لم يكن مشتملا على مفسدة فإنا نعلم أنه تعالى إذا أظهر علامة مشيته عند ارتكاب المعاصي على المذنبين كأن يسود وجوههم مثلا، فهو أقرب إلى طاعتهم وأبعد عن معصيتهم، لكن لاشتماله على كثير من المفاسد لم يفعله، فيمكن أن يكون ظهوره عليه السلام مشتملا على مفسدة عظيمة للمقرين يوجب استئصالهم واجتياحهم، فظهوره عليه السلام مع تلك الحال ليس لطفا لهم وما ذكره - رحمه الله - من أن التكليف مع فقد اللطف كالتكليف مع فقد الآلة فمع تسليمه إنما يتم إذا كان (لطفا و) ارتفعت المفاسد المانعة عن كونه لطفا.
وحاصل الكلام أن بعد ما ثبت من الحسن والقبح العقليين وأن العقل يحكم بأن اللطف على الله تعالى واجب، وأن وجود الامام لطف باتفاق جميع العقلاء على أن المصلحة في وجود رئيس يدعو إلى الصلاح، ويمنع عن الفساد، و
أن وجوده أصلح للعباد وأقرب إلى طاعتهم وأنه لابد أن يكون معصوما وأن العصمة لا تعلم إلا من جهته تعالى وأن الاجماع واقع على عدم عصمة غير صاحب الزمان عليه السلام يثبت وجوده.
وأما غيبته عن المخالفين، فظاهر أنه مستند إلى تقصيرهم وأما عن المقرين فيمكن أن يكون بعضهم مقصرين وبعضهم مع عدم تقصيرهم ممنوعين من بعض الفوائد التي تترتب على ظهوره عليه السلام لمفسدة لهم في ذلك ينشأ من المخالفين أو لمصلحة لهم في غيبته بأن يؤمنوا به مع خفاء الامر وظهور الشبه، وشدة المشقة فيكونوا أعظم ثوابا مع أن إيصال الامام فوائده وهداياته لا يتوقف على ظهوره بحيث يعرفونه، فيمكن أن يصل منه عليه السلام إلى أكثر الشيعة ألطاف كثيرة لا يعرفونه كما سيأتي عنه عليه السلام أنه في غيبته كالشمس تحت السحاب. على أن في غيبات الأنبياء دليلا بينا على أن في هذا النوع من وجود الحجة مصلحة وإلا لم يصدر منه تعالى.
وأما الاعتراضات الموردة على كل من تلك المقدمات وأجوبتها فموكول إلى مظانه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.