بحارالانوار · المجلد الثالث عشر
باب
ج ۵۱، ص ۱۶۶–۱۹۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
. " باب ".
* (ذكر الأدلة التي ذكرها شيخ الطائفة رحمه الله) * * (على اثبات الغيبة) * قال رحمه الله: اعلم أن لنا في الكلام في غيبة صاحب الزمان عليه السلام طريقين:
أحدهما أن نقول: إذا ثبت وجوب الإمامة في كل حال وأن الخلق مع كونهم غير معصومين لا يجوز أن يخلو من رئيس في وقت من الأوقات وأن من شرط الرئيس أن يكون مقطوعا على عصمته فلا يخلو ذلك الرئيس من أن يكون ظاهرا معلوما أو غائبا مستورا فإذا علمنا أن كل من يدعى له الإمامة ظاهرا ليس بمقطوع على عصمته بل ظاهر أفعالهم وأحوالهم ينافي العصمة ممن هو غائب من الكيسانية والناووسية والفطحية والواقفة وغيرهم قولهم باطل علمنا بذلك صحة إمامة ابن الحسن وصحة غيبته وولايته ولا نحتاج إلى تكلف الكلام في إثبات ولادته وسبب غيبته مع ثبوت ما ذكرناه ولان الحق لا يجوز خروجه عن الأمة.
والطريق الثاني أن نقول: الكلام في غيبة ابن الحسن فرع على ثبوت إمامته والمخالف لنا إما أن يسلم لنا إمامته ويسأل عن سبب غيبته فنكلف جوابه أو (لا) يسلم لنا إمامته فلا معنى لسؤاله عن غيبة من لم يثبت إمامته ومتى نوزعنا في ثبوت إمامته دللنا عليها بأن نقول قد ثبت وجوب الإمامة مع بقاء التكليف على من ليس بمعصوم في جميع الأحوال و الاعصار بالأدلة القاهرة وثبت أيضا أن من شرط الامام أن يكون مقطوعا على عصمته وعلمنا أيضا أن الحق لا يخرج عن الأمة.
فإذا ثبت ذلك وجدنا الأمة بين أقوال بين قائل: يقول لا إمام فما ثبت من وجوب الإمامة في كل حال يفسد قوله، وقائل يقول بامامة من ليس بمقطوع على عصمته فقوله يبطل بما دللنا عليه من وجوب القطع على عصمة الامام، ومن ادعى
العصمة لبعض من يذهب إلى إمامته فالشاهد يشهد بخلاف قوله لان أفعالهم الظاهرة وأحوالهم تنافي العصمة، فلا وجه لتكلف القول فيما نعلم ضرورة خلافه، ومن ادعيت له العصمة وذهب قوم إلى إمامته كالكيسانية القائلين بإمامة محمد بن الحنفية والناووسية القائلين بإمامة جعفر بن محمد وأنه لم يمت والواقفة الذين قالوا: إن موسى بن جعفر لم يمت فقولهم باطل من وجوه سنذكرها.
فصار الطريقان محتاجين إلى فساد قول هذه الفرق ليتم ما قصدناه ويفتقران إلى إثبات الأصول الثلاثة التي ذكرناها من وجوب الرئاسة، ووجوب القطع على العصمة، وأن الحق لا يخرج عن الأمة. ونحن ندل على كل واحد من هذه الأقوال بموجز من القول لان استيفاء ذلك موجود في كتبي في الإمامة على وجه لا مزيد عليه والغرض بهذا الكتاب ما يختص الغيبة دون غيرها والله الموفق لذلك بمنه.
والذي يدل على وجوب الرئاسة ما ثبت من كونها لطفا في الواجبات العقلية فصارت واجبة كالمعرفة التي لا يعرى مكلف من وجوبها عليه ألا ترى أن من المعلوم أن من ليس بمعصوم من الخلق متى خلوا من رئيس مهيب يردع المعاند ويؤدب الجاني ويأخذ على يد المتقلب ويمنع القوي من الضعيف وأمنوا ذلك، وقع الفساد وانتشر الحيل، وكثر الفساد، وقل الصلاح، ومتى كان لهم رئيس هذه صفته كان الامر بالعكس من ذلك، من شمول الصلاح وكثرته، وقلة الفساد ونزارته والعلم بذلك ضروري لا يخفى على العقلاء فمن دفعه لا يحسن مكالمته وأجبنا عن كل ما يسأل على ذلك مستوفى في تلخيص الشافي وشرح الجمل لا نطول بذكره ههنا.
ووجدت لبعض المتأخرين كلاما اعترض به كلام المرتضى ره في الغيبة وظن أنه ظفر بطائل فموه به على من ليس له قريحة ولا بصر بوجوه النظر وأنا أتكلم عليه فقال: الكلام في الغيبة والاعتراض عليها من ثلاثة أوجه:
أحدها أن نلزم الامامية ثبوت وجه قبح فيها أو في التكليف معها فيلزمهم أن
يثبتوا أن الغيبة ليس فيها وجه قبح لان مع ثبوت وجه القبح تقبح الغيبة وإن ثبت فيها وجه حسن كما نقول في قبح تكليف مالا يطاق أن فيه وجه قبح وإن كان فيه وجه حسن بأن يكون لطفا لغيره.
والثاني أن الغيبة تنقض طريق وجوب الإمامة في كل زمان لان كون الناس مع رئيس مهيب متصرف أبعد من القبيح لو اقتضى كونه لطفا واجبا في كل حال وقبح التكليف مع فقده لانتقض بزمان الغيبة لأنا في زمان الغيبة نكون مع رئيس هذه سبيله أبعد من القبيح وهو دليل وجوب هذه الرئاسة، ولم يجب وجود رئيس هذه صفته في زمان الغيبة ولا قبح التكليف مع فقده، فقد وجد الدليل ولا مدلول وهذا نقض الدليل.
والثالث أن يقال: إن الفائدة بالإمامة هي كونه مبعدا من القبيح على قولكم وذلك لا يحصل مع وجوده غائبا فلم ينفصل وجوده من عدمه، وإذا لم يختص وجوده غائبا بوجه الوجوب الذي ذكروه لم يقتض دليلهم وجوب وجوده مع الغيبة، فدليلكم مع أنه منتقض حيث وجد مع انبساط اليد ولم يجب انبساط اليد مع الغيبة فهو غير متعلق بوجود إمام غير منبسط اليد، ولا هو حاصل في هذه الحال.
الكلام عليه أن نقول:
أما الفصل الأول من قوله: " إنا نلزم الامامية أن يكون في الغيبة وجه قبح " وعيد منه محض لا يقترن به حجة فكان ينبغي أن يبين وجه القبح الذي أراد إلزامه إياهم لننظر فيه ولم يفعل فلا يتوجه وعيده وإن قال ذلك سائلا على وجه " ما أنكرتم أن يكون فيها وجه قبح " فانا نقول وجوه القبح معقولة من كون الشئ ظلما وعبئا وكذبا ومفسدة وجهلا وليس شئ من ذلك موجودا ههنا فعلمنا بذلك انتفاء وجود القبح.
فان قيل: وجه القبح أنه لم يزح علة المكلف على قولكم لان انبساط يده الذي هو لطف في الحقيقة والخوف من تأديبه لم يحصل فصار ذلك إخلالا بلطف المكلف فقبح لأجله.
قلنا: قد بينا في باب وجوب الإمامة بحيث أشرنا إليه أن انبساط يده و الخوف من تأديبه إنما فات المكلفين لما يرجع إليهم لأنهم أحوجوه إلى الاستتار بأن أخافوه ولم يمكنوه فاتوا من قبل نفوسهم وجرى ذلك مجرى أن يقول قائل:
" من لم يحصل له معرفة الله تعالى، في تكليفه وجه قبح " لأنه لم يحصل ما هو لطف له من المعرفة فينبغي أن يقبح تكليفه فما يقولونه ههنا من أن الكافر اتي من قبل نفسه لان الله قد نصب له الدلالة على معرفته ومكنه من الوصول إليها فإذا لم ينظر ولم يعرف اتي في ذلك من قبل نفسه ولم يقبح ذلك تكليفه فكذلك نقول: انبساط يد الامام وإن فات المكلف فإنما اتي من قبل نفسه ولو مكنه لظهر وانبسطت يده فحصل لطفه فلم يقبح تكليفه لان الحجة عليه لا له.
وقد استوفينا نظائر ذلك في الموضع الذي أشرنا إليه وسنذكر فيما بعد إذا عرض ما يحتاج إلى ذكره. وأما الكلام في الفصل الثاني فهو مبني على ألفاظه ولا نقول إنه لم يفهم ما أورده لان الرجل كان فوق ذلك لكن أراد التلبيس والتمويه وهو قوله إن دليل وجوب الرئاسة ينتقض بحال الغيبة لان كون الناس مع رئيس مهيب متصرف أبعد من القبيح لو اقتضى كونه لطفا واجبا على كل حال وقبح التكليف مع فقده ينتقض في زمان الغيبة ولم يقبح التكليف مع فقده فقد وجد الدليل ولا مدلول وهذا نقض. وإنما قلنا إنه تمويه لان ظن أنا نقول إن في حال الغيبة دليل وجوب الإمامة قائم ولا إمام فكان نقضا ولا نقول ذلك، بل دليلنا في حال وجود الامام بعينه هو دليل حال غيبته في أن في الحالين الامام لطف فذ نقول إن زمان الغيبة خلا من وجود رئيس بل عندنا أن الرئيس حاصل وإنما ارتفع انبساط يده لما يرجع إلى المكلفين على ما بيناه لا لان انبساط يده خرج من كونه لطفا بل وجه اللطف به قائم وإنما لم يحصل لما يرجع إلى غير الله فجرى مجرى أن يقول قائل كيف يكون معرفة الله تعالى لطفا مع أن الكافر لا يعرف الله فلما كان التكليف على
الكافر قائما والمعرفة مرتفعة دل على أن المعرفة ليست لطفا على كل حال لأنها لو كانت كذلك لكان نقضا.
وجوابنا في الإمامة كجوابهم في المعرفة من أن الكافر لطفه قائم بالمعرفة و إنما فوت (على) نفسه بالتفريط في النظر المؤدي إليها فلم يقبح تكليفه فكذلك نقول:
الرئاسة لطف للمكلف في حال الغيبة وما يتعلق بالله من إيجاده حاصل وإنما ارتفع تصرفه وانبساط يده لامر يرجع إلى المكلفين فاستوى الأمران والكلام في هذا المعنى مستوفى أيضا بحيث ذكرناه. وأما الكلام في الفصل الثالث من قوله إن الفائدة بالإمامة هي كونه مبعدا من القبيح على قولكم وذلك لم يحصل مع غيبته فلم ينفصل وجوده من عدمه فإذا لم يختص وجوده غائبا بوجه الوجوب الذي ذكروه لم يقتض دليلهم وجوب وجوده مع الغيبة، فدليلكم مع أنه منتقض حيث وجد مع انبساط اليد ولم يجب انبساط اليد مع الغيبة فهو غير متعلق بوجود إمام غير منبسط اليد ولا هو حاصل في هذه الحال.
فانا نقول: إنه لم يفعل في هذا الفصل أكثر من تعقيد القول على طريقة المنطقيين من قلب المقدمات ورد بعضها على بعض ولا شك أنه قصد بذلك التمويه والمغالطة وإلا فالامر أوضح من أن يخفى متى قالت الامامية إن انبساط يد الامام لا يجب في حال الغيبة حتى يقول: دليلكم لا يدل على وجوب إمام غير منبسط اليد لأن هذه حال الغيبة، بل الذي صرحنا دفعة بعد أخرى أن انبساط يده واجب في الحالين في حال ظهوره وحال غيبته غير أن حال ظهوره مكن منه فانبسطت يده وحال الغيبة لم يمكن فانقبضت يده لا أن انبساط يده خرج من باب الوجوب وبينا أن الحجة بذلك قائمة على المكلفين من حيث منعوه ولم يمكنوه فاتوا من قبل نفوسهم، وشبهنا ذلك بالمعرفة دفعة بعد أخرى.
وأيضا فانا نعلم أن نصب الرئيس واجب بعد الشرع لما في نصبه من اللطف لتحمله القيام بما لا يقوم به غيره، ومع هذا فليس التمكين واقعا لأهل الحل والعقد من نصب من يصلح لها خاصة على مذهب أهل العدل الذين كلامنا معهم
ومع هذا لا يقول أحد إن وجوب نصب الرئيس سقط الآن من حيث لم يقع التمكين منه، فجوابنا في غيبة الامام جوابهم في منع أهل الحل والعقد من اختيار من يصلح لامامة ولا فرق بينهما فإنما الخلاف بيننا أنا قلنا علمنا ذلك عقلا وقالوا ذلك معلوم شرعا وذلك فرق من غير موضع الجمع.
فان قيل: أهل الحل والعقد إذا لم يتمكنوا من اختيار من يصلح للإمامة فإن الله يفعل ما يقوم مقام ذلك من الألطاف فلا يجب اسقاط التكليف وفي الشيوخ من قال إن الامام يجب نصبه في الشرع لمصالح دنياوية وذلك غير واجب أن يفعل لها اللطف.
قلنا: أما من قال نصب الإمام لمصالح دنياوية قوله يفسد لأنه لو كان كذلك لما وجب إمامته ولا خلاف بينهم في أنه يجب إقامة الإمامة مع الاختيار على أن ما يقوم به الامام من الجهاد وتولية الأمراء والقضاء، وقسمة الفئ، واستيفاء الحدود والقصاصات أمور دينية لا يجوز تركها، ولو كان لمصلحة دنياوية لما وجب ذلك فقوله ساقط بذلك وأما من قال: يفعل الله ما يقوم مقامه باطل لأنه لو كان كذلك لما وجب عليه إقامة الامام مطلقا على كل حال ولكان يكون ذلك من باب التخيير كما نقول في فروض الكفايات وفي علمنا بتعيين ذلك ووجوبه على كل حال دليل على فساد ما قالوه.
على أنه يلزم على الوجهين جميعا المعرفة بأن يقال: الكافر إذا لم يحصل له المعرفة يفعل الله له ما يقوم مقامها فلا يجب عليه المعرفة على كل حال أو يقال إنما يحصل من الانزجار عن فعل الظلم عند المعرفة أمر دنياوي لا يجب لها المعرفة فيجب من ذلك اسقاط وجوب المعرفة، ومتى قيل إنه لا بدل للمعرفة، قلنا وكذلك لا بدل للامام، على ما مضى وذكرناه في تلخيص الشافي، وكذلك إن بينوا أن الانزجار من القبيح عند المعرفة أمر ديني قلنا مثل ذلك في وجود الامام سواء.
فان قيل: لا يخلو وجود رئيس مطاع منبسط اليد من أن يجب على الله جميع
ذلك أو يجب علينا جميعه أو يجب على الله إيجاده وعلينا بسط يده فان قلتم يجب جميع ذلك على الله، فإنه ينتقض بحال الغيبة لأنه لم يوجد إمام منبسط اليد وإن وجب علينا جميعه فذلك تكليف مالا يطاق لأنا لا نقدر على إيجاده وإن وجب عليه إيجاده وعلينا بسط يده وتمكينه فما دليلكم عليه مع أن فيه أنه يجب علينا أن نفعل ما هو لطف للغير وكيف يجب على زيد بسط يد الامام ليحصل لطف عمرو، وهل ذلك إلا نقض الأصول.
قلنا: الذي نقوله أن وجود الامام المنبسط اليد إذا ثبت أنه لطف لنا على ما دللنا عليه ولم يكن إيجاده في مقدورنا لم يحسن أن نكلف إيجاده لأنه تكليف مالا يطاق وبسط يده وتقوية سلطانه قد يكون في مقدورنا وفي مقدور الله فإذا لم يفعل الله علمنا أنه غير واجب عليه وأنه واجب علينا لأنه لا بد من أن يكون منبسط اليد ليتم الغرض بالتكليف وبينا بذلك أن بسط يده لو كان من فعله تعالى لقهر الخلق عليه بالحيلولة بينه وبين أعدائه وتقوية أمره بالملائكة وبما أدى إلى سقوط الغرض بالتكليف، وحصول الالجاء، فإذا يجب علينا بسط يده على كل حال وإذا لم نفعله اتينا من قبل نفوسنا.
فأما قولهم: في ذلك إيجاد اللطف علينا للغير، غير صحيح لأنا نقول إن كل من يجب عليه نصرة الامام وتقوية سلطانه له في ذلك مصلحة تخصه وإن كانت فيه مصلحة ترجع إلى غيره كما تقوله في أن الأنبياء يجب عليهم تحمل أعباء النبوة والأداء إلى الخلق ما هو مصلحة لهم لان لهم في القيام بذلك مصلحة تخصهم وإن كانت فيها مصلحة لغيرهم. ويلزم المخالف في أهل الحل والعقد بأن يقال: كيف يجب عليهم اختيار الإمام لمصلحة ترجع إلى جميع الأمة وهل ذلك إلا إيجاب الفعل عليهم لما يرجع إلى مصلحة غيرهم فأي شئ أجابوا به فهو جوابنا بعينه سواء.
فان قيل: لم زعمتم أنه يجب إيجاده في حال الغيبة وهلا جاز أن يكون معدوما. قلنا: إنما أوجبناه من حيث إن تصرفه الذي هو لطفنا إذا لم يتم إلا بعد وجوده وإيجاده لم يكن في مقدورنا قلنا عند ذلك أنه يجب على الله ذلك وإلا أدى
إلى أن لا نكون مزاحي العلة بفعل اللطف فنكون اتينا من قبله تعالى لا من قبلنا وإذا أوجده ولم نمكنه من انبساط يده اتينا من قبل نفوسنا فحسن التكليف وفي الأول لم يحسن.
فان قيل: ما الذي تريدون بتمكيننا إياه؟ أتريدون أن نقصده ونشافهه وذلك لا يتم إلا مع وجوده وقيل لكم لا يصح جميع ذلك إلا مع ظهوره وعلمنا أو علم بعضنا بمكانه وإن قلتم نريد بتمكيننا أن نبخع بطاعته والشد على يده ونكف عن نصرة الظالمين ونقوم على نصرته متى دعانا إلى إمامته ودلنا عليها بمعجزته قلنا لكم: فنحن يمكننا ذلك في زمان الغيبة وإن لم يكن الامام موجودا فيه.
فكيف قلتم لا يتم ما كلفناه من ذلك إلا مع وجود الامام. قلنا الذي نقوله في هذا الباب ما ذكره المرتضى ره في الذخيرة وذكرناه في تلخيص الشافي أن الذي هو لطفنا من تصرف الامام وانبساط يده لا يتم إلا بأمور ثلاثة أحدها يتعلق بالله وهو إيجاده والثاني يتعلق به من تحمل أعباء الإمامة والقيام بها والثالث يتعلق بنا من العزم على نصرته، ومعاضدته، والانقياد له، فوجوب تحمله عليه فرع على وجوده لأنه لا يجوز أن يتناول التكليف المعدوم فصار إيجاد الله إياه أصلا لوجوب قيامه، وصار وجوب نصرته علينا فرعا لهذين الأصلين لأنه إنما يجب علينا طاعته إذا وجد، وتحمل أعباء الإمامة وقام بها، فحينئذ يجب علينا طاعته، فمع هذا التحقيق كيف يقال: لم لا يكن معدوما.
فان قيل: فما الفرق بين أن يكون موجودا مستترا أو معدوما حتى إذا علم منا العزم على تمكينه أوجده قلنا: لا يحسن من الله تعالى أن يوجب علينا تمكين من ليس بموجود لأنه تكليف مالا يطاق فإذا لا بد من وجوده.
فان قيل: يوجده الله إذا علم أنا ننطوي على تمكينه بزمان واحد كما أنه يظهر عند مثل ذلك قلنا: وجوب تمكينه والانطواء على طاعته لازم في جميع أحوالنا فيجب أن يكون التمكين من طاعته والمصير إلى أمره ممكنا في جميع الأحوال وإلا لم يحسن التكليف وإنما كان يتم ذلك لو لم نكن مكلفين في كل
حال لوجوب طاعته والانقياد لامره، بل كان يجب علينا ذلك عند ظهوره والامر بخلافه.
ثم يقال لمن خالفنا في ذلك وألزمنا عدمه على استتاره: لم لا يجوز أن يكلف الله تعالى المعرفة ولا ينصب عليها دلالة إذا علم أنا لا ننظر فيها حتى إذا علم من حالنا أنا نقصد إلى النظر ونعزم على ذلك، أوجد الأدلة ونصبها فحينئذ ننظر ونقول ما الفرق بين دلالة منصوبة لا ينظر فيها وبين عدمها حتى إذا عزمنا على النظر فيها أوجدها الله.
ومتى قالوا: نصب الأدلة من جملة التمكين الذي لا يحسن التكليف من دونه كالقدرة والآلة قلنا: وكذلك وجود الإمام عليه السلام من جملة التمكين من وجوب طاعته ومتى لم يكن موجودا لم يمكنا طاعته كما أن الأدلة إذا لم تكن موجودة لم يمكنا النظر فيها فاستوى الأمران.
وبهذا التحقيق يسقط جميع ما يورد في هذا الباب من عبارات لا ترتضيها في الجواب وأسولة المخالف عليها وهذا المعنى مستوفى في كتبي وخاصة في تلخيص الشافي فلا نطول بذكره.
والمثال الذي ذكره من أنه لو أوجب الله علينا أن نتوضأ من ماء بئر معينة لم يكن لها حبل يستقى به وقال لنا إن دنوتم من البئر خلقت لكم حبلا تستقون به من الماء فإنه يكون مزيحا لعلتنا ومتى لم ندن من البئر كنا قد اتينا من قبل نفوسنا لا من قبله تعالى، وكذلك لو قال السيد لعبده وهو بعيد منه: اشتر لي لحما من السوق فقال: لا أتمكن من ذلك لأنه ليس معي ثمنه، فقال: إن دنوت أعطيتك ثمنه فإنه يكون مزيحا لعلته، ومتى لم يدن لاخذ الثمن يكون قد اتي من قبل نفسه لا من قبل سيده وهذه حال ظهور الإمام مع تمكيننا فيجب أن يكون عدم تمكيننا هو السبب في أن لم يظهر في هذه الأحوال لا عدمه إذ كنا لو مكناه لوجد وظهر.
قلنا: هذا كلام من يظن أنه يجب علينا تمكينه إذا ظهر ولا يجب علينا ذلك
في كل حال، ورضينا بالمثال الذي ذكره لأنه تعالى لو أوجب علينا الاستقاء في الحال لوجب أن يكون الحبل حاصلا في الحال لان به تنزاح العلة لكن إذا قال: متى دنوتم من البئر خلقت لكم الحبل إنما هو مكلف للدنو لا للاستقاء فيكفي القدرة على الدنو في هذه الحال لأنه ليس بمكلف للاستقاء منها فإذا دنا من البئر صار حينئذ مكلفا للاستقاء فيجب عند ذلك أن يخلف له الحبل فنظير ذلك أن لا يجب علينا في كل حال طاعة الامام وتمكينه فلا يجب عند ذلك وجوده فلما كانت طاعته واجبة في الحال ولم نقف على شرطه ولا وقت منتظر وجب أن يكون موجودا لتنزاح العلة في التكليف ويحسن.
والجواب عن مثال السيد مع غلامه مثل ذلك لأنه إنما كلفه الدنو منه لا الشراء فإذا دنا منه وكلفه الشراء وجب عليه إعطاء الثمن ولهذا قلنا إن الله تعالى كلف من يأتي إلى يوم القيامة ولا يجب أن يكونوا موجودين مزاحي العلة لأنه لم يكلفهم الآن فإذا أوجدهم وأزاح علتهم في التكليف بالقدرة والآلة ونصب الأدلة حينئذ تناولهم التكليف، فسقط بذلك هذه المغالطة.
على أن الامام إذا كان مكلفا للقيام بالأمر وتحمل أعباء الإمامة كيف يجوز أن يكون معدوما وهل يصح تكليف المعدوم عند عاقل، وليس لتكليفه ذلك تعلق بتمكيننا أصلا، بل وجوب التمكين علينا فرع على تحمله على ما مضى القول فيه وهذا واضح.
ثم يقال لهم: أليس النبي صلى الله عليه وآله اختفى في الشعب ثلاث سنين لم يصل إليه أحد واختفى في الغار ثلاثة أيام ولم يجز قياسا على ذلك أن يعدمه الله تلك المدة مع بقاء التكليف على الخلق الذين بعثه لطفا لهم، ومتى قالوا: إنما اختفى بعدما دعا إلى نفسه وأظهر نبوته فلما أخافوه استتر قلنا: وكذلك الامام لم يستتر إلا وقد أظهر آباؤه موضعه وصفته، ودلوا عليه، ثم لما خاف عليه أبو الحسن بن علي عليهما السلام أخفاه وستره فالامر إذا سواء.
ثم يقال لهم: خبرونا لو علم الله من حال شخص أن من مصلحته أن يبعث الله إليه نبيا معينا يؤدي إليه مصالحه وعلم أنه لو بعثه لقتله هذا الشخص ولو منع من قتله قهرا كان فيه مفسدة له أو لغيره هل يحسن أن يكلف هذا الشخص ولا يبعث إليه ذلك النبي أو لا يكلف فان قالوا: لا يكلف قلنا وما المانع منه، وله طريق إلى معرفة مصالحه بأن يمكن النبي من الأداء إليه وإن قلتم يكلفه ولا يبعث إليه قلنا وكيف يجوز أن يكلفه ولم يفعل به ما هو لطف له مقدور .
فان قالوا: اتي في ذلك من قبل نفسه، قلنا هو لم يفعل شيئا وإنما علم أنه لا يمكنه، وبالعلم لا يحسن تكليفه مع ارتفاع اللطف، ولو جاز ذلك لجاز أن يكلف مالا دليل عليه إذا علم أنه لا ينظر فيه، وذلك باطل، ولابد أن يقال: إنه يبعث إلى ذلك الشخص ويوجب عليه الانقياد له، ليكون مزيحا لعلته فإما أن يمنع منه بما لا ينافي التكليف أو يجعله بحيث لا يتمكن من قتله، فيكون قد اتي من قبل نفسه في عدم الوصول إليه، وهذه حالنا مع الامام في حال الغيبة سواء.
فان قال: لابد أن يعلمه أن له مصلحة في بعثة هذا الشخص إليه على لسان غيره، ليعلم أنه قد اتي من قبل نفسه قلنا: وكذلك أعلمنا الله على لسان نبيه و الأئمة من آبائه عليهم السلام موضعه، وأوجب علينا طاعته، فإذا لم يظهر لنا علمنا أنا اتينا من قبل نفوسنا فاستوى الأمران.
وأما الذي يدل على الأصل الثاني وهو أن من شأن الامام أن يكون مقطوعا على عصمته، فهو أن العلة التي لأجلها احتجنا إلى الامام ارتفاع العصمة بدلالة أن الخلق متى كانوا معصومين لم يحتاجوا إلى إمام وإذا خلوا من كونهم معصومين احتاجوا إليه، علمنا عند ذلك أن علة الحاجة هي ارتفاع العصمة، كما نقوله في علة حاجة الفعل إلى فاعل أنها الحدوث بدلالة أن ما يصح حدوثه يحتاج إلى فاعل في حدوثه، وما لا يصح حدوثه يستغني عن الفاعل، وحكمنا بذلك أن كل محدث يحتاج إلى محدث، فمثل ذلك يجب الحكم بحاجة كل من ليس بمعصوم إلى إمام وإلا انتقضت العلة فلو كان الامام غير معصوم، لكانت عل
الحاجة فيه قائمة، واحتاج إلى إمام أخر، والكلام في إمامته كالكلام فيه فيؤدي إلى إيجاب أئمة لا نهاية لهم أو الانتهاء إلى معصوم وهو المراد.
وهذه الطريقة قد أحكمناها في كتبنا فلا نطول بالأسئلة عليها لان الغرض بهذا الكتاب غير ذلك وفي هذا القدر كفاية.
وأما الأصل الثالث وهو أن الحق لا يخرج عن الأمة فهو متفق عليه بيننا وبين خصومنا وإن اختلفنا في علة ذلك لان عندنا أن الزمان لا يخلو من إمام معصوم لا يجوز عليه الغلط على ما قلناه، فإذا الحق لا يخرج عن الأمة لكون المعصوم فيهم وعند المخالف لقيام أدلة يذكرونها دلت على أن الاجماع حجة فلا وجه للتشاغل بذلك.
فإذا ثبتت هذه الأصول ثبت إمامة صاحب الزمان عليه السلام لان كل من يقطع على ثبوت العصمة للامام قطع على أنه الامام، وليس فيهم من يقطع على عصمة الامام ويخالف في إمامته إلا قوم دل الدليل على بطلان قولهم كالكيسانية والناووسية والواقفة فإذا أفسدنا أقوال هؤلاء ثبت إمامته عليه السلام.
أقول: وأما الذي يدل على فساد قول الكيسانية القائلين بإمامة محمد بن الحنفية فأشياء:
منها: أنه لو كان إماما مقطوعا على عصمته لوجب أن يكون منصوصا عليه نصا صريحا، لان العصمة لا تعلم إلا بالنص، وهم لا يدعون نصا صريحا وإنما يتعلقون بأمور ضعيفة دخلت عليهم فيها شبهة لا يدل على النص نحو إعطاء أمير المؤمنين إياه الراية يوم البصرة، وقوله له: " أنت ابني حقا " مع كون الحسن والحسين عليهما السلام ابنيه وليس في ذلك دلالة على إمامته على وجه، وإنما يدل على فضله ومنزلته، على أن الشيعة تروي أنه جرى بينه وبين علي بن الحسين عليه السلام كلام في استحقاق الإمامة فتحاكما إلى الحجر فشهد الحجر لعلي بن الحسين عليه السلام بالإمامة فكان ذلك معجزا له فسلم له الامر وقال بإمامته، والخبر بذلك مشهور عند الإمامية.
ومنها: تواتر الشيعة الإمامية بالنص عليه من أبيه وجده وهي موجودة في كتبهم في أخبار لا نطول بذكره الكتاب.
ومنها: الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله من جهة الخاصة والعامة بالنص على الاثني عشر، وكل من قال بإمامتهم قطع على وفات محمد بن الحنفية، وسياقة الإمامة إلى صاحب الزمان عليه السلام.
ومنها: انقراض هذه الفرقة فإنه لم يبق في الدنيا في وقتنا ولا قبله بزمان طويل قائل يقول به، ولو كان ذلك حقا لما جاز انقراضهم.
فإن قيل: كيف يعلم انقراضهم وهلا جاز أن يكون في بعض البلاد البعيدة وجزائر البحر وأطراف الأرض أقوام يقولون بهذا القول، كما يجوز أن يكون في أطراف الأرض من يقول بمذهب الحسن في أن مرتكب الكبيرة منافق فلا يمكن ادعاء انقراض هذه الفرقة، وإنما كان يمكن العلم لو لكان المسلمون فيهم قلة والعلماء محصورين فأما وقد انتشر الاسلام وكثر العلماء فمن أين يعلم ذلك؟.
قلنا: هذا يؤدي إلى أن لا يمكن العلم باجماع الأمة على قول ولا مذهب بأن يقال لعل في أطراف الأرض من يخالف ذلك ويلزم أن يجوز أن يكون في أطراف الأرض من يقول: إن البرد لا ينقض الصوم وأنه يجوز للصائم أن يأكل إلى طلوع الشمس لان الأول كان مذهب أبي طلحة الأنصاري والثاني مذهب حذيفة والأعمش وكذلك مسائل كثيرة من الفقه كان الخلف فيها واقعا بين الصحابة والتابعين ثم زال الخلف فيما بعد واجتمع أهل الاعصار على خلافه فينبغي أن يشك في ذلك ولا يثق بالاجماع على مسألة سبق الخلاف فيها، وهذا طعن من يقول إن الاجماع لا يمكن معرفته ولا التوصل إليه والكلام في ذلك لا يختص بهذه المسألة فلا وجه لا يراده ههنا.
ثم إنا نعلم أن الأنصار طلبت الامرة ودفعهم المهاجرون عنها ثم رجعت الأنصار إلى قول المهاجرين على قول المخالف فلو أن قائلا قال: يجوز عقد الإمامة لمن كان من الأنصار الآن الخلاف سبق فيه ولعل في أطراف الأرض من يقول به
فما كان يكون جوابهم فيه؟ فأي شئ قالوه فهو جوابنا بعينه.
فان قيل: إن كان الاجماع عندكم إنما يكون حجة لكون المعصوم فيه فمن أين تعلمون دخول قوله في جملة أقوال الأمة؟ قلنا المعصوم إذا كان من جملة علماء الأمة فلا بد أن يكون قوله موجودا في جملة أقوال العلماء لأنه لا يجوز أن يكون منفردا مظهرا للكفر فان ذلك لا يجوز عليه فإذا لابد أن يكون قوله في جملة الأقوال وإن شككنا في أنه الامام.
فإذا اعتبرنا أقوال الأمة ووجدنا بعض العلماء يخالف فيه فان كنا نعرفه ونعرف مولده ومنشأه لم نعتد بقوله، لعلمنا أنه ليس بامام وإن شككنا في نسبه لم تكن المسألة إجماعا.
فعلى هذا أقوال العلماء من الأمة اعتبرناها فلم نجد فيهم قائلا بهذا المذهب الذي هو مذهب الكيسانية أو الواقفة وإن وجدنا فرضا واحدا أو اثنين فانا نعلم منشأه ومولده فلا يعتد بقوله واعتبرنا أقوال الباقين الذين نقطع على كون المعصوم فيهم فسقطت هذه الشبهة على هذا التحرير وبان وهنها. فأما القائلون بامامة جعفر بن محمد من الناووسية وأنه حي لم يمت وأنه المهدي فالكلام عليهم ظاهر لأنا نعلم موت جعفر بن محمد كما نعلم موت أبيه وجده وقتل علي عليه السلام وموت النبي صلى الله عليه وآله فلو جاز الخلاف فيه لجاز الخلاف في جميع ذلك ويؤدي إلى قول الغلاة والمفوضة الذين جحدوا قتل علي والحسين عليهما السلام وذلك سفسطة.
وأما الذي يدل على فساد مذهب الواقفة الذين وقفوا في إمامة أبي الحسن موسى عليه السلام وقالوا: إنه المهدي. فقولهم باطل بما ظهر من موته، واشتهر واستفاض كما اشتهر موت أبيه وجده ومن تقدمه من آبائه عليهم السلام ولو شككنا لم ننفصل من الناووسية والكيسانية والغلاة والمفوضة الذين خالفوا في موت من تقدم من آبائه عليهم السلام.
على أن موته اشتهر ما لم يشتهر موت أحد من آبائه عليهم السلام لأنه أظهروا حضر القضاة والشهود ونودي عليه ببغداد على الجسر وقيل هذا الذي تزعم الرافضة أنه حي
لا يموت، مات حتف أنفه، وما جرى هذا المجرى لا يمكن الخلاف فيه.
أقول: ثم ذكر في ذلك أخبارا كثيرة روينا عنه في باب وفات الكاظم عليه السلام ثم قال:
فموته عليه السلام أشهر من أن يحتاج إلى ذكر الرواية به لان المخالف في ذلك يدفع الضرورات والشك في ذلك يؤدي إلى الشك في موت كل واحد من آبائه عليهم السلام وغيرهم، فلا يوثق بموت أحد . على أن المشهور عنه عليه السلام أنه أوصى إلى ابنه علي عليه السلام وأسند إليه أمره بعد موته والاخبار بذلك أكثر من أن تحصى.
أقول: ثم ذكر بعض الأخبار التي أوردتها في باب النص عليه صلوات الله عليه ثم قال:
فان قيل: قد مضى في كلامكم أنا نعلم موت موسى بن جعفر كما نعلم موت أبيه وجده فعليكم لقائل أن يقول إنا نعلم أنه لم يكن للحسن بن علي ابن كما نعلم أنه لم يكن له عشرة بنين وكما نعلم أنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله ابن من صلبه عاش بعد موته، فان قلتم لو علمنا أحدهما كما نعلم الآخر لما جاز أن يقع فيه خلاف كما لا يجوز أن يقع الخلاف في الآخر قيل: لمخالفكم أن يقول ولو علمنا موت محمد بن الحنفية وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر كما نعلم موت محمد بن علي بن الحسين لما وقع الخلاف في أحدهما كما لم يجز أن يقع في الآخر.
قلنا: نفي ولادة الأولاد من الباب الذي لا يصح أن يعلم صدوره في موضع من المواضع ولا يمكن أحدا أن يدعي فيمن لم يظهر له ولد أن يعلم أنه لا ولد له وإنما يرجع في ذلك إلى غالب الظن والامارة بأنه لو كان له ولد لظهر وعرف خبره لان العقلاء قد يدعوهم الدواعي إلى كتمان أولادهم لأغراض مختلفة.
فمن الملوك من يخفيه خوفا عليه وإشفاقا وقد وجد في ذلك كثير في عادة الأكاسرة والملوك الأول وأخبارهم معروفة.
وفي الناس من يولد له ولد من بعض سراياه أو ممن تزوج به سرا فيرمي به ويجحده خوفا من وقوع الخصومة مع زوجته وأولاده الباقين وذلك أيضا يوجد
كثيرا في العادة.
وفي الناس من يتزوج بامرأة دنيئة في المنزلة والشرف وهو من ذوي الاقدار والمنازل فيولد له، فيأنف من إلحاقه به فيجحده أصلا وفيهم من يتحرج فيعطيه شيئا من ماله.
وفي الناس من يكون من أدونهم نسبا فيتزوج بامرأة ذات شرف ومنزلة لهوى منها فيه بغير علم من أهلها إما بأن يزوجه نفسها بغير ولي على مذهب كثير من الفقهاء أو تولى أمرها الحاكم فيزوجها على ظاهر الحال فيولد له فيكون الولد صحيحا وتنتفي منه أنفة وخوفا من أوليائها وأهلها! وغير ذلك من الأسباب التي لا نطول بذكرها، فلا يمكن ادعاء نفي الولادة جملة، وإنما نعلم ما نعلمه إذا كانت الأحوال سليمة ويعلم أنه لا مانع من ذلك فحينئذ يعلم انتفاؤه.
فأما علمنا بأنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله ابن عاش بعده فإنما علمناه لما علمنا عصمته ونبوته ولو كان له ولد لأظهره لأنه لا مخافة عليه في إظهاره وعلمنا أيضا باجماع الأمة على أنه لم يكن له ابن عاش بعده، ومثل ذلك لا يمكن أن يدعى العلم به في ابن الحسن عليه السلام لان الحسن عليه السلام كان كالمحجور عليه، وفي حكم المحبوس، وكان الولد يخاف عليه، لما علم وانتشر من مذهبهم أن الثاني عشر هو القائم بالأمر لإزالة الدول فهو مطلوب لا محالة.
وخاف أيضا من أهله كجعفر أخيه الذي طمع في الميراث والأموال فلذلك أخفاه ووقعت الشبهة في ولادته ومثل ذلك لا يمكن ادعاء العلم به في موت من علم موته لان الميت مشاهد معلوم يعرف بشاهد الحال موته، وبالامارات الدالة عليه يضطر من رآه إلى ذلك، فإذا أخبر من لم يشاهده علمه واضطر إليه، وجرى الفرق بين الموضعين مثل ما يقول الفقهاء من أن البينة إنما يمكن أن يقوم على إثبات الحقوق لا على نفيها لأن النفي لا تقوم عليه بينة إلا إذا كان تحته إثبات فباق الفرق بين الموضعين لذلك.
فان قيل: العادة تسوى بين الموضعين لان (في) الموت قد يشاهد الرجل يحتضر
كما يشاهد القوابل الولادة، وليس كل أحد يشاهد احتضار غيره كما أنه ليس كل أحد يشاهد ولادة غيره ولكن أظهر ما يمكن في علم الانسان بموت غيره إذا لم يكن يشاهده أن يكون جاره ويعلم بمرضه ويتردد في عيادته ثم يعلم بشدة مرضه ثم يسمع الواعية من داره ولا يكون في الدار مريض غيره، ويجلس أهله للعزاء وآثار الحزن والجزع عليهم ظاهرة ثم يقسم ميراثه ثم يتمادى الزمان ولا يشاهد ولا يعلم لأهله غرض في إظهار موته وهو حي، فهذه سبيل الولادة لأن النساء يشاهدن الحمل ويتحدثن بذلك سيما إذا كانت حرمة رجل نبيه يتحدث الناس بأحواله مثله وإذا استسر بجارية لم يخف تردده إليها ثم إذا ولد المولود ظهر البشر والسرور في أهل الدار وهنأهم الناس إذا كان المهنأ جليل القدر وانتشر ذلك وتحدث على حسب جلالة قدره فيعلم الناس أنه قد ولد له مولود سيما إذا علم أنه لا غرض في أن يظهر أنه ولد له ولد ولم يولد له.
فمتى اعتبرنا العادة وجدناها في الموضعين على سواء وإن نقض الله العادة فيمكن في أحدهما مثل ما يمكن في الآخر فإنه قد يجوز أن يمنع الله ببعض الشواغل عن مشاهدة الحامل وعن أن يحضر ولادتها إلا عدد يؤمن مثلهم على كتمان أمره ثم ينقله الله من مكان الولادة إلى قلة جبل أو برية لا أحد فيها ولا يطلع على ذلك إلا من لا يظهره على المأمون مثله.
وكما يجوز ذلك فإنه يجوز أن يمرض الانسان ويتردد إليه عواده فإذا اشتد وتوقع موته، وكان يؤيس من حياته، نقله الله إلى قلة جبل وصير مكانه شخصا ميتا يشبهه كثيرا من الشبهة ثم يمنع بالشواغل وغيرها من مشاهدته إلا بمن يوثق به ثم يدفن الشخص ويحضر جنازته من كان يتوقع موته ولا يرجو حياته فيتوهم أن المدفون هو ذاك العليل.
وقد يسكن نبض الانسان وتنفسه وينقض الله العادة ويغيبه عنهم وهو حي لان الحي منا إنما يحتاج إليهما لاخراج البخارات المحترقة مما حول القلب بادخال هواء بارد صاف ليروح عن القلب وقد يمكن أن يفعل الله من البرودة في الهواء
المطيفة بالقلب ما يجري مجرى هواء بارد يدخلها بالتنفس، فيكون الهواء المحدق بالقلب أبدا باردا ولا يحترق منه شئ لان الحرارة التي تحصل فيه يقوم بالبرودة.
والجواب أنا نقول: أولا أنه لا يلتجئ من يتكلم في الغيبة إلى مثل هذه الخرافات إلا من كان مفلسا من الحجة، عاجزا عن إيراد شبهة قوية، ونحن نتكلم على ذلك على ما به ونقول: إن ما ذكر من الطريق الذي به يعلم موت الانسان ليس بصحيح على كل وجه لأنه قد يتفق جميع ذلك وينكشف عن باطل بأن يكون لمن أظهر ذلك غرض حكمي ويظهر التمارض ويتقدم إلى أهله باظهار جميع ذلك ليختبر به أحوال غيره ممن له عليه طاعة وأمر وقد سبق الملوك كثيرا والحكماء إلى مثل ذلك، وقد يدخل عليم أيضا شبهة بأن يحلقه علة سكتة فيظهرون جميع ذلك ثم ينكشف عن باطل وذلك أيضا معلوم بالعادات وإنما يعلم الموت بالمشاهدة وارتفاع الحس، وخمود النبض، ويستمر ذلك أوقات كثيرة وربما انضاف إلى ذلك أمارات معلومة بالعادة من جرب المرضى ومارسهم يعلم ذلك.
وهذه حالة موسى بن جعفر عليهما السلام فإنه أظهر للخلق الكثير الذي لا يخفى على مثلهم الحال ولا يجوز عليهم دخول الشبهة في مثله وقوله بأنه يغيب الله الشخص ويحضر شخصا على شبهه. أصله لا يصح لان هذا يسد باب الأدلة ويؤدي إلى الشك في المشاهدات، وأن جميع ما نراه اليوم، ليس هو الذي رأيناه بالأمس ويلزم الشك في موت جميع الأموات، ويجئ منه مذهب الغلاة والمفوضة الذين نفوا القتل عن أمير المؤمنين عليه السلام وعن الحسين عليه السلام وما أدى إلى ذلك يجب أن يكون باطلا.
وما قاله إن الله يفعل داخل الجوف حول القلب من البرودة ما ينوب مناب الهواء ضرب من هو من الطب ومع ذلك يؤدي إلى الشك في موت جميع الأموات على ما قلناه. على أن على قانون الطب حركات النبض والشريانات من القلب
وإنما يبطل ببطلان الحرارة الغريزية، فإذا فقد حركات النبض، علم بطلان الحرارة، وعلم عند ذلك موته، وليس ذلك بموقوف على التنفس، ولهذا يلتجؤون إلى النبض عند انقطاع النفس أو ضعفه، فيبطل ما قاله وحمله الولادة على ذلك.
وما ادعاه من ظهور الامر فيه صحيح متى فرضنا الامر على ما قاله: من أنه يكون الحمل لرجل نبيه وقد علم إظهاره ولا مانع من ستره وكتمانه، ومتى فرضنا كتمانه وستره لبعض الأغراض التي قدمنا بعضها، لا يجب العلم به ولا اشتهاره على أن الولادة في الشرع قد استقر أن يثبت بقول القابلة، ويحكم بقولها في كونه حيا أو ميتا فإذا جاز ذلك كيف لا يقبل قول جماعة نقلوا ولادة صاحب الامر عليه السلام وشاهدوا من شاهده من الثقات، ونحن نورد الاخبار في ذلك عمن رآه وحكي له، وقد أجاز صاحب السؤال أن يعرض في ذلك عارض يقتضي المصلحة أنه إذا ولد أن ينقله الله إلى قلة جبل أو موضع يخفى فيه أمره ولا يطلع عليه أحد وإنما ألزم على ذلك عارضا في الموت وقد بينا الفصل بين الموضعين.
وأما من خالف من الفرق الباقية الذين قالوا بامامة غيره كالمحمدية الذين قالوا بامامة محمد بن علي بن محمد بن علي الرضا عليهم السلام والفطحية القائلة بامامة عبد الله بن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام وفي هذا الوقت بامامة جعفر بن علي وكالفرقة القائلة أن صاحب الزمان حمل بعد لم يولد بعد وكالذين قالوا إنه مات ثم يعيش وكالذين قالوا بامامة الحسن وقالوا هو اليقين ولم يصح لنا ولادة ولده، فنحن في فترة، فقولهم ظاهر البطلان من وجوه:
أحدها: انقراضهم فإنه لم يبق قائل يقول بشئ من هذه المقالات ولو كان حقا لما انقرض.
ومنها: أن محمد بن علي العسكري مات في حياة أبيه موتا ظاهرا والاخبار في ذلك ظاهرة معروفة من دفعه كمن دفع موت من تقدم من آبائه عليهم السلام.
أقول: ثم ذكر بعض ما أوردنا من الاخبار في المجلد السابق ثم قال:
وأما من قال: إنه لا ولد لأبي محمد ولكن ههنا حمل مستور سيولد فقوله باطل
لان هذا يؤدي إلى خلو الزمان من إمام يرجع إليه وقد بينا فساد ذلك على أنا سندل على أنه قد ولد له ولد معروف ونذكر الروايات في ذلك فيبطل قول هؤلاء أيضا.
وأما من قال: إن الامر مشتبه فلا يدرى هل للحسن ولد أم لا؟ وهو مستمسك بالأول حتى يحقق ولادة ابنه فقوله أيضا يبطل بما قلناه من أن الزمان لا يخلو من إمام لان موت الحسن عليه السلام قد علمناه كما علمنا موت غيره وسنبين ولادة ولده فيبطل قولهم أيضا.
وأما من قال: إنه لا إمام بعد الحسن عليه السلام، فقوله باطل بما دللنا عليه من أن الزمان لا يخلو من حجة لله عقلا وشرعا.
وأما من قال إن أبا محمد مات ويحيى بعد موته، فقوله باطل بمثل ما قلناه لأنه يؤدي إلى خلو الخلق من إمام من وقت وفاته إلى حين يحييه الله، واحتجاجهم بما روي من أن صاحب هذا الامر يحيى بعد ما يموت وأنه سمي قائما لأنه يقوم بعدما يموت، باطل لان ذلك يحتمل لو صح الخبر أن يكون أراد بعد أن مات ذكره حتى لا يذكره إلا من يعتقد إمامته فيظهره الله لجميع الخلق على أنا قد بينا أن كل إمام يقوم بعد الامام الأول يسمى قائما.
وأما القائلون بامامة عبد الله بن جعفر من الفطحية وجعفر بن علي فقولهم باطل بما دللنا عليه من وجوب عصمة الامام، وهما لم يكونا معصومين، وأفعالهما الظاهرة التي تنافي العصمة معروفة نقلها العلماء، وهو موجود في الكتب فلا نطول بذكرها الكتاب.
على أن المشهور الذي لا مرية فيه بين الطائفة أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام فالقول بامامة جعفر بعد أخيه الحسن يبطل بذلك، فإذا ثبت بطلان هذه الأقاويل كلها لم يبق إلا القول بامامة ابن الحسن عليه السلام وإلا لأدى إلى خروج الحق عن الأمة وذلك باطل.
وإذا ثبتت إمامته بهذه السياقة ثم وجدناه غائبا عن الابصار، علمنا أنه لم
يغب مع عصمته وتعين فرض الإمامة فيه وعليه، إلا لسبب سوغه ذلك وضرورة ألجأته إليه، وإن لم يعلم على وجه التفصيل، وجرى ذلك مجرى الكلام في إيلام الأطفال والبهائم وخلق المؤذيات والصور والمشينات ومتشابه القرآن إذا سئلنا عن وجهها بأن نقول: إذا علمنا أن الله تعالى حكيم لا يجوز أن يفعل ما ليس بحكمة ولا صواب، علمنا أن هذه الأشياء لها وجه حكمة، وإن لم نعلمه معينا، كذلك نقول في صاحب الزمان فانا نعلم أنه لم يستتر إلا لامر حكمي سوغه ذلك، وإن لم نعلمه مفصلا.
فان قيل: نحن تعترض قولكم في إمامته بغيبته بأن نقول: إذا لم يمكنكم بيان وجه حسنها دل ذلك على بطلان القول بإمامته، لأنه لو صح لأمكنكم بيان وجه الحسن فيه. قلنا: إن لزمنا ذلك لزم جميع أهل العدل قول الملاحدة إذا قالوا إنا نتوصل بهذه الأفعال التي ليست بظاهر الحكمة إلى أن فاعلها ليس بحكيم لأنه لو كان حكيما لأمكنكم بيان وجه الحكمة فيها وإلا فما الفصل؟
فإذا قلتم: نحن أولا نتكلم في إثبات حكمته فإذا ثبت بدليل منفصل ثم وجدنا هذه الأفعال المشتبهة الظاهر حملناها على ما يطابق ذلك فلا يؤدي إلى نقض ما علمنا ومتى لم يسلموا لنا حكمته، انتقلت المسألة إلى القول في حكمته. قلنا مثل ذلك ههنا، من أن الكلام في غيبته فرع على إمامته وإذا علمنا إمامته بدليل وعلمنا عصمته بدليل آخر وعلمناه غاب، حملنا غيبته على وجه يطابق عصمته فلا فرق بين الموضعين.
ثم يقال للمخالف: أيجوز أن يكون للغيبة سبب صحيح اقتضاها، ووجه من الحكمة أوجبها أم لا يجوز ذلك.
فان قال: يجوز ذلك، قيل له: فإذا كان ذلك جائزا فكيف جعلت وجود الغيبة دليلا على فقد الامام في الزمان، مع تجويزك لها سببا لا ينافي وجود الامام؟
وهل يجري ذلك إلا مجرى من توصل بايلام الأطفال إلى نفي حكمة الصانع وهو معترف بأنه يجوز أن يكون في إيلامهم وجه صحيح لا ينافي الحكمة، أو من
توصل بظاهر الآيات المتشابهات إلى أنه تعالى مشبه للأجسام وخالق لأفعال العباد مع تجويز أن تكون لها وجوه صحيحة توافق الحكمة والعدل والتوحيد ونفي التشبيه.
وإن قال: لا أجوز ذلك. قيل: هذا تحجر شديد فيما لا يحاط بعلمه. ولا يقطع على مثله، فمن أين قلت: إن ذلك لا يجوز وانفصل ممن قال لا يجوز أن يكون للآيات المتشابهات وجوه صحيحة يطابق أدلة العقل ولابد أن يكون على ظواهرها، ومتى قيل نحن متمكنون من ذكر وجوه الآيات المتشابهات مفصلا بل يكفيني علم الجملة ومتى تعاطيت ذلك كان تبرعا، وإن أقنعتم أنفسكم بذلك فنحن أيضا نتمكن من ذكر وجه صحة الغيبة وغرض حكمي لا ينافي عصمته وسنذكر ذلك فيما بعد وقد تكلمنا عليه مستوفى في كتاب الإمامة.
ثم يقال: كيف يجوز أن يجتمع صحة إمامة ابن الحسن عليه السلام بما بيناه من سياقة الأصول العقلية مع القول بأن الغيبة لا يجوز أن يكون لها سبب صحيح وهل هذا إلا تناقض ويجري مجرى القول بصحة التوحيد والعدل، مع القطع على أنه لا يجوز أن يكون للآيات المتشابهات وجه يطابق هذه الا صول ومتى قالوا نحن لا نسلم إمامة ابن الحسن كان الكلام معهم في ثبوت الإمامة، دون الكلام في سبب الغيبة، وقد تقدمت الدلالة على إمامته عليه السلام بما لا يحتاج إلى إعادته وإنما قلنا ذلك لان الكلام في سبب غيبة الإمام عليه السلام فرع على ثبوت إمامته فأما قبل ثبوتها فلا وجه للكلام في سبب غيبته كما لا وجه للكلام في وجوه الآيات المتشابهات وإيلام الأطفال وحسن التعبد بالشرائع قبل ثبوت التوحيد والعدل.
فان قيل ألا كان السائل بالخيار بين الكلام في إمامة ابن الحسن ليعرف صحتها من فسادها وبين أن يتكلم في سبب الغيبة قلنا: لا خيار في ذلك لان من شك في إمامة ابن الحسن يجب أن يكون الكلام معه في نص إمامته والتشاغل بالدلالة عليها ولا يجوز مع الشك فيها أن يتكلم في سبب الغيبة لان الكلام في الفروع لا يسوغ إلا بعد إحكام الأصول لها، كما لا يجوز أن يتكلم في سبب إيلام الأطفال قبل
ثبوت حكمة القديم تعالى وأنه لا يفعل القبيح.
وإنما رجحنا الكلام في إمامته على الكلام في غيبته وسببها لان الكلام في إمامته مبني على أمور عقلية لا يدخلها الاحتمال وسبب الغيبة ربما غمض واشتبه فصار الكلام في الواضح الجلي أولى من الكلام في المشتبه الغامض كما فعلناه مع المخالفين للملة فرجحنا الكلام في نبوة نبينا على الكلام على ادعائهم تأبيد شرعهم لظهور ذلك وغموض هذا وهذا بعينه موجود ههنا، ومتى عادوا إلى أن يقولوا: الغيبة فيها وجه من وجوه القبح فقد مضى الكلام عليه، على أن وجوه القبح معقولة وهي كونه ظلما أو كذبا أو عبثا أو جهلا أو استفسادا وكل ذلك ليس بحاصل فيها فيجب أن لا يدعى فيه وجه القبح.
فان قيل: ألا منع الله الخلق من الوصول إليه، وحال بينهم وبينه، ليقوم بالأمر ويحصل ما هو لطف لنا كما نقول في النبي إذا بعثه الله تعالى يمنع منه ما لم يؤد (الشرع) فكان يجب أن يكون حكم الامام مثله.
قلنا: المنع على ضربين أحدهما لا ينافي التكليف بأن لا يلجأ إلى ترك القبيح والآخر يؤدي إلى ذلك فالأول قد فعله الله من حيث منع من ظلمه بالنهي عنه والحث على وجوب طاعته والانقياد لامره ونهيه وأن لا يعصى في شئ من أوامره، وأن يساعد على جميع ما يقوى أمره ويشيد سلطانه، فان جميع ذلك لا ينافي التكليف فإذا عصى من عصى في ذلك ولم يفعل ما يتم معه الغرض المطلوب، يكون قد اتي من قبل نفسه لا من قبل خالقه، والضرب الآخر أن يحول بينهم وبينه بالقهر والعجز عن ظلمه وعصيانه، فذلك لا يصح اجتماعه مع التكليف فيجب أن يكون ساقطا.
فأما النبي صلى الله عليه وآله فإنما نقول يجب أن يمنع الله منه حتى يؤدي الشرع لأنه لا يمكن أن يعلم ذلك إلا من جهته فلذلك وجب المنع منه، وليس كذلك الامام لأن علة المكلفين مزاحة فيما يتعلق بالشرع، والأدلة منصوبة على ما يحتاجون إليه، ولهم طريق إلى معرفتها من دون قوله، ولو فرضنا أنه ينتهي الحال إلى حد لا يعرف الحق من الشرعيات إلا بقوله لوجب أن يمنع الله تعالى منه ويظهره بحيث
لا يوصل إليه مثل النبي صلى الله عليه وآله.
ونظير مسألة الامام أن النبي إذا أدى ثم عرض فيما بعد ما يوجب خوفه لا يجب على الله المنع منه، لأن علة المكلفين قد انزاحت بما أداه إليهم فلهم طريق إلى معرفة لطفهم اللهم إلا أن يتعلق به أداء آخر في المستقبل فإنه يجب المنع منه كما يجب في الابتداء، فقد سوينا بين النبي والامام.
فان قيل: بينوا على كل حال وإن لم يجب عليكم وجه علة الاستتار، وما يمكن أن يكون علة على وجه ليكون أظهر في الحجة وأبلغ في باب البرهان؟
قلنا مما يقطع على أنه سبب لغيبة الامام هو خوفه على نفسه بالقتل بإخافة الظالمين إياه ومنعهم إياه من التصرف فيما جعل إليه التدبير والتصرف فيه، فإذا حيل بينه وبين مراده، سقط فرض القيام بالإمامة، وإذا خاف على نفسه وجبت غيبته و لزم استتاره كما استتر النبي صلى الله عليه وآله تارة في الشعب وأخرى في الغار، ولا وجه لذلك إلا الخوف من المضار الواصلة إليه.
وليس لاحد أن يقول: إن النبي صلى الله عليه وآله ما استتر عن قومه إلا بعد أدائه إليهم ما وجب عليه أداؤه ولم يتعلق بهم إليه حاجة وقولكم في الامام بخلاف ذلك وأيضا فان استتار النبي صلى الله عليه وآله ما طال ولا تمادى، واستتار الامام قد مضت عليه الدهور، وانقرضت عليه العصور.
وذلك أنه ليس الامر على ما قالوه لان النبي صلى الله عليه وآله إنما استتر في الشعب والغار بمكة قبل الهجرة وما كان أدى جميع الشريعة فان أكثر الاحكام ومعظم القرآن نزل بالمدينة فكيف أوجبتم أنه كان بعد الأداء ولو كان الامر على ما قالوه من تكامل الأداء قبل الاستتار، لما كان ذلك رافعا للحاجة إلى تدبيره وسياسته وأمره ونهيه، فان أحدا لا يقول إن النبي صلى الله عليه وآله بعد أداء الشرع غير محتاج إليه ولا مفتقر إلى تدبيره، ولا يقول ذلك معاند.
وهو الجواب عن قول من قال إن النبي صلى الله عليه وآله ما يتعلق من مصلحتنا قد أداه وما يؤدي في المستقبل لم يكن في الحال مصلحة للخلق فجاز لذلك الاستتار، وليس
كذلك الامام عندكم لان تصرفه في كل حال لطف للخلق، فلا يجوز له الاستتار على وجه، ووجب تقويته والمنع منه، ليظهر وينزاح علة المكلف لأنا قد بينا أن النبي صلى الله عليه وآله مع أنه أدى المصلحة التي تعلقت بتلك الحال، لم يستغن عن أمره ونهيه وتدبيره، بلا خلاف بين المحصلين، ومع هذا جاز له الاستتار، فكذلك الامام.
على أن أمر الله تعالى له بالاستتار في الشعب تارة، وفي الغار أخرى فضرب من المنع منه لأنه ليس كل المنع أن يحول بينهم وبينه بالعجز أو بتقويته بالملائكة لأنه لا يمتنع أن يفرض في تقويته بذلك مفسدة في الدين فلا يحسن من الله فعله و لو كان خاليا من وجوه الفساد وعلم الله أنه يقتضيه المصلحة لقواه بالملائكة، و حال بينهم وبينه، فلما لم يفعل ذلك مع ثبوت حكمته، ووجوب إزاحة علة المكلفين علمنا أنه لم يتعلق به مصلحة بل مفسدة، وكذلك نقول في الامام أن الله فعل من قتله بأمره بالاستتار والغيبة، ولو علم أن المصلحة يتعلق بتقويته بالملائكة لفعل، فلما لم يفعل مع ثبوت حكمته، ووجوب إزاحة علة المكلفين في التكليف، علمنا أنه لم يتعلق به مصلحة، بل ربما كان فيه مفسدة.
بل الذي نقول أن في الجملة يجب على الله تعالى تقوية يد الامام، بما يتمكن معه من القيام وينبسط يده، ويمكن ذلك بالملائكة وبالبشر، فإذا لم يفعله بالملائكة علمنا أنه لأجل أنه تعلق به مفسدة، فوجب أن يكون متعلقا بالبشر فإذا لم يفعلوه اتوا من قبل نفوسهم لا من قبله تعالى، فيبطل بهذا التحرير جميع ما يورد من هذا الجنس وإذا جاز في النبي صلى الله عليه وآله أن يستتر مع الحاجة إليه لخوف الضرر، وكانت التبعة في ذلك لازمة لمخيفيه ومحوجيه إلى الغيبة، فكذلك غيبة الامام سواء.
فأما التفرقة بطول الغيبة وقصرها فغير صحيحة لأنه لا فرق في ذلك بين القصير المنقطع والطويل الممتد لأنه إذا لم يكن في الاستتار لائمة على المستتر إذا أحوج إليه بل اللائمة على من أحوجه إليها جاز أن يتطاول سبب الاستتار كما جاز أن يقصر زمانه.
فان قيل: إذا كان الخوف أحوجه إلى الاستتار، فقد كان آباؤه عندكم على تقية وخوف من أعدائهم، فكيف لم يستتروا؟ قلنا ما كان على آبائه عليهم السلام خوف من أعدائه مع لزوم التقية، والعدول عن التظاهر بالإمامة، ونفيها عن نفوسهم، و إمام الزمان كل الخوف عليه لأنه يظهر بالسيف، ويدعو إلى نفسه، ويجاهد من خالفه عليه، فأي تشبه بين خوفه من الأعداء وخوف آبائه عليهم السلام لولا قلة التأمل.
على أن آباءه عليهم السلام متى قتلوا أو ماتوا كان هناك من يقوم مقامهم، ويسد مسدهم يصلح للإمامة من أولاده وصاحب الامر بالعكس من ذلك لان المعلوم أنه لا يقوم أحد مقامه ولا يسد مسده، فبان الفرق بين الامرين.
وقد بينا فيما تقدم الفرق بين وجوده غائبا لا يصل إليه أحد أو أكثر، وبين عدمه حتى إذا كان المعلوم التمكن بالأمر يوجده.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.