بحارالانوار · المجلد الثاني عشر
4 باب ما جرى بينه وبين خلفاء زمانه وبعض أحوالهم وتاريخ
ج ۵۰، ص ۱۸۸–۲۱۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
حدثني أخي الحسين بن محمد قال: كان لي صديق مؤدب لولد بغا أو وصيف الشك مني فقال لي: قال لي الأمير منصرفه من دار الخليفة: حبس أمير المؤمنين هذا الذي يقولون ابن الرضا اليوم، ودفعه إلى علي بن كركر، فسمعته يقول: أنا أكرم على الله من ناقة صالح " تمتعوا في دار كم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب " وليس يفصح بالآية ولا بالكلام، أي شئ هذا؟ قال: قلت أعزك الله توعد انظر ما يكون بعد ثلاثة أيام.
فلما كان من الغد أطلقه واعتذر إليه فلما كان في اليوم الثالث وثب عليه ياغز، ويغلون، وتامش، وجماعة معهم فقتلوه وأقعدوا المنتصر ولده خليفة.
قال: وحدثني سعيد بن سهل قال: رفع زيد بن موسى إلى عمر بن الفرج مرارا يسأله أن يقدمه على ابن أخيه ويقول: إنه حدث، وأنا عم أبيه فقال عمر ذلك لأبي الحسن عليه السلام فقال: افعل واحدة أقعدني غدا قبله، ثم انظر فلما كان من غد أحضر عمر أبا الحسن عليه السلام فجلس في صدر المجلس ثم أذن لزيد بن موسى فدخل فجلس بين يدي أبي الحسن عليه السلام.
فلما كان يوم الخميس أذن لزيد بن موسى قبله فجلس في صدر المجلس ثم أذن لأبي الحسن عليه السلام فدخل، فلما رآه زيد قام من مجلسه وأقعده في مجلسه وجلس بين يديه.
2 - مناقب ابن شهرآشوب: أبو محمد الفحام قال: سأل المتوكل ابن الجهم: من أشعر الناس؟
فذكر شعراء الجاهلية والإسلام ثم إنه سأل أبا الحسن عليه السلام فقال: الحماني حيث يقول:
لقد فاخرتنا من قريش عصابة * بمط خدود وامتداد أصابع فلما تنازعنا المقال قضى لنا * عليهم بما يهوي نداء الصوامع ترانا سكوتا والشهيد بفضلنا * عليهم جهير الصوت في كل جامع
فان رسول الله أحمد جدنا * ونحن بنوه كالنجوم الطوالع قال : وما نداء الصوامع؟ يا أبا الحسن! قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله جدي أم جدك؟ فضحك المتوكل، ثم قال:
هو جدك، لا ندفعك عنه.
3 - رجال الكشي: أحمد بن علي بن كلثوم، عن إسحاق بن محمد، عن محمد بن الحسن بن شمون وغيره قال: خرج أبو محمد عليه السلام في جنازة أبي الحسن عليه السلام وقميصه مشقوق فكتب إليه أبو عون الأبرش قرابة نجاح بن سلمة من رأيت أو بلغك من الأئمة شق ثوبه في مثل هذا؟ فكتب إليه أبو محمد عليه السلام: يا أحمق وما يدريك ما هذا قد شق موسى على هارون.
4 - رجال الكشي: أحمد بن علي، عن إسحاق، عن إبراهيم بن الخضيب الأنباري قال: كتب أبو عون الأبرش قرابة نجاح بن سلمة إلى أبي محمد عليه السلام أن الناس قد استوهنوا من شقك على أبي الحسن عليه السلام فقال: يا أحمق ما أنت وذاك؟ قد شق موسى على هارون عليه السلام إن من الناس من يولد مؤمنا، ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا، ويموت كافرا، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا، ويموت كافرا، وإنك لا تموت حتى تكفر، ويتغير عقلك.
فما مات حتى حجبه ولده عن الناس، وحبسوه في منزله في ذهاب العقل والوسوسة، والكثرة التخليط، ويرد على أهل الإمامة وانكشف عما كان عليه.
5 - المصباحين: روى إبراهيم بن هاشم القمي قال: توفي أبو الحسن علي بن محمد صاحب العسكر عليه السلام يوم الاثنين لثلاث خلون من رجب سنة أربع وخمسين ومائتين وقال ابن عياش: في اليوم الثالث من رجب سنة أربع وخمسين ومائتين كانت وفات سيدنا أبي الحسن علي بن محمد صاحب العسكر عليه السلام وله يومئذ إحدى وأربعون سنة.
6 - مهج الدعوات: من نسخة عتيقة حدثني محمد بن محمد بن محسن، عن أبيه، عن محمد بن إبراهيم بن صدقة، عن سلامة بن محمد الأزدي عن أبي جعفر بن عبد الله العقيلي عن محمد بن بريك الرهاوي، عن عبد الواحد الموصلي، عن جعفر بن عقيل بن عبد الله العقيلي، عن أبي روح النسائي، عن أبي الحسن علي بن محمد عليه السلام أنه دعا على المتوكل فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: اللهم إني وفلانا عبدان من عبيدك، إلى آخر الدعاء.
ووجدت هذا الدعاء مذكورا بطريق آخر هذا لفظه ذكر بإسناده عن زرافة حاجب المتوكل وكان شيعيا أنه قال: كان المتوكل لحظوة الفتح بن خاقان عنده وقربه منه دون الناس جميعا ودون ولده وأهله، وأراد أن يبين موضعه عندهم فأمر جميع مملكته من الاشراف من أهله وغيرهم، والوزراء والأمراء والقواد وسائر العساكر ووجوه الناس، أن يزينوا بأحسن التزيين ويظهروا في أفخر عددهم وذخائرهم، ويخرجوا مشاة بين يديه وأن لا يركب أحد إلا هو والفتح بن خاقان خاصة بسر من رأى ومشى الناس بين أيديهما على مراتبهم رجالة وكان يوما قائظا شديد الحر وأخرجوا في جملة الاشراف أبا الحسن علي بن محمد عليه السلام وشق عليه ما لقيه من الحر والزحمة.
قال زرافة: فأقبلت إليه وقلت له: يا سيدي يعز والله علي ما تلقى من هذه الطغاة، وما قد تكلفته من المشقة وأخذت بيده فتوكأ علي وقال: يا زرافة.
ما ناقة صالح عند الله بأكرم مني أو قال بأعظم قدرا مني، ولم أزل أسائله وأستفيد منه وأحادثه إلى أن نزل المتوكل من الركوب، وأمر الناس بالانصراف.
فقدمت إليهم دوابهم فركبوا إلى منازلهم وقدمت بغلة له فركبها وركبت معه إلى داره فنزل وودعته وانصرفت إلى داري ولولدي مؤدب يتشيع من أهل العلم والفضل، وكانت لي عادة باحضاره عند الطعام فحضر عند ذلك، وتجارينا الحديث وما جرى من ركوب المتوكل والفتح، ومشي الاشراف وذوي الاقدار بين أيديهما وذكرت له ما شاهدته من أبي الحسن علي بن محمد عليه السلام وما سمعته من قوله: " ما ناقة صالح عند الله بأعظم قدرا مني ".
وكان المؤدب يأكل معي فرفع يده، وقال: بالله إنك سمعت هذا اللفظ منه؟ فقلت له: والله إني سمعته يقوله فقال لي: اعلم أن المتوكل لا يبقى في مملكته أكثر من ثلاثة أيام ويهلك فانظر في أمرك واحرز ما تريد إحرازه وتأهب لأمرك كي لا يفجؤكم هلاك هذا الرجل فتهلك أموالكم بحادثة تحدث، أو سبب يجري فقلت له: من أين لك ذلك؟ فقال لي: أما قرأت القرآن في قصة الناقة وقوله تعالى " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب " ولا يجوز أن تبطل قول الإمام.
قال زرافة: فوالله ما جاء اليوم الثالث حتى هجم المنتصر ومعه بغاء ووصيف والأتراك على المتوكل، فقتلوه وقطعوه، والفتح بن خاقان جميعا قطعا حتى لم يعرف أحدهما من الآخر، وأزال الله نعمته ومملكته فلقيت الامام أبا الحسن عليه السلام بعد ذلك وعرفته ما جرى مع المؤدب، وما قاله، فقال: صدق إنه لما بلغ مني الجهد رجعت إلى كنوز نتوارثها من آبائنا هي أعز من الحصون والسلاح والجنن وهو دعاء المظلوم على الظالم، فدعوت به عليه فأهلكه الله فقلت: يا سيدي إن
رأيت أن تعلمنيه فعلمنيه إلى آخر ما أوردته في كتاب الدعاء.
الكتاب العتيق الغروي: بإسناده عن زرافة مثله.
7 - علل الشرائع، الخصال: ابن المتوكل، عن علي بن إبراهيم، عن عبد الله بن أحمد الموصلي، عن الصقر بن أبي دلف الكرخي قال: لما حمل المتوكل سيدنا أبا الحسن العسكري عليه السلام جئت أسأل عن خبره، قال: فنظر إلى الزرافي وكان حاجبا للمتوكل فأمر أن ادخل إليه فأدخلت إليه، فقال: يا صقر ما شأنك؟ فقلت:
خير أيها الأستاذ، فقال: اقعد فأخذني ما تقدم وما تأخر، وقلت: أخطأت في المجئ.
قال: فوحى الناس عنه ثم قال لي: ما شأنك وفيم جئت؟ قلت لخير ما فقال لعلك تسأل عن خبر مولاك؟ فقلت له: ومن مولاي؟ مولاي أمير المؤمنين، فقال:
اسكت! مولاك هو الحق فلا تحتشمني فاني على مذهبك، فقلت: الحمد لله.
قال: أتحب أن تراه؟ قلت: نعم، قال: اجلس حتى يخرج صاحب البريد من عنده.
قال: فجلست فلما خرج قال لغلام له: خذ بيد الصقر وأدخله إلى الحجرة التي فيها العلوي المحبوس، وخل بينه وبينه، قال: فأدخلني إلى الحجرة وأومأ إلى بيت فدخلت فإذا هو جالس على صدر حصير وبحذاه قبر محفور قال: فسلمت عليه فرد علي ثم أمرني بالجلوس ثم قال لي: يا صقر ما أتى بك؟ قلت: سيدي جئت أتعرف خبرك؟ قال: ثم نظرت إلى القبر فبكيت فنظر إلي فقال: يا صقر لا عليك لن يصلوا إلينا بسوء الآن، فقلت: الحمد لله.
ثم قلت: يا سيدي حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وآله لا أعرف معناه، قال: وما هو؟ فقلت: قوله صلى الله عليه وآله " لا تعادوا الأيام فتعاديكم " ما معناه؟ فقال: نعم الأيام نحن ما قامت السماوات والأرض، فالسبت اسم رسول الله صلى الله عليه وآله والأحد كناية
عن أمير المؤمنين عليه السلام، والاثنين الحسن والحسين، والثلاثاء علي بن الحسين، ومحمد ابن علي وجعفر بن محمد، والأربعاء موسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي وأنا، والخميس ابني الحسن بن علي، والجمعة ابن ابني، وإليه تجمع عصابة الحق وهو الذي يملاها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
فهذا معنى الأيام، فلا تعادوهم في الدنيا فيعادوكم في الآخرة ثم قال عليه السلام ودع واخرج، فلا آمن عليك.
إكمال الدين: الهمداني عن علي بن إبراهيم مثله.
بيان: قوله: " فأخذني ما تقدم وما تأخر " أي صرت متفكرا فيما تقدم من الأمور، وما تأخر منها، فاهتممت لها جميعا والحاصل أني تفكرت فيما يترتب على مجيئي من المفاسد، فندمت على المجئ.
ويحتمل أن يكون " فأخذ بي " بالباء أي سأل عني سؤالات كثيرة عما تقدم وعما تأخر فظننت أنه تفطن بسبب مجيئي فندمت " فوحى الناس " أي أشار إليهم أن يبعدوا عنه، ويمكن أن يقرء الناس بالرفع أي أسرع الناس في الذهاب فان الوحي يكون بمعنى الإشارة، وبمعنى الاسراع، ويمكن أن يقرء على بناء التفعيل أي عجل الناس في الانصراف عنه و " صاحب البريد " الرسول المستعجل إذ البريد يطلق على الرسول وعلى بغلته.
8 - الخرائج: روى أبو سليمان عن ابن أورمة قال: خرجت أيام المتوكل إلى سر من رأى فدخلت على سعيد الحاجب ودفع المتوكل أبا الحسن إليه ليقتله، فلما دخلت عليه قال: أتحب أن تنظر إلى إلهك؟ قلت: سبحان الله الذي لا تدركه الابصار، قال: هذا الذي تزعمون أنه إمامكم! قلت: ما أكره ذلك قال: قد أمرت بقتله وأنا فاعله غدا، وعنده صاحب البريد، فإذا خرج فادخل
إليه ولم ألبث أن خرج، قال: ادخل.
فدخلت الدار التي كان فيها محبوسا فإذا بحياله قبر يحفر، فدخلت وسلمت وبكيت بكاءا شديدا فقال: ما يبكيك؟ قلت: لما أرى، قال: لا تبك لذلك، لا يتم لهم ذلك، فسكن ما كان بي فقال: إنه لا يلبث أكثر من يومين، حتى يسفك الله دمه ودم صاحبه الذي رأيته، قال: فوالله ما مضى غير يومين حتى قتل.
فقلت لأبي الحسن عليه السلام: حديث رسول الله صلى الله عليه وآله " لا تعادوا الأيام فتعاديكم قال: نعم إن لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله تأويلا.
أما السبت فرسول الله صلى الله عليه وآله والأحد أمير المؤمنين عليه السلام، والاثنين الحسن والحسين عليهما السلام والثلاثاء علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد، والأربعاء موسى بن جعفر وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وأنا علي بن محمد، والخميس ابني الحسن، والجمعة القائم منا أهل البيت.
9 - الخرائج: روى أبو سعيد سهل بن زياد قال: حدثنا أبو العباس فضل بن أحمد بن إسرائيل الكاتب ونحن في داره بسامره فجرى ذكر أبي الحسن فقال: يا أبا سعيد إني أحدثك بشئ حدثني به أبي قال: كنا مع المعتز وكان أبي كاتبه فدخلنا الدار، وإذا المتوكل على سريره قاعد، فسلم المعتز ووقف ووقفت خلفه، و كان عهدي به إذا دخل رحب به ويأمر بالقعود فأطال القيام، وجعل يرفع رجلا ويضع أخرى وهو لا يأذن له بالقعود.
ونظرت إلى وجهه يتغير ساعة بعد ساعة ويقبل عليه الفتح بن خاقان ويقول:
هذا الذي تقول فيه ما تقول، ويردد القول، والفتح مقبل عليه يسكنه، يقول:
مكذوب عليه يا أمير المؤمنين وهو يتلظى ويقول: والله لأقتلن هذا المرائي الزنديق وهو يدعي الكذب، ويطعن في دولتي ثم قال: جئني بأربعة من الخزر فجئ بهم ودفع إليهم أربعة أسياف، وأمرهم أن يرطنوا بألسنتهم إذا دخل أبو الحسن ويقبلوا
عليه بأسيافهم فيخبطوه، وهو يقول: والله لأحرقنه بعد القتل، وأنا منتصب قائم خلف المعتز من وراء الستر.
فما علمت إلا بأبي الحسن قد دخل، وقد بادر الناس قدامه، وقالوا: قد جاء والتفت فإذا أنا به وشفتاه يتحر كان، وهو غير مكروب ولا جازع، فلما بصر به المتوكل رمى بنفسه عن السرير إليه، وهو سبقه وانكب عليه فقبل بين عينيه ويده، وسيفه بيده وهو يقول: يا سيدي يا ابن رسول الله يا خير خلق الله يا ابن عمي يا مولاي يا أبا الحسن! وأبو الحسن عليه السلام يقول: أعيذك يا أمير المؤمنين بالله [اعفني] من هذا، فقال: ما جاء بك يا سيدي في هذا الوقت قال: جاءني رسو لك فقال: المتوكل يدعوك؟ فقال: كذب ابن الفاعلة ارجع يا سيدي من حيث شئت يا فتح! يا عبيد الله! يا معتز شيعوا سيدكم وسيدي.
فلما بصر به الخزر خروا سجدا مذعنين فلما خرج دعاهم المتوكل ثم أمر الترجمان أن يخبره بما يقولون، ثم قال لهم: لم لم تفعلوا ما أمرتم؟ قالوا:
شدة هيبته رأينا حوله أكثر من مائة سيف لم نقدر أن نتأملهم، فمنعنا ذلك عما أمرت به، وامتلأت قلوبنا من ذلك، فقال المتوكل: يا فتح هذا صاحبك، وضحك في وجه الفتح وضحك الفتح في وجهه، فقال: الحمد لله الذي بيض وجهه، وأنار حجته.
10 - الإرشاد: كان مولد أبي الحسن الثالث عليه السلام بصريا من مدينة الرسول صلى الله عليه وآله للنصف من ذي الحجة سنة اثنتي عشر ومائتين وتوفي بسر من رأى في رجب من سنة أربع وخمسين ومائتين، وله يومئذ إحدى وأربعون سنة.
وكان المتوكل قد أشخصه مع يحيى بن هرثمة بن أعين من المدينة إلى سر من رأى، فأقام بها حتى مضى لسبيله وكان مدة إمامته ثلاثا وثلاثين سنة، وأمه أم
ولد يقال لها سمانة.
11 - إعلام الورى، الإرشاد: ابن قولويه عن الكليني عن علي بن محمد، عن إبراهيم ابن محمد الطاهري قال: مرض المتوكل من خراج خرج به، فأشرف منه على التلف، فلم يجسر أحد أن يمسه بحديدة، فنذرت أمه إن عوفي أن يحمل إلى أبي الحسن علي بن محمد عليه السلام مالا جليلا من مالها.
وقال له الفتح بن خاقان: لو بعثت إلى هذا الرجل يعني أبا الحسن فسألته فإنه ربما كان عنده صفة شئ يفرج الله به عنك، قال: ابعثوا إليه فمضى الرسول ورجع، فقال: خذوا كسب الغنم فديفوه بماء ورد، وضعوه على الخراج فإنه نافع بإذن الله.
فجعل من بحضرة المتوكل يهزء من قوله، فقال لهم الفتح: وما يضر من تجربة ما قال، فوالله إني لأرجو الصلاح به، فاحضر الكسب، وديف بماء الورد ووضع على الخراج، فانفتح وخرج ما كان فيه، وبشرت أم المتوكل بعافيته فحملت إلى أبي الحسن عليه السلام عشرة آلاف دينار تحت ختمها فاستقل المتوكل من علته.
فلما كان بعد أيام سعى البطحائي بأبي الحسن عليه السلام إلى المتوكل فقال: عنده سلاح وأموال، فتقدم المتوكل إلى سعيد الحاجب أن يهجم ليلا عليه، ويأخذ ما يجد عنده من الأموال والسلاح، ويحمل إليه.
فقال إبراهيم بن محمد: قال لي سعيد الحاجب: صرت إلى دار أبي الحسن عليه السلام بالليل، ومعي سلم، فصعدت منه إلى السطح، ونزلت من الدرجة إلى بعضها في الظلمة، فلم أدر كيف أصل إلى الدار فناداني أبو الحسن عليه السلام من الدار: يا سعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة فلم ألبث أن أتوني بشمعة فنزلت فوجدت عليه جبة من صوف وقلنسوة منها وسجادته على حصير بين يديه وهو مقبل على القبلة فقال لي: دونك بالبيوت.
فدخلتها وفتشتها فلم أجد فيها شيئا، ووجدت البدرة مختومة بخاتم أم المتوكل وكيسا مختوما معها، فقال أبو الحسن عليه السلام: دونك المصلى فرفعت فوجدت سيفا في جفن غير ملبوس، فأخذت ذلك وصرت إليه.
فلما نظر إلى خاتم أمه على البدرة بعث إليها، فخرجت إليه، فسألها عن البدرة، فأخبرني بعض خدم الخاصة أنها قالت له: كنت نذرت في علتك إن عوفيت أن أحمل إليه من مالي عشرة آلاف دينار فحملتها إليه وهذا خاتمك على الكيس ما حركها.
وفتح الكيس الآخر وكان فيه أربع مائة دينار، فأمر أن يضم إلى البدرة بدرة أخرى وقال لي: احمل ذلك إلى أبي الحسن واردد عليه السيف والكيس بما فيه، فحملت ذلك إليه واستحييت منه، وقلت: يا سيدي عز علي بدخول دارك بغير إذنك، ولكني مأمور به، فقال لي " سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " الخرائج: عن إبراهيم بن محمد مثله.
دعوات الراوندي: مرسلا مثله.
بيان: قوله " كسب الغنم " الكسب بالضم عصارة الدهن، ولعل المراد هنا ما يشبهها مما يتلبد من السرقين تحت أرجل الشاة " والدوف " الخلط والبل بماء ونحوه، قوله " واستقل " في ربيع الشيعة استبل أي حسنت حاله بعد الهزال قوله: عز علي أي اشتد على.
12 - الإرشاد: كان سبب شخوص أبي الحسن عليه السلام من المدينة إلى سر من رأى أن عبد الله بن محمد كان يتولى الحرب والصلاة في مدينة الرسول صلى الله عليه وآله فسعى بأبي - الحسن إلى المتوكل، وكان يقصده بالأذى، وبلغ أبا الحسن عليه السلام سعايته به فكتب إلى المتوكل يذكر تحامل عبد الله بن محمد عليه وكذبه فيما سعى به، فتقدم المتوكل بإجابته عن كتابه ودعائه فيه إلى حضور العسكر على جميل من الفعل والقول فخرجت نسخة الكتاب وهي:
" بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فان أمير المؤمنين عارف بقدرك راع لقرابتك، موجب لحقك، مؤثر من الأمور فيك وفي أهل بيتك، ما يصلح الله به حالك وحالهم، يثبت به [من] عزك وعزهم ويدخل الامن عليك وعليهم يبتغي بذلك رضا ربه، وأداء ما فرض عليه فيك وفيهم.
فقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله بن محمد عما كان يتولى من الحرب و الصلاة بمدينة الرسول، إذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقك، واستخفافه بقدرك، وعندما قرفك به ونسبك إليه من الامر الذي قد علم أمير المؤمنين براءتك
منه وصدق نيتك في برك وقولك وأنك لم تؤهل نفسك لما قرفت بطلبه.
وقد ولى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن الفضل، وأمره بإكرامك وتبجيلك، والانتهاء إلى أمرك ورأيك، والتقرب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك، وأمير المؤمنين مشتاق إليك، يحب إحداث العهد بك، والنظر إلى وجهك.
فان نشطت لزيارته والمقام قبله، ما أحببت، شخصت ومن اخترت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة وطمأنينة، ترحل إذا شئت، وتنزل إذا شئت وتسير كيف شئت، فان أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين و من معه من الجند يرحلون برحيلك، يسيرون بمسيرك، فالامر في ذلك إليك، و قد تقدمنا إليه بطاعتك.
فاستخر الله حتى توافي أمير المؤمنين فما أحد من إخوته وولده وأهل بيته وخاصته ألطف منه منزلة ولا أحمد له أثرة ولا هو لهم أنظر، وعليهم أشفق، وبهم أبر، وإليهم أسكن منه إليك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب إبراهيم بن العباس في جمادى الأخرى سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
فلما وصل الكتاب إلى أبي الحسن عليه السلام تجهز للرحيل وخرج معه
يحيى بن هرثمة حتى وصل سر من رأى، فلما وصل إليها تقدم المتوكل بأن يحجب عنه في يومه، فنزل في خان يقال له خان الصعاليك، وأقام به يومه، ثم تقدم المتوكل بافراد دار له، فانتقل إليها.
أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن محمد بن يحيى، عن صالح بن سعيد قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام يوم وروده فقلت له: جعلت فداك في كل الأمور أرادوا إطفاء نورك، والتقصير بك، حتى أنزلوك هذا المكان الأشنع
خان الصعاليك.
فقال: ههنا أنت يا ابن سعيد؟ ثم أومأ بيده فإذا أنا بروضات أنيقات، وأنهار جاريات وجنات فيها خيرات عطرات، وولدان كأنهن اللؤلؤ المكنون، فحار بصري، وكثر عجبي فقال عليه السلام لي: حيث كنا فهذا لنا يا ابن سعيد، لسنا في خان الصعاليك.
وأقام أبو الحسن عليه السلام مدة مقامه بسر من رأى مكرما في ظاهر حاله يجتهد المتوكل في إيقاع حيلة به، فلا يتمكن من ذلك، وله معه أحاديث يطول بذكرها الكتاب، فيها آيات له وبينات، إن عمدنا لا يراد ذلك خرجنا عن الغرض فيما نحوناه.
وتوفي أبو الحسن عليه السلام في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره بسر من رأى، وخلف من الولد أبا محمد الحسن ابنه وهو الامام بعده والحسين ومحمد وجعفر، وابنته عائشة، وكان مقامه في سر من رأى إلى أن قبض عشر سنين وأشهرا وتوفي وسنه يومئذ على ما قدمناه إحدى وأربعين سنة.
13 - مناقب ابن شهرآشوب: أبو محمد الفحام بالاسناد عن سلمة الكاتب قال: قال خطيب يلقب بالهريسة للمتوكل: ما يعمل أحد بك ما تعمله بنفسك في علي بن محمد، فلا في الدار إلا من يخدمه، ولا يتعبونه يشيل الستر لنفسه، فأمر المتوكل بذلك فرفع صاحب الخبر أن علي بن محمد دخل الدار، فلم يخدم ولم يشل أحد بين يديه الستر فهب هواء فرفع الستر حتى دخل وخرج، فقال: شيلوا له الستر بعد ذلك فلا نريد أن يشيل له الهواء.
وفي تخريج أبي سعيد العامري رواية عن صالح بن الحكم بياع السابري قال: كنت واقفيا فلما أخبرني حاجب المتوكل بذلك أقبلت أستهزئ به إذ
خرج أبو الحسن فتبسم في وجهي من غير معرفة بيني وبينه، وقال: يا صالح إن الله تعالى قال في سليمان " وسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب " و نبيك وأوصياء نبيك أكرم على الله تعالى من سليمان، قال: وكأنما انسل من قلبي الضلالة، فتركت الوقف.
الحسين بن محمد قال: لما حبس المتوكل أبا الحسن عليه السلام ودفعه إلى علي ابن كركر قال أبو الحسن: أنا أكرم على الله من ناقة صالح " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب " فلما كان من الغد أطلقه واعتذر إليه فلما كان في اليوم الثالث وثب عليه ياغز وتامش ومعطون، فقتلوه وأقعدوا المنتصر ولده خليفة.
وفي رواية أبي سالم أن المتوكل أمر الفتح بسبه فذكر الفتح له ذلك فقال:
قل " تمتعوا في دار كم ثلاثة أيام " الآية وأنهى ذلك إلى المتوكل، فقال: أقتله بعد ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث قتل المتوكل والفتح.
14 - مناقب ابن شهرآشوب: أبو الهلقام وعبد الله بن جعفر الحميري والصقر الجبلي وأبو شعيب الحناط وعلي بن مهزيار قالوا كانت زينب الكذابة تزعم أنها ابنة علي بن أبي طالب عليه السلام فأحضرها المتوكل وقال: اذكري نسبك، فقالت: أنا زينب ابنة علي عليه السلام وأنها كانت حملت إلى الشام، فوقعت إلى بادية من بني كلب فأقامت بين ظهرانيهم.
فقال لها المتوكل: إن زينب بنت علي قديمة، وأنت شابة؟ فقالت: لحقتني دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله بأن يرد شبابي في كل خمسين سنة، فدعا المتوكل وجوه آل أبي طالب، فقال: كيف يعلم كذبها؟ فقال الفتح: لا يخبرك بهذا إلا ابن الرضا عليه السلام فأمر باحضاره وسأله فقال عليه السلام: إن في ولد علي عليه السلام علامة، قال:
وما هي؟ قال: لا تعرض لهم السباع، فألقها إلى السباع، فإن لم تعرض لها فهي صادقة، فقالت: يا أمير المؤمنين الله الله في فإنما أراد قتلي، وركبت الحمار وجعلت تنادي: ألا إنني زينب الكذابة.
وفي رواية أنه عرض عليها ذلك فامتنعت فطرحت للسباع فأكلتا.
قال علي بن مهزيار فقال علي بن الجهم: جرب هذا على قائله فأجيعت السباع ثلاثة أيام ثم دعا بالامام عليه السلام وأخرجت السباع فلما رأته لاذت و تبصبصت بآذانها، فلم يلتفت الإمام عليه السلام إليها، وصعد السقف وجلس عند المتوكل ثم نزل من عنده، والسباع تلوذ به، وتبصبص حتى خرج عليه السلام وقال: قال النبي صلى الله عليه وآله: حرم لحوم أولادي على السباع.
15 - مناقب ابن شهرآشوب: قال أبو جنيد: أمرني أبو الحسن العسكري بقتل فارس بن حاتم القزويني فناولني دارهم وقال: اشتر بها سلاحا واعرضه علي فذهبت فاشتريت سيفا فعرضته عليه، فقال: رد هذا وخذ غيره، قال: ورددته وأخذت مكانه ساطورا فعرضته عليه، فقال: هذا نعم، فجئت إلى فارس، وقد خرج من المسجد بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة فضربته على رأسه فسقط ميتا ورميت الساطور، واجتمع الناس واخذت إذ لم يوجد هناك أحد غيري فلم يروا معي سلاحا ولا سكينا ولا أثر الساطور، ولم يروا بعد ذلك فخليت.
16 - الكافي: مضى عليه السلام لأربع بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين و مائتين وله إحدى وأربعون سنة، وستة أشهر أو أربعون سنة، على المولد الآخر الذي روي، وكان المتوكل أشخصه مع يحيى بن هرثمة بن أعين من المدينة إلى سر من رأى فتوفي بها عليه السلام ودفن في داره.
17 - روضة الواعظين: توفي عليه السلام بسر من رأى لثلاث ليال خلون نصف النهار من
رجب، سنة أربع وخمسين ومائتين، وله يومئذ إحدى وأربعون سنة وسبعة أشهر وكانت مدة إمامته ثلاثا وثلاثين سنة، وكانت مدة مقامه بسر من رأى إلى أن قبض عليه السلام عشرين سنة وأشهرا.
18 - الدروس: أمه سمانة، ولد بالمدينة منتصف ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومائتين وقبض بسر من رأى في يوم الاثنين ثالث رجب سنة أربع وخمسين ومائتين ودفن في داره بها.
19 - مناقب ابن شهرآشوب: في آخر ملك المعتمد استشهد مسموما وقال ابن بابويه: وسمه المعتمد.
20 - إقبال الأعمال: في أدعية شهر رمضان: وضاعف العذاب على من شرك في دمه و هو المتوكل.
21 - كشف الغمة: قال الحافظ عبد العزيز: قال علي بن يحيى بن أبي منصور: كنت [يوما] بين يدي المتوكل، ودخل علي بن محمد بن علي بن موسى عليهم السلام فلما جلس قال له المتوكل: ما يقول ولد أبيك في العباس بن عبد المطلب؟ قال: ما يقول ولد أبي يا أمير المؤمنين في رجل فرض الله تعالى طاعة نبيه على جميع خلقه، وفرض طاعته على نبيه صلى الله عليه وآله.
22 - إعلام الورى: قبض عليه السلام بسر من رأى في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين و له يومئذ إحدى وأربعون سنة وأشهر، وكان المتوكل قد أشخصه مع يحيى بن هرثمة بن أعين من المدينة إلى سر من رأى فأقام بها حتى مضى لسبيله وكانت مدة إمامته ثلاثا وثلاثين سنة، وكان في أيام إمامته بقية ملك المعتصم، ثم ملك الواثق خمس سنين وسبعة أشهر، ثم ملك المتوكل أربع عشرة سنة، ثم ملك ابنه المنتصر أشهرا، ثم ملك المستعين وهو أحمد بن محمد بن المعتصم سنتين وتسعة أشهر ثم ملك المعتز وهو الزبير بن المتوكل ثماني سنين وستة أشهر، وفي آخر ملكه
استشهد ولي الله علي بن محمد عليهما السلام، ودفن في داره بسر من رأى، وكان مقامه عليه السلام بسر من رأى إلى أن توفي عشرين سنة وأشهرا.
23 - مروج الذهب للمسعودي: كانت وفاة أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام في خلافة المعتز بالله، وذلك يوم الاثنين لأربع بقين من جمادى الآخرة، سنة أربع وخمسين ومائتين وهو ابن أربعين سنة، وقيل ابن اثنتين وأربعين سنة، و قيل أقل من ذلك، وسمعت في جنازته جارية سوداء وهي تقول: ماذا لقينا من يوم الاثنين، وصلى عليه أحمد ابن المتوكل على الله في شارع أبي أحمد، ودفن هناك في داره بسامراء.
وحدثنا ابن أبي الأزهر، عن القاسم بن أبي عباد، عن يحيى بن هرثمة قال: وجهني المتوكل إلى المدينة لاشخاص علي بن محمد بن علي بن موسى عليه السلام لشئ بلغه عنه، فلما صرت إليها ضج أهلها وعجوا ضجيجا وعجيجا ما سمعت مثله فجعلت أسكنهم وأحلف أني لم أؤمر فيه بمكروه، وفتشت منزله، فلم أصب فيه إلا مصاحف ودعاء وما أشبه ذلك، فأشخصته وتوليت خدمته، وأحسنت عشرته.
فبينا أنافي يوم من الأيام والسماء صاحية والشمس طالعة، إذا ركب وعليه ممطر قد عقد ذنب دابته فتعجبت من فعله، فلم يكن من ذلك إلا هنيئة حتى جاءت سحابة فأرخت عزاليها، ونالنا من المطر أمر عظيم جدا فالتفت إلي فقال: أنا أعلم أنك أنكرت ما رأيت، وتوهمت أني أعلم من الامر ما لم تعلم، وليس ذلك كما
ظننت ولكني نشأت بالبادية، فأنا أعرف الرياح التي تكون في عقبها المطر فتأهبت لذلك.
فلما قدمت إلى مدينة السلام بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري وكان على بغداد، فقال: يا يحيى إن هذا الرجل قد ولده رسول الله صلى الله عليه وآله والمتوكل من تعلم، وإن حرضته عليه قتله، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله خصمك، فقلت: والله ما وقفت منه إلا على أمر جميل.
فصرت إلى سامراء فبدأت بوصيف التركي وكنت من أصحابه، فقال لي:
والله لئن سقط من رأس هذا الرجل شعرة لا يكون الطالب بها غيري، فتعجبت من قولهما وعرفت المتوكل ما وقفت عليه من أمره، وسمعته من الثناء فأحسن جائزته، وأظهر بره وتكرمته.
وحدثني محمد بن الفرج عن أبي دعامة، قال: أتيت علي بن محمد عليه السلام عائدا في علته التي كانت وفاته بها، فلما هممت بالانصراف قال لي: يا أبا دعامة قد وجب علي بن حقك ألا أحدثك بحديث تسر به؟ قال: فقلت له: ما أحوجني إلى ذلك يا ابن رسول الله.
قال: حدثني أبي محمد بن علي قال: حدثني أبي علي بن موسى قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد بن علي قال: حدثني أبي علي بن الحسين قال: حدثني أبي الحسين بن علي قال:
حدثني أبي علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي اكتب فقلت: ما أكتب؟ فقال: كتب بسم الله الرحمن الرحيم الايمان ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، والإسلام ما جرى على اللسان، وحلت به المناكحة.
قال أبو دعامة: فقلت: يا ابن رسول الله والله ما أدري أيهما أحسن؟ الحديث أم الاسناد؟ فقال: إنها لصحيفة بخط علي بن أبي طالب عليه السلام وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله نتوارثهما صاغر عن كابر.
قال المسعودي: وقد ذكرنا خبر علي بن محمد مع زينب الكذابة بحضرة المتوكل ونزوله إلى بركة السباع، وتذللها له، ورجوع زينب عما ادعته من أنها ابنة للحسين، وأن الله أطال عمرها إلى ذلك الوقت: في كتابا أخبار الزمان وقيل: إنه عليه السلام مات مسموما.
24 - عيون المعجزات: روي أن بريحة العباسي كتب إلى المتوكل:
إن كان لك في الحرمين حاجة فأخرج علي بن محمد منها فإنه قد دعا الناس إلى نفسه واتبعه خلق كثير، ثم كتب إليه بهذا المعنى زوجة المتوكل فنفذ يحيى بن هرثمة وكتب معه إلى أبي الحسن عليه السلام كتابا جيدا يعرفه أنه قد اشتاق إليه و سأله القدوم عليه وأمر يحيى بالمسير إليه وكتب إلى بريحة يعرفه ذلك.
فقدم يحيى المدينة، وبدأ ببريحة، وأصل الكتاب إليه ثم ركبا جميعا إلى أبي الحسن عليه السلام وأوصلا إليه كتاب المتوكل فاستأجلها ثلاثة أيام، فلما كان بعد ثلاثة عادا إلى داره فوجدا الدواب مسرجة والأثقال مشدودة، قد فرغ منها فخرج صلوات الله عليه متوجها إلى العراق ومعه يحيى بن هرثمة.
وروي أنه لما كان في يوم الفطر في السنة التي قتل فيها المتوكل أمر المتوكل بني هاشم بالترجل والمشي بين يديه، وإنما أراد بذلك أن يترجل أبو الحسن عليه السلام.
فترجل بنو هاشم وترجل أبو الحسن عليه السلام واتكأ على رجل من مواليه فأقبل عليه الهاشميون وقالوا: يا سيدنا ما في هذا العالم أحد يستجاب دعاؤه ويكفينا الله، به تعزز هذا، قال لهم أبو الحسن عليه السلام: في هذا العالم من قلامة ظفره أكرم على الله من ناقة ثمود لما عقرت الناقة صالح الفصيل إلى الله تعالى فقال الله سبحانه:
" تمتعوا في دار كم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب " فقتل المتوكل يوم الثالث.
وروي أن المتوكل قتل في الرابع من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين في سبع وعشرين سنة من إمامة أبي الحسن عليه السلام وبويع لابنه محمد بن جعفر المنتصر وملك سبعة أشهر ومات، وبويع لأحمد المستعين بن المعتصم وكان ملكه أربع سنين ثم خلع وبويع للمعتز بن المتوكل، وروي أن اسمه الزبير في سنة اثنتين وخمسين ومائتين وذلك في اثنتين وثلاثين سنة من إمامة أبي الحسن عليه السلام في سنة أربع وخمسين ومائتين وأحضر ابنه أبا محمد الحسن عليه السلام وأعطاه النور والحكمة ومواريث الأنبياء والسلاح، ونص عليه وأوصى إليه بمشهد ثقات من أصحابه ومضى عليه السلام وله أربعون سنة ودفن بسر من رأى.
25 - البرسي في مشارق الأنوار: عن محمد بن الحسن الجهني قال: حضر مجلس المتوكل مشعبذ هندي فلعب عنده بالحق فأعجبه فقال له المتوكل: يا هندي الساعة يحضر مجلسنا رجل شريف فإذا حضر فالعب عنده بما يخجله.
قال: فلما حضر أبو الحسن عليه السلام المجلس لعب الهندي فلم يلتفت إليه فقال له: يا شريف ما يعجبك لعبي؟ كأنك جائع، ثم أشار إلى صورة مدورة في البساط على شكل الرغيف، وقال: يا رغيف مر إلى هذا الشريف، فارتفعت الصورة فوضع أبو الحسن عليه السلام يده على صورة سبع في البساط وقال: قم فخذ هذا فصارت الصورة سبع وابتلع الهندي وعاد إلى مكانه في البساط فسقط المتوكل لوجهه وهرب من كان قائما.
أقول: قال المسعودي في مروج الذهب: سعي إلى المتوكل بعلي بن محمد الجواد عليهما السلام أن في منزله كتبا وسلاحا من شيعته من أهل قم، وأنه عازم على الوثوب بالدولة، فبعث إليه جماعة من الأتراك، فهجموا داره ليلا فلم يجدوا فيها شيئا ووجدوه في بيت مغلق عليه، وعليه مدرعة من صوف، وهو جالس على الرمل والحصا وهو متوجه إلى الله تعالى يتلو آيات من القرآن.
فحمل على حاله تلك إلى المتوكل وقالوا له: لم نجد في بيته شيئا ووجدناه يقرء القرآن مستقبل القبلة، وكان المتوكل جالسا في مجلس الشرب فدخل عليه والكاس في يد المتوكل.
فلما رآه هابه وعظمه وأجلسه إلى جانبه، وناوله الكاس التي كانت في يده فقال: والله ما يخامر لحمي ودمي قط، فاعفني فأعفاه، فقال: أنشدني شعرا فقال عليه السلام: إني قليل الرواية للشعر فقال: لابد فأنشده عليه السلام وهو جالس عنده:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فلم تنفعهم القلل.
واستنزلوا بعد عز من معاقلهم * وأسكنوا حفرا يا بئسما نزلوا ناداهم صارخ من بعد دفنهم * أين الأساور والتيجان والحلل.
أين الوجوه التي كانت منعمة * من دونها تضرب الأستار والكلل فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدود تقتتل قد طال ما أكلوا دهرا وقد شربوا * وأصبحوا اليوم بعد الأكل قد أكلوا قال: فبكى المتوكل حتى بلت لحيته دموع عينيه، وبكى الحاضرون، و دفع إلى علي عليه السلام أربعة آلاف دينار، ثم رده إلى منزله مكرما.
أقول: روى الكراجكي في كنز الفوائد وقال: فضرب المتوكل بالكأس
الأرض وتنغص عيشه في ذلك اليوم.
26 - كتاب الاستدراك: عن ابن قولويه باسناده إلى محمد بن العلا السراج قال: أخبرني البختري قال: كنت بمنبج بحضرة المتوكل إذ دخل عليه رجل من أولاد محمد ابن الحنفية حلو العينين، حسن الثياب، قد قرف عنده بشئ فوقف بين يديه والمتوكل مقبل على الفتح يحدثه.
فلما طال وقوف الفتى بين يديه وهو لا ينظر إليه قال له: يا أمير المؤمنين إن كنت أحضرتني لتأديبي فقد أسأت الأدب، وإن كنت قد أحضرتني ليعرف من بحضرتك من أو باش الناس استهانتك بأهلي فقد عرفوا.
فقال له المتوكل: والله يا حنفي لولا ما يثنيني عليك من أوصال الرحم ويعطفني عليك من مواقع الحلم لانتزعت لسانك بيدي، ولفرقت بين رأسك وجسدك ولو كان بمكانك محمد أبوك قال: ثم التفت إلى الفتح فقال: أما ترى ما نلقاه من آل أبي طالب؟ إما حسني يجذب إلى نفسه تاج عز نقله الله إلينا قبله، أو حسيني يسعى في نقض ما أنزل الله إلينا قبله أو حنفي يدل بجهله أسيافنا على سفك دمه.
فقال له الفتى: وأي حلم تركته لك الخمور وإدمانها؟ أم العيدان وفتيانها ومتى عطفك الرحم على أهلي وقد ابتززتهم فدكا إرثهم من رسول الله صلى الله عليه وآله فورثها أبو حرملة، وأما ذكرك محمدا أبي فقد طفقت تضع عن عز رفعه الله ورسوله، وتطاول شرفا تقصر عنه ولا تطوله، فأنت كما قال الشاعر:
فغض الطرف إنك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا ثم ها أنت تشكو لي علجك هذا ما تلقاه من الحسني والحسيني والحنفي فلبئس المولى ولبئس العشير.
ثم مد رجليه ثم قال: هاتان رجلاي لقيدك، وهذه عنقي لسيفك، فبؤ بإثمي
وتحمل ظلمي فليس هذا أول مكروه أوقعته أنت وسلفك بهم، يقول الله تعالى " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " فوالله ما أجبت رسول الله صلى الله عليه وآله عن مسألته ولقد عطفت بالمودة على غير قرابته، فعما قليل ترد الحوض، فيذودك أبي ويمنعك جدي صلوات الله عليهما.
قال: فبكى المتوكل ثم قام فدخل إلى قصر جواريه، فلما كان من الغد أحضره وأحسن جائزته وخلى سبيله.
27 - ومن الكتاب المذكور بإسناده أن المتوكل قيل له: إن أبا الحسن يعني علي بن محمد بن علي الرضا عليه السلام يفسر قول الله عز وجل " يوم يعض الظالم على يديه " الآيتين في الأول والثاني، قال: فكيف الوجه في أمره؟ قالوا: تجمع له الناس وتسأله بحضرتهم فان فسرها بهذا كفاك الحاضرون أمره وإن فسرها بخلاف ذلك افتضح عند أصحابه، قال: فوجه إلى القضاة وبني هاشم والأولياء وسئل عليه السلام فقال: هذان رجلان كنى عنهما، ومن بالستر عليهما أفيحب أمير المؤمنين أن يكشف ما ستره الله؟ فقال: لا أحب.
كتاب المقتضب لابن عياش - رحمه الله - قال: لمحمد بن إسماعيل بن صالح الصيمري رحمه الله قصيدة يرثي بها مولانا أبا الحسن الثالث عليه السلام ويعزي ابنه أبا محمد عليه السلام أو لها:
الأرض خوفا زلزلت زلزالها * وأخرجت من جزع أثقالها إلى أن قال:
عشر نجوم أفلت في فلكها * ويطلع الله لنا أمثالها بالحسن الهادي أبي محمد * تدرك أشياع الهدى آمالها وبعده من يرتجى طلوعه * يظل جواب الفلا أجزالها ذو الغيبتين الطول الحق التي * لا يقبل الله من استطالها يا حجج الرحمان إحدى عشرة * آلت بثاني عشرها مآلها.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.