بحارالانوار · المجلد الثاني عشر
21 باب شهادته وتغسيله ودفنه ومبلغ سنه صلوات الله عليه
ج ۴۹، ص ۲۹۱–۳۱۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
2 - الكافي: قبض عليه السلام في صفر من سنة ثلاث ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة وتوفي عليه السلام بطوس في قرية يقال لها سناباد من نوقان على دعوة، ودفن عليه السلام بها وكان المأمون أشخصه من المدينة إلى مرو على طريق البصرة وفارس، فلما خرج المأمون وشخص إلى بغداد أشخصه معه فتوفي في هذه القرية.
3 - الكافي: سعد والحميري معا، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان قال: قبض علي بن موسى عليه السلام وهو ابن تسع وأربعين سنة وأشهر، في عام اثنتين ومائتين: عاش بعد موسى بن جعفر عليهما السلام عشرين سنة إلا شهرين أو ثلاثة.
4 - مصباح الكفعمي: توفي الرضا عليه السلام في سابع عشر شهر صفر يوم الثلاثاء سنة ثلاث و مائتين سمه المأمون في عنب وكان له أحد وخمسون سنة.
5 - روضة الواعظين: كان وفاته عليه السلام يوم الجمعة في شهر رمضان سنة ثلاث ومائتين وهو يومئذ ابن خمس وخمسين سنة، وكانت مدة خلافته عشرين سنة.
6 - الدروس: قبض عليه السلام بطوس في صفر سنة ثلاث ومائتين.
7 - العدد: في الثالث والعشرين من ذي القعدة كانت وفاة مولانا أبي الحسن الرضا عليه السلام. وفي كتاب مواليد الأئمة في عام اثنين ومائتين وفي كتاب المناقب يوم الجمعة لسبع بقين من رمضان سنة اثنتين ومائتين، وقيل: سنة ثلاث، وفي الدر: يوم الجمعة غرة شهر رمضان سنة اثنتين ومائتين وكذا في كتاب الذخيرة.
وقال الطبرسي: في آخر صفر سنة ثلاث ومائتين وقيل يوم الاثنين رابع عشر سنة اثنتين ومائتين بالسم في العنب في زمن المأمون بطوس وقيل دفن في دار حميد بن قحطبة في قرية يقال لها سناباد بأرض طوس من رستاق نوقان، وفيها قبر الرشيد وعمره يومئذ خمس وخمسون سنة، وقيل تسع وأربعون سنة وستة أشهر، وقيل و أربعة أشهر، وقيل تسعة وأربعون سنة ألا ثمانية أيام: أقام مع أبيه تسعة وعشرين سنة وأشهرا وبعد أبيه اثنين وعشرين سنة إلا شهرا وقيل عشرين سنة.
8 - عيون أخبار الرضا (ع): تميم القرشي، عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن خلف الطاطري عن هرثمة بن أعين قال: كنت ليلة بين يدي المأمون حتى مضى من الليل أربع ساعات ثم أذن لي في الانصراف، فانصرف، فلما مضى من الليل نصفه قرع قارع الباب فأجابه بعض غلماني، فقال له: قل لهرثمة: أجب سيدك، قال: فقمت مسرعا وأخذت علي أثوابي وأسرعت إلى سيدي الرضا عليه السلام فدخل الغلام بين يدي ودخلت وراءه فإذا أنا بسيدي عليه السلام في صحن داره جالس .
فقال: يا هرثمة فقلت لبيك يا مولاي فقال لي: اجلس فجلست فقال لي: اسمع وع يا هرثمة، هذا أوان رحيلي إلى الله تعالى ولحوقي بجدي وآبائي عليهم السلام وقد
بلغ الكتاب أجله، وقد عزم هذا الطاغي على سمي في عنب ورمان مفروك، فأما العنب فإنه يغمس السلك في السم ويجذبه بالخيط في العنب وأما الرمان فإنه يطرح السم في كف بعض غلمانه ويفرك الرمان بيده ليلطخ حبه في ذلك السم.
وإنه سيدعوني في ذلك اليوم المقبل، ويقرب إلى الرمان والعنب، ويسألني أكلهما فآكلهما، ثم ينفذ الحكم ويحضر القضاء فإذا أنا مت فسيقول أنا اغسله بيدي فإذا قال ذلك، فقل له عني بينك وبينه، إنه قال لي لا تتعرض لغسلي ولا لتكفيني ولا لدفني، فإنك إن فعلت ذلك عاجلك من العذاب ما اخر عنك، وحل بك أليم ما تحذر، فإنه سينتهي.
قال: فقلت: نعم يا سيدي قال: فإذا خلى بينك وبين غسلي فسيجلس في علو من أبنيته، مشرفا على موضع غسلي لينظر، فلا تعرض يا هرثمة لشئ من غسلي حتى ترى فسطاطا أبيض قد ضربت في جانب الدار، فإذا رأيت ذلك فاحملني في أثوابي التي أنا فيها فضعني من وراء الفسطاط وقف من ورائه، ويكون من معك دونك ولا تكشف عن الفسطاط حتى تراني فتهلك، فإنه سيشرف عليك ويقول لك: يا هرثمة أليس زعمتم أن الامام لا يغسله إلا إمام مثله فمن يغسل أبا الحسن علي بن موسى وابنه محمد بالمدينة من بلاد الحجاز ونحن بطوس؟.
فإذا قال ذلك فأجبه وقل له: إنا نقول إن الامام لا يحب أن يغسله إلا إمام فان تعدى متعد وغسل الامام لم تبطل إمامة الامام لتعدي غاسله، ولا بطلت إمامة الامام الذي بعده بأن غلب على غسل أبيه، ولو ترك أبو الحسن علي بن موسى بالمدينة لغسله ابنه محمد ظاهرا مكشوفا ولا يغسله الآن أيضا إلا هو من حيث يخفى. فإذا ارتفع الفسطاط فسوف تراني مدرجا في أكفاني، فضعني على نعش واحملني.
فإذا أراد أن يحفر قبري فإنه سيجعل قبر أبيه هارون الرشيد قبلة لقبري ولا يكون ذلك أبدا فإذا ضربت المعاول نبت عن الأرض ولم ينحفر منها شئ، ولا
مثل قلامة ظفر، فإذا اجتهدوا في ذلك وصعب عليهم فقل له عني: إني أمرتك أن تضرب معولا واحدا في قبلة قبر أبيه هارون الرشيد فإذا ضربت نفذ في الأرض إلى قبر محفور وضريح قائم.
فإذا انفرج ذلك القبر فلا تنزلني إليه حتى يفور من ضريحه الماء الأبيض فيمتلئ منه ذلك القبر، حتى يصير الماء مع وجه الأرض، ثم يضطرب فيه حوت بطوله فإذا اضطرب فلا تنزلني إلى القبر إلا إذا غاب الحوت وغار الماء، فأنزلني في ذلك القبر وألحدني في ذلك الضريح، ولا تتركهم يأتوا بتراب يلقونه علي فان القبر ينطبق بنفسه ويمتلئ، قال: قلت نعم يا سيدي ثم قال لي: احفظ ما عهدت إليك واعمل به، ولا تخالف، قلت: أعوذ بالله أن أخالفك أمرا يا سيدي قال هرثمة: ثم خرجت باكيا حزينا فلم أزل كالحبة على المقلاة لا يعلم ما في نفسي إلا الله تعالى.
ثم دعاني المأمون فدخلت إليه فلم أزل قائما إلى ضحى النهار ثم قال المأمون:
امض يا هرثمة إلى أبي الحسن فاقرأه مني السلام وقل له تصير إلينا أو نصير إليك؟
فان قال لك بل نصير إليه فتسأله عني أن يقدم ذلك قال: فجئته فإذا اطلعت عليه قال لي: يا هرثمة أليس قد حفظت ما أوصيتك به؟ قلت: بلى، قال: قدموا نعلي فقد علمت ما أرسلك به، قال: فقدمت نعله ومشى إليه، فلما دخل المجلس قام إليه المأمون قائما فعانقه، وقبل بين عينيه، وأجلسه إلى جانبه على سريره، و أقبل عليه يحادثه ساعة من النهار طويلة، ثم قال لبعض غلمانه: يؤتى بعنب ورمان.
قال هرثمة: فلما سمعت ذلك لم أستطع الصبر، ورأيت النفضة قد عرضت في بدني فكرهت أن يتبين ذلك في فتراجعت القهقري حتى خرجت
فرميت نفسي في موضع من الدار.
فلما قرب زوال الشمس أحسست بسيدي قد خرج من عنده ورجع إلى داره ثم رأيت الآمر قد خرج من عند المأمون باحضار الأطباء والمترفقين، قلت ما هذا؟ فقيل لي: علة عرضت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام فكان الناس في شك وكنت على يقين، لما أعرف منه.
قال: فلما كان من الثلث الثاني من الليل علا الصياح، وسمعت الوجبة من الدار فأسرعت فيمن أسرع، فإذا نحن بالمأمون مكشوف الرأس محل الأزرار قائما على قدميه ينتحب ويبكي، قال: فوقفت فيمن وقفوا وأنا أتنفس الصعداء ثم أصبحنا فجلس المأمون للتعزية ثم قام فمشى إلى الموضع الذي فيه سيدنا عليه السلام فقال: أصلحوا لنا موضعا فاني أريد أن اغسله فدنوت منه فقلت له ما قاله سيدي بسب الغسل والتكفين والدفن، فقال لي: لست أعرض لذلك، ثم قال: شأنك يا هرثمة.
قال: فلم أزل قائما حتى رأيت الفسطاط قد ضرب، فوقفت من ظاهره وكل من في الدار دوني، وأنا أسمع التكبير والتهليل والتسبيح، وتردد الأواني وصب الماء وتضوع الطيب الذي لم أشم أطيب منه قال: فإذا أنا بالمأمون قد أشرف علي من بعض علالي داره، فصاح بي: يا هرثمة أليس زعمتم أن الامام لا يغسله إلا إمام مثله؟ فأين محمد بن علي ابنه عنه؟ وهو بمدينة الرسول وهذا بطوس بخراسان؟
قال: قلت له: يا أمير المؤمنين إنا نقول إن الامام لا يجب أن يغسله إلا إمام مثله، فان تعدى متعد فغسل الامام لم تبطل إمامة الامام لتعدي غاسله ولا بطلت إمامة الامام الذي بعده، بأن غلب على غسل أبيه، ولو ترك أبو الحسن علي ابن موسى الرضا عليهما السلام بالمدينة لغسله ابنه محمد ظاهرا ولا يغسله الآن أيضا إلا هو من حيث يخفى.
قال: فسكت عني ثم ارتفع الفسطاط فإذا أنا بسيدي عليه السلام مدرج في أكفانه
فوضعته على نعشه، ثم حملناه فصلى عليه المأمون وجميع من حضر ثم جئنا إلى موضع القبر، فوجدتهم يضربون بالمعاول دون قبر هارون ليجعلوه قبلة لقبره والمعاول تنبو عنه لا تحفر ذرة من تراب الأرض.
فقال لي: ويحك يا هرثمة أما ترى الأرض كيف تمتنع من حفر قبر له؟
فقلت: يا أمير المؤمنين إنه قد أمرني أن أضرب معولا واحدا في قبلة قبر أمير المؤمنين أبيك الرشيد لا أضرب غيره، قال: فإذا ضربت يا هرثمة يكون ماذا؟
قلت: إنه أخبر أنه لا يجوز أن يكون قبر أبيك قبلة لقبره، فان أنا ضربت هذا المعول الواحد نفذ إلى قبر محفور من غير يد تحفره وبان ضريح في وسطه فقال المأمون:
سبحان الله ما أعجب هذا الكلام ولا عجب من أمر أبي الحسن، فاضرب يا هرثمة حتى نرى.
قال هرثمة: فأخذت المعول بيدي فضربت في قبلة قبر هارون الرشيد فنفذ إلى قبر محفور، وبان ضريح في وسطه، والناس ينظرون إليه، فقال: أنزله إليه يا هرثمة فقلت: يا أمير المؤمنين إن سيدي أمرني أن لا أنزل إليه حتى ينفجر من أرض هذا القبر ماء أبيض فيمتلئ منه القبر، حتى يكون الماء مع وجه الأرض ثم يضطرب فيه حوت بطول القبر، فإذا غاب الحوت وغار الماء، وضعته على جانب قبره، وخليت بينه وبين ملحده، قال فافعل يا هرثمة ما أمرت به.
قال هرثمة: فانتظرت ظهور الماء والحوت، فظهر ثم غاب وغار الماء والناس ينظرون إليه ثم جعلت النعش إلى جانب قبره، فغطي قبره بثوب أبيض لم أبسطه ثم أنزل به إلى قبره بغير يدي ولا يد أحد ممن حضر، فأشار المأمون إلى الناس أن هالوا التراب بأيديكم فاطرحوه فيه، فقلت: لا تفعل يا أمير المؤمنين قال: فقال: ويحك فمن يملؤه؟ فقلت: قد أمرني أن لا يطرح عليه التراب وأخبرني أن القبر يمتلئ من ذات نفسه ثم ينطبق ويتربع على وجه الأرض، فأشار المأمون إلى الناس أن كفوا.
قال: فرموا ما في أيديهم من التراب، ثم امتلأ القبر وأنطبق وتربع على وجه الأرض فانصرف المأمون وانصرف ودعاني المأمون وخلا بي ثم قال: أسألك بالله يا هرثمة لما أصدقتني عن أبي الحسن عليه السلام قدس الله روحه بما سمعته منك ، فقلت قد أخبرت أمير المؤمنين بما قال لي، فقال: بالله إلا ما قد صدقتني عما أخبرك به غير الذي قلت لي.
قلت: يا أمير المؤمنين! فعما تسألني؟ فقال: يا هرثمة، هل أسر إليك شيئا غير هذا؟ قلت: نعم، قال: ما هو؟ قلت: خبر العنب والرمان، قال: فأقبل المأمون يتلون ألوانا يصفر مرة ويحمر أخرى ويسود أخرى ثم تمدد مغشيا عليه، فسمعته في غشيته وهو يهجر، ويقول: ويل للمأمون من الله، ويل له من رسوله، ويل له من علي، ويل للمأمون من فاطمة، ويل للمأمون من الحسن والحسين، ويل للمأمون من علي بن الحسن، ويل له من محمد بن علي، ويل للمأمون من جعفر بن محمد، ويل له من موسى بن جعفر، ويل له من علي بن موسى الرضا هذا والله هو الخسران المبين، يقول هذا القول ويكرره.
فلما رأيته قد أطال ذلك وليت عنه، وجلست في بعض نواحي الدار، قال:
فجلس ودعاني فدخلت إليه وهو جالس كالسكران فقال: والله ما أنت أعز علي منه ولا جميع من في الأرض والسماء، لئن بلغني أنك أعدت بعد ما سمعت ورأيت شيئا ليكونن هلاكك فيه.
قال: فقلت يا أمير المؤمنين إن ظهرت على شئ من ذلك مني فأنت في حل من دمي قال: لا والله أو تعطيني عهدا وميثاقا على كتمان هذا وترك إعادته، فأخذ علي العهد والميثاق وأكده علي قال: فلما وليت عنه صفق بيده وقال: يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول، وكان الله بما تعملون محيطا.
وكان للرضا عليه السلام من الولد محمد الامام وكان يقال له: الرضا، والصادق
والصابر، والفاضل، وقرة أعين المؤمنين، وغيظ الملحدين.
بيان: نبت عن الأرض أي ارتفعت، ولم تؤثر فيها من قولهم نبا الشئ عني أي تجافى وتباعد، ونبا السيف إذا لم يعمل في الضريبة، قوله " والمترفقين " أي الأطباء المعالجين برفق، قال الجزري: في الحديث أنت رفيق والله الطبيب أي أنت ترفق بالمريض وتتلطفه وهو الذي يبرءه ويعافيه " والوجبة " صوت السقطة، و " العلالي " جمع العلية بالكسر وهي الغرقة.
9 - عيون أخبار الرضا (ع): الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن ياسر الخادم قال: لما كان بيننا وبين طوس سبعة منازل اعتل أبو الحسن عليه السلام فدخلنا طوس وقد اشتدت به العلة، فبقينا بطوس أياما فكان المأمون يأتيه في كل يوم مرتين فلما كان في آخر يومه الذي قبض فيه كان ضعيفا في ذلك اليوم فقال لي بعد ما صلى الظهر: يا ياسر أكل الناس شيئا؟ قلت: يا سيدي من يأكل ههنا مع ما أنت فيه.
فانتصب عليه السلام ثم قال: هاتوا المائدة ولم يدع من حشمه أحدا إلا أقعده معه على المائدة يتفقد واحدا واحدا، فلما أكلوا قال: ابعثوا إلى النساء بالطعام فحمل الطعام إلى النساء فلما فرغوا من الأكل أغمي عليه وضعف، فوقعت الصيحة وجاءت جواري المأمون ونساؤه حافيات حاسرات، ووقعت الوجبة بطوس وجاء المأمون حافيا وحاسرا يضرب على رأسه، ويقبض على لحيته، ويتأسف ويبكي و تسيل الدموع على خديه فوقف على الرضا عليه السلام وقد أفاق فقال: يا سيدي والله ما أدري أي المصيبتين أعظم علي فقدي لك وفراقي إياك أو تهمة الناس لي أني اغتلتك وقتلتك، قال: فرفع طرفه إليه ثم قال: أحسن يا أمير المؤمنين معاشرة أبي جعفر، فان عمرك وعمره هكذا وجمع بين سبابتيه.
قال: فلما كان من تلك الليلة قضى عليه بعد ما ذهب من الليل بعضه، فلما أصبح اجتمع الخلق وقالوا: هذا قتله واغتاله يعني المأمون وقالوا: قتل ابن رسول
الله وأكثروا القول والجلبة، وكان محمد بن جعفر بن محمد عليهما السلام استأمن إلى المأمون وجاء إلى خراسان وكان عم أبي الحسن فقال له المأمون: يا أبا جعفر اخرج إلى الناس وأعلمهم أن أبا الحسن لا يخرج اليوم وكره أن يخرجه فتقع الفتنة فخرج محمد بن جعفر إلى الناس فقال: أيها الناس تفرقوا فان أبا الحسن لا يخرج اليوم، فتفرق الناس وغسل أبو الحسن في الليل، ودفن.
قال علي بن إبراهيم : وحدثني ياسر بما لم أحب ذكره في الكتاب.
10 - أمالي الصدوق، عيون أخبار الرضا (ع): ماجيلويه وابن المتوكل والهمداني وأحمد بن علي بن إبراهيم وابن تاتانة والمكتب والوراق جميعا، عن علي، عن أبيه، عن أبي الصلت الهروي قال: بينا أنا واقف بين يدي أبي الحسن عليه السلام إذ قال لي: يا أبا الصلت ادخل هذه القبة التي فيها قبر هارون وائتني بتراب من أربعة جوانبها، قال: فمضيت فأتيت به فلما مثلت بين يديه، قال لي: ناولني هذا التراب، وهو من عند الباب فناولته فأخذه وشمه ثم رمى به ثم قال: سيحفر لي ههنا، فتظهر صخرة لو جمع عليها كل معول بخراسان لم يتهيأ قلعها ثم قال في الذي عند الرجل، والذي عند الرأس مثل ذلك ثم قال: ناولني هذا التراب فهو من تربتي.
ثم قال: سيحفر لي في هذا الموضع فتأمرهم أن يحفروا إلى سبع مراقي إلى أسفل وأن تشق لي ضريحه، فان أبوا إلا أن يلحدوا فتأمرهم أن يجعلوا اللحد ذراعين وشبرا فان الله تعالى سيوسعه ما يشاء، وإذا فعلوا ذلك فإنك ترى عند رأسي نداوة، فتكلم بالكلام الذي أعلمك فإنه ينبع الماء حتى يمتلئ اللحد وترى فيه حيتانا صغارا ففتت لها الخبز الذي أعطيك فإنها تلتقطه، فإذا لم يبق منه شئ خرجت منه حوتة كبيرة فالتقطت الحيتان الصغار حتى لا يبقى منها شئ ثم تغيب فإذا غابت فضع يدك على الماء ثم تكلم بالكلام الذي أعلمك فإنه ينضب الماء ولا يبقى منه شئ ولا تفعل ذلك إلا بحضرة المأمون.
ثم قال عليه السلام: يا أبا الصلت غدا أدخل على هذا الفاجر، فان أنا خرجت مكشوف الرأس فتكلم أكلمك، وإن خرجت وأنا مغطى الرأس فلا تكلمني قال أبو الصلت: فلما أصبحنا من الغد لبس ثيابه، وجلس فجعل في محرابه ينتظر، فبينا هو كذلك إذ دخل عليه غلام المأمون، فقال له: أجب أمير المؤمنين، فلبس نعله ورداءه، وقام ومشى وأنا أتبعه حتى دخل على المأمون، وبين يديه طبق عليه عنب وأطباق فاكهة، وبيده عنقود عنب قد أكل بعضه، وبقي بعضه.
فلما أبصر الرضا عليه السلام وثب إليه فعانقه وقبل ما بين عينيه وأجلسه معه ثم ناوله العنقود، وقال: يا ابن رسول الله ما رأيت عنبا أحسن من هذا، فقال له الرضا عليه السلام: ربما كان عنبا حسنا يكون من الجنة فقال له: كل منه، فقال له الرضا عليه السلام: تعفيني عنه، فقال: لا بد من ذلك وما يمنعك منه لعلك تتهمنا بشئ فتناول العنقود فأكل منه، ثم ناوله فأكل منه الرضا عليه السلام ثلاث حبات ثم رمى به وقام فقال المأمون: إلى أين؟ فقال: إلى حيث وجهتني، وخرج مغطى الرأس فلم أكلمه حتى دخل الدار فأمر أن يغلق الباب فغلق ثم نام على فراشه ومكثت واقفا في صحن الدار مهموما محزونا.
فبينا أنا كذلك إذ دخل علي شاب حسن الوجه، قطط الشعر، أشبه الناس بالرضا عليه السلام فبادرت إليه وقلت له: من أين دخلت والباب مغلق؟ فقال: الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار والباب مغلق، فقلت له:
ومن أنت؟ فقال لي: أنا حجة الله عليك، يا أبا الصلت أنا محمد بن علي. ثم مضى نحو أبيه عليه السلام فدخل وأمرني بالدخول معه، فلما نظر إليه الرضا عليه السلام وثب إليه فعانقه وضمه إلى صدره، وقبل ما بين عينيه، ثم سحبه سحبا في فراشه وأكب عليه محمد بن علي عليها السلام يقبله ويساره بشئ لم أفهمه.
ورأيت في شفتي الرضا عليه السلام زبدا أشد بياضا من الثلج، ورأيت أبا جعفر عليه السلام يلحسه بلسانه ثم أدخل يده بين ثوبيه وصدره، فاستخرج منه شيئا شبيها بالعصفور فابتلعه أبو جعفر ومضى الرضا عليه السلام فقال أبو جعفر عليه السلام: يا أبا الصلت قم ائتني
بالمغتسل والماء من الخزانة، فقلت: ما في الخزانة مغتسل ولا ماء، فقال لي: انته إلى ما آمرك به، فدخلت الخزانة فإذا فيها مغتسل وماء فأخرجته وشمرت ثيابي لأغسله معه فقال لي: تنح يا أبا الصلت فان لي من يعينني غيرك، فغسله.
ثم قال لي: ادخل الخزانة، فأخرج لي السفط الذي فيه كفنه وحنوطه فدخلت فإذا أنا بسفط لم أره في تلك الخزانة قط فحملته إليه فكفنه وصلى عليه ثم قال لي: ائتني بالتابوت، فقلت: أمضي إلى النجار حتى يصلح التابوت قال:
قم فان في الخزانة تابوتا فدخلت الخزانة فوجدت تابوتا لم أره قط فأتيته به فأخذ الرضا عليه السلام بعد ما صلى عليه فوضعه في التابوت وصف قدميه وصلى ركعتين لم يفرغ منهما حتى علا التابوت فانشق السقف، فخرج منها التابوت ومضى.
فقلت يا ابن رسول الله الساعة يجيئنا المأمون ويطالبنا بالرضا عليه السلام فما نصنع؟
فقال لي: اسكت فإنه سيعود يا أبا الصلت ما من نبي يموت بالمشرق، ويموت وصيه بالمغرب إلا جمع الله تعالى بين أرواحهما وأجسادهما، فما أتم الحديث حتى انشق السقف ونزل التابوت فقام عليه السلام فاستخرج الرضا عليه السلام من التابوت ووضعه على فراشه كأنه لم يغسل ولم يكفن.
ثم قال لي: يا أبا الصلت قم فافتح الباب للمأمون ففتحت الباب، فإذا المأمون والغلمان بالباب، فدخل باكيا حزينا قد شق جيبه، ولطم رأسه، وهو يقول:
يا سيداه فجعت بك يا سيدي، ثم دخل وجلس عند رأسه وقال خذوا في تجهيزه فأمر بحفر القبر، فحفرت الموضع فظهر كل شئ على ما وصفه الرضا عليه السلام فقال له بعض جلسائه: ألست تزعم أنه إمام؟ قال: بلى، قال لا يكون إلا مقدم الناس فأمر أن يحفر له في القبلة فقلت: أمرني أن أحفر له سبع مراقي وأن أشق له ضريحه فقال:
انتهوا إلى ما يأمر به أبو الصلت سوى الضريح، ولكن يحفر له ويلحد.
فلما رأى ما ظهر من النداوة والحيتان وغير ذلك قال المأمون: لم يزل الرضا عليه السلام يرينا عجائبه في حياته حتى أراناها بعد وفاته أيضا فقال له وزير كان معه:
أتدري ما أخبرك به الرضا عليه السلام؟ قال: لا، قال: إنه أخبرك أن ملككم يا بني
العباس مع كثرتكم وطول مدتكم مثل هذه الحيتان حتى إذا فنيت آجالكم وانقطعت آثاركم، وذهبت دولتكم، سلط الله تعالى عليكم رجلا منا فأفناكم عن آخركم قال له: صدقت.
ثم قال لي: يا أبا الصلت علمني الكلام الذي تكلمت به، قلت: والله لقد نسيت الكلام من ساعتي، وقد كنت صدقت، فأمر بحبسي ودفن الرضا عليه السلام فحبست سنة فضاق علي الحبس، وسهرت الليلة ودعوت الله تعالى بدعاء ذكرت فيه محمدا وآله صلوات الله عليهم وسألت الله تعالى بحقهم أن يفرج عني.
فلم أستتم الدعاء حتى دخل علي أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام فقال: يا أبا الصلت ضاق صدرك، فقلت: إي والله، قال قم فأخرجني ثم ضرب يده إلى القيود التي كانت ففكها وأخذ بيدي وأخرجني من الدار والحرسة والغلمة يرونني، فلم يستطيعوا أن يكلموني وخرجت من باب الدار ثم قال لي: امض في ودائع الله فإنك لن تصل إليه ولا يصل إليك أبدا فقال أبو الصلت: فلم ألتق مع المأمون إلى هذا الوقت.
بيان: قوله عليه السلام " ربما كان عنبا " أي كثيرا ما يكون العنب عنبا حسنا يكون من الجنة، والحاصل أن العنب الحسن إنما يكون في الجنة التي أنت محروم منها، والسحب: الجر.
11 - عيون أخبار الرضا (ع): البيهقي، عن الصولي، عن أبي ذكوان قال سمعت إبراهيم بن العباس قال: كانت البيعة للرضا عليه السلام لخمس خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين و زوجه ابنته أم حبيب في أول سنة اثنتين ومائتين، وتوفي سنة ثلاث ومائتين بطوس والمأمون متوجه إلى العراق في رجب، وروى لي غيره أن الرضا عليه السلام توفي وله تسع وأربعون سنة وستة أشهر.
والصحيح أنه توفي في شهر رمضان لتسع بقين منه يوم الجمعة سنة ثلاث و مائتين من هجرة النبي صلى الله عليه وآله.
12 - عيون أخبار الرضا (ع): الطالقاني، عن الحسن بن علي بن زكريا، عن محمد بن خليلان قال حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن عتاب بن أسيد قال: سمعت جماعة من أهل المدينة يقولون: ولد الرضا علي بن موسى عليهما السلام بالمدينة يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومائة عن الهجرة، بعد وفاة أبي عبد الله بخمس سنين وتوفي بطوس في قرية يقال لها سناباد من رستاق نوقان، و دفن في دار حميد بن قحطبة الطائي في القبة التي فيها هارون الرشيد إلى جانبه مما يلي القبلة، وذلك قي شهر رمضان لتسع بقين منه سنة ثلاث ومائتين، وقد تم عمره تسعا وأربعين سنة وستة أشهر، منها مع أبيه موسى بن جعفر عليه السلام تسعا وعشرين سنة وشهرين، وبعد أبيه أيام إمامته عشرين سنة وأربعة أشهر، وقام عليه السلام بالأمر وله تسع وعشرون سنة وشهران.
13 - عيون أخبار الرضا (ع): ذكر أبو علي الحسين بن أحمد السلامي في كتابه الذي صنفه في أخبار خراسان أن المأمون لما ندم من ولاية عهد الرضا بإشارة الفضل بن سهل، خرج من مرو منصرفا إلى العراق واحتال على الفضل بن سهل حتى قتله غالب خال المأمون في حمام سرخس بمغافصة، في شعبان سنة ثلاث ومائتين واحتال على علي ابن موسى الرضا عليه السلام حتى سم في علة كانت أصابته فمات، وأمر بدفنه بسناباد من طوس بجنب قبر الرشيد، وذلك في صفر سنة ثلاث ومائتين وكان ابن اثنتين وخمسين سنة، وقيل ابن خمس وخمسين سنة.
هذا ما حكاه أبو علي الحسين بن أحمد السلامي في كتابه، والصحيح عندي أن المأمون إنما ولاه العهد وبايع له للنذر الذي قد تقدم ذكره وأن الفضل بن سهل لم يزل معاديا ومبغضا له، وكارها لامره لأنه كان من صنايع آل برمك ومبلغ سنين الرضا عليه السلام سبع وأربعون سنة، وستة أشهر، وكانت وفاته في سنة ثلاث و
مائتين كما قد أسندته في هذا الباب.
14 - عيون أخبار الرضا (ع): البيهقي، عن الصولي، عن عبيد الله بن عبد الله ومحمد بن موسى بن نصر الرازي، عن أبيه والحسين بن عمر الاخباري، عن علي بن الحسين كاتب بقاء الكبير في آخرين أن الرضا عليه السلام حم فعزم على الفصد فركب المأمون، وقد كان قال لغلام له: فت هذا بيدك لشئ أخرجه من برنية ففته في صينية ثم قال كن معي ولا تغسل يدك وركب إلى الرضا عليه السلام وجلس حتى فصد بين يديه، وقال عبيد الله بل أخر فصده، وقال المأمون لذلك الغلام: هات من ذلك الرمان وكان الرمان في شجرة في بستان في دار الرضا عليه السلام فقطف منه ثم قال: اجلس ففته ففت منه في جام فأمر بغسله ثم قال للرضا عليه السلام: مص منه شيئا فقال: حتى يخرج أمير المؤمنين فقال: لا والله إلا بحضرتي ولولا خوفي أن يرطب معدتي لمصصته معك، فمص منه ملاعق وخرج المأمون، فما صليت العصر حتى قام الرضا عليه السلام خمسين مجلسا فوجه إليه المأمون قد علمت أن هذه إفاقة وفتار للفضل الذي في بدنك وزاد الامر في الليل فأصبح عليه السلام ميتا فكان آخر ما تكلم به " قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وكان أمر الله قدرا مقدورا " وبكر المأمون: من الغد فأمر بغسله وتكفينه، ومشى خلف جنازته حافيا حاسرا يقول: يا أخي لقد ثلم الاسلام بموتك، وغلب القدر تقديري فيك، وشق لحد الرشيد فدفنه معه، وقال: أرجو أن ينفعه الله تبارك تعالى بقربه.
بيان: " البرنية " بفتح الباء، وكسر النون وتشديد الياء إناء من خزف
قوله: " إفاقة وفتار " يقال: فتر فتارا أي سكن بعد حدة أي هذا موجب للإفاقة وسكون الحدة والحرارة التي حصلت بسبب فضول الاخلاط في البدن، وفي بعض النسخ " آفة وفتار للفصد الذي في يديك " أي هذه آفة حصلت بسبب فتور وضعف نشأ من الفصد.
15 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن الرضا عليه السلام قال: لمسافر: يا مسافر هذه القناة فيها حيتان؟ قال: نعم جعلت فداك قال: أما إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله البارحة، وهو يقول يا علي ما عندنا خير لك.
بيان: لعل ذكر الحيتان إشارة إلى ما ظهر في قبره منها، أو المعنى أن علمي بموتي كعلمي بها.
16 - غيبة الشيخ الطوسي: محمد بن عبد الله بن الحسن الأفطس قال: كنت عند المأمون يوما ونحن على شراب حتى إذا أخذ منه الشراب مأخذه صرف ندماءه واحتبسني ثم أخرج جواريه، وضربن وتغنين، فقال لبعضهن: بالله لما رثيت من بطوس قاطنا فأنشأت تقول:
سقيا لطوس ومن أضحى بها قطنا * من عترة المصطفى أبقى لنا حزنا أعني أبا حسن المأمول إن له * حقا على كل من أضحى بها شجنا قال محمد بن عبد الله: فجعل يبكي حتى أبكاني ثم قال: ويلك يا محمد أيلومني أهل بيتي وأهل بيتك أن أنصب أبا الحسن علما والله أن لو بقي لخرجت من هذا الامر ولا جلسته مجلسي غير أنه عوجل فلعن الله عبيد الله وحمزة ابني الحسن، فإنهما قتلاه.
ثم قال لي: يا محمد بن عبد الله والله لأحدثنك بحديث عجيب فاكتمه، قلت: ما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: لما حملت زاهرية ببدر أتيته فقلت له: جعلت فداك بلغني أن أبا الحسن موسى بن جعفر، وجعفر بن محمد، ومحمد بن علي، وعلي بن الحسين والحسين كانوا يزجرون الطير، ولا يخطؤون، وأنت وصي القوم، وعندك علم ما كان
عندهم، وزاهرية حظيتي ومن لا أقدم عليها أحدا من جواري، وقد حملت غير مرة، كل ذلك تسقط، فهل عندك في ذلك شئ ننتفع به؟ فقال لا تخش من سقطها فستسلم وتلد غلاما صحيحا مسلما أشبه الناس بأمه، قد زاده الله في خلقه مزيدتين في يده اليمنى خنصر وفي رجله اليمنى خنصر.
فقلت في نفسي: هذه والله فرصة إن لم يكن الامر على ما ذكر خلعته، فلم أزل أتوقع أمرها حتى أدركها المخاض، فقلت للقيمة: إذا وضعت فجيئني بولدها ذكرا كان أم أنثى، فما شعرت إلا بالقيمة وقد أتتني بالغلام كما وصفه زائد اليد والرجل، كأنه كوكب دري فأردت أن أخرج من الامر يومئذ وأسلم ما في يدي إليه، فلم تطاوعني نفسي، لكن رفعت إليه الخاتم ، فقلت دبر الامر فليس عليك مني خلاف. وأنت المقدم، وبالله أن لو فعل لفعلت.
مناقب ابن شهرآشوب: الجلاء والشفاء عن محمد بن عبد الله مثله.
17 - الخرائج: روي عن الحسن بن عباد وكان كاتب الرضا عليه السلام قال: دخلت عليه عليه السلام وقد عزم المأمون بالمسير إلى بغداد فقال: يا ابن عباد ما ندخل العراق ولا نراه، فبكيت وقلت فآيستني أن آتي أهلي وولدي، قال عليه السلام: أما أنت فستدخلها وإنما عنيت نفسي فاعتل وتوفي بقرية من قرى طوس، وقد كان تقدم في وصيته أن يحفر قبره مما يلي الحائط بينه وبين قبر هارون، ثلاث أذرع، وقد كانوا حفروا ذلك الموضع لهارون فكسرت المعاول والمساحي، فتركوه وحفروا حيث أمكن الحفر.
فقال: احفروا ذلك المكان فإنه سيلين عليكم، وتجدون صورة سمكة من نحاس وعليها كتابة بالعبرانية، فإذا حفرتم لحدي فعمقوه وردوها مما يلي رجلي فحفرنا ذلك المكان وكان المحافر تقع في الرمل اللين ووجدنا السمكة مكتوبا عليها بالعبرانية: " هذه روضة علي بن موسى، وتلك حفرة هارون الجبار " فرددناها
ودفناها في لحده عند موضع قاله.
18 - الإرشاد: كان الرضا علي بن موسى عليه السلام يكثر وعظ المأمون إذا خلا به ويخوفه بالله، ويقبح له ما يركبه من خلافه، وكان المأمون يظهر قبول ذلك منه ويبطن كراهيته واستثقاله، ودخل الرضا عليه السلام يوما عليه فرآه يتوضأ للصلاة والغلام يصب الماء على يديه، فقال: لا تشرك يا أمير المؤمنين بعبادة ربك أحدا فصرف المأمون الغلام وتولى تمام وضوء نفسه وزاد ذلك في غيظه ووجده.
وكان عليه السلام يزري على الفضل والحسن ابني سهل عند المأمون، إذا ذكرهما ويصف له مساويهما وينهاه عن الاصغاء إلى قولهما، وعرفا ذلك منه، فجعلا يخطئان عليه عند المأمون، ويذكران له عنده ما يبعده منه، ويخوفانه من حمل الناس عليه فلم يزالا كذلك حتى قلبا رأيه فيه، وعمل على قتله عليه السلام.
فاتفق أنه أكل هو والمأمون يوما طعاما فاعتل منه الرضا عليه السلام وأظهر المأمون تمارضا فذكر محمد بن علي بن حمزه، عن منصور بن بشر، عن أخيه عبد الله ابن بشر قال: أمرني المأمون أن أطول أظفاري على العادة، ولا أظهر ذلك لاحد ففعلت، ثم استدعاني فأخرج إلي شيئا يشبه التمر الهندي فقال لي: أعجن هذا بيديك جميعا ففعلت ثم قام وتركني ودخل على الرضا عليه السلام وقال له: ما خبرك؟
قال: أرجو أن أكون صالحا قال له: أنا اليوم بحمد الله أيضا صالح، فهل جاءك أحد من المترفقين في هذا اليوم؟ قال: لا، فغضب المأمون وصاح على غلمانه ثم قال: فخذ ماء الرمان الساعة فإنه مما لا يستغنى عنه، ثم دعاني فقال: ائتنا برمان فأتيته به، فقال لي: اعصر بيديك، ففعلت وسقاه المأمون الرضا عليه السلام بيده وكان ذلك سبب وفاته، فلم يلبث إلا يومين حتى مات عليه السلام.
وذكر عن أبي الصلت الهروي أنه قال: دخلت على الرضا عليه السلام وقد خرج المأمون من عنده، فقال لي: يا أبا الصلت قد فعلوها، وجعل يوحد الله ويمجده.
وروي عن محمد بن الجهم أنه قال: كان الرضا عليه السلام يعجبه العنب فأخذ له
منه شيئا فجعل في موضع أقماعه الإبر أياما ثم نزع وجيئ به إليه، فأكل منه وهو في علته التي ذكرنا فقتله وذكر أن ذلك من لطيف السموم.
ولما توفي الرضا عليه السلام كتم المأمون موته يوما وليلة، ثم أنفذ إلى محمد ابن جعفر الصادق عليه السلام وجماعة آل أبي طالب الذين كانوا عنده فلما حضروه نعاه إليهم وبكى، وأظهر حزنا شديدا وتوجع وأراهم إياه صحيح الجسد، وقال:
يعز علي يا أخي أن أراك في هذه الحال، قد كنت أؤمل أن أقدم قبلك، فأبى الله إلا ما أراد.
ثم أمر بغسله وتكفينه وتحنيطه، وخرج مع جنازته فحملها حتى أتى إلى الموضع الذي هو مدفون فيه الآن فدفنه والموضع دار حميد بن قحطبة في قرية يقال لها سناباد على دعوة من نوقان من أرض طوس، وفيها قبر هارون الرشيد وقبر أبي الحسن عليه السلام بين يديه في قبلته، ومضى الرضا عليه السلام ولم يترك ولدا نعلمه إلا ابنه الامام بعده أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام وكان سنه يوم وفاة أبيه سبع سنين وأشهر.
بيان: في مناقب ابن شهرآشوب الإبر المسمومة، ولعله المراد هنا، ويحتمل أن يكون هذا خاصية ترك الإبر في العنب أياما 19 - أقول: ذكر أبو الفرج في المقاتل ما ذكره المفيد رحمه الله من أوله إلى آخره بأسانيد، ثم روى بإسناده عن أبي الصلت الهروي أنه قال: دخل المأمون إلى الرضا يعوده فوجده يجود بنفسه، فبكى وقال: أعزز علي يا
أخي بأن أعيش ليومك، فقد كان في بقائك أمل، وأغلظ علي من ذلك وأشد أن الناس يقولون أني سقيتك سما وأنا إلى الله من ذلك برئ ثم خرج المأمون من عنده ومات الرضا عليه السلام فحضره المأمون قبل أن يحفر قبره وأمر أن يحفر له إلى جانب أبيه ثم أقبل علينا فقال: حدثني صاحب هذا النعش أنه يحفر له قبر فيظهر فيه ماء وسمك، احفروا فخفروا، فلما انتهوا إلى اللحد نبع ماء وظهر فيه سمك ثم غاص فدفن فيه الرضا عليه السلام.
4 - كشف الغمة: من دلائل الحميري، عن معمر بن خلاد، عن أبي جعفر - أو عن رجل، عن أبي جعفر الشك من أبي علي - قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا معمر اركب قلت: إلى أين؟ قال: اركب كما يقال لك قال: فركبت فانتهيت إلى واد - أو إلى وهدة الشك من أبي علي - فقال لي: قف ههنا فوقفت فأتاني فقلت له:
جعلت فداك أين كنت؟ قال دفنت أبي الساعة، وكان بخراسان.
الخرائج: أحمد بن محمد، عن معمر مثله.
21 - إعلام الورى: روى محمد بن أحمد بن يحيى في كتاب نوادر الحكمة، عن موسى ابن جعفر، عن أمية بن علي قال: كنت بالمدينة وكنت أختلف إلى أبي جعفر عليه السلام وأبو الحسن عليه السلام بخراسان، وكان أهل بيته وعمومة أبيه يأتونه ويسلمون عليه، فدعا يوما الجارية فقال: قولي لهم يتهيأون للمأتم، فلما تفرقوا قالوا:
لا سألناه مأتم من ؟ فلما كان من الغد، فعل مثل ذلك فقالوا: مأتم من؟ قال: مأتم خير من على ظهرها، فأتانا خبر أبي الحسن بعد ذلك بأيام فإذا هو قد مات في ذلك اليوم.
* (تذييل) * اعلم أن أصحابنا والمخالفين اختلفوا أن الرضا عليه السلام هل مات حتف أنفه أو مضى شهيدا بالسم، وعلى الأخير هل سمه المأمون لعنه الله أو غيره والأشهر بيننا أنه عليه السلام مضى شهيدا بسم المأمون، وينسب إلى السيد علي بن طاوس أنه أنكر ذلك، وكذا أنكره الأربلي في كشف الغمة، ورد ما ذكره المفيد بوجوه سخيفة حيث قال: بعد إيراد كلام المفيد:
بلغني ممن أثق به أن السيد رضي الدين علي بن طاوس رحمه الله كان لا يوافق على أن المأمون سقى عليا عليه السلام السم، ولا يعتقده، وكان - ره - كثير المطالعة والتنقيب والتفتيش على مثل ذلك، والذي كان يظهر من المأمون من حنوه عليه وميله إليه واختياره له دون أهله وأولاده مما يؤيد ذلك ويقرره، وقد ذكر المفيد رحمه الله شيئا ما يقبله عقلي ولعلي وأهم، وهو أن الإمام عليه السلام كان يعيب ابني سهل ويقبح ذكرهما إلى غير ذلك وما كان أشغله بأمور دينه وآخرته، واشتغاله بالله عن مثل ذلك.
وعلى رأي المفيد رحمه الله أن الدولة المذكورة من أصلها فاسدة، وعلى غير قاعدة مرضية، فاهتمامه عليه السلام بالوقيعة فيهما حتى أغراهما بتغيير رأي الخليفة عليه فيه ما فيه، ثم إن نصيحته للمأمون وإشارته عليه بما ينفعه في دينه لا توجب أن يكون سببا لقتله، وموجبا لركوب هذا الامر العظيم منه، وقد كان يكفي في هذا الامر أن يمنعه عن الدخول عليه أو يكفه عن وعظه، ثم إنا لا نعرف أن الإبر إذا غرست في العنب صار العنب مسموما ولا يشهده القياس الطبي والله تعالى أعلم بحال الجميع وإليه المصير، وعند الله يجتمع الخصوم انتهى كلامه.
ولا يخفى وهنه إذ الوقيعة في ابني سهل لم يكن للدنيا حتى يمنعه عنه الاشتغال بعبادة الله تعالى بل كان ذلك لما وجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورفع الظلم عن المسلمين مهما أمكن، وكون خلافة المأمون فاسدة أيضا لا يمنع منه كما لا يمنع بطلان خلافة الغاصبين إرشاد أمير المؤمنين إياهم لمصالح المسلمين في الغزوات وغيرها.
ثم إنه ظاهر أن نصيحة الأشقياء ووعظهم بمحضر الناس لا سيما المدعين للفضل والخلافة، مما يثير حقدهم وحسدهم وغيظهم، مع أنه لعنه الله كان أول أمره مبنيا على الحيلة والخديعة لاطفاء نائرة الفتن الحادثة من خروج الاشراف والسادة من العلويين في الأطرف فلما استقر أمره أظهر كيده، فالحق ما اختاره الصدوق والمفيد وغيرهما من أجلة أصحابنا أنه عليه السلام مضى شهيدا بسم المأمون اللعين، عليه اللعنة، وعلى سائر الغاصبين والظالمين أبد الآبدين.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.