بحارالانوار · المجلد العاشر
باب العلة التي من أجلها صالح
ج ۴۳، ص ۳۶۴–۲۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
2 - علل الشرائع: حدثنا علي بن أحمد [ابن محمد]، عن محمد بن موسى بن داود الدقاق، عن الحسن بن أحمد بن الليث، عن محمد بن حميد، عن يحيى بن أبي بكير قال: حدثنا أبو العلاء الخفاف، عن أبي سعيد عقيصا قال: قلت للحسن بن علي ابن أبي طالب عليهما السلام: يا ابن رسول الله لم داهنت معاوية وصالحته، وقد علمت أن
الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ؟
فقال: يا با سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه، وإماما عليهم بعد أبي عليه السلام؟ قلت: بلى، قال: ألست الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ قلت: بلى، قال: فأنا إذن إمام لو قمت، وأنا إمام إذا قعدت، يا با سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله صلى الله عليه وآله لبني ضمرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل، يا با سعيد إذا كنت إماما من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجهه الحكمة فيما أتيته ملتبسا.
ألا ترى الخضر عليه السلام لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى عليه السلام فعله، لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي، هكذا أنا سخطتم علي بجهلكم بوجه الحكمة فيه، ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل.
قال الصدوق رحمه الله: قد ذكر محمد بن بحر الشيباني رضي الله عنه في كتابه المعروف بكتاب " الفروق بين الأباطيل والحقوق " في معنى موادعة الحسن بن علي بن أبي طالب لمعاوية فذكر سؤال سائل عن تفسير حديث يوسف بن مازن الراسبي في هذا المعنى والجواب عنه وهو الذي رواه أبو بكر محمد بن الحسن بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال: حدثنا أبو طالب زيد بن أحزم قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا القاسم بن الفضل، قال: حدثنا يوسف بن مازن الراسبي قال: بايع الحسن بن علي صلوات الله عليه معاوية على أن لا يسميه أمير المؤمنين، ولا يقيم عنده شهادة، وعلى أن لا يتعقب على شيعة علي عليه السلام شيئا، وعلى أن يفرق في أولاد
من قتل مع أبيه يوم الجمل وأولاد من قتل مع أبيه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دارابجرد.
قال: وما ألطف حلية الحسن صلوات الله عليه في إسقاطه إياه عن امرأة المؤمنين قال يوسف: فسمعت القاسم بن محيمة يقول: ما وفى معاوية للحسن بن علي صلوات الله عليه بشئ عاهده عليه وإني قرأت كتاب الحسن عليه السلام إلى معاوية يعدد عليه ذنوبه إليه وإلى شيعة علي عليه السلام فبدأ بذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي ومن قتلهم معه.
فنقول: رحمك الله إن ما قال يوسف بن مازن من أمر الحسن عليه السلام ومعاوية عند أهل التميز والتحصيل تسمى المهادنة والمعاهدة، ألا ترى كيف يقول " ما وفى معاوية للحسن بن علي بشئ عاهده عليه وهادنه " ولم يقل بشئ بايعه عليه، والمبايعة على ما يدعيه المدعون على الشرائط التي ذكرناها، ثم لم يف بها لم يلزم الحسن عليه السلام.
وأشد ما ههنا من الحجة على الخصوم، معاهدته إياه على أن لا يسميه أمير المؤمنين، والحسين عليه السلام عند نفسه لا محالة مؤمن فعاهده على أن لا يكون عليه أميرا، إذ الأمير هو الذي يأمر فيؤتمر له.
فاحتال الحسن صلوات الله عليه لإسقاط الايتمار لمعاوية إذا أمره أمرا على نفسه والأمير هو الذي أمره مأمور من فوقه، فدل على أن الله عز وجل لم يؤمره عليه، ولا رسوله صلى الله عليه وآله أمره عليه، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " لا يلين مفاء على مفئ ".
يريد أن من حكمه حكم هوازن الذين صاروا فيئا للمهاجرين والأنصار فهؤلاء طلقاء المهاجرين الأنصار بحكم إسعافهم النبي فيئهم لموضع رضاعه
وحكم قريش وأهل مكة حكم هوازن.
فمن أمره رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم، فهو التأمير من الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه وآله.
أو من الناس كما قالوا في غير معاوية إن الأمة اجتمعت فأمرت فلانا وفلانا وفلانا على أنفسهم فهو أيضا تأمير غير أنه من الناس لا من الله ولا من رسوله وهو إن لم يكن تأميرا من الله ومن رسوله ولا تأميرا من المؤمنين فيكون أميرهم بتأميرهم فهو تأمير منه بنفسه.
والحسن صلوات الله عليه مؤمن من المؤمنين فلم يؤمر معاوية على نفسه بشرطه عليه ألا يسميه أمير المؤمنين، فلم يلزمه ذلك الايتمار له في شئ أمره به، وفرغ صلوات الله عليه، إذ خلص بنفسه من الايجاب عليها الايتمار له [عن] أن يتخذ على المؤمنين الذين هم على الحقيقة مؤمنون، وهم الذين كتب في قلوبهم الايمان.
ولأن هذه الطبقة لم يعتقدوا إمارته ووجوب طاعته على أنفسهم، ولأن الحسن عليه السلام أمير البررة، وقاتل الفجرة، كما قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام علي
أمير البررة، وقاتل الفجرة، فأوجب عليه السلام أنه ليس لبر من الأبرار أن يتأمر عليه وأن التأمير على أمير الأبرار ليس ببر، هكذا يقتضي مراد رسول الله صلى الله عليه وآله ولو لم يشترط الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية هذه الشروط، وسماه أمير المؤمنين.
وقد قال النبي صلى الله عليه وآله قريش أئمة الناس أبرارها لأبرارها، وفجارها لفجارها.
وكل من اعتقد من قريش أن معاوية إمامه بحقية الإمامة من الله عز وجل واعتقد الايتمار له وجوبا عليه فقد اعتقد وجوب اتخاذ مال الله دولا وعباده خولا ودينه دخلا وترك أمر الله إياه إن كان مؤمنا فقد أمر الله عز وجل المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى فقال: " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ".
فإن كان اتخاذ مال الله دولا، وعباده خولا، ودين الله دخلا: من البر والتقوى، جاز على تأويلك من اتخذه إماما وأمره على نفسه، كما ترون التأمير على العباد.
ومن اعتمد أن قهر مال الله على ما يقهر عليه، ودين الله على ما يسام، وأهل دين الله على ما يسامون، هو بقهر من اتخذهم خولا، وأن الله من قبله مديل في تخليص المال من الدول، والدين من الدخل، والعباد من الخول، علم وسلم وآمن واتقى أن البر مقهور في يد الفاجر، والأبرار مقهورون في أيدي الفجار، بتعاونهم مع الفاجر على الاثم والعدوان المزجور، عنه المأمور بضده وخلافه ومنافيه.
وقد سأل الثوري السفيان عن " العدوان " ما هو؟ فقال: هو أن ينقل صدقة بأنقياء إلى الحيرة فتفرق في أهل السهام بالحيرة، وببانقياء أهل السهام
وأنا أقسم بالله قسما بارا أن حراسة سفيان ومعاوية بن مرة ومالك بن معول وخيثمة بن عبد الرحمن خشبة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام بكناس الكوفة بأمر هشام بن عبد الملك من العدوان الذي زجر الله عز وجل عنه وأن حراسة من سميتم بخشبة زيد رضوان الله عليه، الداعية بنقل صدقة بأنقياء إلى الحيرة.
فإن عذر عاذر عمن سميتهم بالعجز عن نصر البر الذي هو الامام من قبل الله عز وجل، الذي فرض طاعته على العباد، على الفاجر الذي تأمر بإعانة الفجرة إياه، قلنا: لعمري إن العاجز معذور فيما عجز عنه، ولكن ليس الجاهل بمعذور في ترك الطلب، فيما فرض الله عز وجل عليه، وإيجابه على نفسه فرض طاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وطاعة أولي الأمر، وبأنه لا يجوز أن يكون سريرة ولاة الأمر بخلاف علانيتهم، كما لم يجز أن يكون سريرة النبي صلى الله عليه وآله الذي هو أصل ولاة الأمر وهم فرعه، بخلاف علانيته.
وإن الله عز وجل العالم بالسرائر والضمائر، والمطلع على ما في صدور العباد، لم يكل علم ما لم يعلمه العباد إلى العباد، جل وعز عن تكليف العباد ما ليس في وسعهم وطوقهم، إذ ذاك ظلم من المكلف، وعبث منه، وأنه لا يجوز أن يجعل جل وتقدس اختيار من يستوي سريرته بعلانيته، ومن لا يجوز ارتكاب الكبائر الموبقة والغضب والظلم منه، إلى من لا يعلم السرائر والضمائر، فلا يسع أحدا جهل هذه الأشياء.
وإن وسع العاجز بعجزه ترك ما يعجز عنه، فإنه لا يسعه الجهل بالإمام البر الذي هو إمام الأبرار، والعاجز بعجزه معذور، والجاهل غير معذور، فلا يجوز أن لا يكون للأبرار إمام، وإن كان مقهورا في قهر الفاجر والفجار، فمتى
لم يكن للبر إمام بر قاهر أو مقهور، فمات ميتة جاهلية، إذا مات وليس يعرف إمامه.
فان قيل: فما تأويل عهد الحسن عليه السلام وشرطه على معاوية بأن لا يقيم عنده شهادة لا يجاب الله عليه عز وجل إقامة الشهادة بما علمه، قبل شرطه على معاوية [بأن لا يقيم عنده شهادة] قيل: إن لإقامة الشهادة من الشاهد شرائط: وهي حدودها التي لا يجوز تعديها لأن من تعدى حدود الله عز وجل فقد ظلم نفسه، وأوكد شرائطها إقامتها عند قاض فصل، وحكم عدل، ثم الثقة من الشاهد أن يقيمها عند من يجر بشهادته حقا ويميت بها أثرة، ويزيل بها ظلما، فإذا لم يكن من يشهد عنده سقط عنه فرض إقامة الشهادة.
ولم يكن معاوية عند الحسن عليه السلام أميرا أقامه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله أو حاكما من ولاة الحكم، فلو كان حاكما من قبل الله وقبل رسوله، ثم علم الحسن عليه السلام أن الحكم هو الأمير، والأمير هو الحكم، وقد شرط عليه الحسن أن لا يؤمر، حين شرط ألا يسميه أمير المؤمنين، فكيف يقيم الشهادة عند من أزال عنه الامرة بشرط أن لا يسميه أمير المؤمنين، وإذا زال ذلك عنه بالشرط أزال عنه الحكم، لأن الأمير هو الحاكم، وهو المقيم للحاكم، ومن ليس له تأمير ولا تحاكم، فحكمه هذر، ولا تقام الشهادة عند من حكمه هذر.
فان قال: فما تأويل عهد الحسن عليه السلام على معاوية وشرطه عليه أن لا يتعقب على شيعة علي عليه السلام شيئا؟ قيل: إن الحسن عليه السلام علم أن القوم جوزوا لأنفسهم التأويل، وسوغوا في تأويلهم إراقة ما أرادوا إراقته من الدماء، وإن كان الله عز وجل حقنه، وحقن ما أرادوا حقنه، وإن كان الله عز وجل أراقه في حكمه.
فأراد الحسن عليه السلام أن يبين أن تأويل معاوية على شيعة علي عليه السلام بتعقبه عليهم ما يتعقبه زائل مضمحل فاسد، كما أنه أزال إمرته عنه وعن المؤمنين، بشرط
أن لا يسميه أمير المؤمنين، وأن إمرته زالت عنه وعنهم، وأفسد حكمه عليه وعليهم.
ثم سوغ الحسن عليه السلام بشرطه عليه أن لا يقيم عنده شهادة، للمؤمنين القدوة منهم به في أن لا يقيموا عنده شهادة فتكون حينئذ داره دائرة وقدرته قائمة لغير الحسن ولغير المؤمنين، فتكون داره كدار بخت نصر وهو بمنزلة دانيال فيها وكدار العزيز وهو كيوسف فيها.
فان قال: دانيال ويوسف عليهما السلام كانا يحكمان لبخت نصر والعزيز، قلنا: لو أراد بخت نصر دانيال والعزيز يوسف أن يريقا بشهادة عمار بن الوليد، وعقبة بن أبي معيط، وشهادة أبي بردة بن أبي موسى، وشهادة عبد الرحمن بن أشعث بن قيس دم حجر بن عدي بن الأدبر وأصحابه رحمهم الله وأن يحكما له بأن زيادا أخوه وأن دم حجر وأصحابه مراقة بشهادة من ذكرت، لما جاز أن يحكما لبخت نصر والعزيز، والحكم بالعدل يرمي الحاكم به في قدرة عدل أو جائر ومؤمن أو كافر لا سيما إذا كان الحاكم مضطرا إلى أن يدين للجائر الكافر، والمبطل والمحق بحكمه.
فإن قال: ولم خص الحسن عليه السلام عد الذنوب إليه وإلى شيعة علي عليه السلام وقدم أمامها قتله عبد الله بن يحيى الحضرمي وأصحابه، وقد قتل حجرا وأصحابه وغيرهم؟ قلنا: لو قدم الحسن عليه السلام في عده على معاوية ذنوب حجر وأصحابه على عبد الله بن يحيى الحضرمي وأصحابه لكان سؤالك قائما فتقول: لم قدم حجرا على عبد الله بن يحيى وأصحابه أهل الأخيار والزهد في الدنيا والاعراض عنها فأخبر معاوية بما كان عليه ابن يحيى وأصحابه من الخرق على أمير المؤمنين عليه السلام وشدة حبهم إياه، وإفاضتهم في ذكره وفضله، فجاء بهم وضرب أعناقهم صبرا.
ومن أنزل راهبا من صومعته فقتله بلا جناية منه إلى قاتله أعجب ممن يخرج
قسا من ديره فيقتله لأن صاحب الدير أقرب إلى بسط اليد لتناول ما معه من صاحب الصومعة الذي هو بين السماء والأرض، فتقديم الحسن عليه السلام العباد على العباد والزهاد على الزهاد، ومصابيح البلاد على مصابيح البلاد، لا يتعجب منه، بل يتعجب لو قدم في الذكر مقصرا على مخبت ومقتصدا على مجتهد.
فان قال: ما تأويل اختيار مال دارا بجرد على سائر الأموال لما اشترط أن يجعله لأولاد من قتل مع أبيه صلوات الله عليهم يوم الجمل وبصفين، قيل:
لدارابجرد خطب في شأن الحسن عليه السلام، بخلاف جميع فارس. *
وقلنا: إن المال مالان: الفيئ الذي ادعوا أنه موقوف على المصالح الداعية إلى قوام الملة وعمارتها، من تجييش الجيوش للدفع عن البيضة، ولأرزاق الأسارى، ومال الصدقة الذي خص به أهل السهام وقد جرى في فتوح الأرضين بفارس والأهواز وغيرهما من البلدان: فيما فتح منها صلحا، وما فتح منها عنوة وما أسلم أهلها عليها هنات وهنات، وأسباب وأسباب.
وقد كتب ابن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن زيد بن الخطاب وهو عامله على العراق: أيدك الله هاش في السواد ما ير كبون فيه البراذين، ويتختمون بالذهب، ويلبسون الطيالسة وخذ فضل ذلك فضعه في بيت المال.
وكتب ابن الزبير إلى عامله " جنبوا بيت مال المسلمين ما يؤخذ على المناظر والقناطر فإنه سحت "، فقصر المال عما كان، فكتب إليهم " ما للمال قد قصر "؟
فكتبوا إليه إن أمير المؤمنين نهانا عما يؤخذ على المناظر والقناطر، فلذلك قصر المال، فكتب إليهم: " عودوا إلى ما كنتم عليه " هذا بعد قوله: " إنه سحت ".
ولا بد أن يكون أولاد من قتل من أصحاب علي صلوات الله عليه بالجمل وبصفين من أهل الفيئ ومال المصلحة ومن أهل الصدقة والسهام. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الصدقة " قد أمرت أن آخذها من أغنياءكم وأردها في فقرائكم " بالكاف والميم، ضمير من وجبت عليهم في أموالهم الصدقة، ومن وجبت لهم الصدقة فخاف الحسن عليه السلام أن كثيرا منهم لا يرى لنفسه أخذ الصدقة من كثير منهم ولا أكل صدقة كثير منهم، إذ كانت غسالة ذنوبهم، ولم يكن للحسن عليه السلام في مال الصدقة سهم.
روى بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: في كل أربعين من الإبل ابنة لبون ولا تفرق إبل عن
حسابها، من أتانا بها مؤتجرا فله أجرها ومن منعناها أخذناها منه وشرط إبله عزمة من عزمات ربنا وليس لمحمد وآل محمد فيها شئ، وفي كل غنيمة خمس أهل الخمس بكتاب الله عز وجل وإن منعوا.
فخص الحسن عليه السلام ما لعله كان عنده أعف وأنظف من مال أردشير خره ولأنها حوصرت سبع سنين حتى اتخذ المحاصرون لها في مدة حصارهم إياها مصانع وعمارات، ثم ميزوها من جملة ما فتحوها بنوع من الحكم وبين الاصطخر الأول والاصطخر الثاني هنات علمها الرباني الذي هو الحسن عليه السلام فاختار لهم أنظف ما عرف.
فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في تفسير قوله عز وجل: " وقفوهم إنهم مسؤلون " أنه لا يجاوز قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن ثيابه فيما أبلاه
وعمره فيما أفناه، وعن ماله من أين جمعه، وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت وكان الحسن والحسين عليهما السلام يأخذان من معاوية الأموال فلا ينفقان من ذلك على أنفسهما ولا على عيالهما ما تحمله الذبابة بفيها.
قال شيبة بن نعامة: كان علي بن الحسين عليهما السلام ينحل فلما مات نظروا فإذا هو يعول في المدينة أربعمائة بيت من حيث لم يقف الناس عليه.
فان قال: فان هذا محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال: حدثنا أبو بشر الواسطي قال: حدثنا خالد بن داود، عن عامر قال: بايع الحسن بن علي معاوية على أن يسالم من سالم ويحارب من حارب، ولم يبايعه على أنه أمير المؤمنين.
قلنا: هذا حديث ينقض آخره أوله، وأنه لم يؤمره، وإذا لم يؤمره لم يلزمه الايتمار له إذا أمره، وقد روينا من غير وجه ما ينقض قوله: " يسالم من سالم، ويحارب من حارب " فلا نعلم فرقة من الأمة أشد على معاوية من الخوارج وخرج على معاوية بالكوفة جويرية بن ذراع أو ابن وداع أو غيره من الخوارج فقال معاوية للحسن: اخرج إليهم وقاتلهم، فقال: يأبى الله لي بذلك، قال: فلم؟
أليس هم أعداؤك وأعدائي؟ قال: نعم يا معاوية، ولكن ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فوجده، فأسكت معاوية.
ولو كان ما رواه أنه بايع على أن يسالم من سالم، ويحارب من حارب، لكان معاوية لا يسكت على ما حجه به الحسن عليه السلام ولأنه يقول له: قد بايعتني على أن تحارب من حاربت كائنا من كان، وتسالم من سالمت كائنا من كان، وإذا قال عامر في حديثه: " ولم يبايعه على أنه أمير المؤمنين " قد ناقض لأن الأمير هو الآمر والزاجر، والمأمور هو المؤتمر والمنزجر، فأبى تصرف الآمر، فقد أزال الحسن عليه السلام في موادعته معاوية الايتمار له، فقد خرج من تحت أمره حين شرط أن لا يسميه أمير المؤمنين.
ولو انتبه معاوية بحيلة الحسن عليه السلام بما احتال عليه، لقال له: يا با محمد أنت
مؤمن وأنا أمير، فإذا لم أكن أميرك لم أكن للمؤمنين أيضا أميرا وهذه حيلة منك تزيل أمري عنك، وتدفع حكمي لك وعليك، فلو كان قوله " يحارب من حارب " مطلقا ولم يكن شرطه " إن قاتلك من هو شر منك قاتلته، وإن قاتلك من هو مثلك في الشر وأنت أقرب منه إليه لم أقاتله " ولأن شرط الله على الحسن وعلى جميع عباده التعاون على البر والتقوي، وترك التعاون على الاثم والعدوان، وإن قتال من طلب الحق فأخطأه، مع من طلب الباطل فوجده، تعاون على الاثم والعدوان.
فان قال: هذا حديث ابن سيرين يرويه محمد بن إسحاق بن خزيمة قال:
حدثنا ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن أنس بن سيرين قال: حدثنا الحسن بن علي يوم كلم فقال: ما بين جابرس وجابلق رجل جده نبي غيري وغير أخي وإني رأيت أن أصلح بين أمة محمد، وكنت أحقهم بذلك، فانا بايعنا معاوية ولعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
قلنا: ألا ترى إلى قول أنس كيف يقول: " يوم كلم الحسن " ولم يقل:
" يوم بايع " إذ لم يكن عنده بيعة حقيقة، وإنما كانت مهادنة كما يكون بين أولياء الله وأعدائه، لا مبايعة تكون بين أوليائه وأوليائه فرأى الحسن عليه السلام رفع السيف مع العجز بينه وبين معاوية، كما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله رفع السيف بينه وبين أبي سفيان وسهيل بن عمرو، ولو لم يكن رسول الله مضطرا إلى تلك المصالحة والموادعة لما فعل.
فان قال: قد ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله بينه وبين سهيل وأبي سفيان مدة، ولم يجعل الحسن بينه وبين معاوية مدة، قلنا: بل ضرب الحسن عليه السلام أيضا بينه وبين معاوية مدة وإن جهلناها ولم نعلمها، وهي ارتفاع الفتنة وانتهاء مدتها، وهو متاع إلى حين.
فإن قال: فان الحسن قال لجبير بن نفير حين قال له: إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة فقال: قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت، ويسالمون من سالمت، تركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء أمة محمد ثم أثيرها يا تياس أهل الحجاز؟.
قلنا: إن جبيرا كان دسيسا إلى الحسن عليه السلام دسه معاوية إليه ليختبره هل في نفسه الإثارة؟ وكان جبير يعلم أن الموادعة التي وداع معاوية غير مانعة من الإثارة التي اتهمه بها، ولو لم يجز للحسن عليه السلام مع المهادنة التي هادن أن يطلب الخلافة لكان جبير يعلم ذلك، فلا يسأله، لأنه يعلم أن الحسن عليه السلام لا يطلب ما ليس له طلبه، فلما اتهمه بطلب ما له طلبه، دس إليه دسيسة هذا ليستبرئ برأيه وعلم أنه الصادق وابن الصادق وأنه إذا أعطاه بلسانه أنه لا يثيرها بعد تسكينه إياها فإنه وفي بوعده، صادق في عهده.
فلما مقته قول جبير قال له : يا تياس أهل الحجاز، والتياس بياع عسب الفحل الذي هو حرام، وأما قوله " بيدي جماجم العرب " فقد صدق عليه السلام ولكن كان من تلك الجماجم الأشعث بن قيس في عشرين ألفا ويزهدونهم.
قال الأشعث يوم رفع المصاحف: ووقع تلك المكيدة: " إن لم تجب إلى ما دعيت إليه لم يرم معك غدا يمانيان بسهم، ولم يطعن يمانيان برمح، ولا يضرب يمانيان بسيف " وأومأ بيده إلى أصحابه أبناء الطمع وكان في تلك الجماجم شيث بن ربعي تابع كل ناعق، ومثير كل فتنة، وعمرو بن حريث الذي ظهر على
علي صلوات الله عليه وبايع ضبة احتوشها مع الأشعث والمنذر بن الجارود الطاغي الباغي.
وصدق الحسن صلوات الله عليه أنه كان بيده هذه الجماجم، يحاربون من حارب ولكن محاربة منهم للطمع، ويسالمون من سالم لذلك، وكان من حارب لله جل وعز، وابتغى القربة إليه والحظوة منه قليلا، وليس فيهم عدد يتكافى أهل الحرب لله، والنزاع لأولياء الله، واستمداد كل مدد وكل عدد، وكل شدة على حجج الله عز وجل.
بيان: قوله صلى الله عليه وآله " قاما أو قعدا " أي سواء قاما بأمر الإمامة أم قعدا عنه للمصلحة والتقية، ويقال " سفهه " أي نسبه إلى السفه، و " تعقبه " أي أخذه بذنب كان منه.
قوله: " والمبايعة على ما يدعيه المدعون " المبايعة مبتدأ ولم يلزم خبره أي لو كانت مبايعة على سبيل التنزل فهي كانت على شروط ولم تتحقق تلك الشروط فلم تقع المبايعة، ويحتمل أن يكون نتيجة لما سبق أي فعلى ما ذكرنا لم تقع المبايعة على هذا الوجه أيضا.
قوله " على نفسه " لعله متعلق بالاسقاط بأن يكون " على " بمعنى " عن " قوله:
" هو الذي امره مأمور " الظاهر زيادة لفظ " مأمور " وعلى تقديره يصح أيضا إذ في العرف لا يطلق الأمير على النبي صلى الله عليه وآله فيكون كل من نصب أميرا مأمورا.
قوله " يريد أن من حكمه " لعل خبر " أن " محذوف بقرينة المقام والاسعاف الإعانة وقضاء الحاجة.
قوله " لمن أمره رسول الله عليهم " أي على هوازن أو على أهل مكة، والمعنى كما أن هوازن لا يكونون أمراء على الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله على هوازن كذلك قريش وأهل مكة بالنسبة إلى من أمرهم الله عليهم وبعثهم لقتالهم.
قوله " فهو " أي التأمير مطلقا أو تأمير معاوية، قوله " أن يتخذ " أي عن أن يتخذ، وهو متعلق بقوله " فرغ " أي لما خلص عليه السلام نفسه عن البيعة، فرغ عن أن يتخذ بيعة الشقي على المؤمنين، لأن بيعتهم كان تابعا لبيعته، ولم يبايعوا أنفسهم بيعة على حدة، وإليه أشار بقوله " لأن هذه الطبقة " وقوله: " ولأن الحسن " دليل آخر على عدم تأميره على الحسن عليه السلام وقوله " فقد اعتقد " جزاء للشرط في قوله: " ولو لم يشترط ".
وقال الجزري: وفي حديث أبي هريرة إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين اتخذوا عباد الله خولا، بالتحريك أي خدما وعبدا يعني أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم وقال: الدخل بالتحريك، الغش والعيب والفساد، ومنه الحديث إذا بلغ بنوا أبي العاص ثلاثين كان دين الله دخلا، وحقيقته أن يدخلوا في الدين أمورا لم تجر به السنة انتهى.
والدول بضم الدال وفتح الواو جمع دولة بالضم وهو ما يتداولونه بينهم يكون مرة لهذا ومرة لهذا، قوله " من اتخذه " أي اتخاذ من اتخذه، وهو فاعل " جاز " وقوله " من اعتمد " مبتدأ وقوله " علم وسلم " خبره.
ويقال: سامه سوء العذاب أي حمله عليه، قوله " إن البر " كأنه استيناف أو اللام فيه مقدر أي لأن البر مقهور، ويمكن أن يكون اتقى تصحيف أتقن أو أيقن.
و " بانقيا " قرية بالكوفة " والحيرة " بلدة قرب الكوفة، والكناسة بالضم موضع بالكوفة.
قوله " الداعية " هي خبر " أن " أي أمثال تلك المعاونات على الظلم صارت أسبابا لتغيير أحكام الله التي من جملتها نقل صدقة بانقيا إلى الحيرة.
و " الأثرة " الاستبداد بالشئ والتفرد به، و " الهذر " بالتحريك " الهذيان " وبالدال المهملة البطلان.
قوله " ومن أنزل راهبا " حاصله أن عبد الله كان من المترهبين المتعبدين
وكان أقل ضررا بالنسبة إليهم من حجر وأصحابه، فكان قتله أشنع، فلذا قدمه والاخبات الخشوع والتواضع . قوله: " هنات وهنات " أي شرور وفساد وظلم.
وقال الفيروزآبادي " الهوشة " الفتنة، والهيج، والاضطراب، والاختلاط والهواشات بالضم الجماعات من الناس والإبل والأموال الحرام، والمهاوش ما غصب وسرق، وقال: الهيش الافساد، والتحريك والهيج، والحلب الرويد والجمع.
قوله " مؤتجرا " أي طالبا للأجر والثواب، وقال الجزري في حديث مانع الزكاة " أنا آخذها وشطر ماله عزمة من عزمات الله " أي حق من حقوق الله وواجب من واجباته.
قال الحربي: غلط الراوي في لفظ الرواية إنما هو " شطر ماله " أي يجعل ما له شطرين ويتخير عليه المصدق فيأخذ الصدقة من خير النصفين، عقوبة لمنعه الزكاة فأما ما لا يلزمه فلا، وقال الخطابي في قوله الحربي: لا أعرف هذا الوجه وقيل معناه أن الحق مستوفى منه غير متروك عليه، وإن ترك شطر ماله كرجل كان له ألف شاة مثلا فتلفت حتى لم يبق إلا عشرون فإنه يؤخذ منه عشر شياة لصدقة الألف، وهو شطر ماله الباقي، وهذا أيضا بعيد لأنه قال: أنا آخذها وشطر ماله ولم يقل: أنا آخذ وأشطر ماله.
وقيل: إنه كان في صدر الاسلام يقع بعض العقوبات في الأموال ثم نسخ كقوله في الثمر المعلق: من خرج بشئ فله غرامة مثليه، والعقوبة، وكقوله: في ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها، وكان عمر يحكم به، وقد أخذ أحمد بشئ من هذا وعمل به.
وقال الشافعي في القديم: من منع زكاة ماله اخذت منه واخذ شطر ماله عقوبة على منعه، واستدل بهذا الحديث وقال في الجديد: لا يؤخذ منه إلا الزكاة لا غير وجعل هذا الحديث منسوخا انتهى.
قوله " ينحل " من النحلة بمعنى العطية أو النحول بمعنى الهزال والثاني بعيد
قوله عليه السلام: " ليس من طلب الحق " المعنى أن هؤلاء الخوارج مع غاية كفرهم خير من معاوية وأصحابه، لأن للخوارج شبهة وكان غرضهم طلب الحق فأخطأوا بخلاف معاوية وأصحابه، فإنهم طلبوا الباطل معاندين فأصابوه، لعنة الله عليهم أجمعين.
قوله: " إليه " أي إلى الشر، والجماجم جمع الجمجمة جمجمة الرأس ويكنى بها عن السادات والقبائل التي تنسب إليها البطون.
وقال الفيروزآبادي: التيس ذكر الظباء والمعز والتياس ممسكه والعسب ضراب الفحل أو ماؤه أو نسله، واحتوش القوم على فلان جعلوه في وسطهم.
3 - الإحتجاج: عن حنان بن سدير، عن أبيه سدير بن حكيم، عن أبيه، عن أبي سعيد عقيصا قال: لما صالح الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس فلامه بعضهم على بيعته فقال الحسن عليه السلام: ويحكم ما تدرون ما عملت، والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أني إمامكم ومفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، بنص من رسول الله صلى الله عليه وآله علي؟ قالوا: بلى، قال: أما علمتم أن الخضر لما خرق السفينة وأقام الجدار، وقتل الغلام، كان ذلك سخطا لموسى بن عمران عليه السلام إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصوابا أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي خلفه روح الله عيسى بن مريم عليه السلام؟ فإن الله عز وجل يخفى ولادته، ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذاك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الإماء يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب ابن دون الأربعين سنة ذلك ليعلم أن الله على كل شئ قدير.
إكمال الدين: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن جبرئيل بن أحمد عن موسى بن جعفر البغدادي، عن الحسن بن محمد الصيرفي، عن حنان بن
سدير مثله.
4 - الإحتجاج: عن زيد بن وهب الجهني قال: لما طعن الحسن بن علي عليهما السلام بالمدائن أتيته وهو متوجع فقلت: ما ترى يا ابن رسول الله فان الناس متحيرون؟
فقال: أرى والله معاوية خيرا لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي، وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما.
فوالله لأن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسيره أو يمن علي فتكون سبة على بني هاشم إلى آخر الدهر، ومعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منا والميت.
قال: قلت: تترك يا ابن رسول الله شيعتك كالغنم ليس لهم راع؟ قال: وما أصنع يا أخا جهينة إني والله أعلم بأمر قد أدي به إلي عن ثقاته: إن أمير المؤمنين عليه السلام قال لي ذات يوم وقد رآني فرحا: يا حسن أتفرح؟ كيف بك إذا رأيت أباك قتيلا؟ أم كيف بك إذا ولي هذا الأمر بنو أمية وأميرها الرحب البلعوم الواسع الأعفاج، يأكل ولا يشبع، يموت وليس له في السماء ناصر، ولا في الأرض عاذر، ثم يستولي على غربها وشرقها، تدين له العباد ويطول ملكه، يستن بسنن البدع والضلال، ويميت الحق وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله.
يقسم المال في أهل ولايته، ويمنعه من هو أحق به، ويذل في ملكه المؤمن ويقوى في سلطانه الفاسق، ويجعل المال بين أنصاره دولا ويتخذ عباد الله خولا ويدرس في سلطانه الحق، ويظهر الباطل، ويلعن الصالحون، ويقتل من ناواه على الحق، ويدين من والاه على الباطل.
فكذلك حتى يبعث الله رجلا في آخر الزمان وكلب من الدهر، وجهل من الناس يؤيده الله بملائكته، ويعصم أنصاره، وينصره بآياته، ويظهره على
الأرض، حتى يدينوا طوعا وكرها: يملأ الأرض عدلا وقسطا ونورا وبرهانا يدين له عرض البلاد وطولها، حتى لا يبقى كافر إلا آمن، ولا طالح إلا صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها، وتنزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز يملك ما بين الخافقين أربعين عاما فطوبى لمن أدرك أيامه وسمع كلامه.
ايضاح: يقال: صار هذا الأمر سبة عليه، بضم السين، وتشديد الباء أي عارا يسب به، قوله " عن ثقاته " لعل الضمير راجع إلى الأمر أو إلى الله، وكل منهما لا يخلو من تكلف وقال الجوهري: الرحب بالضم السعة، تقول منه: فلان رحب الصدر، والرحب بالفتح الواسع والبلعوم بالضم مجرى الطعام في الحلق وهو المرئ والأعفاج من الناس ومن الحافر والسباع كلها ما يصير الطعام إليه بعد المعدة، وهو مثل المصارين لذوات الخف والظلف.
ودانه أي أذله واستعبده، ودان له أي أطاعه، ودينت الرجل وكلته إلى دينه، والكلب بالتحريك الشدة، والطالح خلاف الصالح والخافقان أفقا المشرق والمغرب.
5 - اعلام الدين للديلمي: قال: خطب الحسن بن علي عليهما السلام: بعد وفاة أبيه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلة ولا قلة ولكن كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيب السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع وكنتم تتوجهون معنا ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم وكنا لكم وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا.
ثم أصبحتم تصدون قتيلين: قتيلا بصفين تبكون عليهم، وقتيلا بالنهروان تطلبون بثأرهم، فأما الباكي فخاذل، وأما الطالب فثائر.
وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فان أردتم الحياة قبلناه منه، وأغضضنا على القذى، وإن أردتم الموت، بذلناه في ذات الله، وحاكمناه إلى الله.
فنادى القوم بأجمعهم بل البقية والحياة.
6 - الإحتجاج، العدد: عن سليم بن قيس قال: قام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام على المنبر حين اجتمع مع معاوية، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن معاوية زعم أني رأيته للخلافة أهلا، ولم أر نفسي لها أهلا، وكذب معاوية أنا أولى الناس بالناس، في كتاب الله، وعلى لسان نبي الله، فاقسم بالله لو أن الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما طمعت فيها يا معاوية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما ولت أمة أمرها رجلا قط وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا، حتى يرجعوا إلى ملة عبدة العجل.
وقد ترك بنو إسرائيل هارون، واعتكفوا على العجل، وهم يعلمون أن هارون خليفة موسى، وقد تركت الأمة عليا عليه السلام وقد سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول
لعلي عليه السلام: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة فلا نبي بعدي " وقد هرب رسول الله صلى الله عليه وآله من قومه، وهو يدعوهم إلى الله، حتى فر إلى الغار، ولو وجد عليهم أعوانا ما هرب منهم، ولو وجدت أنا أعوانا ما بايعتك يا معاوية.
وقد جعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه، ولم يجد عليهم أعوانا، وقد جعل الله النبي صلى الله عليه وآله في سعة حين فر من قومه، لما لم يجد أعوانا عليهم، وكذلك أنا وأبي في سعة من الله، حين تركتنا الأمة وبايعت غيرنا ولم نجد أعوانا.
وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضا، أيها الناس إنكم لو التمستم فيما بين المشرق والمغرب لم تجدوا رجلا من ولد نبي غيري وغير أخي.
7 - رجال الكشي: روي عن علي بن الحسن الطويل، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاء رجل من أصحاب الحسن عليه السلام يقال له: سفيان بن ليلى وهو على راحلة له، فدخل على الحسن وهو
محتب في فناء داره فقال له: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال له الحسن: انزل ولا تعجل، فنزل فعقل راحلته في الدار، وأقبل يمشي حتى انتهى إليه قال فقال له الحسن: ما قلت؟ قال: قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، قال وما علمك بذلك؟
قال: عمدت إلى أمر الأمة، فخلعته من عنقك، وقلدته هذا الطاغية، يحكم بغير ما أنزل الله، قال: فقال له الحسن عليه السلام: سأخبرك لم فعلت ذلك.
قال: سمعت أبي عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لن تذهب الأيام والليالي حتى يلي أمر هذه الأمة رجل واسع البلعوم، رحب الصدر يأكل ولا يشبع وهو معاوية، فلذلك فعلت.
ما جاء بك؟ قال: حبك، قال: الله؟ قال: الله، فقال الحسن عليه السلام: والله لا يحبنا عبد أبدا ولو كان أسيرا في الديلم إلا نفعه حبنا، وإن حبنا ليساقط الذنوب من بني آدم كما يساقط الريح الورق من الشجر.
الاختصاص: جعفر بن الحسين المؤمن وجماعة مشايخنا عن محمد بن الحسين بن
أحمد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن علي بن النعمان مثله.
8 - كشف الغمة: روى الدولابي مرفوعا إلى جبير بن نفير، عن أبيه قال: قدمت المدينة فقال الحسن بن علي عليهما السلام: كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء المسلمين.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله أبصر الحسن بن علي عليهما السلام مقبلا فقال: اللهم سلمه وسلم منه.
9 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبي الصباح ابن عبد الحميد، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: والله الذي صنعه الحسن ابن علي عليهما السلام كان خيرا لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس، ووالله لقد نزلت هذه الآية " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيدكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ":
إنما هي طاعة الإمام، و [لكنهم] طلبوا القتال " فلما كتب عليهم القتال " مع الحسين عليه السلام " قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب " " نجب دعوتك، ونتبع الرسل " أرادوا تأخير ذلك إلى القائم عليه السلام.
توضيح: قوله عليه السلام: " إنما هي طاعة الإمام " أي المقصود في الآية طاعة الإمام الذي ينهى عن القتال، لعدم كونه مأمورا به، ويأمر بالصلاة والزكاة، وسائر
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.