پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب العقل والعلم والجهل

باب 4 علامات العقل وجنوده

ج ۱، ص ۱۳۲–۱۵۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱

خلفه، وبه فسر قوله تعالى: هو الذي جعل الليل والنهار خلفة، أو تفاوتهما في النور والظلمة، أو في الزيادة والنقصان، ودخول أحدهما في الآخر، أو في الطول والقصر بحسب العروض، أو اختلاف كل ساعة من ساعاتهما بالنظر إلى الأمكنة المختلفة فأية ساعة فرضت فهي صبح لموضع وظهر لاخر وهكذا، والفلك يجيئ مفردا وجمعا وهو السفينة. وما في قوله تعالى: بما ينفع الناس إما مصدرية أي بنفعهم أو موصولة أي بالذي ينفعهم من المحمولات والمجلوبات. وما أنزل الله من السماء من ماء. من الأولى للابتداء والثانية للبيان. والسماء يحتمل الفلك والسحاب وجهة العلو. وإحياء الأرض بالنباتات والأزهار والثمرات. وبث فيها عطف على أنزل أو على إحياء فإن الدواب ينمون بالخصب ويعيشون بالمطر. والبث: النشر والتفريق، والمراد بتصريف الرياح: إما تصريفها في مهابها قبولا ودبورا وجنوبا وشمالا، أو في أحوالها حارة وباردة وعاصفة ولينة وعقيمة ولواقح أو جعلها تارة للرحمة وتارة للعذاب. والسحاب المسخر أي لا ينزل ولا يتقشع مع أن الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر الله، وقيل: مسخر للرياح تقلبه في الجو بمشية الله تعالى. وفي الآية دلالة على لزوم النظر في خواص مصنوعاته تعالى، والاستدلال بها على وجوده ووحدته وعلمه وقدرته وحكمته وسائر صفاته، وعلى جواز ركوب البحر والتجارات والمسافرات لجلب الأقوات والأمتعة.

يا هشام قد جعل الله عز وجل دليلا على معرفته بأن لهم مدبرا فقال: وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لايات لقوم يعقلون وقال: حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وقال ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لايات لقوم يعقلون.

بيان: في الكافي قد جعل الله ذلك دليلا، أي كلا من الآيات المذكورة سابقا أو لاحقا. وقوله تعالى: وسخر لكم أي هيأها لمنافعكم ومسخرات بالنصب حال عن الجميع أي نفعكم بها حال كونها مسخرات لله خلقها ودبرها كيف شاء، وقرأ

حفص والنجوم مسخرات على الابتداء والخبر فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه، ورفع ابن عامر الشمس والقمر أيضا. وقوله تعالى: يريكم. الفعل مصدر بتقدير أن أو صفة لمحذوف أي آية يريكم بها البرق خوفا من الصاعقة أو تخريب المنازل والزروع أو من المسافرة وطمعا أي في الغيث والنبات وسقى الزروع أو للمقيم، ونصبهما على العلة لفعل لازم للفعل المذكور إذ إراءتهم تستلزم رؤيتهم، أو للفعل المذكور بتقدير مضاف أي إراءة خوف وطمع، أو بتأويل الخوف والطمع بالإخافة والأطماع، أو على الحال نحو كلمته شفاها.

يا هشام ثم وعظ أهل العقل، ورغبهم في الآخرة، فقال: وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون وقال: وما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون بيان: وما الحياة الدنيا أي أعمالها إلا لعب ولهو يلهي الناس ويشغلهم عما يعقب منفعة دائمة. والمتاع ما يتمتع به.

يا هشام ثم خوف الذين لا يعقلون عذابه فقال: ثم دمرنا الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون.

بيان: قوله (عليه السلام): عذابه إما مفعول لقوله: خوف أو يعقلون أولهما على التنازع.

والتدمير: الاهلاك، أي بعدما نجينا لوطا وأهله أهلكنا قومه، وإنكم يا أهل مكة لتمرون على منازلهم في متاجركم إلى الشام، فإن سدوم في طريقه. مصبحين أي داخلين في الصباح، وبالليل أي ومساءا، أو نهارا وليلا أفليس فيكم عقل تعتبرون به؟.

يا هشام ثم بين أن العقل مع العلم فقال: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون يا هشام ثم ذم الذين لا يعقلون فقال: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله، قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون وقال تعالى:

إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون وقال: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ثم ذم الكثرة فقال: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله وقال: أكثر الناس لا يعقلون وأكثرهم لا يشعرون.

بيان: ألفينا أي وجدنا. قوله تعالى: أولو كان، الواو للحال أو العطف، والهمزة للرد والتعجب، وجواب لو محذوف أي لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ولا يهتدون لاتبعوهم. إن شر الدواب، أي شر ما يدب على الأرض أو شر البهائم الصم عن سماع الحق وقبوله، البكم عن التكلم به، وقوله: بل أكثرهم لا يعقلون ليس في قرآننا، وهذه الآية في سورة لقمان، وفيها: بل أكثرهم لا يعلمون. ولعله كان في قرآنهم كذلك، وكذا ليس في هذا القرآن وأكثرهم لا يشعرون. فإما أن يكون هذا كلامه (عليه السلام) أو أنه أورد مضمون بعض الآيات. والضمير راجع إلى كفار قريش وهم كانوا قائلين بأن خالق السماوات والأرض هو الله تعالى، لكنهم كانوا يشركون الأصنام معه تعالى في العبادة.

يا هشام ثم مدح القلة فقال: وقليل من عبادي الشكور وقال: وقليل ما هم وما آمن معه إلا قليل يا هشام ثم ذكر اولي الألباب بأحسن الذكر، وحلاهم بأحسن الحلية، فقال: يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب.

يا هشام إن الله يقول: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب يعني العقل،

وقال: ولقد آتينا لقمان الحكمة قال: الفهم والعقل.

يا هشام إن لقمان قال لابنه: تواضع للحق تكن أعقل الناس، يا بني إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وجسرها الايمان، و شراعها التوكل، وقيمها العقل، ودليلها العلم، وسكانها الصبر.

بيان: للحق أي لله بالايمان به وطاعته، أو لكل حق إذا ظهر لك بقبوله. عالم بفتح اللام أو كسرها. وفي الكافي: وحشوها الايمان أي ما يحشى فيها وتملا منها.

والشراع ككتاب: الملاءة الواسعة فوق خشبة يصفقها الريح فتمضي بالسفينة. والقيم مدبر أمر السفينة. والدليل: المعلم. وقال في المغرب: السكان ذنب السفينة لأنها به تقوم وتسكن.

يا هشام لكل شئ دليل، ودليل العاقل التفكر، ودليل التفكر الصمت.

ولكل شئ مطية، ومطية العاقل التواضع. وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه.

بيان: في الكافي في العقل في الموضعين مكان العاقل. ودليل العقل أو العاقل التفكر فإنه يصل إلى مطلوبه بالفكر. وعلى نسخة الكافي يحتمل أن يكون المراد أن التفكر يدل على أن المرء عاقل، وكذا ما بعده يحتملهما. ومطية العاقل التواضع أي مع التواضع يقوي على ما يدل عليه عقله، ويؤيد من الله بإعماله، ومع التكبر.

وعدم طاعة الله يضعف عقله، ولا يقدر على إعماله في الأمور كالراجل العاجز عن الوصول إلى المطلوب، وعلى نسخة العقل أظهر كما لا يخفى.

يا هشام لو كان في يدك جوزة وقال الناس: لؤلؤة ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة، ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس: أنها جوزة ما ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة.

بيان: حاصله عدم الاغترار بمدح الناس والافتخار بثناءهم.

يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله فأحسنهم استجابة

أحسنهم معرفة لله، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا، وأعقلهم أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.

بيان: ضمير الجمع في قوله (عليه السلام): ليعقلوا راجع إلى العباد أي ما بعثهم إلا ليعقل العباد عن الله ما لا يعقلون إلا بتفهيم الأنبياء والرسل (عليهم السلام).

يا هشام ما من عبد إلا وملك آخذ بناصيته فلا يتواضع إلا رفعه الله، ولا يتعاظم إلا وضعه الله.

يا هشام إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وأما الباطنة فالعقول.

يا هشام إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره، ولا يغلب الحرام صبره.

يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان هواه على هدم عقله: من أظلم نور فكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه فكأنما أعان هواه على هدم عقله ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه.

بيان: نور مرفوع إذ لم تر أظلم متعديا، وإضافته إلى الفكر إما بيانية أو لامية، والسبب في ذلك أن بطول الامل يقبل إلى الدنيا ولذاتها، فيشغل عن التفكر.

والطريف: الامر الجديد المستغرب الذي فيه نفاسة، ومحو الطرائف بالفضول إما لأنه إذا اشتغل بالفضول شغل عن الحكمة في زمان التكلم بالفضول، أو لأنه لما سمع الناس منه الفضول لم يعبأوا بحكمته، أو لأنه إذا اشتغل به محا الله عن قلبه الحكمة.

يا هشام كيف يزكو عند الله عملك وأنت قد شغلت عقلك عن أمر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك.

بيان: الزكاة تكون بمعنى النمو، وبمعنى الطهارة، وهنا يحتملهما، والامر مقابل النهي، أو بمعنى مطلق الشأن أي الأمور المتعلقة به تعالى.

يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله تبارك وتعالى

اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ورغب فيما عند ربه، وكان انسه في الوحشة، و صاحبه في الوحدة، وغناه في العيلة، ومعزه في غير عشيرة.

بيان: عقل عن الله، أي حصل له معرفة ذاته وصفاته وأحكامه وشرائعه، أو أعطاه الله العقل، أو علم الأمور بعلم ينتهى إلى الله بأن أخذه عن أنبياءه وحججه، إما بلا واسطة، أو بلغ عقله إلى درجة يفيض الله علومه عليه بغير تعليم بشر. وغناه أي مغنيه، أو كما أن أهل الدنيا غناهم بالمال هو غناه بالله وقربه ومناجاته. والعيلة: الفقر.

وفي الكافي: من غير عشيرة. وهي القبيلة والرهط الأدنون.

يا هشام نصب الخلق لطاعة الله، ولا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم، والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل يعتقد، ولا علم إلا من عالم رباني، ومعرفة العالم بالعقل.

بيان: في الكافي: نصب الحق. ونصب إما مصدر، أو فعل مجهول أي إنما نصب الله الخلق أو الحق والدين، بإرسال الرسل وإنزال الكتب ليطاع في أوامره ونواهيه.

والتعلم بالعقل يعتقد أي يشتد ويستحكم، أو من الاعتقاد بمعنى التصديق والاذعان. و معرفة العالم وفي الكافي: ومعرفة العلم. أي علم العالم، وما هنا أظهر، والغرض أن احتياج العلم إلى العقل من جهتين: لفهم ما يلقيه العالم، ولمعرفة العالم الذي ينبغي أخذ العلم عنه.

يا هشام قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود.

بيان: في الكافي من العالم.

يا هشام إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة، ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم.

بيان: بالدون من الدنيا أي القليل واليسير منها مع الحكمة الكثيرة، ولم يرض بالقليل من الحكمة مع الدنيا الكثيرة.

يا هشام إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شئ من الدنيا يغنيك.

يا هشام إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب؟ وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض.

يا هشام إن العقلاء زهدوا في الدنيا، ورغبوا في الآخرة، لأنهم علموا أن الدنيا طالبة ومطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته.

بيان: في الكافي: إن الدنيا طالبة مطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة، والدنيا طالبة للمرء لان يوصل إليه ما عندها من الرزق المقدر، ومطلوبة يطلبها الحريص طلبا للزيادة، والآخرة طالبة تطلبه لتوصل إليه أجله المقدر، ومطلوبة يطلبها الطالب للسعادات الأخروية بالأعمال الصالحة.

يا هشام من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله في مسألته، بأن يكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، ومن قنع بما يكفيه استغنى، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا.

يا هشام إن الله عز وجل حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها. إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ولم يجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا وسره لعلانيته موافقا لان الله لا يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه.

بيان: الزيغ: الميل والعدول عن الحق، ورداها: أي هلاكها وضلالها.

قوله (عليه السلام): من كان قوله لفعله مصدقا على صيغة اسم الفاعل أي ينبغي أن يأتي أولا بما يأمره، ثم يأمر غيره ليكون قوله مصدقا لما يفعله ويمكن أن يقرأ على صيغة المفعول.

قوله (عليه السلام): لان الله الخ أي العقل أمر مخفي في الانسان لا يعرف وجوده في شخص إلا بما يظهر على الجوارح من آثاره والافعال الحسنة الناشئة عنه، ويمكن أن يكون المراد بالعقل المعرفة.

يا هشام كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ما من شئ عبد الله به أفضل من العقل وما تم عقل امرؤ حتى يكون فيه خصال شتى : الكفر والشر منه مأمونان، والرشد والخير منه مأمولان، وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف، ونصيبه من الدنيا القوت، ولا يشبع من العلم دهره، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره والتواضع أحب إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره ويستقل كثير المعروف من نفسه ويرى الناس كلهم خيرا منه، وأنه شرهم في نفسه، وهو تمام الامر.

بيان: دهره أي في تمام دهره وعمره. الذل أحب إليه المراد الذل والعز الدنيويان أو ذل النفس وعزها وترفعها. وهو تمام الامر أي كل أمر من أمور الدين يتم به، أو كأنه جميع أمور الدين مبالغة والمراد بالكفر جميع أنواعه على ما سيأتي تفسيره في موضعه إن شاء الله تعالى.

يا هشام من صدق لسانه زكا عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه، ومن حسن بره بإخوانه وأهله مد في عمره.

بيان: نيته أي عزمه على المبرات والخيرات، أو المراد الاخلاص في أعماله الحسنة.

يا هشام لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.

يا هشام كما تركوا لكم الحكمة فاتركوا لهم الدنيا.

بيان: المنحة: العطاء.

يا هشام لا دين لمن لا مروة له، ولا مروة لمن لا عقل له: وإن أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا، أما إن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها بغيرها.

بيان: المروة، الانسانية وكمال الرجولية، وهي الصفة الجامعة لمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب. والخطر: الحظ والنصيب، والقدر والمنزلة، والسبق الذي يتراهن عليه، والكل محتمل.

يا هشام إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول، لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه ثلاث خصال، يجيب إذا سئل وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه شئ منهن فجلس فهو أحمق. وقال الحسن بن علي (عليه السلام) إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها، قيل: يا بن رسول الله ومن أهلها؟ قال: الذين قص الله في كتابه وذكرهم، فقال: إنما يتذكر أولوا الألباب. قال: هم أولوا العقول. وقال علي بن الحسين (عليه السلام)، مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح، وأدب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولاة العقل تمام العز، واستتمام المال تمام المروة، وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة، وكف الأذى من كمال العقل، وفيه راحة البدن عاجلا وآجلا.

بيان: أدب العلماء زيادة في العقل أي مجالستهم وتعلم آدابهم، والنظر إلى أفعالهم وأخلاقهم موجبة لزيادة العقل. واستتمام المال وفي الكافي: استثمار المال، أي استنماؤه بالتجارة والمكاسب دليل تمام الانسانية وموجب له أيضا. قوله: قضاء لحق النعمة، أي شكر لحق أخيه عليه، حيث جعله موضع مشورته، أو شكر لنعمة العقل وهي من أعظم النعم، ولعل الأخير أظهر.

يا هشام إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يعد ما لا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنف برجاءه، ولا يتقدم على ما يخاف العجز عنه.

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يوصي أصحابه يقول: أوصيكم بالخشية من الله في السر و العلانية، والعدل في الرضاء والغضب، والاكتساب في الفقر والغنى، وأن تصلوا من

قطعكم، وتعفوا عمن ظلمكم وتعطفوا على من حرمكم، وليكن نظركم عبرا، وصمتكم فكرا، وقولكم ذكرا، وإياكم والبخل، وعليكم بالسخاء، فإنه لا يدخل الجنة بخيل، ولا يدخل النار سخي.

بيان: التعنيف: اللوم والتعيير بعنف، وترك الرفق والغلظة، وكلاهما محتمل.

والسر والعلانية بالنظر إلى الخلق. والرضاء والغضب أي سواء كان راضيا عمن يعدل فيه أو ساخطا عليه، والحاصل أن لا يصير رضاه عن أحد أو سخطه عليه سببا للخروج عن الحق، والاكتساب يحتمل اكتساب الدنيا والآخرة.

يا هشام رحم الله من استحيا من الله حق الحياء: فحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وذكر الموت والبلى وعلم أن الجنة محفوفة بالمكاره، والنار محفوفة بالشهوات.

بيان: وما حوى أي ما حواه الرأس، من العين والاذن واللسان وسائر المشاعر بأن يحفظها عما يحرم عليه. والبطن وما وعى، أي ما جمعه من الطعام والشراب بأن لا يكونا من حرام، والبلى بالكسر، الاندراس والاضمحلال في القبر قال في النهاية، فيه الاستحياء من الله حق الحياء أن لا تنسوا المقابر والبلى. والجوف وما وعى أي ما جمع من الطعام والشراب حتى يكونا من حلهما انتهى. وقال بعضهم: الجوف: البطن و الفرج وهما الأجوفان، وبعضهم روى الخبر هكذا، فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى فقال: أي ما وعاه الرأس من العين والاذن واللسان أي يحفظه عن أن يستعمل فيما لا يرضى الله، وعن أن يسجد لغير الله. ويحفظ البطن وما حوى أي جمعه، فيتصل به من الفرج والرجلين واليدين والقلب عن استعمالها في المعاصي انتهى. أقول: فيحتمل على ما في هذا الخبر أن يكون المراد حفظ البطن عن الحرام، وحفظ ما وعاه البطن من القلب عن الاعتقادات الفاسدة والأخلاق الذميمة، ويحتمل أن يكون المراد بما وعاه ما جمعه وأحيط به من الفرجين، وسائر الأعضاء: كاليدين والرجلين، أو يكون المراد بالبطن ما عدا الرأس مجازا بقرينة المقابلة. قوله (عليه السلام): والجنة محفوفة بالمكاره. أي لا تحصل إلا بمقاساة المكاره في الدنيا.

يا هشام من كف نفسه عن أعراض الناس أقال الله عثرته يوم القيامة، ومن كف غضبه عن الناس كف الله عنه غضبه يوم القيامة.

بيان: العثرة: الزلة، والمراد المعاصي، والإقالة في الأصل فسخ البيع بطلب المشتري: والاستقالة طلب ذلك، والمراد هنا تجاوز الله وترك العقاب الذي اكتسبه العبد بسوء فعله فكأنه اشترى العقوبة وندم فاستقال.

يا هشام إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه.

يا هشام وجد في ذؤابة سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أعتى الناس على الله من ضرب غير ضاربه، وقتل غير قاتله، ومن تولى غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله). ومن أحدث حدثا أو آوى محدثا لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا.

بيان: لعل المراد بذؤابة السيف - بالهمز - ما يعلق عليه لحفظ الضروريات كالملح وغيره، قال الجوهري والفيروزآبادي: الذؤابة: الجلدة المعلقة على آخرة الرحل.

وأعتى من العتو وهو البغي والتجاوز عن الحق والتكبر. غير قاتله، أي مريد قتله، أو قاتل مورثه. ومن تولى غير مواليه. أي المعتق الذي انتسب إلى غير معتقه، أو ذو النسب الذي تبرأ عن نسبه، أو الموالي في الدين من الأئمة المؤمنين، بأن يجعل غيرهم وليا له ويتخذه إماما، وعلى الأخير تدل الأخبار المعتبرة. والحدث:

البدعة أو القتل كما ورد في الخبر، أو كل أمر منكر. قال في النهاية: وفي حديث المدينة:

من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا، الحدث: الامر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة. والمحدث يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول فمعنى الكسر من نصر جانيا وآواه وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتص منه، والفتح هو الامر المبتدع نفسه، ويكون معنى الايواء فيه الرضاء به والصبر عليه فإنه إذا رضي بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكرها عليه فقد آواه.

وقال الفيروزآبادي: الصرف في الحديث التوبة والعدل الفدية. أو النافلة والعدل الفريضة. أو بالعكس، أو هو الوزن والعدل الكيل. أو هو الاكتساب والعدل الفدية أو الحيلة.

أقول: فسر في بعض أخبارنا الصرف بالتوبة، والعدل بالفداء كما سيأتي.

يا هشام أفضل ما تقرب به العبد إلى الله بعد المعرفة به الصلاة، وبر الوالدين، وترك الحسد والعجب والفخر.

بيان: يمكن إدخال جميع العقائد الضرورية في المعرفة، لا سيما مع عدم الظرف كما ورد في الأخبار الكثيرة بدونه.

يا هشام أصلح أيامك الذي هو أمامك، فانظر أي يوم هو؟ وأعد له الجواب فإنك موقوف ومسؤول، وخذ موعظتك من الدهر وأهله فإن الدهر طويلة قصيرة فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لتكون أطمع في ذلك، واعقل عن الله، وانظر في تصرف الدهر وأحواله فان ما هو آت من الدنيا كما ولى منها فاعتبر بها، وقال علي بن الحسين (عليه السلام): إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض ومغاربها بحرها وبرها وسهلها وجبلها عند ولي من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله كفئ الظلال ثم قال: أو لا حر يدع هذه اللماظة لأهلها؟ يعني الدنيا، فليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها بغيرها، فإنه من رضي من الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس.

بيان: طول الدهر في نفسها لا ينافي قصرها بالنسبة إلى كل شخص، أي خذ موعظتك من الدهور الماضية، والأزمان الخالية، ويحتمل أن يكون عمر كل شخص باعتبارين.

وقال الفيروزآبادي: الظل بالكسر: نقيض الضح أو هو الفئ، أو هو بالغداة، والفئ بالعشي، الجمع ظلال وظلول وأظلال والظل من كل شئ شخصه أو كنه ومن السحاب ما وارى الشمس منه، والظلة ما أظلك من شجر، والظلة بالضم ما يستظل به، والجمع ظلل وظلال. وقال: الفئ: ما كان شمسا فينسخه الظل. وقال الطيبي:

الظل ما تنسخه الشمس، والفئ ما ينسخ الشمس. أقول: فيحتمل أن يكون المراد فئ الأشياء ذوات الاظلال، كالشجر والجدار ونحوهما، أو المراد التشبيه بالفئ الذي هو نوع من الظلال، فان الفئ لحدوثه أشبه بالدنيا من سائر الظلال، أو لما فيه

من الاشعار بالتفيؤ والتحول والانتقال أي الظلال المتفيأة المتحولة. وقال الجوهري:

اللماظة بالضم: ما يبقى في الفم من الطعام، ومنه قول الشاعر يصف الدنيا: لماظة أيام كأحلام نائم.

أقول: لا يخفى حسن هذا التشبيه إذ كل ما يتيسر لك من الدنيا فهو لماظة من قد أكلها قبلك، وانتفع بها غيرك أكثر من انتفاعك، وترك فاسدها لك.

يا هشام إن كل الناس يبصر النجوم ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها، وكذلك أنتم تدرسون الحكمة ولكن لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها.

بيان: لما كان من معظم الانتفاع بالنجوم معرفة الأوقات، وجهة الطريق في الاسفار وأمثالها ولا تتم معرفة تلك الأمور إلا بكثرة تعاهد النجوم لتعرف مجاريها و منازلها ومطالعها ومغاربها ومقدار سيرها كذلك الحكمة لا ينتفع بها إلا بكثرة تعاهدها واستعمالها لتعرف فوائدها وآثارها. ودرس كنصر وضرب: قرأ.

يا هشام إن المسيح (عليه السلام) قال للحواريين: يا عبيد السوء يهولكم طول النخلة وتذكرون شوكها ومؤونة مراقيها، وتنسون طيب ثمرها ومرافقتها كذلك تذكرون مؤونة عمل الآخرة فيطول عليكم أمده ، وتنسون ما تفضون إليه من نعيمها ونورها وثمرها، يا عبيد السوء نقوا القمح وطيبوه. وادقوا طحنه تجدوا طعمه، ويهنئكم أكله، كذلك فأخلصوا الايمان وأكملوه تجدوا حلاوته وينفعكم غبه. بحق أقول لكم: لو وجدتم سراجا يتوقد بالقطران في ليلة مظلمة لاستضأتم به ولم يمنعكم منه ريح نتنه كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه، ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها يا عبيد الدنيا بحق أقول لكم: لا تدركون شرف الآخرة إلا بترك ما تحبون، فلا تنظروا بالتوبة غدا، فان دون غد يوما وليلة، وقضاء الله فيهما يغدو ويروح بحق أقول لكم: إن من ليس عليه دين من الناس أروح وأقل هما ممن عليه الدين وإن أحسن القضاء، وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح وأقل هما ممن عمل الخطيئة وإن أخلص التوبة وأناب، وإن صغار الذنوب ومحقراتها من مكائد إبليس يحقرها لكم، ويصغرها

في أعينكم، فتجتمع وتكثر فتحيط بكم. بحق أقول لكم: إن الناس في الحكمة رجلان فرجل أتقنها بقوله، وصدقها بفعله، ورجل أتقنها بقوله، وضيعها بسوء فعله، فشتان بينهما، فطوبى للعلماء بالفعل، وويل للعلماء بالقول. يا عبيد السوء اتخذوا مساجد ربكم سجونا لأجسادكم وجباهكم، واجعلوا قلوبكم بيوتا للتقوى، ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات إن أجزعكم عند البلاء لأشدكم حبا للدنيا، وإن أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا. يا عبيد السوء لا تكونوا شبيها بالحداء الخاطفة ولا بالثعالب الخادعة، ولا بالذئاب الغادرة، ولا بالأسد العاتية، كما تفعل بالفراس كذلك تفعلون بالناس: فريقا تخطفون، وفريقا تخدعون، وفريقا تقدرون بهم.

بحق أقول لكم: لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحا، وباطنه فاسدا كذلك لا تغني أجسادكم التي قد أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم، وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة، لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب، ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم. يا عبيد الدنيا إنما مثلكم مثل السراج يضيئ للناس ويحرق نفسه. يا بني إسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جثوا على الركب فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر.

بيان: عبيد السوء بالفتح وقد يضم السين، ومنهم من منع الضم وهو من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة كقولهم: حاتم الجود. ومؤونة مراقيها أي شدة الارتقاء عليها. ومرافقتها من الرفق بمعنى اللطف والنفع، ولعله كان مرافقها على صيغة الجمع والضمير راجع إلى الثمر أو النخلة. قوله: ما تفضون إليه من قولهم: أفضى إليه أي وصل. ونورها بضم النون وفتحها. والقمح بالفتح: لبر. ويهنؤكم مهموزا بفتح

النون وكسرها أي لا يعقب أكله مضرة. وغب كل شئ بالكسر عاقبته. والقطران بفتح القاف وكسرها وسكون الطاء، وبفتح القاف وكسر الطاء دهن منتن يستجلب من شجر الا بهل فيهناء به الإبل الجربي، ويسرع فيه إشعال النار. وسوء رغبته فيها أي ترك عمله بتلك الحكمة، والانظار: التأخير ولعل تعديته بالباء بتضمين أو بتقدير، ويحتمل الزيادة. وقوله: يغدو أي ينزل أول النهار. ويروح أي ينزل آخر النهار.

وقوله: أروح، أي أكثر راحة. قوله: ومحقرتها بفتح الميم والقاف والراء وسكون الحاء مصدر بمعنى الحقارة والذلة، أو على وزن اسم المفعول من باب التفعيل، كما ورد إياكم ومحقرات الذنوب. ويحقرها من باب التفعيل أو كيضرب. والحداء بكسر الحاء ممدودا جمع الحدأة كعنبة: نوع من الغراب يخطف الأشياء، والأسد بضم الهمزة وسكون السين جمع أسد. والعاتية أي الظالمة الطاغية المتكبرة. كما تفعل أي الأسد أو جميع ما تقدم، فالفراس على التغليب وقوله: فريقا تخطفون، إلى آخر ما ذكر، على سبيل اللف والنشر، ولما ذكر الافتراس أولا لم يذكر آخرا. لا يغني عن الجسد، أي لا ينفعه ولا يدفع عنه سوأ. والمنخل بضم الميم والخاء وقد تفتح خاؤه: ما ينخل به. ويقال:

زاحمهم، أي ضايقهم ودخل في زحامهم. قال الفيروزآبادي: جثى كدعا ورمى جثوا وجثيا بضمهما،: جلس على ركبتيه، وجاثيت ركبتي إلى ركبته. وقال: الوابل:

المطر الشديد الضخم القطر.

يا هشام مكتوب في الإنجيل: طوبى للمتراحمين أولئك هم المرحومون يوم القيامة، طوبى للمصلحين بين الناس أولئك هم المقربون يوم القيامة، طوبى للمطهرة قلوبهم أولئك هم المتقون يوم القيامة، طوبى للمتواضعين في الدنيا أولئك يرتقون منابر الملك يوم القيامة.

بيان: تخصيص كونهم من المتقين بيوم القيامة، لان في ذلك اليوم يتبين المتقون

واقعا، ويمتازون عن المجرمين، ويحشرون إلى الرحمن وفدا، وأما في الدنيا فكثيرا ما يشبه غيرهم بهم.

يا هشام قلة المنطق حكم عظيم فعليكم بالصمت فإنه دعة حسنة، وقلة وزر وخفة من الذنوب، فحصنوا باب الحلم فإن بابه الصبر، وإن الله عز وجل يبغض الضحاك من غير عجب. والمشاء إلى غير إرب. ويجب على الوالي أن يكون كالراعي لا يغفل عن رعيته ولا يتكبر عليهم، فاستحيوا من الله في سرائركم، كما تستحيون من الناس في علانيتكم، واعلموا أن الكلمة من الحكمة ضالة المؤمن، فعليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه غيبة عالمكم بين أظهركم.

بيان: الحكم بالضم: الحكمة. والدعة بفتح الدال: السكون والراحة. والإرب بالكسر وبالتحريك: الحاجة. وقال في النهاية: وفي الحديث: الكلمة الحكمة ضالة المؤمن وفي رواية: ضالة كل حكيم أي لا يزال يطلبها كما يتطلب الرجل ضالته. إنتهى.

وقيل: المراد أن المؤمن يأخذ الحكمة من كل من وجدها عنده، وإن كان كافرا أو فاسقا كما أن صاحب الضالة يأخذها حيث وجدها، ويؤيده ما مر، وقيل: المراد أن من كان عنده حكمة لا يفهمها ولا يستحقها يجب أن يطلب من يأخذها بحقها كما يجب تعريف الضالة، وإذا وجد من يستحقها وجب أن لا يبخل في البذل كالضالة.

وقال في النهاية: في الحديث فأقاموا بين ظهرانيهم وبين أظهرهم قد تكررت هذه اللفظة في الحديث، والمراد بها أنهم أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار، والاستناد إليهم، وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدا، ومعناه أن ظهرا منهم قدامه وظهرا وراءه فهو مكنوف من جانبيه، ومن جوانبه إذا قيل بين أظهرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا.

يا هشام تعلم من العلم ما جهلت، وعلم الجاهل مما علمت، وعظم العالم لعلمه، ودع منازعته، وصغر الجاهل لجهله ولا تطرده ولكن قربه وعلمه.

بيان: الطرد: الابعاد.

يا هشام إن كل نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيئة تؤاخذ بها. وقال أمير

المؤمنين صلوات الله عليه: إن لله عبادا كسرت قلوبهم خشبته، وأسكتتهم عن النطق وإنهم لفصحاء عقلاء، يستبقون إلى الله بالاعمال الزكية، لا يستكثرون له الكثير، ولا يرضون له من أنفسهم بالقليل، يرون في أنفسهم أنهم أشرار، وإنهم لأكياس وأبرار.

بيان: لعل المراد بالعجز الترك، وتعجيز النفس والكسل لا عدم القدرة أي إن الله يؤاخذ بترك شكر النعمة كما يؤاخذ بفعل السيئة ولو في الدنيا بزوال النعمة. والاستباق:

المسابقة في الرهان، أي يسبق بعضهم بعضا في التقرب إلى الله بالاعمال الطاهرة من آفاتها، أو النامية. والكياسة: العقل والفطنة.

يا هشام الحياء من الايمان والايمان في الجنة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار.

بيان: البذاء بفتح الباء ممدودا. الفحش وكل كلام قبيح. والجفاء ممدودا:

خلاف البر والصلة، وقد يطلق على البعد عن الآداب، قال المطرزي: الجفاء: الغلظ في العشرة، والخرق في المعاملة، وترك الرفق.

يا هشام المتكلمون ثلاثة: فرابح، وسالم، وشاجب: فأما الرابح فالذاكر لله وأما السالم فالساكت، وأما الشاجب فالذي يخوض في الباطل إن الله حرم الجنة على كل فاحش بذي قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه. وكان أبو ذر رضي الله عنه يقول: يا ميتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير، ومفتاح شر، فاختم على فيك كما تختم على ذهبك وورقك.

بيان: المراد بالمتكلمين القادرون على التكلم، أو المتكلمون والمجالسون معهم تغليبا، والحاصل أن الناس في أمر الكلام على ثلاثة أصناف. والشجب: الهلاك و الحزن والعيب. قال الجزري: في حديث الحسن: المجالس ثلاثة: فسالم وغانم و شاجب أي هالك يقال: شجب يشجب فهو شاجب، وشجب يشجب فهو شجب. أي إما سالم من الاثم، أو غانم للاجر، وإما هالك آثم.

يا هشام بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين يطري أخاه إذا شاهده، و يأكله إذا غاب عنه، إن أعطي حسده وإن ابتلى خذله، وإن أسرع الخير ثوابا البر، وأسرع الشر عقوبة البغي، وإن شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، ومن حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه.

بيان: الاطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. وخذله أي ترك نصرته.

والبغي: التعدي والاستطالة والظلم وكل مجاوزة عن الحد. وقوله: من تكره إما بفتح التاء للخطاب، أو بالضم على البناء للمفعول. وقال الفيروزآبادي: كبه: قلبه وصرعه كأكبه. وقال الجوهري: كبه لوجهه أي صرعه فأكب هو على وجهه. وهذا من النوادر. وقال الجزري: وفي الحديث: وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم أي ما يقطعونه من الكلام الذي لا خير فيه، واحدتها حصيدة تشبيها بما يحصد من الزرع، وتشبيها للسان وما يقطعه من القول بحد المنحل الذي يحصد به. وقال: يقال هذا أمر لا يعنيني أي لا يشغلني ولا يهمني، ومنه الحديث: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه أي لا يهمه.

يا هشام لا يكون الرجل مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا، ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو.

يا هشام قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي وعظمتي وقدرتي وبهائي وعلوي في مكاني، لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا جعلت الغنى في نفسه، وهمه في آخرته وكففت عليه ضيعته، وضمنت السماوات والأرض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر.

بيان: قوله تعالى: في مكاني أي في منزلتي ودرجة رفعتي. قوله: وكففت عليه ضيعته. يقال: كففته عنه أي صرفته ودفعته. والضيعة: الضياع والفساد، وما هو في

معرض الضياع من الأهل والمال وغيرهما. وقال في النهاية: وضيعة الرجل: ما يكون منه معاشه كالصنعة والتجارة والزراعة وغيرها، ومنه الحديث: أفشى الله ضيعته أي أكثر عليه معاشه انتهى، فيحتمل أن يكون المراد صرفت عنه ضياعه وهلاكه بتضمين معنى الاشفاق، أو يكون " على " بمعنى " عن "، أو صرفت عنه كسبه بأن لا يحتاج إليه، أو جمعت عليه معيشته أو ما كان منه في معرض الضياع ، كما قال في النهاية: لا يكفها أي لا يجمعها ولا يضمها، ومنه الحديث: المؤمن أخ المؤمن يكف عليه ضيعته أي يجمع عليه معيشته ويضمها إليه. وهذا المعنى أظهر لكن ما وجدت الكف بهذا المعنى إلا في كلامه.

وقوله تعالى: وكنت له من وراء تجارة كل تاجر. يحتمل وجوها: الأول:

أن يكون المراد كنت له عقب تجارة التجار لأسوقها إليه. الثاني: أن يكون المراد أني أكفي مهماته سوى ما أسوق إليه من تجارة التاجرين. الثالث: أن يكون معناه:

أناله عوضا عما فاته من منافع تجارة التاجرين. ولعل الأول أظهر.

يا هشام الغضب مفتاح الشر، وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وإن خالطت الناس فإن استطعت أن لا تخالط أحدا منهم إلا من كانت يدك عليه العليا فافعل.

بيان: اليد العليا: المعطية أو المتعففة.

يا هشام عليك بالرفق، فإن الرفق يمن والخرق شؤم إن الرفق والبر و حسن الخلق يعمر الديار، ويزيد في الرزق.

بيان: قال الفيروزآبادي: الخرق بالضم وبالتحريك: ضد الرفق، وأن لا يحسن العمل، والتصرف في الأمور، والحمق.

يا هشام قول الله: هل جزاء الاحسان إلا الاحسان جرت في المؤمن والكافر، والبر والفاجر، من صنع إليه معروف فعليه أن يكافئ به، وليست المكافاة أن تصنع

كما صنع حتى ترى فضلك، فإن صنعت كما صنع فله الفضل بالابتداء.

يا هشام إن مثل الدنيا مثل الحية، مسها لين، وفي جوفها السم القاتل، يحذرها الرجال ذووا العقول، ويهوي إليها الصبيان بأيديهم.

يا هشام اصبر على طاعة الله، واصبر عن معاصي الله، فإنما الدنيا ساعة فما مضى منها فليس تجد له سرورا ولا حزنا، وما لم يأت منها فليس تعرفه، فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها فكأنك قد اعتبطت.

بيان: في النهاية: كل من مات بغير علة فقد اعتبط، ومات فلان عبطة أي شابا صحيحا، وفي بعض النسخ بالغين المعجمة، أي إن صبرت فعن قريب تصير مغبوطا في الآخرة يتمنى الناس منزلتك.

يا هشام مثل الدنيا مثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله.

يا هشام إياك والكبر فإنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر، الكبر رداء الله فمن نازعه رداءه أكبه الله في النار على وجهه.

بيان: قال الجزري: في الحديث قال الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي ضرب الرداء والإزار مثلا في انفراده بصفة العظمة والكبرياء أي ليستا كسائر الصفات التي قد يتصف بها الخلق مجازا كالرحمة، وشبههما بالإزار والرداء لان المتصف بهما يشملانه كما يشمل الرداء الانسان، ولأنه لا يشركه في إزاره ورداءه أحد، فكذلك الله لا ينبغي أن يشركه فيهما أحد.

يا هشام ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم فإن عمل حسنا استزاد منه، وإن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إليه.

يا هشام تمثلت الدنيا للمسيح (عليه السلام) في صورة امرأة زرقاء، فقال لها: كم تزوجت؟ فقالت: كثيرا، قال: فكل طلقك؟ قالت: لا بل كلا قتلت! قال المسيح: فويح أزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بالماضين؟

بيان: الزرقة في العين معروفة، وقد تطلق على العمى، ويقال: زرقت عينه نحوي:

انقلبت وظهر بياضها فعلى الأول: لعل المراد بيان شؤمتها فإن العرب تتشأم بزرقة العين أو قبح منظرها وعلى الثاني ظاهر، وعلى الثالث كناية عن شدة الغضب، و الأول أظهر. وويح: كلمة ترحم وتوجع يقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب. وهي منصوبة على المصدر، وقد ترفع.

يا هشام إن ضوء الجسد في عينه فإن كان البصر مضيئا استضاء الجسد كله، و إن ضوء الروح العقل، فإذا كان العبد عاقلا كان عالما بربه، وإذا كان عالما بربه أبصر دينه، وإن كان جاهلا بربه لم يقم له دين، وكما لا يقوم الجسد إلا بالنفس الحية فكذلك لا يقوم الدين إلا بالنية الصادقة، ولا تثبت النية الصادقة إلا بالعقل.

يا هشام إن الزرع ينبت في السهل، ولا ينبت في الصفا، فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار لان الله جعل التواضع آلة العقل ، و جعل التكبر من آلة الجهل، ألم تعلم أن من شمخ إلى السقف برأسه شجه؟ ومن خفض رأسه استظل تحته وأكنه؟ فكذلك من لم يتواضع لله خفضه الله، ومن تواضع لله رفعه.

بيان: السهل: الأرض اللينة التي تقبل الزرع، والصفا جمع صفاة: وهي الحجر الصلب الذي لا ينبت. وتعمر بفتح التاء والميم أي تعيش طويلا، أو بضم الميم أي تجعل القلب معمورا، وبضم التاء وفتح الميم أي تصير الحكمة في القلب معمورة.

وشمخ أي طال وعلا. وشج رأسه أي كسره. والخفض: ضد الرفع، وأكنه أي ستره وحفظه عن الحر والبرد.

يا هشام ما أقبح الفقر بعد الغنى وأقبح الخطيئة بعد النسك، وأقبح من

ذلك العابد لله ثم يترك عبادته.

بيان: النسك: الحج أو مطلق العبادة.

يا هشام لا خير في العيش إلا لرجلين: لمستمع واع، وعالم ناطق.

بيان: العيش: الحياة. ووعاه أي حفظه.

يا هشام ما قسم بين العباد أفضل من العقل، نوم العاقل أفضل من سهر الجاهل، وما بعث الله نبيا إلا عاقلا حتى يكون عقله أفضل من جميع جهد المجتهدين، وما أدى العبد فريضة من فرائض الله حتى عقل عنه.

بيان: الاجتهاد: بذل الجهد في الطاعات.

يا هشام قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا رأيتم المؤمن صموتا فأدنو منه، فإنه يلقي الحكمة، والمؤمن قليل الكلام كثير العمل، والمنافق كثير الكلام قليل العمل.

يا هشام أوحى الله إلى داود: قل لعبادي لا يجعلوا بيني وبينهم عالما مفتونا بالدنيا فيصدهم عن ذكري، وعن طريق محبتي ومناجاتي، أولئك قطاع الطريق من عبادي، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة عبادتي ومناجاتي من قلوبهم.

بيان: في غيره من الاخبار قطاع طريق عبادي.

يا هشام من تعظم في نفسه لعنته ملائكة السماء وملائكة الأرض، ومن تكبر على إخوانه واستطال عليهم فقد ضاد الله، ومن ادعى ما ليس له فهو أعني لغير.

بيان: من تعظم أي عد نفسه عظيما قوله: أعنى لغير أي يدخل غيره في العناء و التعب ممن يشتبه عليه أمره أكثر مما يصيبه من ذلك، ويحتمل أن يكون تصحيف أعتى لغيره من العتو وهو الطغيان والتجبر، وكان يحتمل المأخوذ منه ذلك أيضا.

يا هشام أوحى الله إلى داود: حذر وأنذر أصحابك عن حب الشهوات، فإن المعلقة قلوبهم بشهوات الدنيا قلوبهم محجوبة عني.

يا هشام إياك والكبر على أوليائي، والاستطالة بعلمك فيمقتك الله، فلا تنفعك بعد مقته دنياك ولا آخرتك، وكن في الدنيا كساكن الدار ليست له، إنما ينتظر الرحيل.

يا هشام مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة، ومشاورة العاقل الناصح يمن وبركة ورشد وتوفيق من الله، فإذا أشار عليك العاقل الناصح فإياك والخلاف فإن في ذلك العطب.

بيان: أهل الدين هم العالمون بشرائع الدين العاملون بها. والعطب بالتحريك الهلاك.

يا هشام إياك ومخالطة الناس والانس بهم إلا أن تجد منهم عاقلا مأمونا فأنس به واهرب من سائرهم كهربك من السباع الضارية، وينبغي للعاقل إذا عمل عملا أن يستحيي من الله إذ تفرد له بالنعم أن يشارك في عمله أحدا غيره، وإذا حزبك أمر أن لا تدري أيهما خير وأصوب فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه، فإن كثير الثواب في مخالفة هواك، وإياك أن تغلب الحكمة وتضعها في الجهالة. قال هشام: فقلت له:

فإن وجدت رجلا طالبا غير أن عقله لا يتسع لضبط ما القي إليه؟ قال: فتلطف له في النصيحة، فإن ضاق قلبه فلا تعرضن نفسك للفتنة، واحذر رد المتكبرين، فان العلم يدل على أن يحمل على من لا يفيق قلت: فإن لم أجد من يعقل السؤال عنها؟

قال فاغتنم جهله عن السؤال حتى تسلم فتنة القول، وعظيم فتنة الرد، واعلم: أن الله لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم ولكن رفعهم بقدر عظمته ومجده، ولم يؤمن الخائفين بقدر خوفهم ولكن آمنهم بقدر كرمه وجوده، ولم يفرح المحزونين بقدر حزنهم ولكن

فرحهم بقدر رأفته ورحمته، فما ظنك بالرؤوف الرحيم الذي يتودد إلى من يؤذيه بأولياءه؟ فكيف بمن يؤذي فيه؟ وما ظنك بالتواب الرحيم الذي يتوب على من يعاديه؟

فكيف بمن يترضاه ويختار عداوة الخلق فيه؟.

بيان: السباع الضارية أي المولعة بالافتراس المعتادة له. وحزبه أمر أي نزل به وأهمه.

قوله (عليه السلام): وإياك أن تغلب الحكمة كذا في النسخة التي عندنا، ولعل فيه حذفا وإيصالا، أي تغلب على الحكمة، أي يأخذها منك قهرا من لا يستحقها بأن يقرأ على صيغة المجهول، أو على المعلوم أي تغلب على الحكمة فإنها تأبى عمن لا يستحقها، ويحتمل أن يكون بالفاء من الافلات بمعنى الاطلاق، فإنهم يقولون: انفلت مني كلام أي صدر بغير روية. قوله: فتلطف له في النصيحة أي تذكر له شيئا من تلك الحكمة بلطف على وجه الامتحان. والإفاقة: الرجوع عن السكر والاغماء والغفلة إلى حال الاستقامة. قوله: يؤذيه بأولياءه أي بسبب إيذاءهم، وترضاه أي طلب رضاه.

يا هشام من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه، وما أوتي عبد علما فازداد للدنيا حبا إلا ازداد من الله بعدا وازداد الله عليه غضبا.

يا هشام إن العاقل اللبيب من ترك ما لا طاقة له به، وأكثر الصواب في خلاف الهوى، ومن طال أمله ساء عمله.

يا هشام لو رأيت مسير الأجل لالهاك عن الامل.

بيان: اللبيب: العاقل والتوصيف للتوضيح والتأكيد، وألهاك: أي أغفلك.

يا هشام إياك والطمع، وعليك باليأس مما في أيدي الناس، وأمت الطمع من المخلوقين، فان الطمع مفتاح الذل، واختلاس العقل، وإخلاق المروات، وتدنيس

العرض، والذهاب بالعلم، وعليك بالاعتصام بربك: والتوكل عليه، وجاهد نفسك لتردها عن هواها، فإنه واجب عليك كجهاد عدوك. قال هشام: فأي الأعداء أوجبهم مجاهدة؟ قال: أقربهم إليك، وأعداهم لك، وأضرهم بك، وأعظمهم لك عداوة، وأخفاهم لك شخصا مع دنوه منك، ومن يحرض أعدائك عليك، وهو إبليس الموكل بوسواس القلوب، فله فلتشد عداوتك، ولا يكونن أصبر على مجاهدتك لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته، فإنه أضعف منك ركنا في قوته، وأقل منك ضررا في كثرة شره إذا أنت اعتصمت بالله، ومن اعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم بيان: الاختلاس: الاستلاب. وإخلاق الثوب: إبلاؤه. والدنس: الوسخ. و الحمل في المواضع على المبالغة. وقوله: ومن يحرض يحتمل المعجمة والمهملة: الحث والترغيب، كما قال تعالى: وحرض المؤمنين على القتال.

يا هشام من أكرمه الله بثلاث فقه لطف له: عقل يكفيه مؤونة هواه، وعلم يكفيه مؤونة جهله، وغنى يكفيه مخافة الفقر.

يا هشام احذر هذه الدنيا واحذر أهلها فإن الناس فيها على أربعة أصناف:

رجل مترد معانق لهواه، ومتعلم متقرئ كلما ازداد علما ازداد كبرا يستعلن بقراءته وعلمه على من هو دونه، وعابد جاهل يستصغر من هو دونه في عبادته، يحب أن يعظم ويوقر، وذو بصيرة عالم عارف بطريق الحق يحب القيام به فهو عاجز أو مغلوب، ولا يقدر على القيام بما يعرف فهو محزون مغموم بذلك فهو أمثل أهل زمانه وأوجههم عقلا.

بيان: تردى في البئر أي سقط، والمتردي أي الواقع في المهالك التي يعسر التخلص منه. والمتقرئ: الناسك المتعبد أو المتفقه أي متعلم القراءة. قوله: يستعلن بقراءته كأنه كان يستعلي، ويمكن أن يضمن فيه معناه. والأمثل: الأفضل. وأوجههم عقلا: لعل المراد أن عقلهم أوجه عند الله من عقول غيرهم، أو هم أوجه الناس للعقل.

يا هشام اعرف العقل وجنده، والجهل وجنده تكن من المهتدين. قال هشام فقلت: لا نعرف إلا ما عرفتنا، فقال (عليه السلام):

يا هشام إن الله خلق العقل وهو أول خلق خلقه الله من الروحانيين عن يمين العرش من نوره فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، فقال الله جل وعز:

خلقتك خلقا عظيما وكرمتك على جميع خلقي. ثم خلق الجهل من البحر الأجاج الظلماني، فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فلم يقبل، فقال: استكبرت؟ فلعنه.

ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جندا فلما رأى الجهل ما كرم الله به العقل وما أعطاه أضمر له العداوة، وقال الجهل: يا رب هذا خلق مثلي خلقته وكرمته وقويته وأنا ضده ولا قوة لي به، أعطني من الجند مثل ما أعطيته، فقال تبارك وتعالى:

نعم، فإن عصيتني بعد ذلك أخرجتك وجندك من جواري ومن رحمتي فقال: قد رضيت فأعطاه الله خمسة وسبعين جندا. فكان مما أعطى العقل من الخمسة وسبعين جندا: الخير وهو وزير العقل، الشر وهو وزير الجهل. الايمان، الكفر. التصديق، التكذيب.

الاخلاص، النفاق. الرجاء، القنوط. العدل، الجور. الرضاء، السخط. الشكر، الكفران.

اليأس، الطمع. التوكل، الحرص. الرأفة، الغلظة. العلم، الجهل. العفة، التهتك.

الزهد، الرغبة. الرفق، الخرق. الرهبة، الجرأة. التواضع، الكبر. التؤدة، العجلة.

الحلم، السفه. الصمت، الحذر. الاستلام، الاستكبار. التسليم، التجبر. العفو، الحقد.

الرحمة، القسوة. اليقين، الشك. الصبر، الجزع. الصفح، الانتقام. الغنى، الفقر.

التفكر، السهو. الحفظ، النسيان. التواصل، القطيعة. القناعة، الشره. المواساة، المنع. المودة، العداوة. الوفاء، الغدر. الطاعة، المعصية. الخضوع، التطاول.

السلامة، البلاء. الفهم، الغباوة. المعرفة، الانكار. المداراة، المكاشفة. سلامة الغيب، المماكرة. الكتمان، الافشاء. البر، العقوق. الحقيقة، التسويف. المعروف، المنكر.

التقية، الإذاعة. الانصاف، الظلم. النفي، الحسد. النظافة، القذر. الحياء، القحة.

القصد، الاسراف. الراحة، التعب. السهولة، الصعوبة. العافية، البلوى. القوام، المكاثرة. الحكمة، الهوى. الوقار، الخفة. السعادة، الشقاء. التوبة، الاصرار.

المخافة، التهاون. الدعاء، الاستنكاف. النشاط، الكسل. الفرح، الحزن. الألفة، الفرقة. السخاء، البخل. الخشوع، العجب. صدق الحديث، النميمة. الاستغفار، الاغترار. الكياسة، الحمق.

بيان: النفي: نفي الحسد عن النفس، والظاهر أنه صحف، والقحة كعدة:

الوقاحة وقلة الحياء.

يا هشام لا تجتمع هذه الخصال إلا لنبي أو وصي نبي، أو مؤمن امتحن الله قلبه للايمان، وأما سائر ذلك من المؤمنين فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود من أجناد العقل. حتى يستكمل العقل ويتخلص من جنود الجهل، فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) وفقنا الله وإياكم لطاعته.

31 - الدرة الباهرة: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): العاقل من رفض الباطل.

32 - دعوات الراوندي: قال الصادق (عليه السلام): كثرة النظر في العلم يفتح العقل.

33 - نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه.

قال السيد رضي الله عنه: وهذا من المعاني العجيبة الشريفة، والمراد به أن العاقل لا يطلق لسانه إلا بعد مشاورة الروية، ومؤامرة الفكر، والأحمق تسبق خذفات لسانه وفلتات كلامه مراجعة فكره، ومماحضة رأيه، فكأن لسان العاقل تابع لقلبه، كما أن قلب الأحمق تابع للسانه. وقد روي عنه (عليه السلام) هذا المعنى بلفظ آخر وهو قوله (عليه السلام): قلب الأحمق في فيه، ولسان العاقل في قلبه. ومعناهما واحد.

34 - وقال (عليه السلام): إذا تم العقل نقص الكلام.

35 - وقال (عليه السلام): لا يرى الجاهل إلا مفرطا أو مفرطا.

36 - نهج البلاغة: قيل له (عليه السلام): صف لنا العاقل فقال: هو الذي يضع الشئ مواضعه قيل له: فصف لنا الجاهل قال: قد فعلت. قال السيد رضي الله عنه: يعني (عليه السلام) أن الجاهل هو الذي لا يضع الشئ مواضعه، فكأن ترك صفته صفة له، إذ كان بخلاف وصف العاقل.

37 - نهج البلاغة: قال (عليه السلام): كفاف من عقلك ما أوضح لك سبيل غيك من رشدك.

38 - وقال (عليه السلام) في وصيته للحسن (عليه السلام): والعقل حفظ التجارب، وخير ما جربت ما وعظك.

39 - كنز الكراجكي: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن العاقل من أطاع الله وإن كان ذميم المنظر حقير الخطر، وان الجاهل من عصى الله، وإن كان جميل المنظر عظيم الخطر، أفضل الناس أعقل الناس.

40 - وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: العقل ولادة، والعلم إفادة، و مجالسة العلماء زيادة.

41 - وقال (عليهم السلام): من صحب جاهلا نقص من عقله.

42 - وقال (عليه السلام): التثبت رأس العقل والحدة رأس الحمق.

43 - وقال (عليه السلام): غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله.

44 - وقال (عليه السلام): العقول مواهب والآداب مكاسب.

45 - وقال (عليه السلام): فساد الأخلاق معاشرة السفهاء، وصلاح الأخلاق معاشرة العقلاء.

46 - وقال (عليه السلام): العاقل من وعظته التجارب.

47 - وقال (عليه السلام): رسولك ترجمان عقلك.

48 - وقال (عليه السلام): من ترك الاستماع عن ذوي العقول مات عقله.

49 - وقال (عليه السلام): من جانب هواه صح عقله.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.