پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب العقل والعلم والجهل

باب 4 علامات العقل وجنوده

ج ۱، ص ۱۰۵–۱۳۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱

باب 4 * (علامات العقل وجنوده) *

1 - الخصال: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه رفعه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قسم العقل على ثلاثة أجزاء فمن كانت فيه كمل عقله، ومن لم تكن فيه فلا عقل له: حسن المعرفة بالله عز وجل، وحسن الطاعة له، وحسن الصبر على أمره.

بيان: لعل عد هذه الأشياء التي هي من آثار العقل من أجزاءه على المبالغة،

والتوسع والتجوز، لعلاقة عدم انفكاكها عنه ودلالتها عليه.

2 - الخصال: ماجيلويه، عن محمد العطار، عن محمد بن أحمد، عن سهل، عن جعفر بن محمد بن بشار، عن الدهقان، عن درست عن عبد الاعلى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يعتر عقل الرجل في ثلاث: في طول لحيته، وفي نقش خاتمه، وفي كنيته.

3 - علل الشرائع، الخصال: أحمد بن محمد بن عبد الرحمن المروزي، عن محمد بن جعفر المقري الجرجاني، عن محمد بن الحسن الموصلي، عن محمد بن عاصم الطريفي، عن عياش بن يزيد بن الحسن بن علي الكحال مولى زيد بن علي، عن أبيه، عن موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين ابن علي، عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله خلق العقل من نور مخزون مكنون في سابق علمه الذي لم يطلع عليه نبي مرسل ولا ملك مقرب، فجعل العلم نفسه، والفهم روحه، والزهد رأسه، والحياء عينيه، و الحكمة لسانه، والرأفة همه، والرحمة قلبه، ثم حشاه وقواه بعشرة أشياء: باليقين، والايمان، والصدق، والسكينة، والاخلاص، والرفق، والعطية، والقنوع، والتسليم، والشكر، ثم قال عز وجل: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل. ثم قال له: تكلم فقال: الحمد لله الذي ليس له ضد ولا ند، ولا شبيه ولا كفو، ولا عديل ولا مثل، الذي كل شئ لعظمته خاضع ذليل. فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك، ولا أطوع لي منك، ولا أرفع منك، ولا أشرف منك، ولا أعز منك بك أوحد وبك اعبد، وبك ادعى، وبك ارتجى، وبك ابتغى، وبك أخاف، وبك احذر، وبك الثواب، وبك العقاب. فخر العقل عند ذلك ساجدا فكان في سجوده ألف عام، فقال الرب تبارك وتعالى: ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع، فرفع العقل رأسه فقال: إلهي أسألك أن تشفعني فيمن خلقتني فيه، فقال الله جل جلاله لملائكته:

أشهدكم أني قد شفعته فيمن خلقته فيه.

بيان: قد مر ما يمكن أن يستعمل في فهم هذا الخبر. والنور ما يصير سببا لظهور

شئ، والعقل من أنواره تعالى التي خلقها وقدرها لكشف المعارف على الخلق أي خلقه من جنس نور ومن سنخه، ومادته كانت شيئا نورانيا مخزونا في خزائن العرش ويحتمل التجوز كما مر. والعلم لشدة ارتباطه به وكونه فائدته الفضلي ومكمله إلى الدرجة العليا فكأنه نفسه وعينه، وهو بدون الفهم كجسد بلا روح. والزهد رأسه أي أفضل فضائله وأرفعها، كما أن الرأس أشرف أجزاء البدن، أو ينتفي بانتفاء الزهد كما أن الشخص يموت بمفارقة الرأس. والحياء معين على انكشاف الأمور الحقة عليه أو على من اتصف به كالعينين. والحكمة معبرة للعقل كاللسان للشخص. والرحمة سبب لإفاضة الحقائق عليه من الله وطريق لها كالقلب. وسجوده إما: كناية عن استسلامه وانقياد المتصف به للحق تعالى، أو: المراد سجود أحد المتصفين به، ولا يخفى انطباق أكثر أجزاء هذا الخبر على المعنى الأخير، أي أنوار الأئمة (عليهم السلام) والتجوز والتمثيل والتشبيه لعله أظهر ويقال: شفعته في كذا أي قبلت شفاعته فيه. وسيأتي تفسير بعض الاجزاء في الخبر الآتي.

4 - الخصال: أبي، عن سعد، عن أحمد بن هلال، عن أمية بن علي، عن ابن المغيرة، عن ابن خالد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يعبد الله عز وجل بشئ أفضل من العقل، ولا يكون المؤمن عاقلا حتى تجتمع فيه عشر خصال: الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، يستكثر قليل الخير من غيره، ويستقل كثير الخير من نفسه، ولا يسأم من طلب العلم طول عمره، ولا يتبرم بطلاب الحوائج قبله، الذل أحب إليه من العز، والفقر أحب إليه من الغنى. نصيبه من الدنيا القوت، والعاشرة لا يرى أحدا إلا قال:

هو خير مني وأتقى. إنما الناس رجلان: فرجل هو خير منه وأتقى، وآخر هو شر منه وأدنى، فإذا رأى من هو خير منه وأتقى تواضع له ليلحق به، وإذا لقى الذي هو شر منه وأدنى قال: عسى خير هذا باطن، وشره ظاهر، وعسى أن يختم له بخير، فإذا فعل ذلك فقد علا مجده وساد أهل زمانه.

5 - أمالي الطوسي: المفيد، عن محمد بن عمر الجعابي، عن أحمد بن محمد بن سعيد، عن الحسن بن جعفر، عن طاهر بن مدرار، عن زر بن أنس، قال: سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون كامل العقل، ولا يكون كامل العقل حتى يكون فيه عشر خصال، وساق الحديث نحو ما مر.

6 - علل الشرائع: ابن الوليد، عن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن أبي إسحاق إبراهيم بن الهيثم الخفاف، عن رجل من أصحابنا، عن عبد الملك بن هشام، عن علي الأشعري رفعه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما عبد الله بمثل العقل، وما تم عقل امرى حتى يكون فيه عشر خصال. وذكر مثله.

بيان: في ما وع بعد قوله والعاشرة: وما العاشرة؟. وقوله (عليه السلام) لم يعبد الله بشئ أي لا يصير شئ سببا للعبادة وآلة لها ومكملا لها كالعقل، ويحتمل أن يكون المراد بالعقل تعقل الأمور الدينية، والمعارف اليقينية والتفكر فيها، وتحصيل العلم، وهو من أفضل العبادات كما سيأتي، فيكون ما ذكر بعده من صفات العلماء. والمجد: نيل الشرف والكرم. وساد أهل زمانه أي صار سيدهم وعظيمهم وأشرفهم.

7 - الخصال: أبي، عن سعد والحميري معا، عن البرقي عن علي بن حديد، عن سماعة قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده جماعة من مواليه فجرى ذكر العقل والجهل، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): اعرفوا العقل وجنده، والجهل وجنده تهتدوا، قال سماعة:

فقلت جعلت فداك لا نعرف إلا ما عرفتنا، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله جل ثناؤه خلق العقل وهو أول خلق خلقه من الروحانيين عن يمين العرش من نوره فقال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، فقال الله تبارك وتعالى: خلقتك خلقا عظيما، وكرمتك على جميع خلقي. قال: ثم خلق الجهل من البحر الأجاج ظلمانيا، فقال

له أدبر فأدبر، ثم قال له أقبل فلم يقبل، فقال له: استكبرت؟ فلعنه، ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جندا، فلما رأى الجهل ما أكرم به العقل وما أعطاه، أضمر له العداوة، فقال الجهل يا رب هذا خلق مثلي خلقته وكرمته وقويته، وأنا ضده ولا قوة لي به، فأعطني من الجند مثل ما أعطيته، فقال نعم، فإن عصيت بعد ذلك أخرجتك وجندك من رحمتي قال: قد رضيت، فأعطاه خمسة وسبعين جندا. فكان مما أعطى العقل من الخمسة والسبعين الجند: الخير وهو وزير العقل، وجعل ضده الشر وهو وزير الجهل، والايمان وضده الكفر، والتصديق وضده الجحود، والرجاء وضده القنوط، و العدل وضده الجور، والرضاء وضده السخط، والشكر وضده الكفران، والطمع و ضده اليأس، والتوكل وضده الحرص، والرأفة وضدها الغرة، والرحمة وضدها الغضب، والعلم وضده الجهل، والفهم وضده الحمق، والعفة وضدها التهتك، والزهد وضده الرغبة، والرفق وضده الخرق، والرهبة وضدها الجرأة، والتواضع وضده التكبر والتؤدة وضدها التسرع، والحلم وضده السفه، والصمت وضده الهذر، والاستسلام وضده الاستكبار، والتسليم وضده التجبر، والعفو وضده الحقد، والرقة و ضدها القسوة، واليقين وضده الشك، والصبر وضده الجزع، والصفح وضده الانتقام، والغنى وضده الفقر، والتفكر وضده السهو، والحفظ وضده النسيان، والتعطف وضده القطيعة، والقنوع وضده الحرص، والمواساة وضدها المنع، والمودة وضدها العداوة، والوفاء وضده الغدر، والطاعة وضدها المعصية، والخضوع و ضده التطاول، والسلامة وضدها البلاء، والحب وضده البغض، والصدق وضده الكذب، والحق وضده الباطل، والأمانة وضدها الخيانة، والاخلاص وضده

الشوب والشهامة وضدها البلادة، والفهم وضده الغباوة، والمعرفة وضدها الانكار، والمداراة وضدها المكاشفة، وسلامة الغيب وضدها المماكرة، والكتمان وضده الافشاء والصلاة وضدها الإضاعة، والصوم وضده الافطار، والجهاد وضده النكول، والحج وضده نبذ الميثاق، وصون الحديث وضده النميمة، وبر الوالدين و ضده العقوق، والحقيقة وضدها الرياء، والمعروف وضده المنكر، والستر وضده التبرج، والتقية وضدها الإذاعة، والانصاف وضده الحمية، والمهنة وضدها البغي والنظافة وضدها القذر، والحياء وضده الخلع، والقصد وضده العدوان، والراحة وضدها التعب، والسهولة وضدها الصعوبة، والبركة وضدها المحق، والعافية وضدها البلاء، والقوام وضده المكاثرة، والحكمة وضدها الهوى، والوقار وضده الخفة، والسعادة وضدها الشقاء، والتوبة وضدها الاصرار، والاستغفار وضده الاغترار، والمحافظة وضدها التهاون، والدعاء وضده الاستنكاف، والنشاط وضده الكسل، والفرح وضده الحزن، والألفة وضدها الفرقة، والسخاء وضده البخل.

فلا تجتمع هذه الخصال كلها من أجناد العقل إلا في نبي أو وصي نبي أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان، وأما سائر ذلك من موالينا فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتى يستكمل ويتقي من جنود الجهل فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، وإنما يدرك الفوز بمعرفة العقل و جنوده ومجانبة الجهل وجنوده. وفقنا الله وإياكم لطاعته ومرضاته.

علل الشرائع: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن علي بن حديد، عن سماعة، مثله.

المحاسن: عن علي بن حديد مثله.

بيان: ما ذكر من الجنود هنا إحدى وثمانون خصلة، وفي الكافي ثمانية وسبعون، وكأنه لتكرار بعض الفقرات إما منه (عليه السلام) أو من النساخ بأن يكونوا أضافوا بعض النسخ إلى الأصل. والعقل هنا يحتمل المعاني السابقة. والجهل إما القوة الداعية إلى الشر أو البدن إن كان المراد بالعقل النفس، ويحتمل إبليس أيضا لأنه المعارض لأرباب العقول الكاملة من الأنبياء والأئمة في هداية الخلق، ويؤيده أنه قد ورد مثل هذا في معارضة آدم وإبليس بعد تمرده وأنه أعطاهما مثل تلك الجنود. والحاصل أن هذه جنود للعقل وأصحابه، وتلك عساكر للجهل وأربابه. الخير هو كونه مقتضيا للخيرات أو لايصال الخير إما إلى نفسه أو إلى غيره. والشر يقابله بالمعنيين، وسماهما وزيرين، لكونهما منشأين لكل ما يذكر بعدهما من الجنود. فهما أميران عليها مقويان لها وتصدر جميعها عن رأيهما. والتصديق والجحود لعلهما من الفقرات المكررة، و يمكن تخصيص الايمان بما يتعلق بالأصول، والتصديق بما يتعلق بالفروع، ويحتمل أن يكون الفرق بالاجمال والتفصيل بأن يكون الايمان التصديق الاجمالي بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله)، والتصديق الاذعان بتفاصيله.

والعدل: التوسط في جميع الأمور بين الافراط والتفريط أو المعنى المعروف، وهو داخل في الأول. والرضاء أي بقضاء الله والطمع لعله تكرار للرجاء، ويمكن أن يخص الرجاء بالأمور الأخروية، والطمع بالفوائد الدنيوية، أو الرجاء بما يكون باستحقاق، والطمع بغيره، أو يكون المراد بالطمع طمع ما في أيدي الناس بأن يكون من جنود الجهل أورد على خلاف الترتيب ولا يخفى بعده.

والرأفة والرحمة إحداهما من المكررات، ويمكن أن يكون المراد بالرأفة الحالة وبالرحمة ثمرتها، وفي الكافي والمحاسن: ضد الرأفة القسوة، وفي أكثر نسخ الخصال: العزة.

أي طلب الغلبة والاستيلاء. والفهم: إما المراد به حالة للنفس تقتضي سرعة إدراك الأمور والعلم بدقائق المسائل أو أصل الادراك، فعلى الثاني يخص بالحكمة العملية ليغاير العلم. والعفة: منع البطن والفرج عن المحرمات والشبهات، ومقابلها التهتك وعدم المبالاة بهتك ستره في ارتكاب المحرمات. وقال في القاموس: الخرق بالضم وبالتحريك

ضد الرفق، وأن لا يحسن العمل والتصرف في الأمور. والرهبة: الخوف من الله ومن عقابه، أو من الخلق، أو من النفس والشيطان، والأولى التعميم ليشمل الخوف عن كل ما يضر بالدين أو الدنيا، والتؤدة بضم التاء وفتح الهمزة وسكونها: الرزانة و التأني أي عدم المبادرة إلى الأمور بلا تفكر فإنها توجب الوقوع في المهالك. وفي القاموس: هذر كلامه كفرح: كثر في الخطاء والباطل. والهذر محركة: الكثير الردى أو سقط الكلام.

والاستسلام: الانقياد لله تعالى فيما يأمر وينهى. والتسليم: انقياد أئمة الحق. وفي الكافي في مقابل التسليم: الشك فالمراد بالتسليم الاذعان بما يصدر عن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) ويصعب على الأذهان قبوله كما سيأتي في أبواب العلم. والمراد بالغنى غنى النفس والاستغناء عن الخلق لا الغنى بالمال فإنه غالبا مع أهل الجهل، وضده الفقر إلى الناس والتوسل بهم في الأمور. ولما كان السهو عبارة عن زوال الصورة عن المدركة لا الحافظة أطلق في مقابله التذكر الذي هو الاسترجاع عن الحافظة، ولما كان النسيان عبارة عن زوالها عن الحافظة أيضا أطلق في مقابله الحفظ. والمواسات جعل الاخوان مساهمين ومشاركين في المال. والسلامة: هي البراءة من البلايا وهي العيوب والآفات، والعاقل يتخلص منها حيث يعرفها ويعرف طريق التخلص منها، والجاهل يختارها ويقع فيها من حيث لا يعلم، وقال الشيخ البهائي رحمه الله: لعل المراد سلامة الناس منه، كما ورد في الحديث: المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه. ويراد بالبلاء ابتلاء الناس به. والشهامة: ذكاء الفؤاد وتوقده.

قوله (عليه السلام): والفهم وضده الغباوة، في علل الشرائع: الفطنة وضدها الغباوة، ولعله أولى لعدم التكرار، وعلى ما في ل لعلها من المكررات، ويمكن تخصيص أحدهما بفهم مصالح النشأة الأولى، والآخر بالأخرى، أو أحدهما بمرتبة من الفهم والذكاء، و الآخر بمرتبة فوقها، والفرق بينه وبين الشهامة أيضا يحتاج إلى تكلف. والمعرفة على ما قيل: هي إدراك الشئ بصفاته وآثاره، بحيث لو وصل إليه عرف أنه هو، ومقابله الانكار يعني عدم حصول ذلك الادراك فإن الانكار يطلق عليه أيضا كما يطلق على

الجحود. والمكاشفة: المنازعة والمجادلة، وفي المحاسن: المداراة وضدها المخاشنة. وسلامة الغيب أي يكون في غيبته غيره سالما عن ضرره، وضدها المماكرة، وهو أن يتملق ظاهرا للخديعة والمكر، وفي الغيبة يكون في مقام الضرر، وفي المحاسن: سلامة القلب، وضدها المماكرة، ولعله أنسب.

والكتمان أي كتمان عيوب المؤمنين وأسرارهم، أو كلما يجب أو ينبغي كتمانه ككتمان الحق في مقام التقية، وكتمان العلم عن غير أهله. والصلاة أي المحافظة عليها وعلى آدابها وأوقاتها، وضدها الاخلال بشرائطها أو آدابها أو أوقات فضلها. وإنما جعل نبذ الميثاق أي طرحه ضد الحج لما سيأتي في أخبار كثيرة أن الله تعالى أودع الحجر مواثيق العباد، وعلة الحج تجديد الميثاق عند الحجر فيشهد يوم القيامة لكل من وافاه ولعل المراد بالحقيقة الاخلاص في العبادة، إذ بتركه ينتفي حقيقة العبادة، وهذه الفقرة أيضا قريبة من فقرة الاخلاص والشوب، فإما أن يحمل على التكرار أو يحمل الاخلاص على كماله بأن لا يشوب معه طمع جنة ولا خوف نار، ولا جلب نفع، ولا دفع ضرر، والحقيقة على عدم مراءاة المخلوقين. والمعروف أي اختياره والاتيان به والامر به وكذا المنكر. والتبرج إظهار الزينة، ولعل هذه الفقرة مخصوصة بالنساء، ويمكن تعميمها بحيث تشمل ستر الرجال عوراتهم وعيوبهم. والإذاعة: الافشاء. والانصاف: التسوية والعدل بين نفسه وغيره وبين الأقارب والأباعد، والحمية توجب تقديم نفسه على غيره، وإن كان الغير أحق وتقديم عشيرته وأقاربه على الأباعد، وإن كان الحق مع الأباعد. والمهنة بالكسر و الفتح والتحريك ككلمة: الحذق بالخدمة والعمل، مهنه كمنعه ونصره مهنا ومهنة ويكسر: خدمه وضربه وجهده، كذا في القاموس. والمراد خدمة أئمة الحق وإطاعتهم، والبغي: الخروج عليهم وعدم الانقياد لهم. وفي الكافي وسن: التهيئة، وهي جاءت بمعنى التوافق والاصلاح، ويرجع إلى ما ذكرنا. والجلع في بعض النسخ بالجيم وهو قلة الحياء، وفي بعضها بالخاء المعجمة أي خلع لباس الحياء، وهو مجاز شائع. والقصد: اختيار الوسط في الأمور، وملازمة الطريق الوسط الموصل إلى النجاة. والراحة أي اختيار ما يوجبها بحسب النشأتين، لا راحة الدنيا فقط. والسهولة: الانقياد بسهولة ولين

الجانب، والبركة تكون بمعنى الثبات والزيادة، والنمو أي الثبات على الحق، والسعي في زيادة أعمال الخير، وتنمية الايمان واليقين، وترك ما يوجب محق هذه الأمور أي بطلانها ونقصها وفسادها، ويحتمل أن يكون المراد البركة في المال وغيره من الأمور الدنيوية، فإن العاقل يحصل من الوجه الذي يصلح له ، ويصرف فيما ينبغي الصرف فيه فينمو ويزيد ويبقى ويدوم له، بخلاف الجاهل. والعافية من الذنوب والعيوب أو من المكاره فإن العاقل بالشكر والعفو يعقل النعمة عن النفار، ويستجلب زيادة النعمة و بقائها مدى الاعصار، والجاهل بالكفران وما يورث زوال الاحسان وارتكاب ما يوجب الابتلاء بالغموم والأحزان على خلاف ذلك، ويمكن أن تكون هذه أيضا من المكررات ويظهر مما ذكرنا الفرق على بعض الوجوه. والقوام كسحاب: العدل وما يعاش به أي اختيار الوسط في تحصيل ما يحتاج إليه، والاكتفاء بقدر الكفاف. والمكاثرة: المغالبة في الكثرة أي تحصيل متاع الدنيا زائدا على قدر الحاجة للمباهاة والمغالبة، ويحتمل أن يكون المراد التوسط في الانفاق، وترك البخل والتبذير، كما قال تعالى: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما. فالمراد بالمكاثرة المغالبة في كثرة الانفاق. والحكمة: العمل بالعلم، واختيار النافع الأصلح، وضدها اتباع هوى النفس. والوقار: هو الثقل والرزانة والثبات، وعدم الانزعاج بالفتن وترك الطيش والمبادرة إلى ما لا يحمد، والحاصل أن العاقل لا يزول عما هو عليه بكل ما يرد عليه ولا يحركه إلا ما يحكم العقل بالحركة له أو إليه، لرعاية خير وصلاح، والجاهل يتحرك بالتوهمات والتخيلات واتباع القوى الشهوانية والغضبية، فمحرك العاقل عزيز الوجود، ومحرك الجاهل كثير التحقق. والسعادة: اختيار ما يوجب حسن العاقبة.

والاستغفار أعم من التوبة إذ يشترط في التوبة العزم على الترك في المستقبل، ولا يشترط ذلك في الاستغفار، ويحتمل أن تكون مؤكدة للفقرة السابقة. والاغترار: الانخداع عن النفس والشيطان بتسويف التوبة والغفلة عن الذنوب ومضارها وعقوباتها. والمحافظة أي على أوقات الصلوات. والتهاون: التأخير عن أوقات الفضيلة، أو المراد المحافظة على

جميع التكاليف. والاستنكاف الاستكبار، وقد سمى الله تعالى ترك الدعاء استكبارا، فقال: إن الذين يستكبرون عن عبادتي. والفرح: ترك الحزن مما فات عنه من الدنيا أو البشاشة من الاخوان. قوله: الألفة وضدها الفرقة، في بعض النسخ العصبية، و كونها ضد الألفة لأنها توجب المنازعة واللجاج والعناد الموجبة لرفع الألفة. وتفصيل هذه الخصال وتحقيقها سيأتي إن شاء الله تعالى في أبواب المكارم.

8 - معاني الأخبار: أبي، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: ما العقل؟ قال: ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان قال قلت: فالذي كان في معاوية؟ قال: تلك النكراء وتلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل، وليست بعقل.

المحاسن: الأشعري مثله.

بيان: النكراء: الدهاء والفطنة وجودة الرأي، وإذا استعمل في مشتهيات جنود الجهل يقال له الشيطنة، ولذا فسره (عليه السلام) بها، وهذه إما قوة أخرى غير العقل أو القوة العقلية وإذا استعملت في هذه الأمور الباطلة وكملت في ذلك تسمى بالشيطنة ولا تسمى بالعقل في عرف الشرع، وقد مر بيانه.

9 - معاني الأخبار: سئل الحسن بن علي (عليه السلام) فقيل له: ما العقل؟ قال: التجرع للغصة حتى تنال الفرصة.

بيان: الغصة بالضم: ما يعترض في الحلق وتعسر إساغته، ويطلق مجازا على الشدائد التي يشق على الانسان تحملها وهو المراد هنا. وتجرعه كناية عن تحمله وعدم القيام بالانتقام به وتداركه حتى تنال الفرصة فإن التدارك قبل ذلك لا ينفع سوى الفضيحة وشدة البلاء وكثرة الهم.

10 - معاني الأخبار: في أسؤلة أمير المؤمنين عن الحسن (عليهما السلام) يا بني ما العقل؟ قال: حفظ قلبك ما استودعه، قال فما الجهل؟ قال: سرعة الوثوب على الفرصة قبل الاستمكان منها

والامتناع عن الجواب، ونعم العون الصمت في مواطن كثيرة وإن كنت فصيحا.

بيان: ما استودعه على البناء للمجهول أي ما جعلت عنده وديعة وطلبت منه حفظه. قوله (عليه السلام) والامتناع عن الجواب، أي عند عدم مظنة ضرر في الجواب فإن الامتناع حينئذ إما للجهل به أو للجهل بمصلحة الوقت فإن الصلاح حينئذ في الجواب فقوله (عليه السلام): ونعم العون كالاستثناء مما تقدم، وسيجيئ أخبار تناسب هذا الباب في باب تركيب الانسان وأجزاءه.

11 - تحف العقول: قال النبي (صلى الله عليه وآله) في جواب شمعون بن لاوي بن يهودا من حواريي عيسى حيث قال: أخبرني عن العقل ما هو وكيف هو؟ وما يتشعب منه وما لا يتشعب؟ وصف لي طوائفه كلها. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن العقل عقال من الجهل، والنفس مثل أخبث الدواب فإن لم تعقل حارت فالعقل عقال من الجهل، وإن الله خلق العقل، فقال له أقبل فأقبل، وقال له أدبر فأدبر، فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعظم منك، ولا أطوع منك، بك أبدا وبك أعيد، لك الثواب وعليك العقاب، فتشعب من العقل الحلم، ومن الحلم العلم، ومن العلم الرشد، و من الرشد العفاف ومن العفاف الصيانة، ومن الصيانة الحياء، ومن الحياء الرزانة، ومن الرزانة المداومة على الخير، ومن المداومة على الخير كراهية الشر، ومن كراهية الشر طاعة الناصح.

فهذه عشرة أصناف من أنواع الخير، ولكل واحد من هذه العشرة الأصناف عشرة أنواع: فأما الحلم فمنه: ركوب الجهل، وصحبة الأبرار، ورفع من الضعة ورفع من الخساسة، وتشهي الخير، ويقرب صاحبه من معالي الدرجات، والعفو، والمهل

والمعروف، والصمت فهذا ما يتشعب للعاقل بحلمه.

وأما العلم فيتشعب منه: الغنى وإن كان فقيرا، والجود وإن كان بخيلا، والمهابة وإن كان هينا، والسلامة وإن كان سقيما، والقرب وإن كان قصيا، والحياء وإن كان صلفا، والرفعة وإن كان وضيعا، والشرف وإن كان رذلا، والحكمة، والحظوة، فهذا ما يتشعب للعاقل بعلمه، فطوبى لمن عقل وعلم. وأما الرشد فيتشعب منه السداد، والهدى، والبر، والتقوى، والمنالة، والقصد، والاقتصاد، والثواب، والكرم، والمعرفة بدين الله. فهذا ما أصاب العاقل بالرشد، فطوبى لمن أقام به على منهاج الطريق. وأما العفاف فيتشعب منه: الرضاء، والاستكانة، والحظ، والراحة، والتفقد، والخشوع، والتذكر، والتفكر، والجود، والسخاء، فهذا ما يتشعب للعاقل بعفافه رضي بالله و بقسمه.

وأما الصيانة فيتشعب منها الصلاح، والتواضع، والورع، والإنابة، والفهم، والأدب، والاحسان، والتحبب، والخير، واجتناب الشر، فهذا ما أصاب العاقل بالصيانة، فطوبى لمن أكرمه مولاه بالصيانة.

وأما الحياء فيتشعب منه اللين، والرأفة، والمراقبة لله في السر والعلانية، و السلامة، واجتناب الشر، والبشاشة، والسماحة والظفر، وحسن الثناء على المرء في الناس ، فهذا ما أصاب العاقل بالحياء، فطوبى لمن قبل نصيحة الله وخاف فضيحته.

وأما الرزانة فيتشعب منها اللطف، والحزم، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وصدق اللسان، وتحصين الفرج، واستصلاح المال، والاستعداد للعدو، والنهي عن المنكر، وترك السفه، فهذا ما أصاب العاقل بالرزانة، فطوبى لمن توقر ولمن لم تكن له خفة ولا جاهلية وعفا وصفح.

وأما المداومة على الخير فيتشعب منه ترك الفواحش، والبعد من الطيش،

والتحرج، واليقين، وحب النجاة، وطاعة الرحمن، وتعظيم البرهان، واجتناب الشيطان، والإجابة للعدل، وقول الحق، فهذا ما أصاب العاقل بمداومة الخير، فطوبى لمن ذكر ما أمامه وذكر قيامه واعتبر بالفناء.

وأما كراهية الشر فيتشعب منه الوقار، والصبر، والنصر، والاستقامة على المنهاج، والمداومة على الرشاد، والايمان بالله، والتوفر، والاخلاص، وترك ما لا يعنيه، والمحافظة على ما ينفعه، فهذا ما أصاب العاقل بالكراهية للشر، فطوبى لمن أقام الحق لله وتمسك بعرى سبيل الله.

وأما طاعة الناصح فيتشعب منها الزيادة في العقل، وكمال اللب، ومحمدة العواقب، والنجاة من اللوم، والقبول، والمودة، والاسراج، والانصاف، والتقدم في الأمور، والقوة على طاعة الله، فطوبى لمن سلم من مصارع الهوى، فهذه الخصال كلها يتشعب من العقل.

قال شمعون: فأخبرني عن أعلام الجاهل فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن صحبته عناك، وان اعتزلته شتمك، وإن أعطاك من عليك، وإن أعطيته كفرك، وإن أسررت إليه خانك، وإن أسر إليك اتهمك، وإن استغنى بطر وكان فظا غليظا، وإن افتقر جحد نعمة الله ولم يتحرج، وإن فرح أسرف وطغى، وإن حزن آيس، وإن ضحك فهق، وإن بكى خار، يقع في الأبرار، ولا يحب الله ولا يراقبه، ولا يستحيي من الله ولا يذكره، إن أرضيته مدحك وقال فيك من الحسنة ما ليس فيك، وإن سخط عليك ذهبت مدحته ووقع فيك من السوء ما ليس فيك. فهذا مجرى الجاهل.

قال: فأخبرني عن علامة الاسلام فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الايمان، والعلم، والعمل قال: فما علامة الايمان؟ وما علامة العلم؟ وما علامة العمل؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

أما علامة الايمان فأربعة: الاقرار بتوحيد الله، والايمان به، والايمان بكتبه، والايمان

برسله. وأما علامة العلم فأربعة: العلم بالله، والعلم بمحبته، والعلم بمكارهه، و الحفظ لها حتى تؤدي. وأما العمل: فالصلاة والصوم والزكاة والاخلاص.

قال: فأخبرني عن علامة الصادق، وعلامة المؤمن، وعلامة الصابر، وعلامة التائب، وعلامة الشاكر، وعلامة الخاشع، وعلامة الصالح، وعلامة الناصح، وعلامة الموقن، وعلامة المخلص، وعلامة الزاهد، وعلامة البار، وعلامة التقي، وعلامة المتكلف، وعلامة الظالم، وعلامة المرائي، وعلامة المنافق، وعلامة الحاسد، وعلامة المسرف، وعلامة الغافل، وعلامة الكسلان، وعلامة الكذاب، وعلامة الفاسق، وعلامة الجائر.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما علامة الصادق فأربعة: يصدق في قوله، ويصدق وعد الله ووعيده، ويوفي بالعهد، ويجتنب الغدر.

وأما علامة المؤمن: فإنه يرؤف، ويفهم، ويستحيي.

وأما علامة الصابر فأربعة: الصبر على المكاره، والعزم في أعمال البر، والتواضع والحلم.

وأما علامة التائب فأربعة: النصيحة لله في عمله وترك الباطل، ولزوم الحق، والحرص على الخير.

وأما علامة الشاكر فأربعة: الشكر في النعماء، والصبر في البلاء، والقنوع بقسم الله، ولا يحمد ولا يعظم إلا الله.

وأما علامة الخاشع فأربعة: مراقبة الله في السر والعلانية، وركوب الجميل، والتفكر ليوم القيامة، والمناجاة لله.

وأما علامة الصالح فأربعة: يصفي قلبه، ويصلح عمله، ويصلح كسبه، ويصلح أموره كلها.

وأما علامة الناصح فأربعة: يقضي بالحق، ويعطي الحق من نفسه، ويرضى للناس ما يرضاه لنفسه، ولا يعتدي على أحد.

وأما علامة الموقن فستة: أيقن أن الله حق فآمن به، وأيقن بأن الموت حق فحذره، وأيقن بأن البعث حق فخاف الفضيحة وأيقن بأن الجنة حق فاشتاق

إليها وأيقن بأن النار حق فطهر سعيه للنجاة منها، وأيقن بأن الحساب حق فحاسب نفسه.

وأما علامة المخلص فأربعة: يسلم قلبه ويسلم جوارحه وبذل خيره، وكف شره.

وأما علامة الزاهد فعشرة، يزهد في المحارم، ويكف نفسه، ويقيم فرائض ربه، فإن كان مملوكا أحسن الطاعة، وإن كان مالكا أحسن المملكة، وليس له محمية ولا حقد، يحسن إلى من أساء إليه، وينفع من ضره، ويعفو عمن ظلمه، ويتواضع لحق الله.

وأما علامة البار فعشرة: يحب في الله، ويبغض في الله، ويصاحب في الله، و يفارق في الله، ويغضب في الله، ويرضى في الله، ويعمل لله، ويطلب إليه، ويخشع لله خائفا مخوفا طاهرا مخلصا مستحييا مراقبا، ويحسن في الله.

وأما علامة التقي فستة: يخاف الله، ويحذر بطشه، ويمسي ويصبح كأنه يراه، لا تهمه الدنيا، ولا يعظم عليه منها شئ لحسن خلقه.

وأما علامة المتكلف فأربعة: الجدال فيما لا يعنيه، وينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال.

وأما علامة الظالم فأربعة: يظلم من فوقه بالمعصية، ويملك من دونه بالغلبة ويبغض الحق ويظهر الظلم.

وأما علامة المرائي فأربعة، يحرص في العمل لله إذا كان عنده أحد، ويكسل إذا كان وحده، ويحرص في كل أمره على المحمدة ويحسن سمته بجهده.

وأما علامة المنافق فأربعة: فاجر دخله، يخالف لسانه قلبه، وقوله فعله، و سريرته علانيته. فويل للمنافق من النار.

وأما علامة الحاسد فأربعة: الغيبة. والتملق والشماتة بالمصيبة.

وأما علامة المسرف فأربعة: الفخر بالباطل، ويشتري ما ليس له، ويلبس ما ليس له، ويأكل ما ليس عنده.

وأما علامة الغافل فأربعة: العمى، والسهو، واللهو، والنسيان.

وأما علامة الكسلان فأربعة: يتوانى حتى يفرط، ويفرط حتى يضيع، و يضيع حتى يأثم ويضجر.

وأما علامة الكذاب فأربعة: إن قال لم يصدق، وإن قيل له لم يصدق، و النميمة، والبهت.

وأما علامة الفاسق فأربعة: اللهو، واللغو، والعدوان، والبهتان.

وأما علامة الجائر فأربعة: عصيان الرحمن، وأذى الجيران، وبغض القرآن، والقرب إلى الطغيان. فقال شمعون: لقد شفيتني وبصرتني من عماي، فعلمني طرائق أهتدي بها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا شمعون إن لك أعداء يطلبونك ويقاتلونك ليسلبوا دينك، من الجن والإنس، فأما الذين من الانس: فقوم لا خلاق لهم في الآخرة ولا رغبة لهم فيما عند الله، إنما همهم تعيير الناس بأعمالهم، لا يعيرون أنفسهم، ولا يحاذرون أعمالهم، إن رأوك صالحا حسدوك وقالوا: مراء، وإن رأوك فاسدا قالوا: لا خير فيه.

وأما أعدائك من الجن: فإبليس وجنوده، فإذا أتاك فقال: مات ابنك فقل إنما خلق الاحياء ليموتوا، وتدخل بضعة مني الجنة إنه ليسري، فإذا أتاك و قال: قد ذهب مالك فقل: الحمد لله الذي أعطى وأخذ، وأذهب عني الزكاة فلا زكاة علي. وإذا أتاك وقال لك: الناس يظلمونك وأنت لا تظلم، فقل إنما السبيل يوم

القيامة على الذين يظلمون الناس وما على المحسنين من سبيل. وإذا أتاك وقال لك:

ما أكثر إحسانك!؟ يريد أن يدخلك العجب، فقل: إساءتي أكثر من إحساني. وإذا أتاك فقال لك: ما أكثر صلاتك!؟ فقل: غفلتي أكثر من صلاتي. وإذا قال لك: كم تعطي الناس؟ فقل: ما آخذ أكثر مما أعطي. وإذا قال لك: ما أكثر من يظلمك!؟ فقل:

من ظلمته أكثر. وإذا أتاك فقال لك: كم تعمل؟ فقل طال ما عصيت. إن الله تبارك وتعالى لما خلق السفلى فخرت وزخرت وقالت: أي شئ يغلبني؟ فخلق الأرض فسطحها على ظهرها فذلت، ثم إن الأرض فخرت وقالت: أي شئ يغلبني؟ فخلق الله الجبال فأثبتها على ظهرها أوتادا من أن تميد بها عليها فذلت الأرض واستقرت ثم إن الجبال فخرت على الأرض فشمخت واستطالت وقالت أي شئ يغلبني؟

فخلق الحديد فقطعها فذلت، ثم إن الحديد فخر على الجبال وقال: أي شئ يغلبني؟

فخلق النار فأذابت الحديد فذل الحديد، ثم إن النار زفرت وشهقت وفخرت وقالت: أي شئ يغلبني؟ فخلق الماء فأطفأها فذلت، ثم الماء فخر وزخر وقال:

أي شئ يغلبني؟ فخلق الريح فحركت أمواجه وأثارت ما في قعره، وحبسته عن مجاريه فذل الماء، ثم إن الريح فخرت وعصفت وقالت: أي شئ يغلبني؟ فخلق الانسان فبنى واحتال ما يستتر به من الريح وغيرها فذلت الريح، ثم إن الانسان طغى وقال: من أشد مني قوة؟ فخلق الموت فقهره فذل الانسان، ثم إن الموت فخر في نفسه فقال الله عز وجل: لا تفخر، فإني ذابحك بين الفريقين: أهل الجنة وأهل النار ثم لا أحييك أبدا فخاف. ثم قال: والحلم يغلب الغضب، والرحمة تغلب السخط، والصدقة تغلب الخطيئة .

بيان: قوله تعالى: بك أبدا وبك أعيد، أي بك خلقت الخلق وأبدأتهم، و بك أعيدهم للجزاء، إذ لولا العقل لم يحسن التكليف، ولولا التكليف لم يكن للخلق فائدة، ولا للثواب والعقاب والحشر منفعة، ولا فيها حكمة.

قوله (صلى الله عليه وآله): ومن الحلم العلم، إذ بترك الحلم ينفر العلماء عنه، فلا يمكنه التعلم منهم، وأيضا يسلب الله علمه عنه، ولا يفيض عليه الحكمة بتركه، كما سيأتي. والرشد:

الاهتداء والاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه. والعفاف: منع النفس عن المحرمات والصيانة: منعها عن الشبهات والمكروهات، فلذا تتفرع على العفاف، وبالصيانة ترتفع الغواشي والأغطية عن عين القلب فيرى الحق حقا، والباطل باطلا، فيستحيي من ارتكاب المعاصي، وإذا استحكم فيه الحياء تحصل له الرزانة، أي عدم الانزعاج عن المحركات الشهوانية والغضبية، وعدم التزلزل بالفتن، إذ الحياء عن ربه يمنعه عن أن يؤثر شيئا على رضاه، أو يترك للأمور الدنية خدمة مولاه. والرزانة تصير وسيلة إلى المداومة على الخيرات، والمداومة على الخيرات توجب تأييد الله تعالى لان يكره الشرور، فإذا صار محبا للخير كارها للشر يطيع كل ناصح يدله على الخير الذي يحبه، أو يزجره عن الشر الذي يكرهه وأما ما يتشعب من الحلم فتشعبها منه يظهر بأدنى تأمل.

وبسط القول فيها يوجب الاطناب. والضعة بحسب الدنيا. والخساسة ما كان بسبب الأخلاق الذميمة. والمهل أي تأخير العقوبة وعدم المبادرة بالانتقام.

وأما ما يتشعب من العلم فالغنى. أي غنى النفس وإن كان فقيرا بلا مال، و يحتمل أيضا الغنى بالمال وإن كان قبل العلم فقيرا. والجود أي يجود بالحقائق على الخلق وإن كان بخيلا في المال إما لعدمه أو لبخله، أو المراد أن العلم يصير سببا لجودة بالمال والعلم وغيرهما وإن كان قبل اتصافه بالعلم بخيلا. وتحصل له المهابة، وإن كان بحسب ما يصير بحسب الدنيا سببا لها هينا لعدم شرف دنيوي و حسب ونسب ومال، لكن بالعلم يلقي الله مهابته في قلوب العباد، وإن كان قبل العلم هينا حقيرا، والسلامة من العيوب وإن كان في بدنه سقيما، أو العلم يصير سببا لشفاءه عن الأسقام الجسمانية والروحانية. والقرب من الله وإن كان قصيا أي بعيدا عن كرام

الخلق، أو القرب من الله ومن الخلق وإن كان بعيدا عنهما قبل العلم. والحياء وإن كان صلفا، في القاموس: الصلف بالتحريك: التكلم بما يكرهه صاحبك، والتمدح بما ليس عندك، أو مجاوزة قدر الظرف، والادعاء فوق ذلك تكبرا، وهو صلف ككتف إنتهى.

أي يحصل من العلم الحياء في ما يحب ويحمد وإن عده الناس صلفا لترك المداهنة، أو وإن كان قبله صلفا، والأخير هنا أظهر. والرفعة والشرف أيضا يحتملان المعنيين على قياس ما مر، والفرق بينهما بأن الرفعة ما كان له نفسه، والشرافة ما يتعدى إلى غيره بأن يتشرف من ينسب إليه بسببه، والأول بحسب الجاه الدنيوي، والثاني بالرفعة المعنوية بسبب الأخلاق الشريفة. والحكمة: العلوم الفائضة بعد العمل بما يعلم، أو العمل بالعلم كما سيأتي. والحظوة: المنزلة والقرب عند الله.

وأما ما يتشعب من الرشد: فالسداد وهو الصواب من القوم والعمل. والهدى أي إلى ما فوق ما هو فيه، أو المراد أن من أجزاءه ولوازمه الهدى، وكذا البر والتقوى.

والمنالة لعل المراد بها الدرجة التي بها تنال أقصى المقاصد، من القرب والفوز والسعادة فإنها من النيل والإصابة. والقصد أي الطريق الوسط المستقيم. والاقتصاد: رعاية الوسط الممدوح في جميع الأمور، وترك الافراط والتفريط. ويحتمل أن يكون المراد بالثواب إثابة الغير بجزاء ما يصنع إليه لكنه بعيد.

وأما ما يتشعب من العفاف: فالرضاء بما أعطاه الله من الرزق وعدم التصرف في الامر الحرام لطلب الزيادة. والاستكانة: الخضوع والمذلة، وهي من لوازم العفاف لان من عف عن الحرام ولم يجمع الأموال الكثيرة منه لا يطغى ويذل نفسه ويخضع.

والحظ: النصيب أي حظوظ الآخرة إذ بترك حظوظ الدنيا تتوفر حظوظ الآخرة. و الراحة أي في الدنيا والآخرة إذ من يجمع المال في الدنيا أيضا ليس له إلا العناء والتعب وكذا من لا يعف عن الفرج الحرام يتحمل في الدنيا المشاق والمنازعات والحدود الشرعية وغيرها. والتفقد إما المراد تفقد أحوال الفقراء وأداء حقوقهم، أو تفقد أحوال النفس وعيوبها والأول أظهر. والخشوع إذ بترك العفاف يسلب الخشوع في العبادات كما هو المجرب. والتذكر أي تذكر الموت وأحوال الآخرة والذنوب. و التفكر أي في المبدأ والمعاد وفيما خلق له.

وأما ما يتشعب من الصيانة، فالصلاح: صلاح نفسه، وخروجه عن المفاسد و المعائب. والتواضع عند الخالق والخلائق، وعدم الاستكبار عن قبول الحق. والورع اجتناب المحرمات والشبهات. والإنابة: التوبة والرجوع إلى الله تعالى. والفهم: فهم حسن الأشياء وقبحها، وفهم معائب النفس وعظمة خالقها. والأدب حسن المعاملة في خدمة الخالق ومعاشرة الخلق. والاحسان إلى الغير، وكسب محبة الناس واختيار الخير وما هو أحسن عاقبة واجتناب الشر.

وأما ما يتشعب من الحياء، فلين الجانب، وعدم الغلظة، والرأفة والترحم على الخلق، والمراقبة وهي ما يكون بين شخصين يرقب ويرصد كل منهما صاحبه أي يعلم في جميع أحواله ويتذكر أن الله مطلع عليه، فيستحيي من معصيته أو ترك طاعته والتوجه إلى غيره، وينتظر في كل آن رحمته، ويحترز من حلول نقمته. والسلامة من البلايا التي ترد على الانسان، في الدنيا والآخرة بترك الحياء، وكذا اجتناب الشر والظفر وهو الوصول إلى البغية والمطلوب وحسن ثناء الخلق عليه.

وأما ما يتشعب من الرزانة فاللطف والاحسان إلى الخلق، أو الرفق و المداراة معهم، أو اتيان الأمور بلطف التدبير وبما يعلم بعد التفكر أنه طريق الوصول إليه، بدون مبادرة واستعجال. والحزم: ضبط الامر والاخذ فيه بالثقة والتفكر في عواقب الأمور. وتحصين الفرج أي حفظه ومنعه عن الحرام والشبهة، ومن لم تكن له رزانة يتبع الشهوات وتحركه في أول الأمر فيقع في الحرام والشبهة بلا روية. و استصلاح المال أيضا إنما يتيسر بالرزانة إذ الاستعجال في الأمور واتباع كل ما يحدث في بادي النظر يوجب الخسران غالبا، وكذا الاستعداد للعدو إنما يكون بالتأني والتثبت، وكذا النهي عن المنكر فإنه أيضا إنما يتمشى بالتدبير والحزم. والتحرج تضييق الامر على النفس أو فعل ما يوجب الاثم قال في النهاية: ومنها حديث " اليتامى تحرجوا أن يأكلوا معهم " أي ضيقوا على أنفسهم، وتحرج فلان: إذا فعل فعلا يحرج به من الحرج الاثم والضيق انتهى. وعلى الثاني يكون معطوفا على الطيش. واليقين

إذ بكثرة العبادات يتقوى اليقين. وقوله: طاعة الرحمن، يمكن عطفه على النجاة، ولو كان معطوفا على الحب لعل المراد كثرتها وزيادتها، أو أنها ثمرة مترتبة على المداومة على الخير، وهي أنه مطيع للرحمن، وكفى به شرفا وفضلا. والبرهان: الحجة وكل ما يوجب وضوح أمر، وبراهين الله تعالى أنبياؤه وحججه وكتبه، ومعجزات الأنبياء والحجج، وآيات الآفاق والأنفس الدالة على وجوده وعظمته ووحدانيته وسائر صفاته، والطاعة والمداومة عليها تعظيم لتلك البراهين وإذعان بها، والمعصية تحقير لها.

وأما ما يتشعب من كراهية الشر فالوقار وعدم التزلزل عن الخير، والصبر على المكاره في الدين، والنصر على الأعادي الظاهرة والباطنة. والتوفر أي في الايمان أو في جميع الطاعات، وترك مالا يعنيه أي لا يهمه ولا ينفعه.

وأما ما يتشعب من طاعة الناصح فاللب: الخالص من كل شئ، ولعل المراد هنا العقل الخالص عن مخالطة الشهوات والأهواء. والقبول أي عند الخالق والخلق وكذا المودة، أو القبول عند الله والمودة بين الخلق.

والاسراج لعل المراد إسراج الذهن وإيقاد الفهم، ويمكن أن يكون في الأصل الانشراح أي انشراح الصدر واتساعه للعلوم، أو الاستراحة فصحف إلى ما ترى. والتقدم في الأمور أي الخيرات. قوله (عليه السلام): من مصارع الهوى، الصرع: الطرح على الأرض والمراد الأمور والمقامات التي يصرع هوى النفس فيها أكثر الخلق ويغلبهم.

وأما أعلام الجاهل، عناك " بالتشديد " أي أتعبك، من العناء: النضب والتعب وإن أعطيته كفرك " بالتخفيف " أي لم يشكرك. والفظ: الغليظ الجانب السيئ الخلق وقوله (عليه السلام): لم يتحرج أي لا يتضيق عن إثم وقبح ومعصية. وإن ضحك فهق أي فتح فاه وامتلأ من الضحك قال الجزري فيه: إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون:

هم الذين يتوسعون في الكلام، ويفتحون به أفواههم مأخوذ من " الفهق " وهو الامتلاء والاتساع، يقال: أفهقت الاناء فهق يفهق فهقا انتهى. وإن بكى خار أي جزع وصاح

كالبهائم قال الجزري: الخوار: صوت البقر، ومنه حديث مقتل أبي بن خلف فخر يخور كما يخور الثور انتهى. والحاصل أن فرحه وجزعه خارجان عن الاعتدال. قوله:

يقع في الأبرار، أي يعيبهم ويذمهم. قوله (صلى الله عليه وآله): ووقع فيك، لعله بالتشديد، أي أثبت من التوقيع وهو ما يثبت في الكتب والفرامين، أو بالتخفيف بتقدير الباء، أي عابك بما ليس فيك. قوله (صلى الله عليه وآله): ويصدق وعد الله ووعيده أي يؤمن بهما ويعمل بمقتضاهما.

ويوفي بالعهد أي عهوده مع الله ومع الخلق. قوله (صلى الله عليه وآله): فطهر سعيه، أي من الرياء والعجب وسائر ما يفسد العمل. قوله (صلى الله عليه وآله): يسلم قلبه، أي من الرياء وأنواع الشرك والأخلاق الذميمة. وجوارحه من المعاصي وما يظهر منه عدم الاخلاص.

قوله (صلى الله عليه وآله): ليس له محمية، مصدر من الحماية أي الحماية لأهل الباطل وهو قريب من معنى الحمية الغيرة والانفة. قوله (صلى الله عليه وآله): ولا يعظم. أي حسن خلقه وصبره يسهل عليه شدائد الدنيا. قوله (صلى الله عليه وآله): ينازع من فوقه: كباريه تعالى ونبيه، وإمامه، و معلمه، ووالديه، وكل من يلزمه إطاعته. ويتعاطى، أي يرتكب ويتوجه إلى تحصيل أمر لا يمكنه الوصول إليه. قوله (صلى الله عليه وآله) ويحسن سمته السمت: هيئة أهل الخير، أي يزين ظاهره ويتشبه بأهل الصلاح غاية جهده وسعيه. قوله (صلى الله عليه وآله): فاجر دخله، أي خفايا أموره وبواطن أحواله فاسدة فاجرة، قال الفيروزآبادي: دخل الرجل بالفتح والكسر بيته ومذهبه وجميع أمره وجلده وبطانته انتهى. قوله (صلى الله عليه وآله): وأما علامة الحاسد الظاهر أنه سقط أحد الأربعة من النساخ كما وقع مثله فيما سبق أو كان مكان أربعة ثلاثة، كما في وصايا لقمان حيث قال: للحاسد ثلاث علامات: يغتاب إذا غاب: ويتملق إذا شهد، ويشمت بالمصيبة. قوله (صلى الله عليه وآله): يتواني أي يفتر ويقصر ولا يهتم به. قوله (صلى الله عليه وآله): لأخلاق لهم الخلاق بالفتح: الحظ والنصيب: قوله (صلى الله عليه وآله): وإنه ليسري لعل المراد أن دخوله الجنة يسري إلي فأدخل أيضا بسببه، فيكون فعلا، و يحتمل أن يكون مصدرا، أي أن ذلك موجب ليسري وتيسر أموري في الآخرة،

ويمكن أن يكون يسري فعلا من قولهم: سرى عنه الهم، أي انكشف، أي هذا التفكر يصير سببا لان ينكشف عنك الهم.

ثم اعلم أنه كان في المنقول عنه بعد قوله: طال ما عصيت، فقرات ناقصات بينها بياض كثير أسقطناها. وما في آخر الخبر لعله تمثيل لبيان أن كل شئ غيره تعالى مغلوب مقهور بما فوقه والله الغالب على كل شئ. وسيأتي الكلام فيه في كتاب السماء والعالم. وإنما أوجزنا الكلام في شرح هذا الخبر، إذ استيفاء الكلام فيه لا يتأتى إلا في كتاب مفرد موضوع لذلك، وعهدنا المقدم يمسك عن الاطناب عنان القلم.

12 - تحف العقول: قال النبي (صلى الله عليه وآله): صفة العاقل أن يحلم عمن جهل عليه ويتجاوز عمن ظلمه، ويتواضع لمن هو دونه، ويسابق من فوقه في طلب البر، وإذا أراد أن يتكلم تدبر فإن كان خيرا تكلم فغنم وإن كان شرا سكت فسلم، وإذا عرضت له فتنة استعصم بالله، وأمسك يده ولسانه، وإذا رأى فضيلة انتهز بها، لا يفارقه الحياء، ولا يبدو منه الحرص، فتلك عشر خصال يعرف بها العاقل. وصفة الجاهل أن يظلم من خالطه، ويتعدى على من هو دونه ويتطاول على من هو فوقه، كلامه بغير تدبر إن تكلم أثم و إن سكت سها، وإن عرضت له فتنة سارع إليها فأردته، وإن رأى فضيلة أعرض وأبطأ عنها، لا يخاف ذنوبه القديمة، ولا يرتدع فيما بقي من عمره من الذنوب، يتوانى عن البر ويبطئ عنه، غير مكترث لما فاته من ذلك أو ضيعه، فتلك عشر خصال من صفة الجاهل الذي حرم العقل.

بيان: قال الجزري: النهزة الفرصة وانتهزتها اغتنمتها. أي إذا رأى فضيلة اغتنم الفرصة بهذه الفضيلة ولم يؤخرها. قوله (عليه السلام): وإن سكت سها. أي ليس سكوته لرعاية مصلحة بل لأنه سها عن الكلام. والردى: الهلاك فأردته أي أهلكته. ويقال:

ما أكترث له أي ما أبالي به.

13 - المحاسن: العوسي، عن أبي جعفر الجوهري عن إبراهيم بن محمد الكوفي، رفعه قال: سئل الحسن بن علي (عليه السلام) عن العقل قال: التجرع للغصة ومداهنة الأعداء.

روضة الواعظين: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مثله، وزاد فيه: ومداراة الأصدقاء.

بيان: المداهنة: إظهار خلاف ما تضمر وهو قريب من معنى المداراة.

14 - المحاسن: بعض أصحابنا رفعه قال: قال (عليه السلام): العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه ولا يسأل من يخاف منعه ولا يقدم على ما يخاف العذر منه، ولا يرجو من لا يوثق برجاءه.

15 - المحاسن: بعض أصحابنا رفعه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يستدل بكتاب الرجل على عقله وموضع بصيرته. وبرسوله على فهمه وفطنته.

16 - مصباح الشريعة: قال الصادق (عليه السلام): العاقل من كان ذلولا عند إجابة الحق، منصفا بقوله، جموحا عند الباطل، خصما بقوله: يترك دنياه، ولا يترك دينه، ودليل العاقل شيئان: صدق القول، وصواب الفعل، والعاقل لا يتحدث بما ينكره العقل، ولا يتعرض للتهمة، ولا يدع مداراة من ابتلى به، ويكون العلم دليله في أعماله، والحلم رفيقه في أحواله، والمعرفة تعينه في مذاهبه. والهوى عدو العقل، ومخالف الحق، وقرين الباطل، وقوة الهوى من الشهوة، وأصل علامات الشهوة أكل الحرام، والغفلة عن الفرائض، والاستهانة بالسنن والخوض في الملاهي.

توضيح: قال الفيروزآبادي: جمح الفرس كمنع جمحا وجموحا وجماحا، وهو جموح: اغتر فارسه وغلبه. وقال: رجل خصم كفرح: مجادل. قوله من ابتلى به أي بمعاشرته وخلطته. واستهان بالشئ، أي أهانه وخفضه. والخوض في الملاهي:

الدخول فيها واقتحامها من غير روية، والتمادي فيها.

17 - روضة الواعظين، غوالي اللئالي: عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: رأس العقل بعد الايمان التودد إلى الناس وقال (صلى الله عليه وآله): أعقل الناس محسن خائف وأجهلهم مسيئ آمن.

18 - روضة الواعظين: عن النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: رأس العقل بعد الايمان بالله التحبب إلى الناس.

19 - روضة الواعظين: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ليس للعاقل أن يكون شاخصا إلا في ثلاث مرمة لمعاش أو حظوة في معاد، أو لذة في غير محرم.

20 - روضة الواعظين: روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قيل له: ما العقل؟ قال: العمل بطاعة الله، و إن العمال بطاعة الله هم العقلاء.

21 - وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر بمجنون، فقال: ما له؟ فقيل: إنه مجنون فقال: بل هو مصاب، إنما المجنون من آثر الدنيا على الآخرة.

23 - روضة الواعظين: روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال ينبغي للعاقل إذا كان عاقلا أن يكون له أربع ساعات من النهار: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يأتي أهل العلم الذين ينصرونه في أمر دينه وينصحونه، و ساعة يخلي بين نفسه ولذتها من أمر الدنيا فيما يحل ويحمد.

24 - الاختصاص: قال الصادق (عليه السلام): أفضل طبائع العقل العبادة، وأوثق الحديث له العلم، وأجزل حظوظه الحكمة، وأفضل ذخائره الحسنات.

25 - وقال (عليه السلام): كمال العقل في ثلاث: التواضع لله، وحسن اليقين، والصمت إلا من خير.

26 - وقال: الجهل في ثلاث: الكبر، وشدة المراء، والجهل بالله فأولئك هم الخاسرون.

27 - وقال (عليه السلام): يزيد عقل الرجل بعد الأربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك.

28 - وقال: إذا أردت أن تختبر عقل الرجل في مجلس واحد فحدثه في خلال حديثك بما لا يكون، فإن أنكره فهو عاقل، وإن صدقه فهو أحمق.

29 - وقال (عليه السلام): لا يلسع العاقل من جحر مرتين.

30 - تحف العقول: وصية موسى بن جعفر (عليهما السلام) لهشام بن الحكم وصفته للعقل. قال (عليه السلام):

يا هشام إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه، فقال: بشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم الله وأولئك هم أولوا الألباب.

بيان: المراد بالقول إما القرآن، أو مطلق المواعظ. فيتبعون أحسنه أي إذا رددوا بين أمرين منها لا يمكن الجمع بينهما يختارون أحسنهما، وعلى الأول يحتمل أن يكون المراد بالأحسن المحكمات، ويمكن أن يحمل القول على مطلق الكلام، إذ ما من قول حق إلا وله ضد باطل فإذا سمعها اختار الحق منهما، وعلى تقدير أن يكون المراد بالقول القرآن أو مطلق المواعظ يمكن إرجاع الضمير إلى المصدر المذكور ضمنا أي يتبعونه أحسن اتباع.

يا هشام بن الحكم إن الله عز وجل أكمل للناس الحجج بالعقول، وأفضى إليهم بالبيان، ودلهم على ربوبيته بالأدلة فقال: وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لايات لقوم يعقلون.

بيان: المراد بالحجج البراهين أو الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، والاحتجاج وقطع العذر، أي أكمل حجته على الناس بما آتاهم من العقول. وأفضى إليه أي وصل والباء للتعدية أي بعدما أكمل عقلهم ألقى إليهم بيان ما يلزمهم علمه ومعرفته. وفي الكافي:

ونصر النبيين بالبيان. والأدلة ما بين في كتابه من دلائل الربوبية والوحدانية أو ما أظهر من آثار صنعته وقدرته في الآفاق وفي أنفسهم. والأول أنسب بالتفريع. واختلاف الليل والنهار أي تعاقبهما على هذا النظام المشاهد بأن يذهب أحدهما ويجيئ الآخر

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.