بحارالانوار · المجلد التاسع
88 باب كفر من سبه أو تبرأ منه صلوات الله عليه، وما أخبر بوقوع
ج ۳۹، ص ۳۱۰–۳۲۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
ما يقول هؤلاء؟ قال: يسبون عليا، قال: قربني إليهم، فلما أن وقف عليهم قال:
أيكم الساب الله؟ قالوا: سبحان الله ومن يسب الله فقد أشرك بالله. قال: فأيكم الساب رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قالوا: ومن يسب رسول الله فقد كفر، قال: فأيكم الساب علي بن أبي طالب؟ قالوا: قد كان ذلك، قال: فأشهد بالله وأشهد لله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله عز وجل " ثم مضى فقال لقائده: فهل قالوا شيئا حين قلت لهم ما قلت؟ قال: ما قالوا شيئا قال: كيف رأيت وجوههم؟ قال:
نظروا إليك بأعين محمرة * نظر التيوس إلى شفار الجازر قال: زدني فداك أبوك، قال:
خزر الحواجب ناكسو أذقانهم * نظر الذليل إلى العزيز القاهر قال: زدني فداك أبوك، قال: ما عندي غير هذا، قال: لكن عندي: أحياؤهم خزي على أمواتهم * والميتون فضيحة للغابر مناقب ابن شهرآشوب: الطبري في الولاية والعكبري في الإبانة عن ابن عباس مثله.
كشف الغمة: من كتاب كفاية الطالب عنه مثله.
بيان: خزر العيون: ضيقها، ولعله إنما نسبه إلى الحاجب بإطلاق الحاجب على العين مجازا، أو نسب إلى الحاجب لان تضييق العين يستلزم تضييقها.
2 - أمالي الطوسي: المفيد، عن محمد بن عمران، عن محمد بن أحمد بن محمد المكي، عن عبد الله ابن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن يحيى بن أبي بكر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله فقالت: أيسب رسول الله صلى الله عليه وآله فيكم؟ فقلت: معاذ الله، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من سب عليا فقد سبني.
3 - أمالي الطوسي: المفيد، عن الكاتب، عن الزعفراني، عن الثقفي، عن عثمان بن سعيد، عن منصور بن مهاجر، عن علي بن عبد الأعلى، عن زر بن حبيش قال: كان عصابة من قريش في مسجد النبي صلى الله عليه وآله فذكروا علي بن أبي طالب عليه السلام وانتهكوا منه ورسول الله صلى الله عليه وآله قايل في بيت بعض نسائه، فأتي بقولهم فثار من نومه في إزار ليس عليه غيره، فقصد نحوهم، ورأوا الغضب في وجهه، فقالوا: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: مالكم ولعلي؟ ألا تدعون عليا؟ ألا إن عليا مني وأنا منه، من آذى عليا فقد آذاني من آذى عليا فقد آذاني.
4 - عيون أخبار الرضا (ع): بإسناد التميمي عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله:
من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله.
5 - مناقب ابن شهرآشوب: تفسير القشيري: نزل قوله تعالى: " قد كانت آياتي تتلى عليكم
فكنتم على أعقابكم تنكصون * مستكبرين به سامرا تهجرون " أي تهذون - من الهذيان - في ملا من قريش سبوا علي بن أبي طالب عليه السلام وسبوا النبي صلى الله عليه وآله وقالوا في المسلمين هجرا.
الحلية: كعب بن عجرة عن أبيه قال النبي صلى الله عليه وآله: لا تسبوا عليا فإنه ممسوس في ذات الله.
بيان: أي يمسه الأذى والشدة في رضاء الله تعالى وقربه، أو هو لشدة حبه لله واتباعه لرضاه كأنه ممسوس أي مجنون، كما ورد في صفات المؤمن " يحسبهم القوم أنهم قد خولطوا " ويحتمل أن يكون المراد بالممسوس المخلوط والممزوج مجازا، أي خالط حبه تعالى لحمه ودمه.
6 - مناقب ابن شهرآشوب: مسند الموصلي: قالت أم سلمة: أيسب رسول الله صلى الله عليه وآله وأنتم أحياء؟ قلت: وأنى ذلك؟ قالت: أليس يسب علي ومن يحب عليا؟ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحبه.
7 - مجالس المفيد: علي بن محمد، عن أحمد بن إبراهيم، عن علي بن الحسن، عن الحسين ابن نصر بن مزاحم، عن أبيه، عن عبد الله بن عبد الملك، عن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي صادق قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: ديني دين رسول الله وحسبي حسب رسول الله، فمن تناول ديني وحسبي فقد تناول دين رسول الله وحسبه.
8 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن المفضل بن محمد بن حارث الليثي، عن أبيه، عن عبد الجبار بن سعيد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان قال: سمع عامر بن عبد الله بن الزبير - وكان من عقلاء قريش - ابنا له ينتقص علي بن أبي طالب عليه السلام
فقال له: يا بني لا تنتقص عليا فان الدين لم يبن شيئا فاستطاعت الدنيا أن تهدمه وإن الدنيا لم تبن شيئا إلا هدمه الدين، يا بني إن بني أمية لهجوا بسب علي بن أبي طالب في مجالسهم، ولعنوه على منابرهم، فكأنما يأخذون والله بضبعيه إلى السماء مدا، وإنهم لهجوا بتقريظ ذويهم وأوائلهم من قومهم فكأنما يكشفون منهم عن أنتن من بطون الجيف، فأنهاك عن سبه.
9 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن أبي يعلى محمد بن زهير، عن علي بن أيمن الطهوري، عن مصبح بن هلقام، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي أمية الطرسوسي عن الحسن بن عطية، عن قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن شمر بن عطية قال: كان أبي ينال من علي بن أبي طالب عليه السلام فأتي في المنام فقيل له: أنت الساب عليا؟ فخنق حتى أحدث في فراشه - ثلاثا - يعني صنع به ذلك في المنام ثلاث ليال.
10 - أمالي الطوسي: المفيد، عن محمد بن عمران، عن ابن دريد، عن الرواسي، عن عمر بن بكير، عن ابن الكلبي، عن أبي مخنف، عن كثير بن الصلت قال: جمع زياد بن مرجانة الناس برحبة الكوفة ليعرضهم على البراءة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، والناس من ذلك في كرب عظيم، فأغفيت فإذا أنا بشخص قد سد ما بين السماء والأرض، فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا النقاد ذو الرقبة أرسلت إلى
صاحب القصر، فانتبهت مذعورا وإذا غلام لزياد قد خرج إلى الناس، فقال:
انصرفوا فإن الأمير عنكم مشغول، وسمعنا الصياح من داخل القصر، فقلت في ذلك:
ما كان منتهيا عما أراد بنا * حتى تناوله النقاد ذو الرقبة فأسقط الشق منه ضربة ثبتت * كما تناول ظلما صاحب الرحبة كنز الكراجكي: عن أسد بن إبراهيم الحراني، عن عمر بن علي العتكي، عن أحمد بن محمد بن سليمان الجوهري، عن أبيه، عن محمد بن السري، عن هشام بن محمد السائب، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن السائب، عن أبيه مثله.
11 - أمالي الطوسي: المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن يحيى بن زكريا، عن بكير بن مسلم، عن محمد بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال:
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: ستدعون إلى سبي فسبوني، وتدعون إلى البراءة مني فمدوا الرقاب فإني على الفترة.
12 - كشف الغمة: من كفاية الطالب قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال:
ما منعك أن تسب أبا تراب؟ قال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وآله فلن أسبه، لان تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له، وقد خلفه في بعض مغازيه فقال علي عليه السلام: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي؟ " وسمعته يقول يوم خيبر: " لأعطين الراية رجلا
يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله " قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليا، فاتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية:
" ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم " دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: " اللهم هؤلاء أهلي ". هكذا رواه مسلم في صحيحه وغيره من الحفاظ قال محمد بن يوسف الكنجي: نعوذ بالله من الحور بعد الكور.
ومن مناقب الخوارزمي بالاسناد عن الترمذي عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه مثله.
13 - أمالي الطوسي: بإسناد أخي دعبل عن الرضا عن آبائه عليهم السلام عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: ألا إنكم ستعرضون على سبي، فإن خفتم على أنفسكم فسبوني، ألا وإنكم ستعرضون على البراءة مني فلا تفعلوا فإني على الفطرة.
14 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال:
قيل لأبي عبد الله عليه السلام: إن الناس يروون أن عليا قال على منبر الكوفة: " أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني، ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تبرؤوا مني " فقال عليه السلام: ما أكثر ما يكذب الناس على علي عليه السلام! ثم قال: إنما قال:
" إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني، ثم تدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد " ولم يقل " ولا تبرؤوا مني " فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ فقال: والله ما ذلك عليه وماله إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان فأنزل الله عز وجل فيه " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان " فقال له النبي صلى الله عليه وآله عندها: يا عمار إن عادوا فعد، فقد
أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا.
15 - عيون أخبار الرضا (ع): بإسناد التميمي عن الرضا عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: إنكم ستعرضون على البراءة مني فلا تتبرؤوا مني فإني على دين محمد.
16 - الإرشاد: من معجزات أمير المؤمنين صلوات الله عليه ما استفاض عنه من قوله:
" إنكم ستعرضون من بعدي على سبي فسبوني، فإن عرض عليكم البراءة مني فلا تبرؤوا مني فإني ولدت على الاسلام، فمن عرض عليه البراءة فليمدد عنقه فمن تبرأ مني فلا دنيا له ولا آخرة وكان الامر في ذلك كما قال عليه السلام.
17 - مناقب ابن شهرآشوب: سفيان بن عيينة عن طاوس اليماني أنه قال عليه السلام لحجر البدري " يا حجر كيف بك إذا أوقفت على منبر صنعاء وأمرت بسبي والبراءة مني؟ قال:
فقلت: أعوذ بالله من ذلك، قال: والله إنه كائن فإذا كان ذلك فسبني ولا تبرأ مني، فإنه من تبرأ مني في الدنيا برئت منه في الآخرة " قال طاوس: فأخذه الحجاج على أن يسب عليا، فصعد المنبر وقال: يا أيها الناس إن أميركم هذا أمرني أن ألعن عليا ألا فالعنوه لعنه الله.
18 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن إبراهيم، عن أحمد بن داود المكي، عن زكريا بن يحيى الكسائي، عن نوح بن دراج القاضي، عن ابن
أبي ليلي، عن أبي جعفر المنصور قال: كان عندنا بالشراة قاص إذا فرغ من قصصه ذكر عليا فشتمه، فبينا هو كذلك إذا ترك ذلك يوما ومن الغد، فقالوا:
نسي، فلما كان اليوم الثالث تركه أيضا، فقالوا له أو سألوه، فقال: لا والله لا أذكره بشتيمة أبدا، بينا أنا نائم والناس قد جمعوا فيأتون النبي صلى الله عليه وآله فيقول لرجل:
أسقهم، حتى وردت على النبي صلى الله عليه وآله فقال له: اسقه، فطردني، فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله مره فليسقني، فقال: اسقه، فسقاني قطرانا فأصبحت وأنا أتجشى.
19 - مناقب ابن شهرآشوب: زياد بن كليب قال: كنت جالسا في نفر فمر بنا محمد بن صفوان مع عبيد الله بن زياد، فدخلا المسجد ثم رجعا إلينا وقد ذهب عينا محمد بن صفوان، فقلنا:
ما شأنه؟ فقال إنه قام في المحراب وقال: إنه من لم يسب عليا بنية فإنه يسبه بنية، فطمس الله بصره. وقد رواه عمر بن ثابت عن أبي معشر.
البلاذري والسمعاني والمامطيري والنطنزي والفلكي أنه مر بسعد بن مالك رجل يشتم عليا عليه السلام فقال: ويحك ما تقول؟ قال: أقول ما تسمع، فقال:
اللهم إن كان كاذبا فأهلكه، فخبطه جمل بختي فقتله.
ابن المسيب: صعد مروان المنبر وذكر عليا عليه السلام فشتمه، قال سعيد:
فهومت عيناي فرأيت كفا في منامي خرجت من قبر رسول الله صلى الله عليه وآله عاقدة على ثلاث وستين، وسمعت قائلا يقول: يا أموي يا شقي أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا؟ قال: فما مرت بمروان إلا ثلاث حتى مات.
مناقب إسحاق العدل أنه كان في خلافة هشام خطيب يلعن عليا على المنبر، قال: فخرجت كف من قبر رسول الله صلى الله عليه وآله يرى الكف ولا يرى الذراع، عاقدة على ثلاث وستين، وإذا كلام من قبر النبي صلى الله عليه وآله: ويلك من أموي أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا؟ وألقت ما فيها وإذا دخان أزرق، قال: فما نزل عن منبره إلا وهو أعمى يقاد، قال: وما مضت له ثلاثة أيام حتى مات.
بيان: على حساب العقود العقد على ثلاث وستين هو أن يثني الخنصر والبنصر والوسطى ويأخذ ظفر الابهام بباطن العقدة الثانية من السبابة، فأشار بعقد الثلاثة إلى أنه لا يعيش أكثر منها.
20 - مناقب ابن شهرآشوب: روى علماء واسط أنه لما رفعوا اللعائن جعل خطيب واسط يلعن، فإذا هو بثور عبر الشط وشق السور ودخل المدينة وأتى الجامع وصعد المنبر ونطح الخطيب فقتله بها وغاب عن أعين الناس، فسدوا الباب الذي دخل منه، وأثره ظاهر وسموه باب الثور.
وقال هاشمي: رأيت رجلا بالشام قد اسود نصف وجهه وهو يغطيه، فسألته عن سبب ذلك فقال: نعم قد جعلت علي أن لا يسألني أحد عن ذلك إلا أخبرته: كنت شديد الوقيعة في علي بن أبي طالب كثير الذكر له بالمكروه، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذ أتاني آت في منامي فقال: أنت صاحب الوقيعة في علي؟ فضرب شق وجهي، فأصبحت وشق وجهي أسود كما ترى.
شمر بن عطية قال: كان أبي ينال من علي، فاتي في المنام فقيل له: أنت الساب عليا؟ فخنق حتى أحدث في فراشه ثلاث ليال.
أبو جعفر المنصور: كان قاص إذا فرغ من قصصه ذكر عليا فشتمه، فبينما هو كذلك إذ ترك ذلك، فسئل عن سببه فقال: والله لا أذكر له شتيمة أبدا، بينا أنا نائم والناس قد جمعوا فيأتون النبي صلى الله عليه وآله فيقول لرجل: أسقهم، حتى وردت على النبي صلى الله عليه وآله فقال له: اسقه، فطردني فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:
اسقه، فسقاني قطرات وأصبحت وأنا أتجشاه وأبوله.
الأعمش أنه حدثه المنصور: وقع عمامة رجل فإذا رأسه رأس خنزير، فسأله عن قصته فقال: كنت مؤذنا ثلاثين سنة وكنت ألعن عليا بين الأذان والإقامة مائة مرة كل يوم خمس مائة مرة، ولعنته ليلة جمعة ألف لعنة، فبينما أنا نائم وقد لحقني العطش فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وآله وعلي والحسن والحسين عليهم السلام، فقلت للحسنين عليهما السلام: اسقياني، فلم يكلماني، فدنوت من علي وقلت: يا أبا الحسن اسقني، ولم يسقني، ولم يكلمني، فدنوت من النبي صلى الله عليه وآله فقلت: اسقني، فرفع رأسه فبصر بي وقال: أنت اللاعن عليا في كل يوم خمس مائة مرة وقد لعنته البارحة ألف مرة؟ فلم أحر إليه جوابا، فتفل في وجهي وقال: اخسأ يا خنزير، فوالله ما أصبح إلا وجهه ورأسه كخنزير.
الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام: كان إبراهيم بن هاشم المخزومي واليا على المدينة، وكان يجمعنا كل يوم جمعة قريبا من المنبر ويشتم عليا، فلصقت بالمنبر فأغفيت، فرأيت القبر قد انفرج وخرج منه رجل عليه ثياب بيض، فقال لي: يا أبا عبد الله ألا يحزنك ما يقول هذا؟ قلت: بلى والله، قال: افتح عينيك انظر ما يصنع الله به، وإذا هو قد ذكر عليا فرمي به من فوق المنبر فمات.
عثمان بن عفان السجستاني: إن محمد بن عباد قال: كان في جواري صالح، فرأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه على شفير الحوض والحسن والحسين يسقيان الأمة
[قال] فاستسقيت أنا فأبيا علي، فأتيت النبي أسأله، فقال: لا تسقوه فإن في جوارك رجلا يلعن عليا فلم تمنعه، فدفع إلي سكينا وقال: اذهب فاذبحه، قال: فخرجت وذبحته ودفعت السكين إليه، فقال: يا حسين اسقه، فسقاني وأخذت الكأس بيدي ولا أدري أشربت أم لا، فانتبهت وإذا أنا بولولة ويقولون: فلان ذبح على فراشه، وأخذ الشرط الجيران، فقمت إلى الأمير فقلت: أصلحك الله هذا أنا فعلته والقوم برآء، وقصصت عليه الرؤيا، فقال: اذهب جزاك الله خيرا.
عبد الله بن السائب وكثير بن الصلت قالا: جمع زياد بن أبيه أشراف الكوفة في مسجد الرحبة ليحملهم على سب أمير المؤمنين والبراءة منه، فأغفيت فإذا أنا بشخص طويل العنق أهدل أهدب قد سد ما بين السماء والأرض، فقلت له: من أنت؟ فقال:
أنا النقاد ذو الرقبة طاعون بعثت إلى زياد، فانتبهت فزعا وسمعنا الواعية عليه، و أنشأت أقول:
قد جشم الناس أمرا ضاق ذرعهم * يحملهم حين أداهم إلى الرحبة يدعو على ناصر الاسلام دام له * على المشركين الطول والغلبة ما كان منتهيا عما أراد به * حتى تناوله النقاد ذو الرقبة فأسقط الشق منه ضربة عجبا * كما تناول ظلما صاحب الرحبة أقول: قال ابن أبي الحديد: روى أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي في كتاب المنتظم أن زيادا لما حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم وهم أن يخرب دورهم ويجمر نخلهم، فجمعهم حتى ملا بهم المسجد والرحبة ليعرضهم على البراءة من علي عليه السلام وعلم أنهم سيمتنعون فيحتج بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم، قال عبد الرحمن بن السائب الأنصاري: فإني لمع
نفر من قومي والناس يومئذ في أمر عظيم إذ هومت تهويمة، فرأيت شيئا أقبل طويل العنق مثل عنق البعير أهدر أهدل، فقلت: ما أنت؟ فقال: أنا النقاد ذو الرقبة بعثت إلى صاحب هذا القصر، فاستيقظت فزعا فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا فأخبرتهم، وخرج علينا خارج من القصر فقال: انصرفوا فإن الأمير يقول لكم:
إني عنكم اليوم مشغول، وإذا الطاعون قد ضربه فكان يقول: إني لاجد في النصف من جسدي حر النار. حتى مات، فقال عبد الرحمن بن السائب:
ما كان منتهيا عما أراد بنا * حتى تناوله النقاد ذو الرقبة فأثبت الشق منه ضربة عظمت * كما تناول ظلما صاحب الرحبة انتهى.
بيان: في النهاية: التهويم: أول النوم وهو دون النوم الشديد. وقال:
أهدب الأشفار أي طويل شعر الأجفان، ومنه حديث زياد: طويل العنق أهدب.
وقال: الأهدل: المسترخى الشفة السفلى الغليظها، ومنه حديث زياد: أهدب أهدل والأهدر كأنه من هدير البعير وهو ترديد صوته في حنجرته.
وأقول سيأتي أمثالها في باب ما ظهر من معجزاته صلوات الله عليه في المنام.
21 - تفسير العياشي: عن معمر بن يحيى بن سالم قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن أهل الكوفة يروون عن علي عليه السلام أنه قال: ستدعون إلى سبي والبراءة مني، فإن دعيتم إلى سبي فسبوني وإن دعيتم إلى البراءة مني فلا تتبرؤوا مني فإني على دين محمد صلى الله عليه وآله. فقال أبو جعفر: ما أكثر ما يكذبون على علي عليه السلام! إنما قال:
" إنكم ستدعون إلى سبي والبراءة مني، فإن دعيتم إلى سبي فسبوني وإن دعيتم إلى البراءة مني فإني على دين محمد صلى الله عليه وآله " ولم يقل: " فلا تتبرؤوا مني " قال:
قلت: جعلت فداك فإن أراد رجل يمضي على القتل ولا يتبرأ؟ فقال: لا والله إلا على الذي مضى عليه عمار، إن الله يقول: " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان 1) ".
أقول: قد أوردنا نحوه بأسانيد في باب التقية.
22 - مناقب ابن شهرآشوب: الأصل في سبه عليه السلام ما صح عند أهل العلم أن معاوية أمر بلعنه على المنابر ، فتكلم فيه ابن عباس فقال: هيهات هذا أمر دين ليس إلى تركه سبيل!
أليس الغاش لرسول الله صلى الله عليه وآله الشتام لأبي بكر المعير عمر الخاذل عثمان؟ قال:
أتسبه على المنابر وهو بناها بسيفه؟ قال: لا أدع ذلك حتى يموت عليه الكبير و يشب عليه الصغير! فبقي ذلك إلى أن ولى عمر بن عبد العزيز فجعل بدل اللعنة في الخطبة قوله تعالى: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى " فقال عمرو بن شعيب: ويل للأمة رفعت الجمعة وتركت اللعنة وذهبت السنة!. 23 - مجالس المفيد: المرزباني، عن محمد بن الحسين، عن هارون بن عبيد الله، عن عثمان ابن سعيد، عن أبي يحيى التميمي، عن كبير، عن أبي مريم الخولاني، عن مالك ابن ضمرة قال: سمعت عليا أمير المؤمنين عليه السلام يقول: أما إنكم تعرضون على لعني ودعائي كذابا، فمن لعنني كارها مكرها يعلم الله أنه كان مكرها وردت أنا وهو على محمد صلى الله عليه وآله معا، ومن أمسك لسانه فلم يلعني سبقني كرمية سهم أو لمحة بالبصر، ومن لعنني منشرحا صدره بلعنتي فلا حجاب بينه وبين الله ولا حجة له عند محمد صلى الله عليه وآله، ألا إن محمدا أخذ بيدي يوما فقال: من بايع هؤلاء الخمس ثم مات وهو يحبك فقد قضى نحبه، ومن مات وهو يبغضك مات ميتة جاهلية يحاسب بما عمل في الاسلام.
بيان: قوله: " فلا حجاب بينه وبين الله " أي لا يحجبه شئ عن عذاب الله.
وهؤلاء الخمس إشارة إلى أصابعه صلى الله عليه وآله وفي بعض النسخ بالتاء المثناة فالمراد الصلوات الخمس.
24 - رجال الكشي: روى يعقوب بن شيبة، عن خالد بن أبي يزيد، عن ابن شهاب عن الأعمش قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد ضربه الحجاج حتى اسود كتفاه، ثم أقامه للناس على سب علي والجلاوزة معه يقولون: سب الكذابين فجعل يقول: ألعن الكذابين علي والزبير والمختار. قال ابن شهاب: يقول أصحاب العربية: سمعك يعلم ما يقول، لقوله " علي " أي هو ابتداء الكلام.
25 - رجال الكشي: يعقوب، عن ابن عيينة، عن طاوس، عن أبيه قال: أنبأنا حجر ابن عدي قال: قال لي علي عليه السلام: كيف تصنع أنت إذا ضربت وأمرت بلعنتي؟
قلت له: كيف أصنع؟ قال: العني ولا تبرأ مني فإني على دين الله. قال: ولقد ضربه محمد بن يوسف وأمره أن يلعن عليا وأقامه على باب مسجد صنعاء، قال: فقال:
إن الأمير أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله، فرأيت مجوزا من الناس إلا رجلا فهمها وسلم.
26 - كنز الكراجكي: عن أسد بن إبراهيم السلمي، عن عمر بن علي العتكي عن محمد بن الحسين الهمداني، عن محمود بن متويه الواسطي، عن القاسم بن عيسى عن رحمة بن مصعب، عن قرة بن خالد، عن أبي رجاء العطاردي قال: لا تسبوا هذا
الرجل - يعني عليا عليه السلام - فإن رجلا سبه فرماه الله عز وجل بكوكبين في عينيه.
وعن السلمي، عن العتكي، عن محمد بن صالح الرازي، عن أبي زرعة الرازي عن عبد الرحمن بن عبد الملك، عن ابن أبي فديك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي نعيم عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: كنت مستندا إلى المقصورة وخالد بن عبد الملك على المنبر يخطب وهو يؤذي عليا في خطبته، فذهب بي النوم فرأيت القبر قد انفرج فأطلع منه مطلع فقال: آذيت رسول الله لعنك الله [آذيت رسول الله لعنك الله (3)].
27 - نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام لأصحابه: أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطق، يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه ألا وإنه سيأمركم بسبي والبراءة مني، فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة، وأما البراءة فلا تبرؤوا مني فإني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الايمان والهجرة.
أقول: قال ابن أبي الحديد: مندحق البطن: بارزها، والدحوق من النوق التي يخرج رحمها بعد الولادة. وسيظهر: سيغلب. ورحب البلعوم: واسعه. وكثير من الناس يذهب إلى أنه عليه السلام عنى زيادا، وكثير منهم يقول: إنه عنى الحجاج وقال قوم: إنه عنى المغيرة بن شعبة، والأشبه عندي أنه عنى معاوية لأنه كان موصوفا بالنهم وكثرة الاكل وكان بطنا.
ثم قال: وروى صاحب كتاب الغارات عن يوسف بن كليب المسعودي، عن
يحيى بن سليمان العدوي، عن أبي مريم الأنصاري، عن محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال: خطب علي عليه السلام على منبر الكوفة فقال: " سيعرض عليكم سبي وستذبحون عليه، فإن عرض عليكم سبي فسبوني وإن عرض عليكم البراءة مني فإني على دين محمد صلى الله عليه وآله " ولم يقل " فلا تبرؤوا مني ".
وقال أيضا: حدثني أحمد بن المفضل، عن الحسن بن صالح، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: قال علي عليه السلام: ليذبحن على سبي - وأشار بيده إلى حلقه ثم قال -: فإن أمروكم بسبي فسبوني وإن أمروكم أن تتبرؤوا مني فإني على دين محمد صلى الله عليه وآله، ولم ينههم عن إظهار البراءة. ثم قال: إنه أباح لهم سبه عند الاكراه لان الله تعالى قد أباح عند الاكراه التلفظ بكلمة الكفر فقال: " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان " وأما قوله: " فإنه لي زكاة ولكم نجاة " فمعناه أنكم تنجون من القتل إذا أظهرتم ذلك، ومعنى الزكاة يحتمل أمرين:
أحدهما ما ورد في الاخبار النبوية أن سب المؤمن زكاة له وزيادة في حسناته، الثاني أن يريد أن سبهم لي لا ينقص في الدنيا من قدري بل أزيد به شرفا وعلو قدر وشياع ذكر، فالزكاة بمعنى النماء والزيادة.
فإن قيل فأي فرق بين السب والبراءة وكيف أجاز لهم السب ومنعهم من التبري والسب أفحش من التبري؟ فالجواب أما الذي يقوله أصحابنا في ذلك فإنه لافرق عندهم بين السب والتبري منه في أن كلا منهما فسق وحرام وكبيرة وأن المكره عليهما يجوز له فعلهما عند خوفه على نفسه كما يجوز له إظهار كلمة الكفر عند الخوف، ويجوز أن لا يفعلهما وإن قتل إذا قصد بذلك إعزاز الدين كما
يجوز له أن يسلم نفسه للقتل ولا يظهر كلمة الكفر إعزازا للدين ، وإنما استفحش عليه السلام البراءة لأن هذه اللفظة ما وردت في القرآن العزيز إلا من المشركين ألا ترى إلى قوله تعالى: " براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين " وقال الله تعالى: " أن الله برئ من المشركين ورسوله " فقد صارت بحكم العرف الشرعي مطلقة على المشركين خاصة، فإذن يحمل هذا النهي على ترجيح تحريم لفظ البراءة على تحريم لفظ السب وإن كان حكمهما واحدا، ألا ترى أن إلقاء المصحف في العذرة أفحش من إلقائه في دن الشراب وإن كانا جميعا محرمين وكان حكمهما واحدا، فأما الامامية فتروي عنه أنه قال: " إذا عرضتم على البراءة منا فمدوا الأعناق " ويقولون: إنه لا يجوز التبري عنه وإن كان الحالف صادقا وأن عليه الكفارة ويقولون: إن للبراءة من الله ومن الرسول ومن إحدى الأئمة حكما واحدا ويقولون: الاكراه على السب يبيح إظهاره ولا يجوز الاستسلام للقتل ويجوز أن يظهر التبري، والأولى أن يستسلم للقتل.
فإن قيل: كيف علل نهيه لهم من البراءة منه بقوله: " فإني ولدت على الفطرة " فإن هذا التعليل لا يختص به لان كل ولد يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه؟ والجواب أنه علل نهيه لهم عن البراءة منه بمجموع أمور وهو كونه ولد على الفطرة وسبق إلى الايمان والهجرة، ولم يعلل بآحاد هذا المجموع ومراده هنا بالولادة على الفطرة أنه لم يولد في الجاهلية لأنه ولد لثلاثين عاما مضت من عام الفيل، والنبي أرسل لأربعين مضت من عام الفيل، وقد جاء في الأخبار الصحيحة أنه مكث قبل الرسالة سنين عشرا يسمع الصوت ويرى الضوء ولا يخاطبه أحد، وكان ذلك إرهاصا لرسالته فحكم تلك السنين العشر حكم أيام رسالته صلى الله عليه وآله
فالمولود فيها إذا كان في حجره وهو المتولي لتربيته مولود في أيام كأيام النبوة وليس بمولود في جاهلية محضة، ففارقت حاله حال من يدعى له من الصحابة مماثلته في الفضل، وقد روي أن السنة التي ولد فيها هذه السنة التي بدئ فيها رسول الله صلى الله عليه وآله فأسمع الهتاف من الأحجار والأشجار وكشف عن بصره، فشاهد أنوارا وأشخاصا ولم يخاطب منها بشئ، وهذه السنة هي السنة التي ابتدأ فيها بالتبتل والانقطاع والعزلة في جبل حراء، فلم يزل به حتى كوشف بالرسالة وأنزل عليه الوحي، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتيمن بتلك السنة وبولادة علي عليه السلام فيها، ويسميها سنة الخير وسنة البركة، وقال لأهله ليلة ولادته - وفيها شاهد ما شاهد من الكرامات والقدرة الإلهية ولم يكن من قبلها شاهد من ذلك شيئا -: " لقد ولد لنا مولود يفتح الله علينا به أبوابا كثيرة من النعمة والرحمة " وكان كما قال صلوات الله عليه، فإنه كان ناصره والمحامي عنه وكاشف الغم عن وجهه، وبسيفه ثبت دين الاسلام ورست دعائمه وتمهدت قواعده.
وفي المسألة تفصيل آخر وهو أن يعني بقوله: " فإني ولدت على الفطرة " التي لم تتغير ولم تحل، وذلك أن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله: " كل مولود يولد على الفطرة " أن كل مولود فإن الله تعالى قد هيأه بالعقل الذي خلقه فيه وبصحة الحواس والمشاعر لان يتعلم التوحيد والعدل، ولم يجعل فيه مانعا يمنعه من ذلك ولكن التربية والعقيدة في الوالدين والألف لاعتقادهما وحسن الظن فيهما يصده عما فطر عليه، وأمير المؤمنين عليه السلام دون غيره ولد على الفطرة التي لم تحل ولم يصد عن مقتضاها مانع لامن جانب الأبوين ولامن جهة غيرهما، وغيره ولد على الفطرة ولكنه حال عن مقتضاها وزال عن موجبها.
ويمكن أن يفسر أنه أراد بالفطرة العصمة، وأنه منذ ولد لم يواقع قبيحا ولا كان كافرا طرفة عين، ولا مخطئا ولا غالطا في شئ من الأشياء المتعلقة بالدين وهذا تفسير الامامية. انتهى كلامه.
وأقول: الاخبار في البراءة من طرق الخاصة والعامة مختلفة، والأظهر في الجمع بينها أن يقال: بجواز التكلم بها عند الضرورة الشديدة وجواز الامتناع عنه وتحمل ما تترتب عليه، وأما أن أيهما أولى ففيه إشكال، بل لا يبعد القول بذلك في السب أيضا، وذهب إلى ما ذكرناه في البراءة جماعة من علمائنا، وأما ما نسبه ابن أبي الحديد إليهم جميعا من تحريم القول بالبراءة فلعله اشتبه عليه ما ذكروه من تحريم الحلف بالبراءة اختيارا، فإنهم قطعوا بتحريم ذلك وإن كان صادقا، ولا تعلق له بأحكام المضطر.
وقال الشيخ الشهيد في قواعده: التقية تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة، فالواجب إذا علم أو ظن نزول الضرر بتركها به أو ببعض المؤمنين، والمستحب إذا كان لا يخاف ضررا عاجلا ويتوهم ضررا آجلا أو ضررا سهلا، أو كان تقية في المستحب كالترتيب في تسبيح الزهراء عليها السلام وترك بعض فصول الاذان، والمكروه التقية في المستحب حيث لا ضرر عاجلا ولا آجلا، ويخاف منه الالتباس على عوام المذهب، والحرام التقية حيث يؤمن الضرر عاجلا وآجلا أو في قتل مسلم، قال أبو جعفر عليه السلام " إنما جعلت التقية ليحقن بها الدماء فإذا بلغ الدم فلا تقية " والمباح التقية في بعض المباحات التي رجحها العامة ولا يصل بتركها ضرر.
ثم قال رحمه الله: التقية يبيح كل شئ حتى إظهار كلمة الكفر، ولو تركها حينئذ أثم إلا في هذا المقام ومقام التبري من أهل البيت عليهم السلام فإنه لا يأثم بتركها بل صبره إما مباح أو مستحب، وخصوصا إذا كان ممن يقتدى به.
وقال الشيخ أمين الدين الطبرسي: قال أصحابنا: التقية جائزة في الأحوال كلها عند الضرورة، وربما وجب فيها لضرب من اللطف والاستصلاح، وليس يجوز من الافعال في قتل المؤمن ولا فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه استفساد في الدين.
قال المفيد رضي الله عنه: إنها قد تجب أحيانا وتكون فرضا، وتجوز أحيانا من غير وجوب، وتكون في وقت أفضل من تركها، وقد يكون تركها أفضل وإن كان فاعلها معذورا ومعفوا عنه متفضلا عليه بترك اللوم عليها. وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله: ظاهر الروايات يدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس، وقد روي رخصته في جواز الافصاح بالحق عنده، انتهى.
أقول: سيأتي تمام القول في ذلك في باب التقية إن شاء الله تعالى . 89
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.