بحارالانوار · المجلد التاسع
66 باب مسابقته صلوات الله عليه في الهجرة على سائر الصحابة 1
ج ۳۸، ص ۲۸۷–۲۹۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
وثانيها هجرة الحبشة، في معرفة النسوي: قال: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ننطلق مع جعفر إلى أرض النجاشي، فخرج في اثنين وثمانين رجلا.
الواحدي نزل فيهم (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) حين لم يتركوا دينهم، ولما اشتد عليهم الامر صبروا وهاجروا.
وثالثها للأنصار الأولين وهم العقبيون بإجماع أهل الأثر، وكانوا سبعين رجلا، وأول من بايع فيه أبو الهيثم بن التيهان ورابعها للمهاجرين إلى المدينة، والسابق فيه مصعب بن عمير وعمار بن ياسر وأبو سلمة المخزومي وعامر بن ربيعة وعبد الله بن جحش وابن أم مكتوم وبلال وسعد، ثم ساروا أرسالا، قال ابن عباس: نزل فيهم (و الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون
حقا لهم مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) ذكر المؤمنين ثم المهاجرين ثم المجاهدين، وفضل عليهم كلهم فقال: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض) فعلي (عليه السلام) سبقهم بالايمان ثم بالهجرة إلى الشعب ثم بالجهاد، ثم سبقهم بعد هذه الثلاثة الرتب بكونه من ذوي الأرحام.
فأما أبو بكر فقد هاجر إلى المدينة إلا أن لعلي مزايا فيها عليه، وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخرجه مع نفسه أو خرج هو لعلة وترك عليا للمبيت باذلا مهجته، فيذل النفس أعظم من الاتقاء على النفس في الهرب إلى الغار، وقد روى أبو المفضل الشيباني بإسناده عن مجاهد قال: فخرت عائشة بأبيها ومكانه مع رسول الله في الغار، فقال عبد الله بن شداد بن الهاد: فأين أنت مع علي بن أبي طالب حيث نام في مكانه وهو يرى أنه يقتل فسكتت ولم تحر جوابا، وشتان بين قوله: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) وبين قوله: (لا تحزن إن الله معنا) وكان النبي (صلى الله عليه وآله) معه يقوي قلبه ولم يكن مع علي، وهو لم يصبه وجع وعلي يرمى بالحجارة، وهو مختف في الغار وعلي ظاهر للكفار، واستخلفه الرسول لرد الودائع لأنه كان أمينا، فلما أداها قام على الكعبة فنادى بصوت رفيع يا أيها الناس هل من صاحب أمانة؟ هل من صاحب وصية هل من صاحب عدة له قبل رسول الله فلما لم يأت أحد لحق بالنبي (صلى الله عليه وآله) وكان ذلك دلالة على خلافته وأمانته وشجاعته.
وحمل نساء الرسول خلفه بعد ثلاثة أيام، وفيهن عائشة، فله المنة على أبي بكر بحفظ ولده، ولعلي (عليه السلام) المنة عليه في هجرته، وعلي ذو الهجرتين والشجاع البائت بين
أربع مائة سيف، وإنما أباته على فراشه ثقة بنجدته، فكانوا محدقين به إلى طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا، فيذهب دمه بمشاهدة بني هاشم قاتليه من جميع القبائل، قال ابن عباس:
فكان من بني عبد شمس عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن هشام وأبو سفيان، ومن بني نوفل طعمة ابن عدي وجبير بن مطعم والحارث بن عامر، ومن بني عبد الدار النضر بن الحارث، ومن بني أسد أبو البختري وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام، ومن بني مخزوم أبو جهل، ومن بني سهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج، ومن بني جمح أمية بن خلف ممن لا يعد من قريش. ووصى إليه في ماله وأهله وولده، فأنامه منامه وأقامه مقامه، وهذا دلالة على أنه وصيه.
تاريخي الخطيب والطبري وتفسير الثعلبي والقزويني في قوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا) والقصة مشهورة، جاء جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كان العتمة اجتمعوا على بابه يرصدونه، فقال لعلي (عليه السلام): نم على فراشي واتشح ببردي الحضرمي الأخضر، وخرج النبي (صلى الله عليه وآله)، قالوا فلما دنوا من علي (عليه السلام) عرفوه فقالوا: أين صاحبك؟ فقال:
لا أدري أو رقيب كنت عليه؟ أمرتموه بالخروج فخرج.
أخبار أبي رافع أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي إن الله قد أذن لي بالهجرة، وإني آمرك أن تبيت على فراشي، وإن قريشا إذا رأوك لم يعلموا بخروجي.
الطبري والخطيب والقزويني والثعلبي: ونجى الله رسوله من مكرهم، وكان مكر الله تعالى بيات علي على فراشه.
عمار وأبو رافع وهند بن أبي هالة أن أمير المؤمنين (عليه السلام) وثب وشد عليهم بسيفه، فانحازوا عنه.
محمد بن سلام [في حديث طويل] عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ومضى رسول الله واضطجعت
في مضجعه أنتظر مجئ القوم إلي، حتى دخلوا علي، فلما استوى بي وبهم البيت نهضت إليهم بسيفي فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الناس، فلما أصبح (عليه السلام) امتنع ببأسه وله عشرون سنة، وأقام بمكة وحده مراغما لأهلها حتى أدى إلى كل ذي حق حقه.
محمد الواقدي وأبو الفرج النجدي وأبو الحسن البكري وإسحاق الطبراني أن عليا (عليه السلام) لما عزم على الهجرة قال له العباس: إن محمدا ما خرج إلا خفيا وقد طلبته قريش أشد طلب، وأنت تخرج جهارا في أثاث وهوادج ومال ورجال ونساء تقطع بهم السباسب والشعاب من بين قبائل قريش، ما أرى لك أن تمضي إلا في خفارة خزاعة، فقال علي (عليه السلام):
إن المنية شربة مورودة * لا تجزعن وشد للترحيل إن ابن آمنة النبي محمدا * رجل صدوق قال عن جبريل أرخ الزمام ولا تخف من عائق * فالله يرديهم عن التنكيل إني بربي واثق وبأحمد * وسبيله متلاحق بسبيلي قالوا: فكمن مهلع غلام حنظلة بن أبي سفيان في طريقه بالليل، فلما رآه سل سيفه ونهض إليه، فصاح علي صيحة خر على وجهه، وجلله بسيفه، فلما أصبح توجه نحو المدينة، فلما شارف ضجنان أدركه الطلب بثمانية فوارس، وقالوا: يا غدر ظننت أنك تاج بالنسوة، القصة.
وكان الله تعالى قد فرض على الصحابة الهجرة وعلى علي (عليه السلام) المبيت ثم الهجرة، إنه تعالى قد كان امتحنه بمثل ما امتحن به إبراهيم بإسماعيل وعبد المطلب بعبد الله
ثم إن التفدية كانت دأبه في الشعب، فإن كان بات أبو بكر في الغار ثلاث ليال فإن عليا (عليه السلام) بات على فراش النبي (صلى الله عليه وآله) في الشعب ثلاث سنين، وفي رواية: أربع سنين.
العكبري في فضائل الصحابة والفنجكردي في سلوة الشيعة أن عليا (عليه السلام) قال:
وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر - محمد لما خاف أن يمكروا به * فوقاه ربي ذو الجلال من المكر - وبت أراعيهم وما يلبثونني * وقد صبرت نفسي على القتل والأسر - وبات رسول الله في الغار آمنا * وذلك في حفظ الاله وفي ستر - أردت به نظر الاله تبتلا * وأضمرته حتى أوسد في قبري وكلما كانت المحنة أغلظ كان الاجر أعظم وأدل على شدة الاخلاص وقوة البصرة والفارس يمكنه الكر والفر والروغان والجولان والراجل قد ارتبط روحه وأوثق نفسه وبدنه محتسبا صابرا على مكروه الجراح وفراق المحبوب، فكيف النائم على الفراش بين الثياب والرياش (6)؟.
أقول: أوردنا أكثر أخبار هذا الباب في باب أنه نزل فيه (عليه السلام) (ومن الناس من يشري) وفي باب الهجرة.
وقال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (فلا تبرؤوا مني فإني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الايمان والهجرة) فإن قيل: كيف
قال: إنه سبق إلى الهجرة ومعلوم أن جماعة من المسلمين هاجروا قبله منهم عثمان بن مظعون وغيره، وقد هاجروا في صحبة النبي (صلى الله عليه وآله) وتخلف علي (عليه السلام) فبات على فراش رسول الله ومكث أياما يرد الودائع التي كانت عنده ثم هاجر بعد ذلك؟ والجواب أنه لم يقل (وسبقت كل الناس) وإنما قال (وسبقت) فقط، ولا يدل ذلك على سبقه للناس كافة، ولا شبهة أنه سبق معظم المهاجرين إلى الهجرة، ولم يهاجر قبله أحد إلا نفر يسير جدا، وأيضا فقد قلنا: إنه علل أفضليته وتحريم البراءة منه مع الاكراه بمجموع أمور، منها ولادته على الفطرة، ومنها سبقه إلى الايمان، ومنها سبقه إلى الهجرة وهذه الأمور الثلاثة لم تجتمع لاحد غيره، فكان بمجموعها متميزا عن كل أحد من الناس، وأيضا فإن اللام في الهجرة يجوز أن لا تكون للمعهود السابق بل تكون للجنس، وأمير المؤمنين (عليه السلام) سبق أبا بكر وغيره إلى الهجرة التي قبل هجرة المدينة، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) هاجر من مكة مرارا يطوف على أحياء العرب، وينتقل من أرض قوم إلى غيرها، وكان علي معه دون غيره، أما هجرته إلى بني شيبان فما اختلف أحد من أهل السيرة ان عليا كان معه وأبو بكر، وأنهم غابوا عن مكة ثلاثا عشر يوما، وعادوا إليها لما لم يجدوا عند بني شيبان ما أرادوه من النصرة، وروى المدائني في كتاب الأمثال عن المفضل الضبي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما خرج عن مكة يعرض نفسه على قبائل العرب خرج إلى ربيعة ومعه علي وأبو بكر، فأما هجرته إلى الطائف فكان معه علي (عليه السلام) وزيد ابن حارثة في رواية أبي الحسن المدائني ولم يكن معهم أبو بكر، وأما رواية محمد بن إسحاق فإنه قال: كان معه زيد بن حارثة وحده، وغاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى بني عامر بن صعصعة وإخوانهم من قيس وغيلان وإنه لم يكن معه إلا علي وحده، وذلك عقيب وفاة أبي طالب أوحي إلى النبي (صلى الله عليه وآله): اخرج منها فقد مات ناصرك، فخرج إلى بني عامر بن صعصعه ومعه علي وحده، فعرض نفسه عليهم وسألهم النصرة وتلا عليهم القرآن فلم يجيبوه، فعاد
(عليه السلام) إلى مكة، وكانت مدة غيبته في هذه الهجرة عشرة أيام، وهي أول هجرة * هاجرها (صلى الله عليه وآله) بنفسه، فأما أول هجرة هاجرها أصحابه ولم يهاجر بنفسه فهجرة الحبشة هاجر فيها كثير من أصحابه إلى بلاد الحبشة، منهم في البحر جعفر بن أبي طالب، فغابوا عنه سنين، ثم قدم عليه منهم من سلم وطالت مدته، وكان قدوم جعفر عليه عام فتح خيبر، فقال (صلى الله عليه وآله): ما أدري بأيهما أنا أسر بقدوم جعفر أم بفتح خيبر (3)؟.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.