پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد التاسع

62 باب نادر فيما امتحن الله به أمير المؤمنين صلوات الله عليه

ج ۳۸، ص ۱۶۶–۱۸۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۸

نعم، قال: والذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى لئن أجبتك لتسلمن قال: نعم.

فقال له علي (عليه السلام): إن الله عز وجل يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء في سبعة

مواطن ليبتلي طاعتهم، فإذا رضي طاعتهم ومحنتهم أمر الأنبياء أن يتخذوهم أولياء في حياتهم وأوصياء بعد وفاتهم، ويصير طاعة الأوصياء في أعناق الأمم ممن يقول بطاعة الأنبياء (عليهم السلام)، ثم يمتحن الأوصياء بعد وفاة الأنبياء في سبعة مواطن ليبلو صبرهم، فإذا رضي محنتهم ختم لهم بالسعادة ليلحقهم بالأنبياء، وقد أكمل لهم السعادة، قال له رأس اليهود صدقت يا أمير المؤمنين فأخبرني كم امتحنك الله في حياة محمد (صلى الله عليه وآله) من مرة؟ وكم امتحنك بعد وفاته من مرة؟ وإلى ما يصير آخر أمرك؟ فأخذ علي (عليه السلام) بيده وقال: انهض بنا أنبئك بذلك [يا أخا اليهود] فقام إليه جماعة من أصحابه فقالوا: يا أمير المؤمنين أنبئنا بذلك معه، فقال: إني أخاف أن لا تحتمله قلوبكم، قالوا: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟

قال: لأمور بدت لي من كثير منكم، فقام إليه الأشتر فقال: يا أمير المؤمنين أنبئنا بذلك فوالله إنا لنعلم أنه ما على ظهر الأرض وصي نبي سواك، وإنا لنعلم أن الله لا يبعث بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) نبيا سواه، وإن طاعتك لفي أعناقنا موصولة بطاعة نبينا.

فجلس علي (عليه السلام) وأقبل على اليهودي فقال [له]: يا أخا اليهود إن الله عز وجل امتحنني في حياة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) في سبعة مواطن، فوجدني فيهن - من غير تزكية لنفسي - بنعمة الله له مطيعا، قال: وفيم وفيم يا أمير المؤمنين؟ قال: أما أولهن فإن الله عز وجل أوحى إلى نبينا وحمله الرسالة وأنا أحدث أهل بيتي سنا، أخدمه في بيته وأسعى بين يديه في أمره، فدعا صغير بني عبد المطلب وكبيرهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، فامتنعوا من ذلك وأنكروه عليه وهجروه ونابذوه واعتزلوه واجتنبوه وسائر الناس مقصين له [ومبغضين] ومخالفين عليه، قد استعظموا ما أورده عليهم مما لم يحتمله قلوبهم وتدركه عقولهم، فأجبت رسول الله وحدي إلى ما دعا إليه مسرعا مطيعا موقنا، لم يتخالجني في ذلك شك، فمكثنا بذلك ثلاث حجج وما على وجه الأرض خلق يصلي أو يشهد لرسول الله بما آتاه الله غيري وغير ابنة خويلد رحمها الله - وقد فعل - ثم

أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) على أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال (عليه السلام): وأما الثانية يا أخا اليهود فإن قريشا لم تزل تخيل الآراء وتعمل الحيل في قتل النبي (صلى الله عليه وآله) حتى كان آخر ما اجتمعت في ذلك يوم الدار دار الندوة، و إبليس الملعون حاضر في صورة أعور ثقيف فلم تزل تضرب أمرها ظهر البطن حتى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كل فخذ من قريش رجل ثم يأخذ كل رجل منهم سيفه ثم يأتي النبي (صلى الله عليه وآله) وهو نائم على فراشه فيضربونه جميعا بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلوه، فإذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم تسلمها، فيمضي دمه هدرا، فهبط جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) فأنبأه بذلك وأخبره بالليلة التي يجتمعون فيها والساعة التي يأتون فراشه فيها، وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار، فأخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالخبر وأمرني أن أضطجع في مضجعه وأقيه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعا له مسرورا لنفسي بأن اقتل دونه، فمضى لوجهه واضطجعت في مضجعه، وأقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الله والناس، ثم أقبل على أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال (عليه السلام): وأما الثالثة يا أخا اليهود فإن ابني ربيعة وابن عتبة كانوا فرسان قريش، دعوا إلى البراز يوم بدر فلم يبرز لهم خلق من قريش، فأنهضني رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع صاحبي رضي الله عنهما - وقد فعل - وأنا أحدث أصحابي سنا وأقلهم للحرب تجربة، فقتل الله عز وجل بيدي وليدا وشيبة سوى من قتلت من جحاجحة قريش في ذلك اليوم وسوى من أسرت، وكان مني أكثر مما كان من أصحابي واستشهد ابن

عمي في ذلك اليوم رحمة الله عليه، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال علي (عليه السلام): وأما الرابعة يا أخا اليهود فإن أهل مكة أقبلوا إلينا على بكرة أبيهم قد استحاشوا من يليهم من قبائل العرب وقريش طالبين بثار مشركي قريش في يوم بدر، فهبط جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله) فأنبأه بذلك، فذهب النبي (صلى الله عليه وآله) وعسكر بأصحابه في سد أحد، وأقبل المشركون إلينا فحملوا علينا حملة رجل واحد، واستشهد من المسلمين من استشهد، وكان ممن بقي ما كان من الهزيمة، و بقيت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومضى المهاجرون والأنصار إلى منازلهم من المدينة كل يقول:

قتل النبي وقتل أصحابه، ثم ضرب الله عز وجل وجوه المشركين، وقد جرحت بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) نيفا وسبعين جرحة منها هذه وهذه - ثم ألقى رداءه وأمر يده على جراحاته وكان مني في ذلك ما على الله عز وجل ثوابه إن شاء الله، ثم التفت إلى أصحابه فقال:

أليس كذلك؟ قالوا، بلى يا أمير المؤمنين.

فقال: وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن قريشا والعرب تجمعت وعقدت بينها عقدا وميثاقا لا ترجع من وجهها حتى تقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتقتلنا معه معاشر بني عبد المطلب ثم أقبلت بحدها وحديدها حتى أناخت علينا بالمدينة واثقة بأنفسها فيما توجهت له، فهبط جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله) فأنبأه بذلك، فخندق على نفسه ومن معه من المهاجرين والأنصار، فقدمت قريش فأقامت على الخندق محاصرة لنا، ترى في أنفسها القوة وفينا الضعف، ترعد وتبرق ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعوها إلى الله عز وجل ويناشدها بالقرابة و الرحم فتأبى ولا يزيدها ذلك إلا عتوا، وفارسها وفارس العرب يومئذ عمرو بن عبد ود، يهدر كالبعير المغتلم يدعو إلى البراز ويرتجز، ويخطر برمحه مرة وبسيفه مرة، لا يقدم عليه

مقدم ولا يطمع فيه طامع، ولا حمية تهيجه ولا بصيرة تشجعه، فأنهضني إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعممني بيده وأعطاني سيفه هذا - وضرب بيده إلى ذي الفقار - فخرجت إليه ونساء أهل المدينة بواك إشفاقا علي من ابن عبد ود، فقتله الله عز وجل بيدي والعرب لا تعد لها فارسا غيره، وضربني هذه الضربة - وأومأ بيده إلى هامته - فهزم الله قريشا والعرب بذلك وبما كان مني [فيهم] من النكاية، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا:

بلى يا أمير المؤمنين.

فقال (عليه السلام): وأما السادسة يا أخا اليهود فإنا وردنا مع رسول الله مدينة أصحابك خيبر على رجال من اليهود وفرسانها من قريش وغيرها، فتلقونا بأمثال الجبال من الخيل والرجال والسلاح، وهم في أمنع دار وأكثر عدد، كل ينادي ويدعو ويبادر إلى القتال فلم يبرز إليهم من أصحابي أحد إلا قتلوه، حتى إذا احمرت الحدق ودعيت إلى النزال و أهمت كل امرئ نفسه، والتفت بعض أصحابي إلى بعض وكل يقول يا أبا الحسن انهض، فأنهضني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى دارهم، فلم يبرز إلي منهم أحد إلا قتلته، ولا يثبت لي فارس إلا طحنة، ثم شددت عليهم شدة الليث على فريسته حتى أدخلتهم جوف مدينتهم مسددا عليهم، فاقتلعت باب حصنهم بيدي حتى دخلت عليهم مدينتهم وحدي أقتل من يظهر فيها من رجالها وأسبي من أجد من نسائها حتى افتتحتها وحدي ولم يكن لي فيها معاون إلا الله وحده ثم التفت إلى أصحابه فقال أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال: وأما السابعة يا أخا اليهود فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما توجه لفتح مكة أحب أن يعذر إليهم ويدعوهم إلى الله عز وجل آخرا كما دعاهم أولا، فكتب إليهم كتابا يحذرهم فيه وينذرهم عذاب الله، ويعدهم الصفح ويمنيهم مغفرة ربهم، ونسنخ لهم في آخره سورة براءة لتقرأ عليهم، ثم عرض على جميع أصحابه المضي به فكلهم يرى التثاقل فيه، فلما رأى ذلك ندب منهم رجلا فوجهه به، فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، فأنبأني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك ووجهني بكتابه ورسالته إلى

مكة، فأتيت مكة وأهلها من قد عرفتم ليس منهم أحد إلا ولو قدر أن يضع على كل جبل مني إربا لفعل، ولو أن يبذل في ذلك نفسه وأهله وولده وماله، فبلغتهم رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) وقرأت عليهم كتابه، فكلهم يلقاني بالتهدد والوعيد، ويبدي إلي البغضاء، و يظهر الشحناء من رجالهم ونسائهم، فكان مني في ذلك ما قد رأيتم، ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال (عليه السلام) يا أخا اليهود هذه المواطن التي امتحنني فيهن ربي عز وجل مع نبيه (صلى الله عليه وآله) فوجدني فيها كلها بمنه مطيعا ليس لأحد فيها مثل الذي لي، ولو شئت لوصفت ذلك، ولكن الله عز وجل نهى عن التزكية، فقالوا: يا أمير المؤمنين صدقت والله لقد أعطاك الله عز وجل الفضيلة بالقرابة من نبينا، وأسعدك بأن جعلك أخاه: تنزل منه بمنزلة هارون من موسى، وفضلك بالمواقف التي باشرتها والأحوال التي ركبتها، و ذخر لك الذي ذكرت وأكثر منه مما لم تذكره ومما ليس لأحد من المسلمين مثله، يقول ذلك من شهدك منا مع نبينا ومن شهدك بعده، فأخبرنا يا أمير المؤمنين ما امتحنك الله عز وجل به بعد نبينا فاحتملته وصبرت عليه، فلو شئنا أن نصف ذلك لوصفناه علما منا به وظهورا منا عليه، إلا أنا نحب أن نسمع منك ذلك كما سمعنا منك ما امتحنك الله به في حياته فأطعته فيه.

فقال (عليه السلام): يا أخا اليهود إن الله عز وجل امتحنني بعد وفاة نبيه (صلى الله عليه وآله) في سبعة مواطن فوجدني فيهن - من غير تزكية لنفسي - بمنه ونعمته صبورا، أما أولهن يا أخا اليهود فإنه لم يكن لي خاصة دون المسلمين عامة أحد آنس به أو أعتمد عليه أو أستنيم إليه أو أتقرب به غير رسول الله، هو رباني صغيرا وبوأني كبيرا، وكفاني العيلة وجبرني من اليتم، وأغناني عن الطلب ووقاني المكسب، وعال لي النفس والولد والاهل، هذا في تصاريف أمر الدنيا، مع ما خصني به من الدرجات التي قادتني إلى معالي الحظوة

عند الله عز وجل، فنزل بي من وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لم أكن أظن الجبال لو حملته عنوة كانت تنهض به، فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه، ولا يضبط نفسه ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به، قد أذهب الجزع صبره وأذهل عقله وحال بينه وبين الفهم والافهام والقول والاستماع، وسائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معز يأمر بالصبر، وبين مساعد باك لبكائهم جازع لجزعهم، وحملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه وتغسيله وتحنيطه وتكفينه والصلاة عليه ووضعه في حفرته وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه، لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة ولا هائج زفرة ولا لاذع حرقة ولا جزيل مصيبة، حتى أديت في ذلك الحق الواجب لله عز وجل ولرسوله (صلى الله عليه وآله) علي، وبلغت منه الذي أمرني به واحتملته صابرا محتسبا، ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال (عليه السلام): وأما الثانية يا أخا اليهود فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرني في حياته على جميع أمته، وأخذ على جميع من حضره منهم البيعة والسمع والطاعة لامري، وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب ذلك، فكنت المؤدي إليهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمره إذا حضرته والأمير على من حضرني منهم إذا فارقته، لا تختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شئ من الامر في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ولا بعد وفاته، ثم أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتوجيه الجيش الذي وجهه مع أسامة بن زيد عند الذي أحدث الله به من المرض الذي توفاه فيه، فلم يدع النبي (صلى الله عليه وآله) أحدا من أفناء العرب ولا من الأوس والخزرج وغيرهم من سائر الناس ممن يخاف على نقضه ومنازعته ولا أحدا ممن يراني بعين البغضاء ممن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه إلا وجهه في ذلك الجيش، ولا من المهاجرين والأنصار و المسلمين وغيرهم والمؤلفة قلوبهم والمنافقين، لتصفو قلوب من يبقى معي بحضرته، ولئلا يقول قائل شيئا مما أكرهه، ولا يدفعني دافع من الولاية والقيام بأمر رعيته من بعده، ثم كان آخر ما تكلم به في شئ من أمر أمته أن يمضي جيش أسامة ولا يختلف

عنه أحد ممن أنهض معه، وتقدم في ذلك أشد التقدم وأوعز فيه أبلغ الايعاز وأكد فيه أكثر التأكيد، فلم، أشعر بعد أن قبض النبي (صلى الله عليه وآله) إلا برجال من بعث أسامة بن زيد وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم وأخلوا بمواضعهم وخالفوا أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما أنهضهم له وأمرهم به وتقدم إليهم من ملازمة أميرهم والسير معه تحت لوائه حتى ينفذ لوجهه الذي أنفذه إليه، فخلفوا أميرهم مقيما في عسكره وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضا إلى حل عقدة عقدها الله عز وجل لي ورسوله في أعناقهم فحلوها، وعهد عاهدوا الله ورسوله فنكثوه، وعقدوا لأنفسهم عقدا ضجت به أصواتهم واختصت به آراؤهم من غير مناظرة لاحد منا بني عبد المطلب أو مشاركة في رأي أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي، فعلوا ذلك وأنا برسول الله مشغول وبتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود، فإنه كان أهمها وأحق ما بدئ به منها، فكان هذا يا أخا اليهود أقرح ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزية وفاجع المصيبة وفقد من لا خلف منه إلا الله تبارك و تعالى، فصبرت عليها إذ أتت بعد أختها على تقاربها وسرعة اتصالها، ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين فقال (عليه السلام): وأما الثالثة يا أخا اليهود فإن القائم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) كان يلقاني معتذرا في كل أيامه ويلزم غيره ما ارتكبه من أخذ حقي ونقض بيعتي، ويسألني تحليله! فكنت أقول: تنقضي أيامه ثم يرجع إلي حقي الذي جعله الله لي عفوا هنيئا من غير أن أحدث في الاسلام مع حدوثه وقرب عهده بالجاهلية حدثا في طلب حقي بمنازعة، لعل فلانا يقول فيها نعم وفلانا يقول لا، فيؤول ذلك من القول إلى الفعل، و

جماعة من خواص أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) أعرفهم بالنصح لله ولرسوله ولكتابه ودينه الاسلام يأتوني عودا وبدء وعلانية وسرا فيدعوني إلى أخذ حقي، ويبذلون أنفسهم في نصرتي ليؤدوا إلي بذلك بيعتي في أعناقهم، فأقول: رويدا وصبرا قليلا لعل الله يأتيني بذلك عفوا بلا منازعة ولا إراقة الدماء، فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) وطمع في الامر بعده من ليس له بأهل، فقال كل قوم: منا أمير! وما طمع القائلون في ذلك إلا لتناول غيري الامر، فلما دنت وفاة القائم وانقضت أيامه صير الامر بعده لصاحبه فكانت هذه أخت أختها، ومحلها مني مثل محلها، وأخذا مني ما جعله الله لي، فاجتمع إلي من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) من مضى رحمه الله ومن بقي ممن أخره الله من اجتمع فقالوا لي فيها مثل الذي قالوا في أختها، فلم يعد قولي الثاني قولي الأول صبرا واحتسابا و يقينا وإشفاقا من أن تفنى عصبة تألفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) باللين مرة وبالشدة أخرى و بالبذل مرة وبالسيف أخرى، حتى لقد كان من تألفه لهم أن كان الناس في الكر و الفرار والشبع والري واللباس والوطاء والدثار، ونحن أهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله) لا سقوف لبيوتنا ولا أبواب ولا ستور إلا الجرائد وما أشبهها، ولا وطاء لنا ولا دثار علينا [و] يتداول الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا، وتطوي الليالي والأيام جوعا عامتنا، وربما أتانا الشئ مما أفاء الله علينا وصيره لنا خاصة دون غيرنا ونحن على ما وصفت من حالنا فيؤثر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرباب النعم والأموال تألفا منه لهم، فكنت أحق من لم يفرق هذه العصبة التي ألفها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يحملها على الخطة التي لا خلاص لها منها

دون بلوغها أو فناء آجالها، لأني لو نصبت نفسي فدعوتهم إلى نصرتي كانوا مني وفي أمري على أحد منزلتين: إما متبع مقاتل وإما مقتول إن [لم] يتبع الجميع، وإما خاذل يكفر بخذلانه إن قصر في نصرتي أو أمسك عن طاعتي، وقد علم أنني منه بمنزلة هارون من موسى محل؟ به في مخالفتي والامساك عن نصرتي ما أحل قوم موسى بأنفسهم في مخالفة هارون وترك طاعته، ورأيت تجرع الغصص ورد أنفاس الصعداء ولزوم الصبر حتى يفتح الله أو يقضي بما أحب أزيد لي في حظي وأرفق بالعصابة التي وصفت أمرهم (وكان أمر الله قدرا مقدورا) ولو لم أتق هذه الحالة يا أخا اليهود ثم طلبت حقي لكنت أولى ممن طلبه لعلم من مضى من أصحاب رسول الله ومن بحضرتك منهم بأني كنت أكثر عددا وأعز عشيرة وأمنع رجالا وأطوع أمرا وأوضح حجة وأكثر في هذا الدين مناقب وآثارا لسوابقي وقرابتي ووراثتي فضلا عن استحقاقي ذلك بالوصية التي لا مخرج للعباد منها، والبيعة المتقدمة في أعناقهم ممن تناولها، ولقد قبض محمد (عليه السلام) وإن ولاية الأمة في يده وفي بيته لا في يد الأولى تناولوها ولا في بيوتهم، ولأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أولى بالامر من بعده من غيرهم في جميع الخصال، ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال (عليه السلام): وأما الرابعة يا أخا اليهود فإن القائم بعد صاحبه كان يشاورني في موارد الأمور فيصدرها عن أمري، ويناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأيي، لا أعلم أحدا ولا يعلمه أصحابي يناظره في ذلك غيري ولا يطمع في الامر بعده سواي، فلما أن أتته منيته على فجأة بلا مرض كان قبله ولا أمر كان أمضاه في صحة من بدنه لم أشك أني قد استرجعت حقي في عافية بالمنزلة التي كنت أطلبها، والعاقبة التي كنت التمسها وأن الله سيأتي بذلك على أحسن ما رجوت وأفضل ما أملت، فكان من فعله أن ختم أمره

بأن سمى قوما أنا سادسهم ولم يستوفي بواحد منهم، ولا ذكر لي حالا في وراثة الرسول ولا قرابة ولا صهر ولا نسب، ولا لواحد منهم مثل سابقة من سوابقي ولا أثر من آثاري، وصيرها شورى بيننا وصير ابنه فيها حاكما علينا! وأمره أن يضرب أعناق النفر الستة الذين صير الامر فيهم إن لم ينفذوا أمره! وكفى بالصبر على هذا يا أخا اليهود صبرا، فمكث القوم أيامهم كلها كل يخطب لنفسه وأنا ممسك عن أن سألوني عن أمري، فناظرتهم في أيامي وأيامهم وآثاري وآثارهم، وأوضحت لهم ما لم يجهلوه من وجوه استحقاقي لها دونهم، وذكرتهم عهد رسول الله إليهم وتأكيد ما أكده من البيعة لي في أعناقهم، دعاهم حب الامارة وبسط الأيدي والألسن في الأمر والنهي والركون إلى الدنيا والاقتداء بالماضين قبلهم إلى تناول ما لم يجعل الله لهم، فإذا خلوت بالواحد ذكرته أيام الله وحذرته ما هو قادم عليه وصائر إليه التمس مني شرطا أن أصيرها له بعدي! فلما لم يجدوا عندي إلا المحجة البيضاء والحمل على كتاب الله عز وجل ووصية الرسول وإعطاء كل امرئ منهم ما جعله الله له ومنعه ما لم يجعل الله له، أزالها عني إلى ابن عفان! رجل لم يستو به وبواحد ممن حضره حال قط فضلا عمن دونهم، لا يبدر التي هي سنام فخرهم ولا غيرها من المآثر التي أكرم الله بها رسوله ومن اختصه معه من أهل بيته، ثم لم أعلم القوم أمسوا من يومهم ذلك حتى ظهرت ندامتهم ونكصوا على أعقابهم وأحال بعضهم على بعض، كل يلوم نفسه ويلوم أصحابه، ثم لم تطل الأيام بالمستبد بالامر ابن عفان حتى أكفروه وتبرؤوا منه، ومشى إلى أصحابه خاصة وسائر أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) على هذه يستقيلهم من بيعته ويتوب إلى الله من فلتته، فكانت هذه يا أخا اليهود أكبر من أختها وأفظع وأحرى أن لا يصبر عليها، فنالني منها الذي لا يبلغ وصفه ولا يحد وقته، ولم يكن عندي فيها إلا الصبر على ما امض وأبلغ منها، ولقد

أتاني الباقون من الستة من يومهم كل راجع عما كان ركب مني! يسألني خلع ابن عفان والوثوب عليه وأخذ حقي، ويؤتيني صفقته وبيعته على الموت تحت رايتي أو يرد الله عز وجل علي حقي، فوالله يا أخا اليهود ما منعني إلا الذي منعي من أختيها قبلها ورأيت الابقاء على من بقي من الطائفة أبهج لي وآنس لقلبي من فنائها، وعلمت أني إن حملتها على دعوة الموت ركبته، فأما نفسي فقد علم من حضر ممن ترى ومن غاب من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) أن الموت عندي بمنزلة الشربة الباردة في اليوم الشديد الحر من ذي العطش الصدى، ولقد كنت عاهدت الله عز وجل ورسوله أنا وعمي حمزة وأخي جعفر وابن عمي عبيدة على أمر وفينا به لله عز وجل ولرسوله، فتقدمني أصحابي وتخلفت بعدهم لما أراد الله عز وجل، فأنزل الله فينا (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) حمزة وجعفر وعبيدة، وأنا والله المنتظر يا أخا اليهود وما بدلت تبديلا. وما سكتني عن ابن عفان وحثني على الامساك إلا أني عرفت من أخلاقه فيما اختبرت منه بما لن يدعه حتى يستدعي الأباعد إلى قتله وخلعه فضلا عن الأقارب، وأنا في عزلة، فصبرت حتى كان ذلك، لم أنطق فيه بحرف من (لا) ولا (نعم) ثم أتاني القوم وأنا - علم الله - كاره لمعرفتي بما تطاعموا به من اعتقاله الأموال والمرح في الأرض، وعلمهم بأن تلك ليست لهم عندي، وشديد عادة منتزعة فلما لم يجدوا عندي تعللوا الأعاليل، ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟

فقالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال (عليه السلام): وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن المتابعين لي لما لم يطمعوا في تلك مني وثبوا بالمرأة علي وأنا ولي أمرها والوصي عليها، فحملوها على الجمل وشدوها على الرحال، وأقبلوا بها تخبط الفيافي وتقطع البراري، وتنبح عليها كلاب الحوأب

وتظهر لهم علامات الندم في كل ساعة وعند كل حال، في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الأولى في حياة النبي (صلى الله عليه وآله)، حتى أتت أهل بلدة قصيرة أيديهم، طويلة لحاهم، قليلة عقولهم، عازبة آراؤهم، جيران بدو ووراد بحر، فأخرجتهم يخبطون بسيوفهم من غير علم، ويرمون بسهامهم بغير فهم، فوقفت من أمرهم على اثنتين كلتاهما في محلة المكروه ممن إن كففت لم يرجع ولم يعقل وإن أقمت كنت قد صرت إلى التي كرهت، فقدمت الحجة بالاعذار والانذار، ودعوت المرأة إلى الرجوع إلى بيتها، والقوم الذين حملوها على الوفاء ببيعتهم لي والترك لنقضهم عهد الله عز وجل في، وأعطيتهم من نفسي كل الذي قدرت عليه، وناظرت بعضهم فرجع، وذكرت فذكر، ثم أقبلت على الناس بمثل ذلك فلم يزدادوا إلا جهلا وتماديا وغيا، فلما أبوا إلا هي ركبتها منهم فكانت عليهم الدبرة وبهم الهزيمة ولهم الحسرة وفيهم الفناء والقتل، وحملت نفسي على التي لم أجد منها بدا، ولم يسعني إذ فعلت ذلك، وأظهرته آخرا مثل الذي وسعني منه أولا من الاغضاء والامساك، ورأيتني إن أمسكت كنت معينا لهم علي بإمساكي على ما صاروا إليه وطمعوا فيه من تناول الأطراف وسفك الدماء وقتل الرعية وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كل حال كعادة بني الأصفر ومن مضى من ملوك سبأ والأمم الخالية، فأصير إلى ما كرهت أولا آخرا، وأهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس، ولم أهجم على الامر إلا بعد ما قدمت وأخرت، وتأنيت وراجعت، وأرسلت وسافرت، وأعذرت وأنذرت، وأعطيت القوم كل شئ التمسوه بعد أن أعرضت عليهم كل شئ لم يلتمسوه، فلما أبوا إلا تلك أقدمت عليها، فبلغ الله بي وبهم ما أراد، وكان لي عليهم بما كان مني إليهم شهيدا ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال (عليه السلام): وأما السادسة يا أخا اليهود فتحكيمهم ومحاربة ابن آكلة الأكباد وهو طليق ابن طليق، معاند لله عز وجل ولرسوله والمؤمنين منذ بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) إلى أن فتح [الله] عليه مكة عنوة، فأخذت بيعته وبيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم وفي ثلاثة مواطن بعده، وأبوه بالأمس أول من سلم علي بإمرة المؤمنين، وجعل يحثني على النهوض

في أخذ حقي من الماضين قبلي، ويجدد لي بيعته كلما أتاني، وأعجب العجب أنه لما رأى ربي تبارك وتعالى قد رد إلي حقي وأقره في معدنه وانقطع طمعه أن يصير في دين الله رابعا وفي أمانة حملناها حاكما كر على العاصي بن العاص فاستماله فمال إليه!

ثم أقبل به بعد إذ أطمعه مصر (2)! وحرام عليه أن يأخذ من الفئ دون قسمه درهما و حرام على الراعي إيصال درهم إليه فوق حقه، فأقبل يخبط البلاد بالظلم ويطأها بالغشم فمن بايعه أرضاه ومن خالفه ناواه، ثم توجه إلي ناكثا علينا مغيرا في البلاد شرقا وغربا ويمينا وشمالا، والانباء تأتيني والاخبار ترد علي بذلك، فأتاني أعور ثقيف فأشار علي أن اوليه البلاد التي هو بها لأداريه بما اوليه منها! وفي الذي أشار به الرأي في أمر الدنيا لو وجدت عند الله عز وجل في توليته لي مخرجا وأصبت لنفسي في ذلك عذرا، فأعلمت الرأي في ذلك وشاورت من أثق بنصيحته لله عز وجل ولرسوله ولي وللمؤمنين فكان رأيه في ابن آكلة الأكباد كرأيي، ينهاني عن توليته ويحذرني أن ادخل في أمر المسلمين يده، ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا، فوجهت إليه أخا بجيلة مرة وأخا الأشعريين مرة، كلاهما ركن إلى الدنيا وتابع هواه فيما أرضاه! فلما لم أره يزداد فيما انتهك من محارم الله إلا تماديا شاورت من معي من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) البدريين والذين ارتضى الله عز وجل أمرهم ورضي عنهم بعد بيعتهم وغيرهم من صلحاء المسلمين والتابعين فكل يوافق رأيه رأيي في غزوه ومحاربته ومنعه مما نالت يده، وإني نهضت إليه بأصحابي، انفذ إليه من كل موضع كتبي وأوجه إليه رسلي أدعوه إلى الرجوع عما هو فيه والدخول فيما فيه الناس معي، فكتب يتحكم علي ويتمنى علي الأماني، ويشترط علي شروطا لا يرضاها الله عز وجل ورسوله ولا المسلمون، ويشترط في بعضها أن أدفع إليه أقواما من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) أبرارا، فيهم عمار بن ياسر وأين مثل عمار؟ والله لقد رأيتنا مع النبي

وما تقدمنا خمسة إلا كان سادسهم ولا أربعة إلا كان خامسهم، اشترط دفعهم إليه ليقتلهم ويصلبهم! وانتحل دم عثمان، ولعمر والله ما ألب على عثمان ولا جمع الناس على قتله إلا هو وأشباهه من أهل بيته أغصان الشجرة الملعونة في القرآن، فلما لم أجب إلى ما اشترط من ذلك كر مستعليا في نفسه بطغيانه وبغيه بحمير لا عقول لهم ولا بصائر، فموه لهم أمرا فاتبعوه، وأعطاهم من الدنيا ما أمالهم به إليه، فناجزناهم وحاكمناهم إلى الله عز وجل بعد الاعذار والانذار، فلما لم يزده ذلك إلا تماديا وبغيا لقيناه بعادة الله التي عودنا من النصر على أعدائه وعدونا، وراية رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأيدينا، لم يزل الله تبارك وتعالى يفل حزب الشيطان بها حتى يقضي الموت عليه، وهو معلم رايات أبيه التي لم أزل أقاتلها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل المواطن ، فلم يجد من الموت منجى إلا الهرب، فركب فرسه وقلب رايته! لا يدري كيف يحتال، فاستعان برأي ابن العاص، فأشار إليه بإظهار المصاحف ورفعها على الاعلام والدعاء إلى ما فيها، وقال: إن ابن أبي طالب وحزبه أهل بصائر ورحمة وبقيا وقد دعوك إلى كتاب الله أولا وهم مجيبوك إليه آخرا فأطاعه فيما أشار به عليه، إذ رأى أنه لا منجى له من القتل أو الهرب غيره، فرفع المصاحف يدعو إلى ما فيها بزعمه، فمالت إلى المصاحف قلوب من بقي من أصحابي بعد فناء خيارهم وجهدهم في جهاد أعداء الله وأعدائهم على بصائرهم، فظنوا أن ابن آكلة الأكباد له الوفاء بما دعا إليه، فأصغوا إلى دعوته وأقبلوا بأجمعهم في إجابته، فأعلمتهم أن ذلك منه مكر ومن ابن العاص معه، وإنهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء، فلم يقبلوا قولي ولم يطيعوا أمري، وأبوا إلا إجابته كرهت أم هويت شئت أو أبيت! حتى أخذ بعضهم يقول لبعض: إن لم يفعل فألحقوه بابن عفان! وادفعوه إلى ابن هند برمته (5)! فجهدت - علم الله جهدي -

ولم أدع علة في نفسي إلا بلغتها في أن يخلوني ورأيي فلم يفعلوا، وراودتهم على الصبر على مقدار فواق الناقة أو ركضة الفرس فلم يجيبوا ما خلا هذا الشيخ - وأومأ بيده إلى الأشتر - وعصبة من أهل بيتي، فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان - وأومأ بيده إلى الحسن والحسين (عليهما السلام) - فينقطع نسل رسول الله وذريته من أمته ومخافة أن يقتل هذا وهذا - وأومأ بيده إلى عبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفية رضي الله عنهما - فإني أعلم لولا مكاني لم يقفا ذلك الموقف، فلذلك صبرت على ما أراد القوم مع ما سبق فيه من علم الله عز وجل، فلما رفعنا عن القوم سيوفنا تحكموا في الأمور وتخيروا الاحكام والآراء وتركوا المصاحف وما دعوا إليه من حكم القرآن! وما كنت احكم في دين الله أحدا إذ كان التحكيم في ذلك الخطاء الذي لا شك فيه ولا امتراء، فلما أبوا إلا ذلك أردت أن احكم رجلا من أهل بيتي أو رجلا ممن أرضي رأيه وعقله وأثق بنصيحته ومودته ودينه، وأقبلت لا اسمي أحدا إلا امتنع منه ابن هند، ولا أدعوه إلى شئ من الحق إلا أدبر عنه وأقبل ابن هند يسومنا عسفا وما ذلك إلا باتباع أصحابي له على ذلك، فلما أبوا إلا غلبتي على التحكم تبرأت إلى الله عز وجل منهم، وفوضت ذلك إليهم، فقلدوه امرء فخدعه ابن العاص خديعة ظهرت في شرق الأرض وغربها، وأظهر المخدوع عليها ندما، ثم أقبل (عليه السلام) على أصحابه فقال: أليس كذلك! قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال (عليه السلام): وأما السابعة يا أخا اليهود فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان عهد إلي أن أقاتل في آخر الزمان من أيامي قوما من أصحابي يصومون النهار ويقومون الليل ويتلون الكتاب، يمرقون بخلافهم علي ومحاربتهم إياي من الدين مروق السهم من الرمية فيهم ذو الثدية يختم لي بقتلهم بالسعادة، فلما انصرفت إلى موضعي هذا - يعني بعد الحكمين - أقبل بعض القوم على بعض باللائمة فيما صاروا إليه من تحكيم الحكمين، فلم يجدوا لأنفسهم من ذلك مخرجا إلا أن قالوا: كان ينبغي لأميرنا أن لا يتابع من أخطأ وأن يقضي بحقيقة رأيه على قتل نفسه وقتل من خالفه منا، فقد كفر بمتابعته إيانا وطاعته لنا في الخطاء: وأحل لنا بذلك قتله وسفك دمه! فتجمعوا على ذلك وخرجوا راكبين

رؤوسهم ينادون بأعلى أصواتهم: لا حكم إلا لله، ثم تفرقوا فرقة بالنخيلة وأخرى بحروراء وأخرى راكبة رأسها تخبط الأرض شرقا حتى عبرت دجلة، فلم تمر بمسلم إلا امتحنته فمن تابعها استحيته ومن خالفها قتلته، فخرجت إلى الأوليين واحدة بعد أخرى أدعوهم إلى طاعة الله عز وجل والرجوع إليه، فأبيا إلا السيف لا يقنعها غير ذلك، فلما أعيت الحيلة فيهما حاكمتهما إلى الله عز وجل فقتل الله هذه وهذه، وكانوا يا أخا اليهود لولا ما فعلوا لكانوا ركنا قويا وسدا منيعا، فأبى الله إلا ما صاروا إليه، ثم كتبت إلى الفرقة الثالثة ووجهت رسلي تترى وكانوا من جلة أصحابي وأهل التعبد منهم والزهد في الدنيا، فأبت إلا اتباع أختيها والاحتذاء على مثالهما، وشرعت في قتل من خالفها من المسلمين، وتتابعت إلي الاخبار بفعلهم، فخرجت حتى قطعت إليهم دجلة أوجه السفراء و النصحاء، وأطلب العتبى بجهدي بهذا مرة وبهذا مرة - وأومأ بيده إلى الأشتر والأحنف بن قيس وسعيد بن قيس الأرحبي والأشعث بن قيس الكندي - فلما أبوا إلا تلك ركبتها منهم، فقتلهم الله يا أخا اليهود عن آخرهم وهم أربعة آلاف أو يزيدون حتى لم يفلت منهم مخبر، فاستخرجت ذا الثدية من قتلاهم بحضرة من ترى، له ثدي كثدي المرأة، ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه فقال، أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. فقال (عليه السلام) قد وفيت سبعا وسبعا يا أخا اليهود وبقيت الأخرى وأوشك بها فكان قد.

فبكى أصحاب علي (عليه السلام) وبكى رأس اليهود، وقالوا: يا أمير المؤمنين أخبرنا بالأخرى فقال: الأخرى أن تخضب هذه - وأومأ بيده إلى لحيته - من هذه - وأومأ بيده إلى هامته - قال: وارتفعت أصوات الناس في المسجد الجامع بالضجة والبكاء حتى لم يبق بالكوفة دار إلا خرج أهلها فزعا، وأسلم رأس اليهود على يدي علي (عليه السلام) من ساعته، ولم يزل مقيما حتى

قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) واخذ ابن ملجم لعنه الله، فأقبل رأس اليهود حتى وقف على الحسن (عليه السلام) والناس حوله وابن ملجم لعنه الله بين يديه، فقال له: يا أبا محمد اقتله قتله الله، فإني رأيت في الكتب التي أنزلت على موسى (عليه السلام) أن هذا أعظم عند الله عز وجل جرما من ابن آدم قاتل أخيه ومن القدار عاقر ناقة ثمود.

الاختصاص: جعفر بن أحمد الجعفري عن يعقوب الكوفي مثله.

بيان: ندبه الامر فانتدب له أي دعاه له فأجاب وقال الجزري: الجحاجحة جمع جحجاح السيد الكريم، والهاء فيه لتأكيد الجمع. وقال: فيه (جاءت هواذن على بكرة أبيها) هذه كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفر العدد وأنهم جاؤوا جميعا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة في الحقيقة، وهي التي يستقى عليها الماء، فاستعيرت في هذا الموضع، وقد تكررت في الحديث. وقال الفيروزآبادي: حاش الصيد: جاءه من حواليه ليصرفه إلى الحبالة كأحاشه وأحوشه، والإبل: جمعها وساقها، والتحويش:

التجميع، وحاوشته عليه: حرضته. وقال الجزري: يقال: رعد وبرق وأرعد وأبرق إذا توعد وتهدد. وقال: الهدير: ترديد صوت البعير في حنجرته. وقال الفيروزآبادي : اغتلم البعير: هاج من شهوة الضراب. وقال: خطر الرجل بسيفه ورمحه يخطر بالكسر: رفعه مرة ووضعه أخرى. وقال الجزري: يقال: نكيت في العدو أنكي نكاية فأنا ناك إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك، انتهى. والإرب بالكسر

العضو واستنام إليه: سكن. والحظوة بالضم والكسر: المكانة والمنزلة. والعنوة: القهر والفادح: الثقيل.

قوله (عليه السلام): (بادر دمعة) أي الدمعة التي تبدر بغير اختيار. والزفرة بالفتح وقد يضم: النفس الطويل. ولذع الحب قلبه: آلمه، والنار الشئ: لفحته. وأوعز إليه في كذا أي تقدم.

قوله (عليه السلام): (ويلزم غيره) أي كان يقول: لم يكن هذا مني بل كان من عمر. و العفو: السهل المتيسر، ولعل الكر والفر كناية عن الاخذ والجر، ويحتمل أن يكون تصحيف الكزم والقزم بالمعجمتين، والكزم بالتحريك: شدة الاكل، والقزم: اللوم و الشح. والصعداء بضم الصاد وفتح العين: تنفس ممدود ويقال: دلوت الدلو أي نزعتها وأدليتها أي أرسلتها في البئر، ودلوت الرجل وداليته: رفقت به وداريته.

قوله (عليه السلام): (لم أشك أني قد استرجعت) أقول: أمثال هذا الكلام إنما صدر عنه (عليه السلام) بناء على ظاهر الامر، مع قطع النظر عما كان يعلمه بإخبار الله ورسوله من استيلاء هؤلاء الأشقياء، وحاصل الكلام أن حق المقام كان يقتضي أن لا يشك في ذلك كما قيل في قوله تعالى: (لا ريب فيه) قوله (عليه السلام): (ومشى إلى أصحابه) ظاهره يدل أن عثمان في أول الأمر لما علم ندامة القوم استقالهم من بيعته، ولم ينقل ذلك، ويحتمل أن يكون المراد ما كان منه بعد حصره وإرادة قتله . وأمض: أوجع والصدى مخففة الياء: العطشان قوله (عليه السلام): (بما تطاعموا به) أي بما أوصل كل منهم إلى صاحبه في دولة الباطل طعمه ولذته من اعتقال الأموال أي اكتسابها وضبطها، من قولهم: عقل البعير واعتقله إذا شد يديه، وفي بعض النسخ بالدال، ويؤول إليه في المعنى، يقال: اعتقد ضيعة ومالا أي اقتناها.

قوله (عليه السلام): (وشديد عادة منتزعة) كذا فيما عندنا من النسخ، ولعل قوله:

(عادة) مبتدء وشديد خبره، أي انتزاع العادة وسلبها شديد. وخبط البعير الأرض بيده خبطا: ضربها، ومنه قيل: خبط عشواء وهي الناقة التي في بصرها ضعف إذا مشت لا تتوقى

شيئا، وخبطه: ضربه شديدا، والقوم بسيفه: جلدهم، والشجرة: شدها ثم نفض ورقها.

والدبرة بالتحريك: الهزيمة. وقال الجزري: فيه (اغزوا تغنموا بنات الأصفر) يعني الروم، لان أباهم الأول كان أصفر اللون وهو روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم 1.

قوله (عليه السلام): (وجعل يحثني) أي أبو سفيان في أول خلافة أبي بكر. وأعور ثقيف هو المغيرة بن شعبة الثقفي، وشرح تلك الفقرات مع ما مضى وغيرها مثبت في كتاب أحوال النبي (صلى الله عليه وآله) وكتاب الفتن. والمناجزة: المبارزة والمقاتلة. وفللت الجيش: هزمته. والفواق الوقت ما بين الحلبتين لأنها تحلب ثم تترك سويعة 2 يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب.

والعتبى: الرجوع عن الإساءة إلى المسرة. قوله (عليه السلام): (فكان قد) أي فكان قد وقعت.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.