بحارالانوار · المجلد التاسع
باب 7 آية المباهلة قال الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب
ج ۳۵، ص ۲۵۷–۲۷۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
فقال له المأمون: أليس قد ذكر الله الأبناء بلفظ الجمع وإنما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله ابنيه خاصة؟ وذكر النساء بلفظ الجمع وإنما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله ابنته وحدها؟ فألا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره، فلا يكون لأمير المؤمنين عليه السلام ما ذكرت من الفضل، قال: فقال له الرضا عليه السلام: ليس يصح ما ذكرت - يا أمير المؤمنين - وذلك أن الداعي إنما يكون داعيا لغيره كما أن الآمر آمر لغيره ولا يصح أن يكون داعيا لنفسه في الحقيقة كما لا يكون آمرا لها في الحقيقة، وإذا لم يدع رسول الله صلى الله عليه وآله في المباهلة رجلا إلا أمير المؤمنين عليه السلام فقد ثبت أنه نفسه التي عناها الله سبحانه في كتابه، وجعل حكمه ذلك في تنزيله، قال: فقال المأمون: إذا ورد الجواب سقط السؤال.
وقال الزمخشري في كتاب الكشاف: روي أنه لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر فنأتيك غدا، فلما تخالوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم -: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل و انصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وقد غدا محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها، وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا، فقال أسقف
نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لازاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا فلم يبق على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.
فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك ونثبت على ديننا، قال صلى الله عليه وآله: فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، فأبوا، قال: فإني أناجزكم، فقالوا: مالنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة: ألفا في صفر وألفا في رجب، وثلاثين درعا عادية من حديد، فصالحهم النبي صلى الله عليه وآله على ذلك وقال: والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهما الوادي نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولم حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا.
وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاء فاطمة ثم علي، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).
فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: كان ذلك آكد للدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته، وأفلاذ كبده،
وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته أيضا بكذب خصمه حتى يهلك مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة، وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعاين في الحروب لتمنعهم من الهرب ويسمون الذادة عنها حماة الحقائق، وقد مهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها، وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام، وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك، انتهى كلام الزمخشري.
وقال السيد بن طاوس في الطرائف: ذكر النقاش في تفسيره شفاء الصدور ما هذا لفظه: قوله عز وجل: (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) قال أبو بكر: جاءت الاخبار بأن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ بيد الحسن وحمل الحسين عليهما السلام على صدره - ويقال: بيده الأخرى وعلي عليه السلام معه وفاطمة عليها السلام من ورائهم، فحصلت هذه الفضيلة للحسن والحسين عليهما السلام من بين جميع أبناء أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وأبناء أمته، وحصلت هذه الفضيلة لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله من بين بنات النبي وبنات أهل بيته وبنات أمته، وحصلت هذه الفضيلة لأمير المؤمنين علي عليه السلام من بين أقارب رسول الله ومن أهل بيته وأمته بأن جعله رسول الله صلى الله عليه وآله كنفسه، يقول: (وأنفسنا وأنفسكم).
جرير عن الأعمش قال: كانت المباهلة ليلة إحدى وعشرين من ذي الحجة، وكان
تزويج فاطمة لعلي بن أبي طالب عليهما السلام يوم خمسة وعشرين من ذي الحجة، وكان يوم غدير خم يوم ثمانية عشر من ذي الحجة، هذا آخر كلام النقاش. وقد ذكر الخطيب في تاريخ بغداد فضل أبي بكر محمد بن الحسن بن زياد النقاش وكثرة رجاله وأن الدارقطني وغيره رووا عنه، وذكر أنه قال عند موته: (لمثل هذا فليعمل العاملون) ثم مات في الحال.
ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من طرق: فمنها في الجزء الرابع في باب فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في ثالث كراس من أوله من الكتاب الذي نقل الحديث منه في تفسير قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) فرفع مسلم الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو طويل يتضمن عدة فضائل لعلي بن أبي طالب عليه السلام خاصة، يقول في آخره: ولما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي.
ورواه أيضا مسلم في أواخر الجزء المذكور على حد كراسين من النسخة المنقول منها، ورواه أيضا الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند سعد بن أبي وقاص في الحديث السادس من أفراد مسلم، ورواه الثعلبي في تفسير هذه الآية عن مقاتل والكلبي أقول: ثم ساق الحديث مثل ما مر في الرواية الأولى للزمخشري، ثم قال السيد رحمه الله: ورواه أيضا أبو بكر بن مردويه بأجمل من هذه الألفاظ وهذه المعاني عن ابن عباس والحسن والشعبي والسدي، وفي رواية الثعلبي زيادة في آخر حديثه وهي: قال والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران، ولولا عنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصاري كلهم حتى هلكوا، فأنزل الله تعالى: (إن هذا لهو القصص الحق
وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم * فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين) ورواه الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال: قدم وفد النجران على النبي صلى الله عليه وآله العاقب والطيب، فدعاهما إلى الاسلام فقالا: أسلمنا يا محمد قبلك، قال: كذبتما إن شئتما أخبرتكما ما يمنعكما من الاسلام؟ قالا: هات، قال حب الصليب وشرب الخمر وأكل الخنزير، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه أن يغادياه بالغدوة، فغدا رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ثم أرسل إليهما: فأبيا أن يجيبا فأقرا بالخراج، فقال النبي صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق نبيا لو فعلا لأمطر الله عليهما الوادي نارا، قال جابر: فيهم نزلت هذه الآية: (ندع أبناءنا وأبناءكم) الآية قال الشعبي: أبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة وأنفسنا علي ابن أبي طالب عليهم السلام.
أقول: وقال السيوطي في الدر المنثور: أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه و أبو نعيم في الدلائل عن جابر قال: قدم على النبي صلى الله عليه وآله العاقب والسيد، فدعاهما إلى الاسلام، وذكر نحو ما مر، وقال في آخره: قال جابر: أنفسنا وأنفسكم رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي، وأبناءنا الحسن والحسين ونساءنا فاطمة عليهم السلام.
قال: وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه (طس) سليمان: بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران، إن أسلمتم فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة
الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية وإن أبيتم فقد أوذنتم بحرب، والسلام) فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعرا شديدا فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل بن وادعة، فدفع إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقرأه، فقال له الأسقف: ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن من أن يكون ذلك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، لو كان أمر من أمر الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك، فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران فكلهم قال مثل قول شرحبيل، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وادعة وعبد الله بن شرحبيل وجبار بن فيض فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وآله فانطلق والوفد حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فسألهم وسألوه، فلم تنزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى بن مريم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما عندي فيه شئ يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغداة، فأنزل الله (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) إلى قوله: (فنجعل لعنة الله على الكاذبين) فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: إني رأى أمرا مقبلا، إن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فنلاعنه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك، فقالا له: ما رأيك؟ فقال: رأيي أن احكمه
فإني أرى رجلا مقبلا لا يحكم شططا أبدا، فقال له: أنت وذاك، فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك، قال: وما هو؟ قال: أحكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن وفد نجران من النصاري قدموا على رسول الله وهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، منهم السيد وهو الكبير، والعاقب وهو الذي يكون بعده صاحب رأيهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أسلما قالا: أسلمنا، قال: ما أسلمتما، قالا: بلى قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما يمنعكما من الاسلام ثلاث فيكما: عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أن لله ولدا، فنزل (إن مثل عيسى) الآية، فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول، فنزل (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم) يقول: من جادلك في أمر عيسى من بعد ما جاءك من القرآن (فقل تعالوا) إلى قوله: (ثم نبتهل) يقول: نجتهد في الدعاء أن الذي جاء به محمد هو الحق وأن الذي يقولون هو الباطل، فقال لهم: إن الله قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم، فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك فخلا بعضهم ببعض ليصادقوا، فيما بينهم: قال السيد للعاقب: قد والله علمتم أن الرجل نبي، فلو لاعنتموه لاستؤصلتم، وما لاعن قوم قط نبيا فعاش كبيرهم ونبت صغيرهم، فإن أنتم لم تتبعوه وأبيتم إلا إلف دينكم فوادعوه وارجعوا إلى بلادكم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله خرج و معه علي والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أنا دعوت فأمنوا أنتم، فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية.
وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم عن الشعبي وساق الحديث إلى قوله: فواعدوه لغد، فغدا النبي صلى الله عليه وآله ومعه الحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية، فقال النبي صلى الله عليه وآله: لقد أتاني البشر بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تموا على الملاعنة.
وأخرج مسلم والترمذي وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية: (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: اللهم هؤلاء أهلي.
وأخرج ابن جرير عن علباء بن أحمر اليشكري قال: لما نزلت هذه الآية (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) الآية أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي وفاطمة وابنيها: الحسن والحسين عليهم السلام ودعا اليهود ليلاعنهم، فقال شاب من اليهود: ويحكم أليس عهدكم بالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟ لا تلاعنوا فانتهوا.
[بيان: قطع به على بناء الفاعل أي جزم بحقيته، ويقال: قطع كفرح وكرم إذا لم يقدر على الكلام، أو على بناء المفعول أي عجز أو حيل بينه وبين ما يؤمله. والخميلة القطيفة، وكل ثوب له خمل (4)] أقول: روى ابن بطريق في العمدة نزول آية المباهلة فيهم بأسانيد من صحيح مسلم وتفسير الثعلبي ومناقب ابن المغازلي، وروى ابن الأثير في جامع الأصول من صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية (ندع أبناءنا وأبناءكم) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وفاطمة والحسن والحسين فقال: اللهم هؤلاء أهلي.
وقال الطبرسي رحمه الله: أجمع المفسرون على أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين عليهما السلام قال أبو بكر الرازي: هذا يدل على أن الحسن والحسين ابنا رسول الله و أن ولد الابنة ابن علي الحقيقة، وقال ابن أبي علان - وهو أحد أئمة المعتزلة -:
هذا يدل على أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا مكلفين في تلك الحال، لان المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين، وقال أصحابنا: إن صغر السن ونقصانها عن حد بلوغ الحلم لا ينافي كمال العقل، وإنما جعل بلوغ الحلم حدا لتعلق الأحكام الشرعية، وكان سنهما في تلك الحال سنا لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل، على أن عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمة ويخصهم بما لا يشركهم فيه غيرهم، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمن سواهم، ودلالة على مكانهم من الله تعالى واختصاصهم به، ومما يؤيده من الاخبار قول النبي صلى الله عليه وآله: ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا.
(ونساءنا) اتفقوا على أن المراد به فاطمة عليها السلام لأنه لم يحضر المباهلة غيرها من النساء، وهذا يدل على تفضيل الزهراء على جميع النساء (وأنفسنا) يعني عليا خاصة ولا يجوز أن يكون المعني به النبي صلى الله عليه وآله لأنه هو الداعي، ولا يجوز أن يدعو الانسان نفسه، وإنما يصح أن يدعو غيره، وإذا كان قوله: (وأنفسنا) لابد أن يكون إشارة إلى غير الرسول وجب أن يكون إشارة إلى علي عليه السلام لأنه لا أحد يدعي دخول غير أمير المؤمنين عليه السلام وزوجته وولديه عليهم السلام في المباهلة، وهذا يدل على غاية الفضل وعلو الدرجة والبلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحد، إذ جعله الله سبحانه نفس الرسول، وهذا ما لا يدانيه أحد ولا يقاربه انتهى.
أقول: ويدل على كون المراد بأنفسنا أمير المؤمنين عليه السلام ما رواه ابن حجر في
صواعقه رواية عن الدارقطني أن عليا عليه السلام يوم الشورى احتج على أهلها فقال لهم:
أنشدكم الله هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في الرحم مني؟ ومن جعله نفسه و وأبناءه أبناءه ونساءه نساءه غيري؟ قالوا: اللهم لا، انتهى.
ولا يخفى أن تخصيص هؤلاء من بين جميع أقاربه صلى الله عليه وآله للمباهلة دون عباس وعقيل و جعفر وغيرهم لا يكون إلا لاحد شيئين: إما لكونهم أقرب الخلق إلى الله بعده حيث استعان بهم في الدعاء على العدو دون غيرهم، وإما لكونهم أعز الخلق عليه حيث عرضهم للمباهلة إظهارا لوثوقه على حقيته، حيث لم يبال بأن يدعو الخصم عليهم مع شدة حبه لهم، وظاهر أن حبه صلى الله عليه وآله لم يكن من جهة البشرية والأمور الدنيوية، بل لم يكن يحب إلا من يحبه الله، ولم يكن حبه إلا خالصا لله، كيف لا وقد ذم الله تعالى ورسوله ذلك في كثير من الآيات والاخبار، وكل من يدعي درجة نازلة من الولاية والمحبة يتبرأ من حب الأولاد والنساء والأقارب لمحض القربة أو للأغراض الفاسدة، وقد نرى كثيرا من الناس يذمهم العقلاء بأنهم يحبون بعض أولادهم مع أن غيرهم أعلم وأصلح وأتقى وأورع منهم، وأيضا معلوم من سيرته صلى الله عليه وآله أنه كان يعادي كثيرا من عشائره لكونهم أعداء الله، ويقاتلهم، وكان يحب ويقرب الأباعد ومن ليس له نسب ولا حسب لكونهم أولياء الله، كما قال:
سيد الساجدين: ووالى فيك الأبعدين وعادى فيك الأقربين، وأيضا استدل المخالفون بخبرهم الموضوع المفترى: لو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا! على فضله و كيف يثبت له فضل لو كانت خلته منوطة بالاغراض الدنيوية (3)؟ فإذا ثبت ذلك فيرجع
هذا أيضا إلى كونهم أقرب الخلق وأحبهم إلى الله، فيكونون أفضل من غيرهم، فيقبح عقلا تقديم غيرهم عليهم، وأيضا لما ثبت أنه المقصود بنفس الرسول الله صلى الله عليه وآله في هذه الآية وليس المراد النفسية الحقيقية لامتناع اتحاد الاثنين، وأقرب المجازات إلى الحقيقة اشتراكهما في الصفات والكمالات، وخرجت النبوة بالدليل فبقي غيرها، ومن جملتها وجوب الطاعة والرئاسة العامة، والفضل على من سواه، وسائر الفضائل، ولو تنزلنا عن ذلك فالمجاز الشائع الذائع في استعمال هذا اللفظ كون الرجل عزيزا على غيره، وأحب الخلق إليه كنفسه، فيدل أيضا على أفضليته وإمامته بما مر من التقرير.
* [أقول: وذكر إمامهم الرازي في التفسير والأربعين الاستدلال بهذه على كون أمير المؤمنين عليه السلام أفضل من الأنبياء وسائر الصحابة عن بعض الامامية بما مر، لكن على وجه مبسوط، ثم قال في الجواب: كما أن الاجماع انعقد على أن النبي أفضل من الأنبياء فكذلك انعقد الاجماع على أن الأنبياء أفضل من غيرهم، وأعرض عن ذكر الصحابة لأنه لم يكن عنده فيهم جواب! وما ذكره في الجواب عن الأنبياء فهو في غاية الوهن، لان الاجماع الذي ادعاه إن أراد به إجماعهم فحجيته عند الإمامية ممنوعة، وإن أراد إجماع الأمة فتحققه عندهم ممنوع، لان أكثر الامامية قائلون بكون أئمتنا عليهم السلام أفضل
من سائر الأنبياء، وأخبارهم الدالة على ذلك مستفيضة عندهم، لم يتصرف في سائر المقدمات ولم يتعرض لمنعها ودفعها - مع أنه إمام المشككين عندهم - لغاية متانتها ووضوحها، ولنتعرض لدفع بعض الشبه الواهية والمنوع الباردة التي يمكن أن يخطر ببال بعض المتعسفين.
فنقول: إن قال قائل: يمكن أن تكون الدعوة متعلقة بالنفس مجازا وما ارتكبتموه من التجوز ليس بأولى من هذا المجاز، فنقول: يمكن الجواب عنه بوجهين.
الأول أن التجوز في النفس أشهر وأشيع عند العرب والعجم، فيقول أحدهم لغيره: يا روحي ويا نفسي! وفي خصوص هذه المادة وردت روايات كثيرة بهذا المعنى من الجانبين، كما سنذكره في باب اختصاصه عليه السلام به، وقد ورد في صحاحهم أنه صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: أنت مني وأنا منك، وقال: علي مني بمنزلة رأسي من جسدي، وفي رواية أخرى: بمنزلة روحي من جسدي، وقوله صلى الله عليه وآله: لأبعثن إليكم رجلا كنفسي، وأمثال ذلك كثيرة، فكل ذلك قرينة مرجحة لهذا المجاز.
والثاني أن نقول: الآية على جميع محتملاتها تدل على فضله عليه السلام وكونه أولى بالإمامة، لان قوله تعالى: (ندع) بصيغة التكلم إما باعتبار دخول المخاطبين أو للتعظيم أو لدخول الأمة أو الصحابة، وعلى الأخيرين يكون المعنى: ندع أبناءنا وتدعوا أبناءكم، ولا يخفى أن الأول أظهر، وهو أيضا في بادئ النظر يحتمل الوجهين: الأول أن يكون المعنى: يدعو كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه، الثاني أن يكون المعنى: يدعو كل منا ومنكم أبناء الجانبين وهكذا، والأول أظهر كما صرح به أكثر المفسرين، وهذه الاحتمالات لا مدخل لها فيما نحن بصدده، وسيظهر حالها فيما سنورده في الوجوه الآتية وأما جمعية الأبناء والنساء والأنفس فيحتمل أن تكون للتعظيم، أو لدخول الأمة أو
الصحابة فيها، أو لدخول المخاطبين فيها، فيكون التقدير: أبناءنا وإياكم، ويكون إعادة الأبناء لمرجوحية العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، أو تكون الجمعية باعتبار أنه بظاهر الحال كان يحتمل أن يكون من يصلح للمباهلة جماعة من كل صنف، فلما لم يجد من يصلح لذلك من جانبه سوى هؤلاء اقتصر عليهم، وتعيين الجماعة قبل تحقيق المباهلة لم يكن ضرورا ، وكذا جمعية الضمير في أبناءنا ونساءنا وأنفسنا تحتمل ما سوى الوجه الثالث، والوجه الثالث في الأول أيضا بعيد جدا، لأنه معلوم أن دعوة كل منهما تختص بفريقه.
فنرجع ونقول: لو كانت الجمعية للتعظيم وكان المراد نفس من تصدى للمباهلة وكان المتصدي لها من هذا الجانب الرسول فلا وجه لادخال أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك مع أنه كان داخلا باتفاق الفريقين ورواياتهم، وكان للنصارى أن يقولوا: لم أتيت به وهو لم يكن داخلا فيمن شرطنا؟ إلا أن يقولوا: كان لشدة الاختصاص والتناسب وقرب المنزلة بمنزلة نفسه فلذا أتى به، وهو مع بعده لو ارتكبته كان مستلزما لمقصودنا على أتم وجه بل هو أدعى لمطلوبنا من الوجه الذي دفعتم، فقد وقعتم فيما منه فررتم!
وأما الوجه الثاني فنقول: لو كانت الأمة والصحابة داخلين في المباهلة فلم لم يأت بجميع من حضر منهم؟ إلا أن يقال: إحضار الجميع لما كان موجبا للغوغاء العام و موهما لعدم اعتماده على حقيته، بل كان اعتماده على كثرة الناس ليرهب به العدو أو ليتكل على دعائهم، فلذلك أتى بنفسه لأنه كان نبيهم وأولى بهم وضامنا لصحة معتقدهم، وبعلي عليه السلام لأنه كان إمامهم وقائدهم وأولى بهم والشاهد على صحة نبوة نبيهم، و التالي له في الفضل ولا تحاد أبنائهما، وانتساب فاطمة عليها السلام إليهما، فأتى كل منهما مع
أبنائه ونسائه نيابة عن جميع الأمة، وإلا فلا وجه لتخصيصه عليه السلام من بين سائر الصحابة، فهذا أصرح في مقصودنا وأقوى في إثبات مطلوبنا، وكذا الوجه الرابع يتضمن ثبوت المدعى، إذ لو لم يكن في جميع الأمة والصحابة من يصلح للمباهلة غيرهم فهم أقرب الخلق إلى الله والرسول وأولى بالإمامة وسائر والمنازل الشريفة من سائر الصحابة.
فإن قيل: الحمل على أقرب المجازات إنما يكون متعينا لو لم يكن معنى آخر شائعا، ومعلوم أن إطلاق النفس على الغير في مقام إظهار غاية المحبة والاختصاص شائع، قلنا: ما مر من الاخبار بعد التأمل فيها كانت أقوى القرائن على هذا المعنى ؟ ولو سلم فدلالته على الأولوية في الإمامة والخلافة ثابتة بهذا الوجه أيضا كما عرفت، وهو مقصودنا الأهم في هذا المقام.
وأما الفضل على الأنبياء فهو ثابت بأخبارنا المستفيضة، ولا حاجة لنا إلى الاستدلال بالآية، وإن كانت عند المنصف ظاهرة الدلالة (2)] وفي المقام تحقيقات طريفة وكلمات شريفة أسلفناها مع جل الاخبار المتعلقة بهذا المطلوب في كتاب النبوة، وإنما أوردنا ههنا قليلا من كثير لئلا يخلو هذا المجلد عن جملة منها والله المستعان.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.